داء القول على الله بغير علم
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- خطورة داء القول على الله بلا علم وجرم الافتراء
- ترتيب المحرمات في الأعراف والتحذير من دعاة الضلالة
- خطر نطق الرويبضة وحقيقة الحرب الفكرية على ثوابت التراث
- ضوابط الاجتهاد وإعمال النظر ومكانة الأئمة المأجورين في خطئهم
- عزة الإمام مالك مع الخلفاء ومواقف ورع أبي حنيفة
- منزلة الشافعي وتحكيم الحديث النبوي وشجاعة الأئمة في قول
- إنصاف مذهب أحمد بن حنبل والتصدي للطاعنين في كتب
التفريغ النصي الكامل للدرس
خطورة داء القول على الله بلا علم وجرم الافتراء
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3. وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾4. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5. أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة. أمَّا بعدُ:
فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بالحديث عن هذه السلسلة سلسلة الداء والدواء وموعدنا اليوم بإذن الملك جل وعلا حول موضوع من الخطورة بمكان. نسأل الله - تبارك وتعالى السلامة من الأدواء كلها وهو داء القول على الله بغير علم نعم ما أعظم هذا الداء وما أشده ما أعظم، أن يفتري العبد على الله الكذب أو أن يدعي العلم وليس بعالم أو أن يقول عن الله أو عن رسول الله ﷺ ما لم يقله الله، ولم يقله رسوله ﷺ
ترتيب المحرمات في الأعراف والتحذير من دعاة الضلالة
وقد ذكر الله جل وعلا المحرمات ونص عليها. فقال ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾6. فلما نصّ الله جل ذكره على المحرمات رتبها كما قال عدد من أهل العلم ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ ثم ذكر الشرك حذف العبارة المكررة بعد تمام الآية ثم ختم المحرمات. فقال ﴿وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ﴾ [كلمة غير واضحة7]
قال عدد من أهل العلم. إن القول على الله بغير علم أعظم من الشرك لأنه يشمله وغيره إذ هذا الذي يقول على الله بلا علم يدعي أن الله قد قال وأن الله قد حكم وأن الله قد قضى والأمر لي ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾8. مسؤولًا لا تتبع ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا﴾ تدعي علم ما لم تعلم، ولا تقل على الله، ولا ع. وقال الله سبحانه مبينًا لنا أن الشيطان الرجيم أعاذنا الله من كيده ووسواسه يدعو الناس إلى ذلك.
فقال ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾9. عباد الله. إن الناظر في واقع الأمة في هذه الأيام يرى ناسا كثيرين قد تجرأوا على حمى الدين فتكلموا بغير حجة ولا بينة وكأن دين الله والكلام فيه صار كلأ مباحًا لمن يشاء يتكلم فيه كيف يشاء وهيهات. فإنَّ هذا الدين دين عظيم دين متين يقوم على الأسس القويمة والطريق المستقيم فمن رامه فعليه أن يطرق الأبواب الصحيحة وأن يتعلم.
فإنَّ العلم بالتعلم كما علمنا نبينا محمد ﷺ والنظرة المتأنية إلى واقع الأمة تشهد لهذا الأمر بجلاء ووضوح ويتذكر العبد حديث النبي ﷺ ويعلم أنه يتحقق شيئًا فشيئًا. نسأل الله السلامة والعافية. وهو حديثه ﷺ الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه والحاكم في مستدركه وغيرهم وهو صحيح بالشواهد من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، أنَّ النبي ﷺ قال: «سيأتي على الناس سنوات خداعات». «يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة». وينطق فيها الرويبضة قالوا وما الرويبضة يا رسول الله قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة». وفي لفظ يتكلم في أمر العامة، وفي لفظ «الرجل السفيه يتكلم في أمر العامة». «سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات». «يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة». قالوا: وما الرويبضة يا رسول الله؟ دون أن يتعلم ودون أن يتعب ودون أن يكد ويكدح ويجد ثم إذا به يتكلم كيف يشاء، ولا يتكلم في أمر نفسه فشأنه أو هو وشأنه إذا تكلم في أمره ﴿أَنَّمَا﴾ يتكلم في أمور المسلمين العامة قد ظهر في زماننا ويتكلمون فيصدقون وهم كاذبون ويؤتمنون وهم خائنون وهم دعاة على أبواب جهنم كما علمنا نبينا ﷺ فقد ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة رضي الله عنه قال كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني «فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» قال نعم وفيه دخن قال وما دخنه قال قوم يهدون بغير هدي تعرف منهم وتنكر «فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» فهل بعد ذلك من شر أي: هل بعد هذا الخير الذي فيه دخن من شر قال نعم «دعاة على أبواب جهنم».
