منظومة الزمزمي الدرس التاسع والعشرون
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:
فما زال الحديث موصولًا بالقراءة في "منظومة الزمزمي" رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مع التعليق عليها.
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
النَّوْعُ الخَامِسُ: تَخْفِيْفُ الهَمْزِةِ
نَقْلٌ فإِسْقَاطٌ وَإِبْدَالٌ بِمَدْ
مِنْ جِنْسِ مَا تَلَتْهُ كَيْفَمَا وَرَدْ
نَحْوُ أَئِنَّا فِيهِ تَسْهِيلٌ فَقَطْ
وَرُبَّ هَمْزٍ فِي مَوَاضِعٍ سَقَطْ
وَكُلُّ ذَا بِالرَّمْزِ وَالِإيمَاءِ
إِذْ بَسْطُهَا فِي كُتُبِ القُرَّاءِ
الشرح
قال: "
النَّوْعُ الخَامِسُ
": أي من العقد الثالث الذي يرجع إلى الأداء، إلى تأدية القرآن الكريم، قال "
تَخْفِيْفُ الهَمْزِةِ
"، فمما يتعلمه طالب العلم ما يتعلق بتخفيف الهمزة؛ وذلك أن الهمزة في الأصل تكون محققة، فينطق بها وقد جلا الهمزة وحققها، لكن هناك من القراء من يخفف الهمزة، فطالب العلم وقارئ القرآن يطلع على هذا.
وأنت كما ترى، سمى هذا النوع بـ "
تَخْفِيْفُ الهَمْزِةِ
"؛ إذًا ما معنى تخفيف الهمزة؟ هو إحداث تغيير على الهمزة، أو تغيير في نطقك بالهمزة، إحداث تغيير في نطقك بالهمزة من باب التخفيف؛ إذًا تخفيف الهمزة هذا خلاف الأصل؛ ولذلك إذا لم يُنص على أن فلانًا يخفف الهمزة أو يسهلها أو يبدلها، فالأصل أنه يحققها، هذا هو الأصل في القراءة، وعُلِمَ من ذلك أن ما يطرأ على الهمزة من تغيير ما سببه؟ تخفيف الهمزة، والمراد بالتخفيف هنا التخفيف في النطق بها.
وأنتم حينما تدرسون باب المخارج والصفات، تجدون أن علماء التجويد قد نصوا على أن الحروف التي جمعت بين الجهر والشدة كان فيها قلقلة؛ ولذلك تجد أن حروف القلقلة، وهي: "قطب جد"، إذا تأملت هذه الحروف تجد أن هذه الحروف جمعت بين صفتين قويتين؛ بين صفة الجهر والشدة، وكلتا الصفتين قوية، فعندنا الجهر، ما حروف الجهر وليست الشدة؟ ما حروف الجهر؟ خلاف "فحثه شخصٌ سكت"، فهل فيها القاف؟ نعم، هل فيها الطاء؟ نعم، هل فيها الباء؟ نعم، هل فيها الجيم؟ نعم، هل فيها الدال؟ نعم، ففيها الجهر.
إذا نظرنا إلى حروف الشدة، ما حروف الشدة؟ "أجد قطٍ بكت"، إذًا "قطب جد" هل هي موجودة في "أجد قط بكت"؟ موجودة؛ لذلك حروف القلقلة الخمسة "قطب جد" يجتمع فيها الجهر والشدة، وهما كما قلت صفتان قويتان، فناسب هذا أن تقلقل تلك الحروف تخفيفًا في النطق بها؛ إذًا من مقاصد القلقلة تخفيف النطق بالحرف؛ لأنه مجهور ومشدود، فحينئذٍ يهتز في النطق به حتى يسهل النطق به.
لكنك تجد الهمزة أيضًا فيها الجهر والشدة، انظر "فحثه شخص سكت" ليس فيها الهمزة؛ إذًا الهمزة مجهورة، والهمزة موجودة في "أجد قط بكت"؛ إذًا الهمزة حرف مجهور وأيضًا فيه صفة الشدة، لكن الهمزة لا تقلقل؛ إذًا فماذا يصنعون من أجل تخفيف النطق بها؟ سهلوها أو أبدلوها؛ إذًا نستطيع أن نقول: إن الإبدال في الهمزة أو التسهيل في الهمزة يقوم مقام القلقلة في غيرها من الحروف المجهورة المشددة أو التي فيها شدة، والله تعالى أعلم.
