مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

كتاب الإيمان (المجلس التاسع) شرح حديث ابن عمر عن أبيه في سؤالات جبريل عليه السلام عن الإسلام

شرح صحيح مسلم · الدرس 6 من 31 · 20 دقيقة · الحديث وعلومه

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. الجمع بين خيره وشره والشر ليس إليك
  2. لا شر محض في المقدورات
  3. الشر في المفعولات والتأدب في النسبة
  4. الفعل كسبًا للعبد وخلقًا لله
  5. مرتبتا الإحسان مشاهدة ومراقبة
  6. دفع تفسير الفناء وإحسان الإتقان
التفريغ النصي الكامل للدرس

الجمع بين خيره وشره والشر ليس إليك

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ1 إِنْ هُوَ2 إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾34 السلام عليكم ورحمة الله، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:

فهذا مجلس جديد من مجالس التعليق على صحيح الإمام مسلم رحمه الله تبارك وتعالى وما زلنا مع كتاب الإيمان ومع الحديث الأول من أحاديث هذا الصحيح وهو حديث ابن عمر، عن أبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سؤالات جبريل عليه السلام للنبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وقفنا عند قول النبي ﷺ في تفسير الإيمان، «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» «وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» وقفنا عند قوله ﷺ «وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» وقلنا كيف نجمع بين

هذا الحديث «وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» وبين ما ثبت عن النبي ﷺ «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» فهنا قال «وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» إذًا في القدر خير وشر، وفي الحديث الآخر: «والشر ليس إليك» فكيف يكون هذا؟ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ الجواب عن ذلك من أوجه أشهرها جوابان

لا شر محض في المقدورات

الجواب الأول: أنَّه ليس هناك شرٌّ محض ليس هناك شر خالص من كل وجه إنَّما الشر يكون من باب دون باب، ومن زاوية دون زاوية فالمرض مثلًا بالنسبة لك شرٌّ؛ لأنَّه لا يوافق طبعك ولا يلائمك فالواحد منا يريد أن يكون صحيحًا لا أن يكون مريضًا فأنت ترى المرض شرًّا لكنه في الحقيقة خير، فربما كان المرض كفَّارةً لسيئاتك أو رفعةً لدرجاتك أو كان المرض سببًا في أن ترعوي عن غيِّك أو أن تعود إلى رشدك فكم في المرض من خيرات لا يعرفها الإنسان إذًا هذا شر من باب، وخير من باب لذلك ذكر بعض العلماء أن خلق الشيطان وإن كان شرًّا من باب، فليس شرًّا محضًا لأنَّ الشيطان يستعيذ العبد بالله منه والاستعاذة عبادة، ومن وراء هذه الوساوس تكون مجاهدة الشيطان مجاهدة النفس يكون.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كم من عبادة نشأت من وساوس الشيطان الرجيم فنشأت عن ذلك عبادات كثيرة وخيرات كبيرة فليس هناك شر محض وإذا كان الواحد منا إذا ذهب إلى الطبيب. فقال له الطبيب: لا بد من إجراء جراحة لك يُبتَر فيها ساقك أو تُبتَر فيها إحدى جوارحك فإنَّه يذهب بنفسه ولربما دفع المال مقدمًا للطبيب من أجل أن يقطع عضوًا من أعضائه أليس في قطع العضو شرٌّ؟ فيه شرٌّ بيد أنَّ هذا الشر يُنتظر من ورائه خير أكبر يقول: لئلا يسري هذا المرض إلى جميع الأعضاء فهو وإن رآه شرًّا لكنه يراه خيرًا باعتبارات أخرى باعتبارات أخرى هذا وجه وأما.

الشر في المفعولات والتأدب في النسبة

الوجه الثاني: فيُقال إنَّ الشر قد يكون في المفعولات، في المقدورات وليس في فعل الله عز وجل هو شرٌّ في المفعول لتعلقه بنا نحن، من جهة الموافقة أو عدم الموافقة. أمَّا من حيث إنَّه فعل الله، فتقدير الله عز وجل كله خير سبحانه جل وعلا. ثم قال بعضهم: لا يُنسب الشر إلى الله تأدُّبًا، وإن كان الله خالقًا فالله خالق الخير والشر لذلك كفر الكافر وإيمان المؤمن وطاعة المطيع وعصيان العاصي، كل ذلك بقدر الله عز وجل هل الكافر لما كفر، كفر بغير مشيئة الله؟ كفر بمشيئة الله.

