منظومة الزمزمي (الدرس الثلاثون)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
العَقْدُ الرَّابِعُ:
مَا يَرْجِعُ إِلَى الأَلفَاظِ وَهُوَ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ:
الأَوَّلُ وَالثَّانِي: الغَرِيْبُ، وَالمُعَرَّبُ
يُرْجَعُ لِلنَّقْلِ لَدَى الغَرِيبِ
مَا جَاءَ كَالْمِشْكَاةِ فِي التَّعْرِيبِ
أَوَّاهُ وَالسِّجِلُّ ثُمَّ الكِفْلُ
كَذَلِكَ القِسْطَاسُ وَهُوَ العَدْلُ
وَهَذِهِ وَنَحْوَهَا قَدْ أَنْكَرَا
جُمْهُورُهُمْ بِالوِفْقِ قَالُوا إِحْذَرَا
الشرح
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:
فما زال الحديث موصولًا بالتعليق على منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وننتقل إلى العقد الرابع، وهو: "مَا يَرْجِعُ إِلَى الأَلفَاظِ وَهُوَ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ: الأَوَّلُ وَالثَّانِي: الغَرِيْبُ، وَالمُعَرَّبُ"؛ إذًا المصنف انتقل هنا إلى باب جديد أو عقدٍ جديد يتعلق بالألفاظ، فطالب علم التفسير يحتاج إليه؛ ليدرك معاني الألفاظ، وهذا يُسمى بـ "العلوم اللفظية"؛ وهي من أولى ما يُحتاج إليه في علم التفسير كما نص على ذلك الراغب الأصفهاني؛ فالعلوم اللفظية من أولى ما يُحتاج إليه في دراسة تفسير القرآن الكريم، فذكر الغريب، والمعرب، والمجاز، والمشترك، والمترادف، والاستعارة، والتشبيه.
النوع الأول والثاني: الغريب والمعرب، قال فيه:
يُرْجَعُ لِلنَّقْلِ لَدَى الغَرِيبِ
مَا جَاءَ كَالْمِشْكَاةِ فِي التَّعْرِيبِ
"
يُرْجَعُ لِلنَّقْلِ لَدَى الغَرِيبِ مَا جَاءَ
"؛ فما جاء غريبًا يُرجع فيه إلى النقل، هو يحدثنا في هذا الكلام عن أنه إذا وردت كلمة غريبة، فكيف نتعرف على هذه الغرابة وكيف تزول عندنا الغرابة عن طريق النقل؟ وما المراد بالنقل؟ أي: النقل عن العرب من لسانهم؛ إذًا ما الحل إذا وردت كلمة في الكتاب العزيز ووجدناها غريبة؟
المرد في ذلك إلى النقل، لسان العرب؛ يعني ليس هناك مجال للاجتهاد في إنشاء المعنى، لكن قد يكون هناك مجال للاجتهاد في الترجيح بين المعاني الواردة عنهم، فقد يرد للكلمة أكثر من معنى، فحينئذٍ تقف على لسانهم وتنظر في نقولهم فتجد هذه النقول فيها تعدد للأقوال، فحينئذٍ يتدخل أو يدخل الإنسان باجتهاده ليصل إلى المقصود من اللفظة القرآنية في هذا السياق، لكن من حيث التقرير مبني على النقل، ويقولون: المراد بالنقل هنا النقل عن العرب من لسان العرب.
ومما هو جدير بالذكر هنا أن يقال: ومما يدخل في النقل، النقل عن الصحابة، النقل عن السلف الصالح لا سيما الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، بمعنى أن تفسير الصحابي للكلمة تفسيرًا لغويًا حجة؛ لأن الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، أصحاب لسان العربي، فما نُقل عنهم يقبل بل هو أولى بالقبول من غيره، وإن كان هناك عدد ممن يدرس هذا الباب ويعتني به لا عناية له بتفاسير الصحابة وأقوالهم في بيان الغريب وهذا محل نظر؛ فإذا كنا نقبل معنى الكلمة ببيتٍ شعريٍ نجهل صاحبه، فلأن نقبل تفسير كلمة لكون هذا المعنى قد نُقل عن الصحابي أو عن أكثر من صحابي أولى؛ إذًا تفسير الصحابة لغريب ألفاظ القرآن الكريم داخل في حيز القبول.