هم يعبرون عن تخفيف الهمزة بتعبيرات؛ فأحيانًا يقولون: "تخفيف الهمزة"، وأحيانًا يقولون: "تليين الهمزة"، وأحيانًا يقولون: "تسهيل الهمزة"؛ إذًا هذه تعبيرات، تجد في تعبيرات القراء والمجودين يقولون: تخفيف الهمزة، تسهيل الهمزة، تليين الهمزة،
لكن يلاحظ أن كلمة التسهيل مع الهمز لها اصطلاحان:
الأمر الأول:
اصطلاح عام: وهو أن التسهيل معناه التغيير، فإذا قيل: "سهل الهمزة" يعني غيّرها، فيدخل في التسهيل الإبدال؛ لأن الإبدال نوع من أنواع التغيير؛ هذا التسهيل بالمعنى العام.
الأمر الثاني
: التسهيل بالمعنى الخاص: وهو يقابل الإبدال ويقابل التحقيق، فيكون هناك إسقاط، وإبدال، وتحقيق، وتسهيل، كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- بعد قليل.
وهذه مصطلحات مهمة لمن يدرس القراءات؛ لأنه في أثناء القراءات يأتي تعبير القراء وتعبير العلماء كالشاطبي وابن الجزري وغيرهما، فإذا لم يعِ الدارس مقصودهم ربما فهم أن المراد بالتسهيل هنا المعنى العام والمراد الخاص أو العكس.
مرة أخرى: التسهيل -تسهيل الهمزة- أحيانًا يأتي بمعنى التغيير، مطلق التغيير؛ إذًا إبدال الهمزة تسهيل بالمعنى العام، وإسقاط الهمزة تسهيل بالمعنى العام، التسهيل تسهيل.
لكن عندنا "التسهيل بين بين"؛ حين نقول "بين بين" هذا نوعٌ من الأنواع العامة من النوع العام وهو تسهيل العام الذي هو تخفيف الهمزة، فيكون التسهيل نوعًا من أنواع تخفيف الهمزة؛ لذلك هو يتكلم هنا عن تخفيف الهمزة ذكر منها التسهيل، فتقول: كيف ذكر منها التسهيل مع أنَّ التخفيف يقال له تسهيل؟ فنقول: لأن التسهيل هنا هو الخاص، وأما التسهيل في تسمية التخفيف بالتسهيل فهو من باب الإطلاق العام.
نَقْلٌ فإِسْقَاطٌ وَإِبْدَالٌ بِمَدْ
مِنْ جِنْسِ مَا تَلَتْهُ كَيْفَمَا وَرَدْ
النوع الأول: الـ
"
نَقْلٌ"
؛ ما معنى النقل؟ أن تنقل الحركة إلى الحرف الساكن قبلها، إذًا ما المراد بنقل الهمزة؟ بأن تنقل حركة الهمزة إلى الحرف الساكن قبلها، حينما تقول: أو ، تقول ماذا؟ "قَدَ فلح"، "قَدَ فلح"، "قَدَ فلح"؛ ماذا صنعت في قولك "قَدَ فلح"؟ نقلت حركة الهمزة، وما حركة الهمزة هنا؟ الفتحة، نقلتها إلى الساكن قبلها وهو الدال، فهذا اسمه نقل، إذًا النقل: نقل حركة الهمزة إلى الحرف الساكن قبلها.