لكن ما أمره الله بذلك. ولذلك فرق بين الأمر الذي هو بمعنى الرضا والمحبة وبين الإرادة الكونية التي بمعنى المشيئة ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن كفر الكافر هذا شر. لكن فيه مصالح يُعرف السعيد من الشقي والمؤمن من الكافر [كلمة «القوي» تحتاج مراجعة التسجيل] قالوا فلا ينسب الشر إلى الله تأدبًا مع الله والله خالق كل شيء المعاصي الذنوب كل شيء بقدر ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ﴾5 لذلك لما قال عبد الجبار المعتزلي سبحان من تنزه عن الفحشاء يريد أن يوهم، أن الفحشاء تقع في الكون بدون قدر بدون تقدير الله فأجابه أبو إسحاق الإسفراييني.

وقال له سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء لا يقع في ملك الله إلا ما يشاء الله عز وجل لذلك معنى، ﴿وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ﴾67، يعني: ربي لا يرضى لعباده الكفر لا يأمر العباد بالكفر. لكن إن كفروا فبمشيئة الله وبقدره يعلم أنهم يستحقون ذلك وهو لا يظلم أحدًا سبحانه عز وجل. فقالوا من باب التأدب مع الله لا ننسب الشر إلى الله والله خالق كل شيء لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن الخليل إبراهيم عليه السلام قال ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾89، ولم يقل والذي يمرضني تأدبًا مع الله، وكذلك قالت الجن ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾1011 فلما ذكروا الشر قالوا أريد ك، وكذلك في قصة الخضر عليه السلام لما ذكر السفينة قال: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾12 فلما ذكر الإعابة للسفينة قال ماذا

أردت، فأردت أن أعيبها13. لكن في الآية الأخرى قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾1415 فأراد ربك فأضاف الإرادة إلى الله عز وجل فلذلك في باب الشر لا تنسبه إلى الله تأدبًا مع الله وأنت تعلم، أن الله عز وجل خالق كل شيء سبحانه وتعالى، هذا هو القدر والإيمان بالقدر كما عرفنا يتضمن الإيمان بأن الله عالم بكل شيء علم ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون وأن الله كتب مقادير الخلائق مقادير كل شيء وأن الله عز وجل له المشيئة المطلقة فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأن الله خالق كل شيء فهو خالقك وخالق فعلك.

الفعل كسبًا للعبد وخلقًا لله

ولذلك هنا مسألة دقيقة مهمة، أن الفعل يُضاف إلى الإنسان فعلًا وكسبًا ويضاف إلى الله تقديرًا وخلقًا ما معنى هذا مَن الذي صلَّى؟ العبد، يعني: أنت قمت وصليت العشاء أربع ركعات مَن المصلِّي؟ العبد ولكن مَنْ الذي خلقك وخلق صلاتك الله، يعني: هذا الفعل خلق الله، لكنه كسب العبد وفعل العبد فيضاف إلى العبد فعلًا العبد هو الفاعل والله هو الخالق إن الله خالق كل صانع وصنعته والله قال: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾1617.

أما القدرية فهم الذين ينفون القدر يقولون، أن العبد هو الذي يخلق فعله ويظنون بذلك أنَّهم ينزهون الله عن الظلم فيقولون لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن الله خالق فعل العبد. فهذا معناه أن الله عز وجل هو المتصرف في العبد. وهذا ينافي عدل الله لذلك يقولون هذا أحد الأصول الخمسة عند المعتزلة وهو مبدأ العدل الإلهي.

وهذا خطأ وباطل؛ لأنَّ الله هو الخالق، ولا يمكن أن يقع في الملك شيء بدون مشيئته وبدون علمه سبحانه جل وعلا هو الخالق سبحانه لكنه ما ظلم العبد، لماذا؟ لأنه أعطاه اختيارًا أعطاه مشيئة وأعطاه قدرة [عبارة شديدة التصحيف تحتاج مراجعة التسجيل] وإذا سلبت منك المشيئة والاختيار.

فإنَّ الله لا يحاسبك ﴿أَنَّمَا﴾ يحاسبك على ما تختاره لا على ما تكره عليه لذلك الإكراه مانع من موانع التكليف فإذا أُكره الإنسان سقط عنه التكليف النائم كذلك يُعفى عنه: «رُفِعَ القلم عن ثلاثة»، منهم النائم حتى يستيقظ. لكن الآن أنت مختار بإمكانك أن تصلي وبإمكانك ﴿إِلَّا﴾ تصلي، بإمكانك أن تصوم وبإمكانك ﴿إِلَّا﴾ تصوم أنت تفرِّق بين حركاتك من أجل الذهاب إلى صلاتك، وبين ضربات القلب، وبين التنفُّس فرق بين هذا وذاك فأنت تفرق بين الأعمال أو الأفعال الاضطرارية والاختيارية وأنت محاسب على الأعمال الاختيارية التي تقدر عليها وتستطيعها لكنك مع قدرتك واختيارك فالله خالقك وخالق فعلك لذلك قال الله في الآيتين: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾1819، أنت تشاء أنت تختار.