إذًا قوله "
يُرْجَعُ لِلنَّقْلِ
"؛ أي: بالنقل إلى لسان العرب، ويدخل في ذلك النقل عن الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، ويُستفاد في هذا من كتب التفاسير المهتمة أو المعتنية بنقل الآثار عن السلف كـ "تفسير الطبري"، و "تفسير ابن أبي حاتم"، و "تفسير عبد الرزاق"، و "تفسير ابن المنذر"، وغيرهم.
هذه مسألة، لكن هذه المسألة تسبقها مسألة أخرى، بل إن شئت فقل أكثر من مسألة:
المسألة الأولى: ما الغريب؟ فإذا كنا نتكلم عن طريقة التعامل مع الغريب، فما معنى الغريب في القرآن الكريم؟ وهل يوجد غريب؟ وهذا الكلام بفضل من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، قد سبق بيانه بنوع من التفصيل في "مقدمة شرح تحفة الأريب"، أليس كذلك؟ بلى، وقد اختبرتم فيه؛ إذًا أجيبوني.
طالب:
ليس بعربي...
الشيخ:
لا، ليس بعربي، هذا شيء مختلف..
طالب:
....
لا، هذا المعرب، لا أتكلم عن المعرب الآن، المعرب تكلمنا عنه أيضًا في تحفة الأريب، لكن أتكلم عن الغريب والآن ذكر نوعين: الغريب والمعرب، كلامنا عن الغريب.
طالب:
الألفاظ التي يصعب فهمها على كثير من الناس...
الشيخ:
الألفاظ التي يصعب فهمها على بعض الناس أو كثير منهم هذه يقال له غريب.
طالب:
ما ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ استعماله في لغة العرب...
الشيخ:
ما ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ استعماله في لغة العرب أو في لغة من لغات العرب أو في لسان بعض العرب، تمام؛ كل هذه أقوال قيلت، لكن ذكرنا بعض الجوامع في هذا.
لكن بداية "الغريب"؛ الأصل في معناه البعيد؛ ولذلك يقال: فلان غريب عن بلده؛ أي: بعيد عن بلده، فالغرابة معناها البعد والخفاء، فالشيء الغريب معناه أنه غامض، فالغربة تدل على معنى الغموض، فهذا يعني أن الغرابة فيها معنى البعد عن المشهور ومعنى الغموض وعدم الوضوح، فهذا يساعدنا في معنى الغريب في اصطلاح العلماء.
لكن علينا أن نعلم أن الغريب بحسب العلم الذي يُبحث فيه؛ فعندنا غريب في علم الحديث مثلًا، ويكون هناك غرابة للسند وغرابة في المتن؛ ولذلك الغريب أحد أقسام الحديث الآحاد، فيقولون: الآحاد ينقسم إلى مشهور وعزيز وغريب، فهذا نوع من أنواع الغرابة، وقد تكون الغرابة في المتن.
وهناك غرابة في البلاغة تُنافي الفصاحة وليست هذه مرادة هنا؛ لأن القرآن كله فصيح وبليغ، بل هو أفصح وأبلغ ما يكون، لكن الغرابة بعضهم يقول: الكلمات الغامضة التي يخفى فهمها على كثير من الناس باعتبار المعنى اللغوي الذي سبق.
وبعضهم يعرفه فيقول:
كل كلمة من الكلمات القرآنية يخفى معناها على بعض الناس أو يصعب إدراك المراد منها بسبب قلة استعمالها، أو بسبب اختصاصها ببعض أهل اللسان، لكننا ونحن نعرف هذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: وهناك زيادة مهمة في التعريف زادها بعض الباحثين وهي جيدة، بأن ندخل في الغريب أيضًا: أو لاحتياجها إلى بيان من الشارع.