النوع الثاني:
"
فإسْقَاطٌ
"، ما معنى إسقاط؟ أن تسقط الهمزة؛ ولذلك عندنا من يسقط الهمزة الأولى، ومن يسقط الهمزة الثانية، وهناك الإبدال للقراء، فبعضهم يقرأ مثلًا إذا كانت الهمزتان مفتوحتين مثل قوله تعالى: ، يسقط الأولى فيقول: "جا أجلهم". "جا أجلهم"، ماذا حدث؟ أسقط الهمزة الأولى، إذًا اسمه إسقاط، ويترتب على الإسقاط أحكام؛ هل أسقط الأولى أو أسقط الثانية؟ ولأنه إذا أسقط الأولى فالهمزة الثانية بالنسبة لحرف المد منفصلة عنه في حقيقة الأمر بخلاف الهمزة الأولى فهي متصلة، وإذا قال: ، ما سبب المد في ؟ مجيء الهمز بعد حرف المد في كلمة، فإذا قال "جا" فأين الهمز؟ فحينئذٍ يعتبرها قصرًا فيقرأها بالقصر؛ لذلك هناك ارتباط وثيق بين الهمز والمد وبين إسقاط الهمز وما يترتب على ذلك من المد، ومحل ذلك في القراءات كما هو معروف.
النوع الثالث:
"
الإبدال بمد
"؛ وهو أن يبدل الهمزة حرفًا من جنس حركة ما قبلها؛ فلذلك قيل له إبدال؛ فيبدل الهمزة بحرف من جنس حركة ما قبلها، ما معنى من جنس حركة ما قبلها؟ يعني إن كان ما قبلها فتحة أبدلت الهمزة بالألف، وإن كان ما قبلها ضمة أبدلت الهمزة بالواو، وإن كان ما قبلها كسرة أبدلت الهمزة بالياء، فمثلًا ماذا يقول فيها؟ "ياتي" "يأتي"؛ لأن الياء مفتوحة وما جنس الفتحة؟ الحرف الذي يجانسها هو الألف، : "يومنون"، وهكذا، وهناك ما يقولون الإبدال محض، إبدال محض ليس فيه "بين بين"، ﴿أَنَّمَا﴾ أبدلت الهمزة حرفًا من جنس حركة ما قبله صريحًا، وهذا ما يسمونه الإبدال المحض.
إذًا عندنا تخفيف الهمزة له أنواع؛ النوع الأول: النقل، النوع الثاني: الإسقاط، النوع الثالث: الإبدال بمد؛ ولذلك عندنا مد يقال له مد ماذا؟ مد البدل، فمثلًا كلمة "إيمان" ما أصلها؟ "إِئْمان"، : "أُؤْتوا"، وهكذا، فهذا كثير في هذا الباب.
قال:
نَحْوُ أَئِنَّا فِيهِ تَسْهِيلٌ فَقَطْ
وَرُبَّ هَمْزٍ فِي مَوَاضِعٍ سَقَطْ
"
نَحْوُ أَئِنَّا
"؛ إذا حققت الهمزة كيف تنطقها؟ "
أَئِنَّا
"، هذا هو التحقيق، وإذا أبدلتها؟ "أَيِنَّا"، فحينئذ أبدلتها إلى ياء، وإذا سهلتها؟ "أئينا"، فلا تكون ياءً ولا تكون همزة، وإنما "بين بين"، وهذا معنى التسهيل؛ لذلك قال بعدها: "
تَسْهِيلٌ فَقَطْ
"، فما معنى التسهيل؟ التسهيل: النطق بالهمزة متوسطة بينها وبين الحرف المجانس لحركتها، يعني ما المجانس للفتحة؟ الألف، ما المجانس للكسرة؟ الياء، ما المجانس للضمة؟ الواو، فهو النطق بالهمزة متوسطة بينها -يعني لا تقرأها همزة- والحرف المجانس لحركتها.
أشهر مثال أو الذي نقرأ به في رواية حفص عن عاصم، أين التسهيل فيها؟ في . إذا قرأناها بالتحقيق كيف نقول؟ ""، هذا هو التحقيق. وإذا قرأناها بالتسهيل ماذا نقول؟ "﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾"، لا أقول "أهعجمي" كما يقع من بعض الناس فأحول الهمزة إلى هاء؛ فالهاء ليست تسهيلًا وليست داخلة معنا هنا أصلًا، ولا أقول "آعجمي"؛ لأنني حينئذ مددت وما سهلت، لكن "ءأعجمي " تجد أنها بين الهمزة وبين الحركة المجانسة للحرف المجانس لحركتها وهو الألف، "ءأعجمي" فهي ما بين الهمزة وما بين الألف، فيقال هذه مسهلة.