خطر نطق الرويبضة وحقيقة الحرب الفكرية على ثوابت التراث
نسأل الله السلامة دعاة على أبواب جهنم «من أجابهم إليها قذفوه فيها». في رواية مسلم «قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس». جثمانهم جثمان إنسان وقلوبهم قلوب الشياطين يدعون إلى أبواب جهنم «من أجابهم إليها قذفوه فيها». نسأل الله السلامة والعافية. نعم وجد من هؤلاء الدعاة الذين يدعون إلى أبواب جهنم فريق لا كثّرهم الله عز وجل عباد الله الذين يريدون نسف تراث الأمة والقضاء على ثوابت الدين من كتاب الله وفهمه، ومن سنة رسول الله ﷺ والعمل بما فيها، ومن أصحاب ﷺ ورضي الله عنهم، ومعرفة قدرهم، ومن معرفة أقدار العلماء المباركين الذين جعل الله عز وجل لهم القبول في الأرض ابتغوا بعلومهم وجه الله لم يريدوا الدنيا، ولم يريدوا شهرة، ولا منصبًا، ولا جاهًا ﴿أَنَّمَا﴾ أرادوا الله والدار الآخرة.
إن هذه الحرب حرب أعظم من الحرب على أي: شيء آخر الحرب على الدين أعظم ﴿مِنْ أَىِّ﴾: حرب أخرى لأنَّ الحروب الأخرى تذهب وتأتي وهي أمور دنيوية. أما القضاء على ثوابت الدين فهو قضاء على المسلمين. بل وعلى الإسلام ونحن نؤكد أنه لن يقدر أحد على القضاء على الإسلام. لكن أمانة في رقابنا أن نتصدى لأولئك وأن نغار على كتاب الله، وعلى سنة رسوله ﷺ عباد الله.
إن كثيرًا من الناس يظن، أن التمسك بتراثنا إلغاء للعقول فيقول: نحن لا نحتاج إلى كتب الأئمة، ولا نحتاج إلى البخاري، ولا إلى مسلم، ولا إلى الأئمة الأربعة، ولا إلى غيرهم لنا عقول كما لهم عقول، ونحن رجال وهم رجال، كذا يزعمون، نقول له: اعرف نفسك واعرف قدرك فقد صدق ابن حجر حينما قال: «من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب».
وقال أنا سأعلمكم إياها ماذا سنقول له: لا شك أنه يفتر الكذب وأنه يدعي ما لا يعرف إن لكل مجال أهله. إن لكل ميدان رجاله كل في بابه وكل في ميدانه. وهذا من تقسيم الله عز وجل وفضله على عباده ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾10. أولو الألباب عباد الله إننا إذ نقدر تراثنا فإننا لا ندعي العصمة لأحد بعد محمد رسول الله ﷺ إننا إذ نقدر تراثنا ونعرف أقدار جهود أو قدر جهود علمائنا لا ندعي العصمة بعد رسول الله ﷺ لأحد لكننا نستضيء بأقوال من سبقنا، ولا نخالف إجماعهم لأنَّ إجماعهم حجة بنص كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ قال النبي محمد ﷺ: «لا تجتمع أمتي على ضلالة».