إذًا هي كل كلمة من كلمات القرآن يخفى معناها على بعض الناس، أو يصعب إدراك المراد منها بسبب قلة استعمالها، أو اختصاصها ببعض أهل اللسان، أو لاحتياجها إلى بيان من الشارع؛ لأننا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ قد تكون الغرابة ليست غرابة من حيث المعنى اللغوي، ولكن من حيث الحقيقة الشرعية؛ فمثلًا لو أن شخصًا يفهم أن معنى الصلاة في اللغة الدعاء مثلًا، لكنه إذا فهم الصلاة التي أُمرنا بها في كل مواضعها في القرآن على أنها بمعنى الدعاء، هل هذا يصلح؟ لا يصلح؛ وإطلاق الصلاة على العبادة الخاصة غريب على من لا يعرف لسان الشرع.
"الظلم" معناه تجاوز الحد، أو وضع الشيء في غير موضعه أو ما أشبه ذلك، الظلم يأتي بمعنى الشرك ويأتي بمعنى الكبيرة، إذًا هذا في عرف الشرع ما المراد به؟ لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: من الحسن بمكان ونحن ندرس غريب الألفاظ القرآنية أن نُراعي الحقائق الشرعية؛ لأن المعنى اللغوي قد يكون باديًا وظاهرًا لكنه ليس هو المراد من النص القرآني أو من الكلمة القرآنية؛ ولذلك أثنى العلماء على من ممن كتب في غريب القرآن؟
﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: أثنى العلماء كالزركشي وغيره على الراغب الأصفهاني في كتابه "المفردات في غريب القرآن"، قالوا: لأنه يتصيد المعنى من السياق، يعني غالب من كتب في غريب القرآن ربما لا يراعي السياق في بعض الأحيان، لذلك دراسة غريب القرآن من كتب غريب القرآن أولى من الاقتصار على دراستها من كتب اللغة، بل لا ينبغي الاقتصار على دراستها من كتب اللغة؛ لأن العالم اللغوي يدرسها من حيث الدلالة اللغوية.
وأما من يكتب في غريب القرآن فإنه يراعي السياق الذي جاءت فيه، لذلك قدموا كتاب الراغب؛ لأنه يتصيد المعنى من السياق، فقد يكون المعنى عامًا في اللغة لكن جاء له تخصيص في الشرع فهو يُراعي هذا التخصيص في الشرع.
وهل في القرآن غريب؟ نعم؛ ولذلك نص أبو حيان رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، في كتاب "تحفة الأريب" في البداية: إن القرآن منه ما هو ظاهر لجميع الناس لا يخفى على أحد أو لا يكاد يخفى على أحد، كالسماء والأرض، حينما تقول للناس: سماء، تقول للناس: أرض، يعلمه الجميع؛ لكن هناك كلمات لا يعرفها جميع الناس، يعرفها البعض دون البعض، هذه التي يدخلها الغرابة؛ ولذلك الغرابة تتفاوت بتفاوت معرفة الناس بلغتهم وشرعهم؛ فكلما كان الناس عن الشرع واللغة أكثر بعدًا كانت الغرابة أكثر وأكثر، وكلما كانوا أكثر قربًا كانت الغرابة أقل؛ لذلك نجد التفاوت في هذه الغرابة، هذا ممكن أن يذكر ثلاثمائة كلمة، والثاني يذكر ألف كلمة، والثالث يذكر خمسة آلاف كلمة، هل كل الكلمات هذه غريبة؟
هو يقول: باعتبار أن غالب من يعرفون أصل اللغة العربية يتعودون على الكلام بغير اللغة أصلًا أو باللغة العامية كما يقال، لكن يُقال إن في القرآن غريبًا بيد أنه فصيح، وهذا المعنى بخلاف الغرابة المنافية للفصاحة ومن باب أولى البلاغة، فإنها الغرابة التي تمجها الأسماع وتنفر منها وليس في القرآن شيء من ذلك، يكفي هذا في الغريب ونحيل على "تحفة الأريب"، فعودة صادقة إليه بإذن الله تعالى.
طبعًا طرق العلماء في دراسة الغريب وكتب الغريب والمنهج في دراسته هذا معروف أيضًا في هذا الباب، لكن على كلٍ من الكتب الشهيرة والمعتمدة في هذا كتاب "المفردات في غريب القرآن" للراغب الأصفهاني، و"عمدة الحفاظ" للسمين الحلبي.