ولذلك الشاطبي في "حرز الأماني"، قال:
وَالإِبْدَالُ مَحْضٌ وَالمُسَهَّلُ بَيْنَ بَيـ
ـنَ ما ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ الهَمْزُ وَالحَرْفُ الَّذِي مِنْهُ أُشْكِلَا
إذًا التسهيل ما بين الهمز والحرف الذي منه أُشكلا، أي المشاكل له في الحركة؛ فالفتحة مشاكل لها الألف، والضمة الواو، والكسرة الياء؛ هذا هو التسهيل، والموجود عندنا في رواية حفص في كلمة ، طبعًا معروف من طريق الشاطبية وطريق الطيبة عندنا كلمة وكلمة وففيها أيضًا وجه التسهيل مع المد اللازم ست حركات، وحيث ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ بالتسهيل كان القصر؛ فلذلك عند من يقرأ إذا قرأها بالتسهيل فإنَّ فيها القصر وليس فيها المد اللازم، وكذلك وكذلك .
قال: "
وَرُبَّ هَمْزٍ فِي مَوَاضِعٍ سَقَطْ
"، وقوله "
فِي مَوَاضِعٍ
" هذا من أجل الوزن "
مَوَاضِعٍ
"، وإلا فالأصل أن يقال "في مواضعَ سقط".
وَكُلُّ ذَا بِالرَّمْزِ وَالِإيمَاءِ
إِذْ بَسْطُهَا فِي كُتُبِ القُرَّاءِ
"
وَكُلُّ ذَا بِالرَّمْزِ وَالِإيمَاءِ
"؛ يعني كل ما نشرحه لك أو نبينه لك في هذا النظم ما هو إلا رمز وإيماء، أي إشارات خفيفة، "
إِذْ بَسْطُهَا فِي كُتُبِ القُرَّاءِ
"؛ بسط ذلك في كتب القراء؛ فالقراء يتكلمون عن التسهيل كلامًا فيه توسع، وعن الإبدال كلامًا فيه توسع، ويبينون مَن الذي يبدل ومَن الذي لا يبدل، ومَن الذي يحقق ومَن الذي يسهل، ومَن الذي يبدل الثانية ومَن الذي يبدل الأولى، ومَن الذي يسقط الأولى ويسقط الثانية، وإذا كانت الهمزتان في كلمة أو كانت الهمزتان في كلمتين ماذا يكون، وإذا اتحدت الحركة واتفقت أو اختلفت الحركة، وماذا لأهل "سما" من هذا في القراءات وماذا لغيرهم، إلى غير ذلك من قواعد معروفة، وماذا لورش وماذا لأبي جعفر وغيرهم في هذا الباب، وماذا لحمزة -وما أدراك ما حمزة- في باب الهمزة، إلى غير ذلك مما هو معروف في باب القراءات.
طبعًا كما قلت: هذه الأبواب، بعض مَن يتناول علم التفسير لا يرى أن تذكر هذه الأبواب في الدراسة التفسيرية؛ ولذلك إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنها منظومة في أصول التفسير فهذا لا تعلق له بأصول التفسير، لكنه مما ذكره الناظم هنا باعتبار أنه مبحث من مباحث علوم القرآن لتعلقه بالأداء والقراءة والإقراء، لكن لو أنني أصنف كتابًا فيما على المفسر أن يتعلم، ليس بالضرورة أن أذكر هذا الباب أيضًا أصالة؛ لأن هذا يتعلق بالأداء.
ولذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن القراءات أو علم القراءات منه ما يتعلق بالتفسير ومنه ما لا يتعلق بالتفسير؛ ما يتعلق بالتفسير ما يترتب عليه من أثر في المعنى، أما ما لا تعلق له بأثر في المعنى فإنه خارج عما يلزم المفسر تعلمه، ولا يعني هذا التزهيد في علم القراءات، ولكن من باب وضع كل شيء في نصابه، والله أعلم.