ضوابط الاجتهاد وإعمال النظر ومكانة الأئمة المأجورين في خطئهم
محال. ثم ﴿أَنَّمَا﴾ نستفيد من كلامهم. وقد نخالف بعضهم إذا ظهر الحق للمتأخر و«كم ترك الأول للآخر» نعم نقول «كم ترك الأول للآخر» ولكن هل كل إنسان له أن ينقد هل كل إنسان له أن ينقض هل كل إنسان له أن يرد هل كل إنسان له أن يصحح هل كل إنسان له أن يخطئ لا، لو كان. الأمر كذلك، لكان الدين كلأ مباحا، وهيهات، ﴿أَنَّمَا﴾ يتكلم من رسخت قدمه في العلم، وذاق رائحة العلم، وعرف الناسخ من المنسوخ، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والعام والخاص، والمحكم والمتشابه.
وأن ننظر ﴿فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ والله قال ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟﴾. وقال ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوٓا۟﴾11. وقال ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾12. وقال ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾13. يدعون الله إلى التفكر وإلى التدبر وإلى التأمَّل!. لكن بقواعد ثابتة بأصول رصينة بجهود متينة من حققها حقَّ له أن ينظر مع احترام من سبق. فإنَّ النبي ﷺ قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران».
«وإن أخطأ فله أجر واحد». هذا المجتهد الذي وصل إلى رتبة الاجتهاد إذا أصاب فله أجران «وإن أخطأ فله أجر واحد». فهل يعاتب من له أجر أو أجران؟ شخص له أجر شخص له أجران هل نطعن فيه هل نسبه هل نشتمه وهو مجتهد مأجور من الله سبحانه على كل الأحوال والله إنه لعجب وشجعوا على إراقة الدماء ويقال إنهم أولى بالتقتيل والتصليب من هذه الجماعة المنكرة التي تسمى بداعش وهي على الضلال سبحان الله الأئمة أسوأ من هؤلاء الأئمة شجعوا على الإرهاب أيُّ إرهاب عرفته الأمة في ظل هؤلاء وأمثالهم؟ ممن نصروا الكتاب والسنة وبذلوا النفس والنفيس من أجل إعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ إن الإمام مالك بن أنس رحمه الله، وهو أحد الأئمة الأربعة طلب منه المهدي الخليفة طلب منه أن يأتي إليه ليحدث ولديه بالحديث.
فقال له الإمام مالك يا أمير المؤمنين «إن العلم يؤتى ولا يأتي لأحد». قال صدقت فأرسل ولدي ابني الخليفة إلى الإمام مالك ليتعلم العلم منه. فقال لهما مَن معهما ممن يرعى شأن ولي العهد قال له: يا أبا عبد الله حدثهم اقرأ عليهم الأحاديث. فقال لا اقرأ ﴿أَنَّمَا﴾ يقرأ عليه هكذا وجدت مشايخي، نقرأ على شيوخنا كما يقرأ الصبي على الشيخ وليس العكس.
عزة الإمام مالك مع الخلفاء ومواقف ورع أبي حنيفة
فإنَّ أخطأ رده الشيخ فرجعوا إلى المهدي الخليفة وذكروا له ذلك. فقال: يا مالك، يا أبا عبد الله، لماذا لا تقرأ عليهما؟. فقال: هكذا وجدت فلانًا وفلانًا وفلانًا من مشايخي يصنعون ذلك قال له صدقت لك بهم سنة هم يقرؤون عليك وأنت تسمع وجاءه هارون الرشيد فكان معه الإمام مالك رحمه الله. فقال له هارون يا أبا عبد الله أريد أن أجلس معك وحدي لتحدثني بالأحاديث.
فقال له: يا أمير المؤمنين. إن العلم إذا كان خاصًّا لم ينتفع به العام، ولا الخاص إذا حدثتك وحدك لن تنتفع، ولن ينتفع الناس ﴿أَنَّمَا﴾ الناس عندي سواء أحدثهم. فقال له: صدقت، وحدَّثوا أمام الإمام مالك وقُرئ عليه وأمير المؤمنين جالس آنذاك الإمام مالك جُلد رحمه الله، بسبب فتوى أصر عليها، ولم يرد الدنيا ثم جعل الله له القبول في الأرض حتى صارت المقولة المشهورة معروفة لدى الجميع «لا يُفتَى ومالكٌ بالمدينة».