وما ننبه عليه هنا فقط في هذا الباب أن دراسة غريب القرآن أو علم الغريب من أهم ما ينبغي لطالب العلم أن يبدأ به في دراسة التفسير؛ لأن التفسير يتكون من كلمات، ثم الكلمات تتكون من تراكيب، أو هذه الكلمات تكون تراكيب، ثم هذه التراكيب تكون آيات فسورًا، ولذلك يرد هنا سؤال: أيهما أولى بالدراسة، الدراسة الجزئية أم الدراسة الكلية؟ يعني الإنسان إذا بدأ بالمفردات يبدأ بالجزء، صحيح؟ جزء كلمة بجوار كلمة؛ وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه يبدأ بالكليات فإنه يكون معلومات عامة عن القرآن، ثم بعد ذلك يدخل في مفردات كل سورة وتفاصيل كل سورة، ويكون معلومات عامة عن مقصود كل سورة "المقصود الكلي"، ثم بعد ذلك يبحث في تفاصيل كل سورة، فيبدو لي والله أعلم أنهما طريقان
؛ إذًا لطالب العلم أن يتجه في دراسة التفسير على إحدى طريقتين:
الطريقة الأولى:
تجعله يبدأ بالجزء، وهو الاهتمام بالمفردات بأن يهتم بغريب القرآن الكريم، وهذا درج عليه عمل العلماء الأوائل، ومن أجل ذلك صُنفت المصنفات الكبيرة جدًا في هذا الباب.
الطريقة الثانية:
البدء بالكليات، وهو التصور العام عن القرآن بأن يدرس فضائل القرآن وآداب حملة القرآن، كما هو جارٍ في كلام بعض الأئمة كالآجري والنووي وغيرهما ممن ألفوا في هذا الباب، وكتاباتهم في هذا نفيسة جدًا في "أخلاق أهل القرآن"، "التبيان في آداب حملة القرآن"، ثم يدرس مقاصد القرآن الكلية؛ يعني يتعرف على المقاصد الكلية للقرآن الكريم، بمعنى ما المقاصد الكلية للقرآن؟ ما الغايات من إنزال القرآن؟ ما أوصاف القرآن؟ ثم يتجه إلى مقاصد كل سورة بمعرفة عامة، ثم بعد ذلك يدخل في التفاصيل فيتعلق بالمفردات ثم بالتراكيب وما إلى ذلك.
فهما اتجاهان ولا تنافي بينهما، فيمكن للإنسان أن يجعل لنفسه في هذا بابًا وأن يجعل لنفسه في هذا بابًا، بمعنى أنه يطلع على شيء من هذا وعلى شيء من هذا، كنت كتبت بحثًا ربما سأطبعه لكم، كان في مؤتمر كان اسمه "
اللبنات الأولى من الدراسات القرآنية في تكوين الملكة التفسيرية
"، اللبنات الأولى؛ يعني هناك لبنات أولى المفترض أنها تكون هي اللبنات الأولى التي تكون الملكة التفسيرية عند المرء، فأوردت مثل هذا؛ لأن هذا يترتب عليه أننا عندما نأتي لنخوض في غمار الغريب نجد الباب كبيرًا جدًا وكتبًا كثيرة كما سرنا على "تحفة الأريب" وغيرها.
لكن لو أتينا على الجانب الآخر وهو مقاصد القرآن سنتوقف؛ يعني الآن إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ سنختار كتابًا في مقاصد القرآن العامة ما الذي نختار؟ لا تجد متنًا أو كتابًا مقتضبًا مختصرًا بحيث نقول إنه يصلح في هذا الباب، لكن هناك كتب كبيرة مثل كتابات البقاعي مثلًا، فالبقاعي له كتاب كامل في مقاصد السور وليس في المقاصد القرآنية أيضًا، ﴿أَنَّمَا﴾ الكلام في المقاصد القرآنية متناثر؛ كلام عند أبي حامد الغزالي، كلام عند ابن جُزي الكلبي، كلام عند المفسرين في مقدمات كتب تفاسيرهم، منهم من يرى أن المقاصد الكلية ثلاثة، ومنهم من يراها أربعة، ومنهم من يراها ثمانية، ومنهم من يراها عشرة وما إلى ذلك؛ فلذلك هذا من الحسن، ممكن يكون هناك مختصر لطيف مثل هذه المختصرات كمنظومة الزمزمي في مقاصد القرآن الكلية، والله أعلم.
نتجه إلى العنوان الثاني وهو: المعرب:
"المعرب"؛ يعني هذا الذي يشغلنا عن تصحيح الحفظ مثل هذا وهو التقعيد للعلوم، أهذه هي المشكلة؛ يعني مسألة التقعيد للعلوم والتأصيل له، إن أحيانًا كما قلت بعض العلوم يظن أنها خلاص احترقت أصلًا وما في كلام للمجال، لكن في الحقيقة من حيث التأصيل الذي يُبنى عليه، فهناك كلام مثل منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، جيدة في بابها، بيد أن هناك أبوابًا في علوم القرآن الكريم كان الأولى أن تدرج، وهناك بعض المباحث التي أدرجت كان بالإمكان الاستغناء عنها؛ لأنَّها أقرب إلى القراءات أو دراسات التجويد مما هو معلوم في هذا الباب.
بالنسبة لباب المعرب أيضًا باب المعرب سبق الكلام عنه قبل ذلك، فما المراد بالمعرب؟ الكلمات غير العربية الموجودة في القرآن الكريم إن صححنا ذلك؛ يبقى الكلمات التي قيل إنها غير عربية الأصل في القرآن الكريم.
ولذلك بعض العلماء اشترط في المعرب عدة أمور، فقالوا
:
الأمر الأول:
أن يكون اللفظ الأعجمي المنقول إلى اللغة العربية قد جرى عليه إبدالٌ في الحروف أو تغييرٌ في البناء حتى صار كالعربي.
الأمر الثاني:
أن يكون اللفظ نُقل إلى العربية زمن الاستشهاد؛ لأن اللفظ الذي نقل بعد زمن الاستشهاد يسمى مولدًا لا معربًا؛ مولد، يعني لو أتينا بلفظ بعد فترة الاحتجاج، إن ما عاد يحتج بشعر الشعراء خلاص، فات زمان الاحتجاج، فإذا جاء بعده لا يُقال كلمة معربة يُقال مولدة، ومن هنا الاختراعات الجديدة؛ يعني الآن نحن ولنفرض مثلًا أدخلنا كلمة "أتوبيس" في كلامنا، أو "باص" كما يُقال، وهذا كان عندنا "حافلة" مثلًا، عندنا أسماء أخرى، فهذه صارت مولدة دخلت عندنا وهذا كثير جدًا، والمعاجم أدخلت مثل هذه الكلمات باعتبار أن الناس قد استعملوها وعرفوها وأدركوا أبعادها ومعانيها.
هذا بالنسبة للمعرب، اختلف العلماء هل يوجد في القرآن معرب أم لا؟
وهو هنا قال:
كَالْمِشْكَاةِ فِي التَّعْرِيبِ
أَوَّاهُ وَالسِّجِلُّ ثُمَّ الكِفْلُ
كَذَلِكَ القِسْطَاسُ وَهُوَ العَدْلُ
وَهَذِهِ وَنَحْوَهَا قَدْ أَنْكَرَا
جُمْهُورُهُمْ بِالوِفْقِ قَالُوا إِحْذَرَا
ما معنى هذا الكلام؟ يعني الذي أدخل في التعريب كلمة مثل "مشكاة"، طبعًا ما ذكرنا أمثلة للغريب؛ لأنَّها كثيرة لأننا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ الغرابة تتفاوت بتفاوت الناس، فقد يقرأ إنسان كلمة ما يدري ما المراد بهذه الكلمة؛ يعني مثلًا كلمة من الكلمات الغريبة، من يأتي لنا بكلمة من الكلمات الغريبة؟ " "زنين" عند كثير من الناس غريب، ماذا أيضًا؟ "إصرهم" بالصاد، نعم صحيح، ماذا أيضًا؟ "أبابيل"، "أبقة" مثلًا.
أما بالنسبة للمعرب فذكر "المشكاة"؛ وهي الكوة الفتحة التي يدخل منها الهواء أو النور ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ لها مشكاة، وهذا جاء في سورة النور ﴿۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشْكَوٰةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ لِلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾1. "أواه" ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ﴾2. "السجيل" ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾3، في بعض النسخ "السجل" لكن المعتمد "السجيل" وهو الموجود في الأصل في "النقاية" في كلام السيوطي "السجيل" ثم "الكفل" ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَءَامِنُوا۟ بِرَسُولِهِۦ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِۦ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِۦ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾4، كذلك "القسطاس" ﴿وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا۟ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾5 وهو العدل، هذه كلمات وردت في القرآن الكريم.
قيل إنها معربة؛ يعني في الأصل لم تكن عربية ثم استعملها العرب بعد ذلك، فاختلف العلماء في وجود المعرب، قال: "
وَهَذِهِ وَنَحْوَهَا قَدْ أَنْكَرَا
جُمْهُورُهُمْ
"؛ هذا معناه أن السيوطي يعزو إلى الجمهور منع وجود المعرب في القرآن الكريم؛ إذًا الجمهور يقولون: لا يوجد معرب في القرآن الكريم، وبعض العلماء يحرر كلمة الجمهور فيقول: جمهور المتقدمين على المنع وجمهور المتأخرين على الجواز.
ومن أشهر المتقدمين القائلين بالمنع الإمام الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فالإمام الشافعي يرى بالمنع، والذين يمنعون لما يمنعون؟ يقولون: القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ6 عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾؛ إذًا القرآن نزل بلسان عربي مبين؛ فهذا جميل.
فماذا كان بعده؟ قالوا: فكيف يكون في القرآن غير لسان عربي؟ لا يوجد في القرآن لسان آخر غير العربي؛ لأنّّ الله قال ذلك، وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾7، والرسول عربي ولسانه هو العربية، ومن أحاط باللغة حتى يقول إنها ليست عربية الأصل؟ هل هذا الذي يقول ذلك يجزم بأنه أحاط بكلمات العرب حتى يقول إنها ليست عربية الأصل؟ من أين له ذلك؟ فماذا تقولون وهي مستعملة في الكلمات الحبشية أو الرومية أو الفارسية أو ما أشبه؟ قالوا: وما يمنع أن يكون هذا من باب توافق اللغات؟ فاللغات يحدث بينها توافق ولا يشترط أن تكون هذه اللغة أخذت من تلك أو العكس، وما يمنع أن تكون اللغة الأخرى هي التي أخذت من اللغة العربية مثلًا؟ فيقولون بالتوافق.
فإذًا قالوا هنا تأمل: "
جُمْهُورُهُمْ بِالوِفْقِ قَالُوا إِحْذَرَا
"، بالوفق قالوا؛ يعني قالوا بالتوافق بين اللغات حذرًا من أن يدعوا أن في القرآن ما هو ليس بلسان العرب والقرآن نزل بلسان عربي مبين.
الآخرون قالوا: كون أو وجود بعض الكلمات التي ليست عربية في الأصل لا ينافي أن القرآن عربي، فإذا وُجد كلمات قليلة ليست بلسان العرب فلا يمنع أن يُقال إن القرآن كله عربي، هذا لا يمنع منه وبناءً عليه فلا تعارض بين الآية وبين ذلك، ﴿إِلَّا﴾ ترون أن في القرآن أعلامًا أعجمية بالإجماع؟ فعندنا إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب وما إلى ذلك أسماء أعجمية أو أعلام أعجمية، ولذلك هي ممنوعة من الصرف للعلمية مع العجمة، فقالوا: هذه كتلك؛ لكن الآخرين لم يوافقوا على هذا، قالوا: لأن الأعلام تذكر كما هي ولا تنسب إليها لغة وإنما هي بحسب ما قيل ابتداءً فهي خارجة عن موضع النزاع.