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
النَّوْعُ السَّادِسُ: الإِدْغَامُ
فِي كِلْمَةٍ أَوْ كِلْمَتَينِ إِنْ دَخَلْ
حَرْفٌ بِمِثْلٍ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ الِادْغَامُ يُقَلْ
لَكِنْ أَبُو عَمْرٍو بِهَا لَمْ يُدْغِمَا
إِلَّا بِمَوْضِعَيْنِ نصًّا عُلِمَا
الشرح
"
النَّوْعُ السَّادِسُ: الإِدْغَامُ
": عندنا أيضًا مما يتعلق بالأداء باب الإدغام، وباب الإدغام من الأبواب المهمة في دراسة التجويد والقراءات؛ لذلك يُذكر في التجويد ويذكر كذلك في باب القراءات، "
الإِدْغَامُ
"؛ وأصل الإدغام الإدخال، يعني أصل معنى كلمة الإدغام الإدخال؛ فأنت تدخل حرفًا في حرف حتى يصيرا حرفًا واحدًا كالثاني مشددًا، فهذا هو الإدغام؛ فالإدغام أدخلت حرفًا في حرف؛ ولذلك الحروف المشددة أصلها حرفٌ أدخل في حرفٍ آخر؛ فنقول مثلًا الدال المشددة أو الباء، يعني مثلًا الباء في قوله تعالى: ، يقولون أصلها باءان؛ باء ساكنة وباء متحركة فأدخلت هذه في تلك.
ما أسباب الإدغام؟ أسباب الإدغام في الأصل: التماثل، والتقارب، والتجانس؛ يعني ما السبب الذي يجعل حرفًا يدخل في حرف؟ تماثل حرف في حرف، أو تجانس حرف مع حرف، أو تقارب حرف مع حرف؛ التماثل والتقارب والتجانس، وبناءً عليه فما موانع الإدغام؟ التباعد، يعني الأصل ما الذي يمنع الإدغام هو التباعد، أو وجود مانع من الموانع المعروفة؛ يعني لوجود تماثل بين الحرفين، دال مع دال مثلًا، فيقال هذا فيه تماثل. أو لوجود تقارب، أو لوجود تجانس.
تجانس مثل: ، التاء والطاء من مخرج واحد. الذال والظاء من مخرج واحد، هذا اسمه تجانس.
لكن تقارب، التقارب قد يكون تقاربًا في المخرج أو في الصفة؛ الدال مع السين هذا اسمه تقارب، هذا اسمه تقارب، في التقارب هناك أوجه للقراء، فمنهم من يدغم ومنهم من لا يدغم.
لكن عندنا في المثلين يدغمون فمثلًا في قوله: يتفق القراء على الإدغام، ولكن في هناك من يُدغم وهناك من لا يُدغم، ومن أجل هذا ذكروا في القراءات إدغام المتقاربين والمتجانسين لوقوع اختلاف بين القراء في ذلك.
ولا يعي باب التقارب والتماثل والتجانس إلا من درس باب المخارج والصفات؛ ولذلك من العسير بمكان أن يعي طالب العلم الذي ابتدأ دراسة "تحفة الأطفال" فهم باب المثلين والمتقاربين والمتجانسين إلا إذا فهم المخارج والصفات؛ لذلك من يدرس "تحفة الأطفال" يعوزه في هذا الباب -باب المثلين والمتقاربين والمتجانسين- أن يدرس باب المخارج والصفات، وإن لم يكن في "تحفة الأطفال".
لذلك من ظن أنه يفهم "تحفة الأطفال" للجمزوري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى دون أن يدرس باب المخارج والصفات فهو واهم، إلا إذا كان يتذكر الحروف يحفظها عن طريق الحروف؛ إذا وجدت دالًا مع كذا إذا وجدت الحرف ونظيره فهذا تماثل، لكن حرف كذا مع كذا بينهما تقارب، لكن كيف؟ يفهم المخارج ما مخرج الشفتين؟ ما مخرج طرف اللسان؟ كيف يعرف هذا إلا إذا درس المخارج والصفات؟ ويعرف الصفات، والصفات التي لها ضد والتي ليس لها ضد، وهذه الصفة ما حروفها وتلك الصفة ما حروفها؛ لذلك مهم عند دراسة "تحفة الأطفال" قبل دراسة باب المثلين والمتقاربين أن تدرس المخارج والصفات، فتكون قرينة لهما؛ ولذلك حتى لو لم يدرس "الجزرية" فإنه يضم إليها باب المخارج والصفات في دراسته.