وقال الإمام الشافعي «إذا ذُكر العلماء فمالك النجم». وأما أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله رحمة واسعة هذا الرجل العالم العابد الزاهد يقول مالك الإمام مالك لما سأله الشافعي هل رأيت أبا حنيفة قال رأيت رجلًا لو أراد أن يثبت لك، أن هذه الأسطوانة هذا العمود عمود من خشب لو أراد أن يجعله لك بإثباته وحجته أنه من ذهب لفعل لقوة حجته رحمه الله رحمة واسعة.
ومع ذلك فقد كان له صيته وحظه الكبير من العلم، يقول الشافعي رحمه الله، «الناس عيال على فقه أبي حنيفة» رحمه الله، ذكروا في ترجمته أنه مكث أربعين سنة يصلي العشاء والفجر بوضوء واحد والله أعلم بذلك لكنه مذكور في ترجمته، ومعنى ذلك ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ لا ينام طيلة الليل ﴿أَنَّمَا﴾ هي الصلاة وقراءة القرآن ومدارسة العلم وحتى لو لم يصح ذلك فقد ثبت أن الإمام أبا حنيفة يُلقَّب بالوتد، كان يُلقَّب أبو حنيفة بالوتد، الوتد، لأنه إذا قام يصلي لا ترغب في أن تنقضي صلاته.
وقد ثبت عنه من غير وجه أنه قام فصلى ركعة فختم فيها القرآن كله، أبو حنيفة رحمه الله، النعمان بن ثابت، فأبى، قال: لن أتولى القضاء يقول له لا بد أن تتولى القضاء يُضرب ويُسجن ويُجهد من أجل أن يتولى القضاء وهو يرفض هل هؤلاء يريدون دنيا هل هؤلاء يريدون شهوات هل هؤلاء يسعون في إراقة الدماء
وقد اشترى ثوبًا من امرأة. فقال لها بكم هذا الثوب قالت بمئة قال أراه بأكثر أنا أرى أن مئتي قليلة إنه يساوي أكثر سبحان الله المشتري هو الذي يقول. فقالت له بمئتين قال أراه بأكثر قالت بثلاثمئة قال أراه بأكثر قالت بأربعمئة قال هو كذلك فاشتراه بأربعمئة لئلا يبخس المرأة حقها أهؤلاء يسفكون الدماء أهؤلاء جاهلون بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأما الإمام الشافعي ناصر السنة أبو عبد الله الإمام العالم الرباني هذا الإمام الجليل الذي بذل وقته وجهده من أجل نشر العلم وهو الذي يقول: والله إني أحب أن يُنقل عني العلم وأن يعرف الناس كلما لديه دون أن يُنسب إليَّ منه شيء لا يريد أن يقال الشافعي لا تلزمه لا يريدها، لا يريد جاهًا ولا سلطانًا ﴿أَنَّمَا﴾ يبتغي الله والدار الآخرة الإمام أحمد بن حنبل تلميذه كان يقول لأصحابه هيا بنا نجلس إلى هذا الشاب العاقب يقصد الشافعي.
فقال له رجل: أنت تذهب إلى الشافعي وتترك سفيان؟ وتترك فلان وفلان من أئمة الحديث قال: يا هذا إن فاتني حديثه بإسناد عال أخذته بإسناد نازل ولكن إن فقدت عقل هذا الرجل فمن أين آتي به؟ إن غاب عني عقل الشافعي فمن أين آتي لمثله أحمد بن حنبل قال له ولده يا أبتي ما لأراك تكثر من الدعاء للشافعي حتى ذكر أنه ظل يدعو للشافعي في كل صلاة من صلواته لمدة أربعين سنة.