ثم قال: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ20 رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾21 فمشيئتك تابعة لمشيئة ربك عز وجل والذي يعينك على هذا كله، أن تعلم، أن الله عليم حكيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله، أن الله كان عليمًا حكيمًا ربك عليم حكيم لا يظلمك فحينئذ يستريح ضميرك وتطمئن نفسك وصدق الله إذ قال: ﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾2223 فإذا آمنت بالله هداك الله سبحانه وتعالى، ﴿وَقِيلَ﴾ لهم قدرية.

وقد يقول قائل لماذا قيل لهم قدرية أوليس هؤلاء نُفاة للقدر هم ينفون القدر فكيف يقال قدري، يعني: أن تقول قدري معناه: لا يثبت القدر نسب إلى القدر. لكن قال قدرية كيف هذا قالوا: نُسبوا إلى القدر؛ لأنَّهم يجعلون القدر إليهم لا إلى الله فهم يضيفون القدر إلى أنفسهم فقيل قدرية؛ لأنهم نسبوا القدر إلى أنفسهم. وأما نحن فإنَّنا ننسب القدر إلى الله عز وجل لذلك قيل لهم قدرية وهم مجوس هذه الأمة لأنَّ المجوس يعتقدون بإلهين إله للخير وإله للشر أو إله للنور وإله للظلام.

وهذا يعتقد أن العبد هو الخالق لفعله. وأما نحن فنقول العبد يفعل والله هو الخالق الله خالق كل شيء سبحانه جل وعلا وسيأتينا مزيد بيان لمباحث القدر في كتاب القدر لأنَّ هناك كتابًا كاملًا يتعلق بأحاديث القدر بإذن الله - تبارك وتعالى. فقال له جبريل، قال الرسول بعد أن فسَّر، قال جبريل: «صدقت» قال فأخبرني عن الإحسان يسأل جبريل النبي ﷺ عن الإحسان قال «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ».

مرتبتا الإحسان مشاهدة ومراقبة

«فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». فبعد أن فسَّر ﷺ الإيمان بأركانه الستة انتقل به إلى مرتبة الإحسان وتقدم أن كثيرًا من العلماء يقولون إن مراتب الدين ثلاثة أعلاها الإحسان يليه الإيمان يليه الإسلام إذًا الإحسان أعلى المراتب فكل محسن مؤمن. كما أنَّ كل مؤمن مسلم فالإحسان أعلاها مرتبة فسأله عن الإحسان قال «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ». «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» قال بعض الشراح هذا فيه أن الإحسان على مرتبتين المرتبة الأولى مرتبة المشاهدة، والمرتبة الثانية مرتبة المراقبة، «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»، يعني: أن تصل إلى مرتبة كأنَّك ترى كأنَّك تشاهد الله نحن لا نرى الله «إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» كما جاء في صحيح مسلم قاله الرسول عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا.

لكن، «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» لو أنك ترى، هل تجترئ على معصية الله؟ هذه منزلة عظيمة أنك تتعبد لله وكأنك تراه هذه مرتبة عالية جدًّا «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» مرتبة المشاهدة كأنَّك ترى كأنَّك تشاهد ربك فلا تجترئ على محارم الله عز وجل وإذا كان قد ورد في الحديث الذي حسنه جماعة من أهل العلم، أن العبد يستحيي كما يستحيي من ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ قومه، يعني: الإنسان وهو يعمل أعمال البر عليه أن يستحيي كما يستحيي من ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ قوم، يعني: بعض الناس يستحيي من الصالحين يأتي ليجترئ على معصية يقول لا فلان ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ يستحي ربما كان في يد بعض الناس سجاره مثلًا يرى رجلًا من الصالحين فيرميها، يلقيها، هو لا يراه.

لكن حياء فإذا كان أحدنا يستحيي من الصالحين فكيف بالحياء من رب العالمين، «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» هذه المرتبة الأولى. فإن لم تستحضر هذا المعنى فاستحضر مرتبة المراقبة. «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، إن لم تكن تراه، أنت لا تراه، فإنَّه يراك [تحتاج كلمة «راكبه» إلى مراجعة التسجيل]، يعني: استحضر أنه هو الذي يراك إذا لم تستحضر كأنَّك ترى فاستحضر أن الله هو الذي يراك فتراقب ربك عز وجل وتخاف منه فتكون فيها مرتبة المراقبة، مرتبة الخوف كما قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾2425.

وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ26 ٱلَّذِى27 يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾، أن تراقب ربك وإذا خلوت بريبة في ظلمة، والنفس داعية إلى العصيان، فاستحيِ من نظر الإله وقل لها: إن الذي خلق الظلام يراني إذا ما خلوتَ الدهرَ يومًا فلا تقلْ خلوتُ، ولكن قلْ عليَّ رقيبُ، ولا تحسبنَّ الله يغفلُ ساعةً، ولا أنَّ ما تُخفي عليه يغيبُ مراقبة ربك هذه مرتبة عظيمة جدًّا.

دفع تفسير الفناء وإحسان الإتقان

«فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، ذكره بعضهم وهو معنى غير صحيح، يقولون. فإنْ لم تكن تراه، ويقفون عند هذا في الحديث هذا معنى يذكره بعض الصوفية، وفيه كلام ونظر هناك مرتبة يذكرونها يقولون عنها مرتبة الفناء مرتبة الفناء ما معنى الفناء، يعني: أنت تنسى نفسك تفنى ترى أنك مجرد من ذاتك كأنَّك غير موجود.

فإن لم تكن، يعني: لم تعد موجودًا، فَرَهُ [تحتاج العبارة إلى مراجعة التسجيل]، يعني: إذًا ثنيت تخليت من شخصك ورسمك فإنَّك حينئذ ترى الله عز وجل. وهذا معنى فاسد هذا معنى فاسد ولو صح لغةً لقيل: «فإن لم تكن تَرَهْ»، وليس «تراه» لأنه سيكون جواب الشرط. فإنَّ لم تكن تره، وجواب الشرط يكون مجزومًا، لكنَّه جاء «يراه» [يحتاج التحليل النحوي إلى مراجعة؛ لأن جواب الشرط في الحديث هو «فإنه يراك»]. «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، وجواب الشرط هنا: «فَإِنَّهُ يَرَاكَ»؛ وإلا فماذا ما معنى قوله فإنَّه يراك حينئذ فلذلك لا دليل فيه على هذه المرتبة والعلم عند الله تبارك وتعالى. «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» مرتبة المراقبة هذه مرتبة عظيمة ثم اعلم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم ختامًا في هذا الدرس أن الإحسان معناه: الإتقان فلان محسن، يعني: فلان متقن والإحسان على نوعين إحسان في العبادة تحسن في عبادتك لربك والنوع الثاني: الإحسان إلى الخلق أن تحسن إلى الخلق لذلك الإحسان يتضمن الجانبين، أن تُتقن عبادتك، وأن تُحسن إلى الخلق، فتحسن في العبادة، تحسن في الصلاة تحسن في الز في الصوم في العبادات أن الله يحب المحسنين ﴿وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾2829.

وقال: ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾. وقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾3031 فالإحسان يستجلب به العبد محبة الله ومعية الله والإحسان بمعناه الثاني إحسان إلى الخلق أن تحسن إلى الناس أن تسدي إليهم المعروف. فهذا محسن أيضًا. جعلنا الله من المحسنين بمنه وكرمه قال «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ». «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ونكمل الحديث في الدرس المقبل بإذن الله.

وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ﴾ — النجم: 3-4 ↩
  2. آية: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى — كما ورد في الدرس: النجم 3-4 ↩
  3. آية: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 128 ↩
  4. آية: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ — التوبة: 128 ↩
  5. آية: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ﴾ — القمر: 49 ↩
  6. آية: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 7 ↩
  7. آية: ﴿وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ﴾ — الزمر: 7 ↩
  8. آية: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 80 ↩
  9. آية: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ — الشعراء: 80 ↩
  10. آية: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الجن 10 ↩
  11. آية: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ — الجن: 10 ↩
  12. آية: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 79 ↩
  13. آية: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ — الكهف: 79 ↩
  14. آية: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 82 ↩
  15. آية: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ — الكهف: 82 ↩
  16. آية: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 96 ↩
  17. آية: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ — الصافات: 96 ↩
  18. آية: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ — كما ورد في الدرس: التكوير 28 ↩
  19. آية: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ — التكوير: 28 ↩
  20. آية: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: التكوير 29 ↩
  21. آية: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — التكوير: 29 ↩
  22. آية: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: التغابن 11 ↩
  23. آية: ﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ — التغابن: 11 ↩
  24. آية: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 14 ↩
  25. آية: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ — العلق: 14 ↩
  26. آية: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ — الشعراء: 217-220 ↩
  27. آية: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ — كما ورد في الدرس: الشعراء 217-220 ↩
  28. آية: ﴿وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — البقرة: 195 ↩
  29. آية: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 195 ↩
  30. آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ — النحل: 128 ↩
  31. آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 128 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 49

من سلسلة: شرح صحيح مسلم (31 درسًا)

فوائد من هذا الدرس

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة