الحديث الرابع عشر متى يهدر دم المسلم؟
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
ابن مسعود ومدخل حرمة الدماء
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ1 إِنْ هُوَ2 إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ:
فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بشرح الأربعين النووية، وننتقل الليلة إن شاء الله تعالى إلى الحديث الرابع عشر من هذه الأحاديث النبوية الشريفة. وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ وهو حديث عظيم القدر، نعيش معه في هذا الدرس بإذن الله - تبارك وتعالى، ونستخرج منه ما يتعلق بحرمة الدماء ومتى يُهدر دم المسلم بالحق.
ونذكّر بشيء من ترجمة راوي الحديث: أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، الصحابي الجليل، صاحب المنزلة العظيمة والمكانة الرفيعة في العلم والقرآن. قال النبي ﷺ في شأنه ما يدل على فضل قراءته: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، يعني: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وهو الذي لما رأى بعض الصحابة دقة ساقيه تعجّب، فبيّن النبي ﷺ أن الله يرفع بهذا أقوامًا ويضع به آخرين. وكان من دعائه رضي الله عنه: «اللهم إني أسألك إيمانًا لا يرتد، ونعيمًا لا ينفد، ومرافقة نبيك محمد ﷺ في أعلى عليين». فله منزلة ومكانة عظيمة رضي الله عنه وأرضاه.
الأصل التحريم والاستثناء يرفع العصمة
وهذا الحديث يبيّن لنا قول النبي ﷺ في حرمة دم المسلم، ومتى يُستباح بالحق. وقول النبي ﷺ «لا يحل» معناه: لا يباح ولا يجوز. فالأصل التحريم، والاستثناء إباحةٌ في أحوال مخصوصة بيّنها الشرع. فليس المعنى المساواة المطلقة، بل بيان ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ ترتفع العصمة.
ودم المسلمين حرام، وقد جاءت الشريعة بذلك في الكتاب والسنة. بل جعل الدين قتل النفس الواحدة بغير حق كقتل الناس جميعًا في عظم الجرم. ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا﴾3 وقال جل وعلا: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَـٰلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًا﴾45.
وقتل النفس جريمة عظيمة وذنب كبير، وقد حذّر منه الإسلام أشدّ التحذير. قال النبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، في بلدكم هذا». وقال ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلا بإحدى ثلاث».
الحصر في ثلاث لا يلغي المخصِّصات
فالحديث «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ» رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلا بإحدى ثلاث: الثيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة».
ومعلوم أن المسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن المقصود هنا من ثبت إسلامه بالشهادتين، ثم فعل ما يُخرج دمه عن العصمة في أحد هذه الثلاثة. أي: المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ ويلزمه أن يلتزم بأحكام دينه، وألا يخرج عن أحكام الشريعة الإسلامية. فالشهادة تقتضي الالتزام، لا أن تُتَّخذ شعارًا مع نقض العرى.
وقد قال بعض أهل العلم: إن الحديث جاء بصيغة الحصر: «إلا بإحدى ثلاث»، وجاءت نصوص أخرى في أبواب خاصة، وهي نصوص مخصِّصة؛ لأنَّ الخاص يقدَّم على العام ويبيّنه. فليس معنى الحصر هنا نفي كل صورة أخرى بإطلاقٍ يُلغي النصوص الخاصة، بل المعنى أن الأصل العصمة، وأن ما جاء في هذا الحديث أصل عظيم من أصول إهدار الدم، ومعه ما خصّصته النصوص الأخرى على التفصيل الفقهي المعروف. فدم المسلم يُهدر في صورٍ بينها الشرع، ومنها هذه الثلاث المذكورة في هذا الحديث.
رجم الثيب الزاني حدّ واجب
وأما قوله ﷺ: «الثيّب الزاني»، فالثيّب هو من سبق له الزواج ودخل بزوجته، ويقابله البكر. والناس في هذا الأمر. إما بكر وإما ثيّب. والثيّب الزاني إذا ثبت زناه بما يثبت به الحدّ عند ولي الأمر، فإنَّ حده الرجم عند جمهور أهل العلم. وهذا واجبٌ إذا اكتملت الشروط؛ بخلاف قاتل النفس الذي يكون لأولياء الدم فيه خيار. فأمر القصاص في النفس خيار لأولياء المقتول، وأما حدّ الثيّب الزاني فليس خيارًا لهم على هذا النحو، بل هو حدٌّ من حدود الله إذًا ثبت.
قال الله تعالى في الزنا: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾67، وهذا في البكر عند أهل العلم على الصحيح، وأما الثيّب فقد جاءت السنة بالرجم، كما رجم النبي ﷺ ماعزًا والغامدية، وكما أمر برجْم من اعترف. فلكي يُقتل المسلم بهذا السبب يجتمع أمران: أنه محصن ثيّب، وأنه زانٍ ثبت عليه الزنا. وقد بدأ النبي ﷺ بالثيّب الزاني لأنه حدٌّ من حدود الله، ولعظم جريمته بعد الإحصان.