منزلة الشافعي وتحكيم الحديث النبوي وشجاعة الأئمة في قول
فقال له: «يا بني، إن الشافعي كان كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فهل ترى لهذين من خلف أو منهما عوض؟» أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الله، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، هذا هو الشافعي رحمة الله تعالى الإمام العالم الرباني الذي اشتهر عنه أنه قال: «إذا رأيت القول يخالف حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاضربوا بقولي عرض الحائط». والعبارة بمعناها قالها من سبق ومن لحقه قال أبو حنيفة «إذا صح الحديث فهو مذهبي». وقال مالك رحمه الله، «كلٌّ يُؤخذ من قوله ويُردُّ عليه إلا صاحب هذا القبر». يقصد رسول الله ﷺ الإمام مالك، وأرجع له لأن الأمر جد خطير وهو مهم، يُسأل مع علمه وجلالة قدره في ثمانية وأربعين مسألة فلا يجيب إلا في اثنتي عشرة مسألة يسأل في ثمانية وأربعين مسألة لا يجيب إلا في اثنتي عشرة مسألة ويُعرض عن ست وثلاثين مسألة فيقول له القائل يا أبا عبد الله جئتك من سفر طويل والناس يريدون أن يسمعوا ماذا قال الإمام مالك قال أرجع إليهم وقل سألت مالكًا.
فقال: «لا أدري». سألت مالكًا. فقال: «لا أدري». وهو الذي قال: «لا أدري». جنة العالم هي سلاح العالم إذا لم يدر يقول: «لا أعلم». يقول الله أعلم هكذا كان الأئمة وهكذا كان الشافعي رحمه الله، ولما رحل إلى مصر التي استقر بها وذاع فيها صيته وانتشر علمه واستفاد من الإمام الليث بن سعد رحمه الله. وقال «إن الليث بن سعد أفقه من مالك» اسمعوا العبارة.
«إن الليث بن سعد عالم مصر أفقه من مالك. لكن أصحابه لم يقوموا به» المدينة النبوية علم مالك بن أنس رحمة الله تعالى رجع الإمام الشافعي. وأما الإمام الرابع أحمد بن حنبل رحمة الله تعالى ويقسون عليه ظنًّا منهم أن حنبل تعني الشدة وليس كذلك ما علاقة اسم أحمد بن حنبل بالشدة ﴿أَنَّمَا﴾ له مذهب يتبع فيه أحاديث رسول الله ﷺ ويكفيه أقصد بالخلاف أنَّ الشافعي قد يرى رأيا يخالف فيه مالكًا وأن أحمد قد يرى رأيا يخالف فيه الشافعي مع حب بعضهم لبعض هذا يعني: لأنهم لم يدعوا إلى التعصب لم يدعوا إلى التعصب، ولا إلى التحزب ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لهم اتبعوه بفضل الله عز وجل يقول الشافعي رحمه الله، قدمت بغداد وتركت، أو ما خلَّفت ورائي ببغداد أعلم، ولا أفقه ولا أفضل ولا أورع من أحمد بن حنبل رحمه الله، وكان يقول الشافعي لأحمد أنت أعلم منا بالحديث لا سيما حديث أهل العراق فإذا صح عندكم الحديث فأخبرونا به الله أكبر إنهم الأئمة في علومهم في فضائلهم في أدبهم الشافعي نشأ يتيمًا وأحمد بن حنبل نشأ يتيمًا لكنهم عرفوا قدر العلم كان الواحد منهم يبذل ما لديه من مال ووقت من أجل إعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا أدري.
إنصاف مذهب أحمد بن حنبل والتصدي للطاعنين في كتب
كيف نؤتى ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أولئك الذين يطعنون في أولئك الأئمة كما يطعنون في البخاري، وفي مسلم ويطعنون في كتب التراث جملة وتفصيلًا، وفي سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، يا أيها الإخوة الكرام، الحديث يحتاج إلى مزيد لعل له بقية بإذن الله، اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ، اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسِّلم والسلام، يا ذا الجلال والإكرام اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم أعن الأزهر على رد كيد المعتدين اللهم أعن الأزهر وشيوخه على رد كيد المعتدين اللهم يا رب العالمين
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — الأحزاب: 70 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 33 ↩
- آية: ﴿وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ﴾ [كلمة غير واضحة] — الأعراف: 33 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 36 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 169 ↩
- آية: ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَى ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — البقرة: 269 ↩
- آية: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوٓا۟﴾ — كما ورد في الدرس: ق 6 ↩
- آية: ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 50 ↩
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- آية: ﴿أولم يتفكرون﴾ — الأعراف: 184
من سلسلة: سلسلة خطب الداء والدواء (96 درسًا)