إذًا حينما نقول أسباب الإدغام: التماثل أو التقارب أو التجانس، ليس معنى ذلك وجوب الإدغام؛ ففرق بين أن تقول السبب والوجوب؛ لأنه قد يتقاربان ولا يكون هناك إدغام؛ إذًا هذا معناه وجود سبب لكن قد لا يتحقق.
قال:
فِي كِلْمَةٍ أَوْ كِلْمَتَينِ إِنْ دَخَلْ
حَرْفٌ بِمِثْلٍ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ الِادْغَامُ يُقَلْ
"
فِي كِلْمَةٍ أَوْ كِلْمَتَينِ إِنْ دَخَلْ
"؛ لأن الإدغام قد يكون في الكلمة وقد يكون في كلمتين؛ قد يقع الإدغام في كلمة واحدة وقد يقع في كلمتين، "
حَرْفٌ بِمِثْلٍ
"؛ إذًا هذا كلام عن ماذا؟ عن التماثل، دال مع دال، باء مع باء، "
﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ الِادْغَامُ يُقَلْ
"؛ أي يُسمى بالإدغام، إدغام مثلين، وكما تعرفون أنهم يقولون: إن المثلين -وكذا الأمر في المتقاربين والمتجانسين والمتباعدين- على ثلاثة أقسام؛ فهناك صغير، وكبير، ومطلق.
فإذا سكن الأول وتحرك الثاني قيل إنه:
صغير
.
وإذا تحرك الاثنان قيل إنه:
كبير
.
وإذا تحرك الأول وسكن الثاني قيل إنه:
مطلق
.
فعندنا صغير وكبير ومطلق؛ فمثلًا حينما نقول ، هذا يسمى مثلان مطلق، الأول متحرك والثاني ساكن، هذا في كلمتين، لكن هذا صغير لأن الأول ساكن والثاني متحرك. ؛ هذا كبير، ؛ هذا كبير، ؛ هذا كبير، مثال للمثلين الكبير.
المثلان الكبير الأصل فيه الإظهار، وأما المثلان الصغير فحكمه الإدغام، هذا هو الأصل، إلا إذا وجد مانع، وأما المثلان الكبير فالأصل فيه الإظهار إلا ما كان من أبي عمرو البصري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وهو من طريق الشاطبية من طريق السوسي، ولكن التعبير بأبي عمرو أوسع في التحقيق من القول بأبي عمرو؛ لذلك تعقب العلماء الشاطبي في إيراده الباب في "الشاطبية" عن أبي عمرو وهو عن السوسي من هذا الطريق.
ودونك الإدغام الكبير وقطبه
أبو عمرو البصري فيه تحفلا
يعني أبو عمرو البصري له فيه عمل وشغل؛ لذلك تأتي عند الإدغام الكبير مباشرة تلتفت إلى أبي عمرو البصري، أو إلى السوسي على التحقيق.
لذلك قال هنا ونص:
لَكِنْ أَبُو عَمْرٍو بِهَا لَمْ يُدْغِمَا
إِلَّا بِمَوْضِعَيْنِ نصًّا عُلِمَا
وَدُونَكَ الاِدْغَامَ الْكَبِيرَ وَقُطْبُهُ
أَبُو عَمْرٍو الْبَصْرِيُّ فِيهِ تَحَفَّلَا
فَفِي كِلْمَةٍ عَنْهُ مَنَاسِككُّمْ وَمَا
سَلَككُّمْ وَبَاقِي الْبَابِ لَيْسَ مُعَوَّلَا
لديه كلمتان؛ ما هاتان الكلمتان؟ : . والكلمة الثانية : .
طالب
: ...
الشيخ:
أبو عمرو البصري، يعني ﴿أَنَّمَا﴾ اختص به، لكن هناك فرق بين طريق الطيبة وطريق الشاطبية؛ لذلك في "الطيبة" أبو عمرو يدخل بأكثر من ذلك، والله أعلم.
لكن للآخرين لهم أوجه في بعض الأبواب؛ لذلك مثلًا في باب التقارب وفي باب التجانس لهم مذاهب في ذلك؛ لذلك أتى بباب حروف تقاربت مخارجهم، ففي باب المتقارب والمتجانس لهم مذاهب في ذلك.