وأما البكر إذا زنى فحدّه الجلد مئة جلدة، مع التغريب على ما جاءت به السنة، لا الرجم. ففرّق الشرع بين البكر والثيّب. والثيّب المتزوج إذا زنى وثبت زناه استحق الرجم. هذا معنى الثيّب في الحديث. ومن حكمة التفريق أن من ذاق الحلال بالإحصان ثم تعدّى إلى الحرام أعظم جرمًا ممن لم يُحصن بعد، مع أنَّ الزنا كله كبيرة محرّمة. نسأل الله السلامة والعافية.
النفس بالنفس خيار أولياء الدم
وأما قوله: «والنفس بالنفس»، فهذا في القصاص. قال الله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾89 وقال: ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾10 فإذا قتل مسلمٌ مسلمًا عمدًا عدوانًا، فلولي الدم القصاص إن شاء، أو العفو على مالٍ وهو الدية، أو العفو مطلقًا، على التفصيل المعروف عند أهل العلم. قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا﴾11 فلا يُسرف الولي في القتل، ولا يتجاوز الحق.
وهنا مسائل يذكرها أهل العلم: هل يُقتل المسلم بالكافر وهل يُقتل الحر بالعبد وفيهما خلاف وتفصيل. والجمهور على أن المسلم لا يُقتل بالكافر الحربي على ما هو مقرر في كتب الفقه، مع وجوب ما يلزم من حق بحسب الحال. وأما بين المسلمين فالأصل النفس بالنفس إذًا توفرت شروط القصاص. والمقصود من قول النبي ﷺ «النفس بالنفس» النفس المعصومة بالنفس المعصومة في باب القصاص.
ثم إن القتل له ثلاث مسائل كبرى يذكرها الشراح: الأولى: هل يجب القصاص أم هو خيار؟ والجواب أنه خيار لأولياء الدم كما سبق: إن شاءوا القتل، وإن شاءوا الدية، وإن شاءوا العفو. الثانية: كيف يُقتص على التفصيل في المماثلة عند ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: بها. الثالثة: ممن يُقتص أي: شروط القاتل والمقتول. وكل ذلك إلى ولاة الأمر بشروطه، لا إلى آحاد الناس.
وقد ذكر بعض أهل العلم فائدة عظيمة في تشريع القصاص: أنه حياة للاجتمع؛ لأنَّ من علم أنه إن قتل قُتل، كفّ عن القتل. ولذلك قال الله: ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾12 وفي بعض البلاد التي ألغت عقوبة القصاص أو ما يشبهها ظهرت جرائم عظيمة، وهذا مما يشهد لحكمة الشريعة. نسأل الله أن يرد المسلمين إلى حكمه.
الردة مفارقة دين ودفع شهرها الحرية
وأما قوله: «والتارك لدينه المفارق للجماعة»، فهذا المرتد عن دين الإسلام، المفارق لجماعة المسلمين. والمقصود بمفارقة الجماعة مفارقة القلب والدين والعقيدة، وليس يلزم أن يخرج من أرض الإسلام حسيًّا بجده؛ حتى لو كان قائمًا بين جبلين لكنه انسلخ من دينه وخرج عن ملة الإسلام، فإنَّه يدخل في هذا الحكم المذكور في حديث رسول الله ﷺ وهذا أمر مهم جدًّا أحذّر منه.
فالمرتد يُستتاب عند كثير من أهل العلم قبل إقامة الحكم، فإنَّ تاب قُبلت توبته، وإن أصرّ على ردته أُقيم عليه الحكم عند ولي الأمر. وأما من جحد الرسالة أو أنكر ما عُلم من الدين بالضرورة بعد قيام الحجة، فإنَّه يدخل في معنى: ترك الدين؛ لأنَّ إنكار رسالة النبي ﷺ كفرٌ يخرج من الملة.
وأما دعوى بعض الناس: أين الحرية فيقال: نحن لا نُكره الكافر الأصلي على الدخول في الإسلام. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾1314 فمن كان على كفره الأصلي لم نُجبره على الإسلام، بل نعرض عليه الحق ﴿حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ﴾. وأما من دخل في الإسلام ثم ارتد، فله حكم آخر؛ لأنه نقض عهدًا وخرج بعد الدخول. والفرق بين الصورتين معلوم عند أهل العلم.
الحدود للإمام والعصمة لا ترفع بكل كبيرة
يا أيها الإخوة الكرام، هذا الحديث عظيم في بيان حرمة الدماء، وفي ضبط ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ تُرفع هذه الحرمة بالحق. فالأصل عصمة دم المسلم، ولا يُستباح إلا بما استثناه الشرع. ولذلك عظّم الإسلام أمر القتل بغير حق، وجعل قتل النفس الواحدة كقتل الناس جميعًا في الإثم والعظم عند الله، إلا أن يكون بحقٍّ من هذه الحقوق التي بيّنها النبي ﷺ
ونذكّر أن الشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله تقتضي الالتزام بأحكام الإسلام. فمن شهد الشهادتين ثم زنى وهو ثيّب وثبت عليه الحد عند السلطان، أو قتل نفسًا بغير حق واستُحق القصاص، أو ارتد عن دينه وفرض الجماعة، فقد دخل في الاستثناء الذي ذكره النبي ﷺ وأما من تاب من الردة قبل إقامة الحد فقد ارتفع عنه الحكم عند من يشترط الاستتابة ويقبل التوبة.
وفي باب الزنا: ليس كل زانٍ يُرجم؛ بل الرجم للمحصن الثيّب، والجلد لغير المحصن. وفي باب القصاص: أولياء الدم مخيَّرون بين القتل والدية والعفو. وفي باب الردة: الحكم إلى إمام المسلمين بشروطه، مع الاستتابة عند الجمهور. فلا يفهم من الحديث أن آحاد الناس يقيمون الحدود بأيديهم؛ فإنَّ إقامة الحدود من وظائف ولي الأمر.
وهذا الحديث بعد أحاديث أخرى في الأربعين، ويحتاج إلى جمعه مع النصوص الخاصة في الحدود والقصاص والردة. والعام والخاص لا يعني: أن العام يُلغى، بل الخاص يبيّن المراد ويضيّق الدائرة. فدم المسلم معصوم، ويُهدر في الطرق التي شرعها الله ورسوله، ومنها الثلاث في هذا الحديث.
هذا ما أردت بيانه من معاني هذا الحديث الرابع عشر، مع التنبيه على أن الدماء عظيمة الحرمة، وأن الاستثناء ضيّق مضبوط بالنصوص، وأن إقامة الحدود والقصاص إلى ولاة الأمر بشروطها وضوابطها. نسأل الله أن يحفظ دماء المسلمين، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يثبتنا على الإسلام حتى نلقاه، وأن يجنّبنا الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه ﴿إِنَّهُۥ هُوَ﴾ الغفور الرحيم. وصلّى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ونؤكّد مرة أخرى أن حرمة الدم أصل عظيم، وأن المسلم ما دام مسلمًا يشهد الشهادتين فدمه حرام، لا يُستباح إلا بحقٍّ ثابتٍ عند ولي الأمر. وهذا الحق إما حدّ الزنا للمحصن، وإما قصاص النفس، وإما حكم الردة بعد الاستتابة عند ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: بها. وما سوى ذلك فالأصل العصمة والحفظ والتحذير من سفك الدماء بغير حق.
ومن تمام فقه الحديث أن نفرّق بين الذنب والمعصية التي لا يُهدر بها الدم، وبين ما نصّ الشرع على أنه سبب لإهدار الدم. فليس كل كبيرة تبيح القتل، وليس كل ظلم يرفع العصمة. ﴿أَنَّمَا﴾ تُرفع العصمة بما ورد به النص، مع الشروط والموانع التي يذكرها الفقهاء. وهذا من رحمة الشريعة وضبطها للأمر.
ثم إن ابن مسعود رضي الله عنه راوي هذا الحديث من أعلم الصحابة بكتاب الله، ومن أسبقهم إسلامًا، ومن أقربهم إلى النبي ﷺ في المجالس والعلم. فروايته لهذا الحديث لها وزنها، والحديث في الصحيحين، فلا إشكال في ثبوته. وإنَّما الشأن في فهمه على مراد ﷺ وجمعه مع سائر النصوص.
وأختتم بالتذكير أن المقصود من دراسة هذا الحديث ليس التشوّف إلى القتل، بل تعظيم حرمة المسلم، وبيان أن الاستثناء ضيق، وأن المجتمع المسلم يُحفظ بالحدود الشرعية المنضبطة، لا بالفوضى ولا بالتشفّي. فمن فقه النص وعمل به على وجهه فقد جمع بين الرحمة والعدل. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
وإن مما ينبغي استحضاره دائمًا أن النبي ﷺ بدأ بتحريم الدم ثم استثنى، وهذا أسلوب يدل على أن التحريم هو الأصل، وأن الإباحة عارضة مشروطة. فمن قدّم الاستثناء على الأصل فقد عكس المنهج. فاحفظ الأصل: دم المسلم حرام، ثم افهم الاستثناء بشروطه.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ﴾ — النجم: 3-4 ↩
- آية: وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ — كما ورد في الدرس: النجم 3-4 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا﴾ — الإسراء: 33 ↩
- آية: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَـٰلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 93 ↩
- آية: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَـٰلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ — النساء: 93 ↩
- آية: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 2 ↩
- آية: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — النور: 2 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 178 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ — البقرة: 178 ↩
- آية: ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 179 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا﴾ — الإسراء: 33 ↩
- آية: ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ — البقرة: 179 ↩
- آية: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ — كما ورد في الدرس: التوبة 6 ↩
- آية: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ — التوبة: 6 ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- آية: ﴿الرسم﴾ — المائدة: 32
من سلسلة: سلسلة شرح الأربعين النووية (35 درسًا)