إلا ما استثني في القاعدة العامة، لذلك بعدها من كلام الشاطبي قال:
وَمَا كَانَ مِنْ مِثْلَيْنِ فِي كِلْمَتَيْهِمَا
فَلاَ بُدَّ مِنْ إدْغَامِ مَا كانَ أَوَّلَا
هذه القاعدة العامة.
كَيَعْلَمُ مَا فِيهِ هُدًى وَطُبِعْ عَلَى
قُلُوبِهِمُ وَالْعَفْوَ وَأْمُرْ تَمَثَّلَا
إِذَا لَمْ يَكُنْ تَا مُخْبِرٍ أَوْ مُخَاطَبٍ
أوِ الْمُكْتَسِي تنْوِينَهُ أَوْ مُثَقَّلَا
كَكُنْتُ تُرَاباً أَنْتَ تُكْرِهُ وَاسِعٌ
عَلِيمٌ وَأَيْضاً تَمَّ مِيقاَتُ مُثِّلَا
كقوله: ؛ ، تاء وتاء. الأصل أن نرد الإدغام، لكن في المثلين الكبير هو يدغم، وهنا لا يدغم؛ لماذا؟ "كنت" لأن هذه تسمى تاء المخبر. ، هذه تاء المخاطب، هنا لا يدغم مع أنَّ التاء مع التاء.
قال "أو المكتسي تنوينه"، في حالة التنوين: ؛ آخرها عين وأولها عين، ليس فيها إدغام لأبي عمرو؛ لماذا؟ لوجود التنوين. "أو مثقلًا" في حالة وجود تثقيل أي تشديد: ؛ ولذلك قال: "
وَأَيْضاً تَمَّ مِيقاَتُ مُثِّلَا
" ؛ هل الميم تدغم في الميم؟ لا؛ لأن الميم الأولى مشددة.
إذًا أنا عندي إذا كان هناك تاء الإخبار، أو المخاطب، أو وجود تنوين، أو وجود تشديد، فهذه موانع من موانع الإدغام عند أبي عمرو البصري في المثلين الكبير، فإذا خلا من ذلك فالأصل أن عنده الإدغام في كلمتين، وأما في كلمة واحدة فالمستثنى في ذلك فقط الذي فيه الإدغام عنده هما و، هذان المثالان فيهما الإدغام له في كلمة واحدة؛ ولذلك لو أننا نقرأ لأبي عمرو أو للسوسي ، ماذا نقرأ؟ "الرحمن الرحيم ملكِ" فماذا نصنع ندغم، لماذا؟ لأنَّها ميم مع ميم وليس فيها مانع من هذه الموانع.
قال: "
إِلَّا بِمَوْضِعَيْنِ نصًّا عُلِمَا
"؛ عرفنا ما الموضوعان من كلام الشاطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وهي كلمة "مناسككم"، وكلمة "سلككم"؛ هاتان الكلمتان فيهما الاستثناء من بقية الكلمات فيما حرى فيها الإدغام أو المثلان في كلمةٍ واحدة، وأما في كلمتين فالقاعدة العامة هي الإدغام إلا إذا وُجد مانع من هذه الموانع التي تقدم ذكرها.
وأيضًا هذا الباب من الأبواب التي تتعلق بالأداء ولا يتعلق به شيء مما هو داخلٌ في أصول التفسير؛ فلو لم يتعلمه المرء ما ضره شيء بالنسبة لعلم التفسير، وإن كان هذا متعلقًا بالقراءة والإقراء.
وبهذا ينتهي الحديث بفضل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وعونه من العقد الثالث الذي يتعلق بالأداء، لننتقل بعده إلى العقد الرابع وهو الذي يرجع إلى الألفاظ؛ قال وهي سبعة أنواع: الغريب، والمعرب، والمجاز، والمشترك، والمترادف، والاستعارة، والتشبيه، وهي كما ترون أبواب وأنواع مهمة ويكثر تردادها في كتب التفسير وعلوم القرآن، فنشرع فيها بإذن الله تعالى في الدروس المقبلة. ونقف عند هذا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، هذا والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.