ولذلك نستطيع أن نقول إذا أردنا أن نحرر محل النزاع فهناك أمور إجماعية في هذا الباب:
الأمر الأول:
هناك إجماع على أن بعض الأعلام الأعجمية موجود في القرآن، هذا بالإجماع؛ يعني لا يخالف الشافعي ولا غيره في وجود بعض الأعلام الأعجمية في القرآن، الكل يتفق.
الأمر الثاني:
هناك اتفاق نقلوا الاتفاق على عدم وجود تراكيب أو أساليب غير عربية في القرآن؛ يعني وإن وجد كلمة كمشكاة أو استبرق أو ما أشبه كما ذكروا، لكن ما في أسلوب كامل وتركيب كامل غير عربي، وهذا الذي جعلهم قالوا: نعم القرآن نزل بلسان عربي مبين؛ لأن الكلمة داخلة في أسلوب عربي فمردها إلى الأسلوب؛ إذًا الأساليب كلها عربية؛ يعني لا تجد في القرآن أسلوبًا نقول إنه أسلوب غير عربي، هذا غير موجود بالإجماع؛ إذًا مورد الخلاف كلمات غير الأعلام، مفردات أخرى مفردات قيل بأنها ليست عربية الأصل، هذا هو موضع النزاع والعلم عند الله تبارك وتعالى.
أذكر لكم كلام الإمام الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وهو من أشهر من منع في هذا الباب، وقال بعدم جواز أن يكون في القرآن الكريم ما ليس بعربي، كان من آخر كلامه في هذه المسألة قال: "
ولعل من قال إن في القرآن غير لسان العرب وقُبل ذلك منه ذهب إلى أن من القرآن خاصًا يجهل بعضه بعض العرب
"؛ يعني الإمام الشافعي يتأول ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ هذا بأن في القرآن كلامًا يجهله بعض العرب، فهو ليس عربيًا عند البعض لكن ليس عربيًا عند الجميع، لا نقطع بهذا. قال: "
ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي
"؛ ما أحد يحيط بهذا غير النبي، "
ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه
"؛ لا بد أن يوجد من يعرفه والحمد لله الكلمات التي قالوا إنها غريبة عرفها العلماء وعرفها المفسرون، قال: "
والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلًا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيءٌ
"؛ هذا كلام الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
على الجانب الآخر نجد الشاطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، يقول: "
وأما كونه أي القرآن جاءت فيه ألفاظ من ألفاظ العجم أم لم يجئِ فيه شيء من ذلك فلا يحتاج إليه
"؛ يعني لا نحتاج إلى أن نفصل القول في هذه المسألة، الأمر فيها سهل، هذا كلام من؟ الشاطبي، ومعروف أن الشاطبي في كتابه "الموافقات" له قواعد أو له كلام مهم جدًا فيما يتعلق بعلوم القرآن.
لذلك كتبت بحوث خاصة بعلوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه "الموافقات" بالذات في كلامه عن قسم الكتاب الكريم أو القرآن تكلم بكثير من مباحث علوم القرآن، وإن لم يكن الكتاب في الأصل في علوم القرآن وإنما الكتاب كما هو معروف في مقاصد الشريعة وفي أصول الفقه، يقول: "
فلا يحتاج إليه إذا كانت العرب قد تكلمت به
"؛ يعني لا حاجة إلى هذا الخلاف لأن العرب تكلمت به وجرى في خطابها وفهمت معناه.
فإنَّ العرب إذا تكلمت به صار من كلامها. وهذا كلام جيد؛ يعني يقول: لا حاجة إلى هذا الخلاف، لماذا؟ لأننا لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنها غير عربية في الأصل، لكن هل القرآن لما نزل بها كان أول من تكلم بها أو أول من جاء بها أم أن العرب عرفوها قبله؟ عرفوها قبله؛ إذًا التحدي قائم والقرآن نزل بلسان عربي مبين يعرفه العرب؛ إذًا القرآن لما نزل بتلك الألفاظ فلأنها استعملت في العرب فصارت عربية بالاستعمال فنزل القرآن بها؛ لأنَّها عربية في الاستعمال.
يقول: "
فإنَّ العرب إذا تكلمت به صار من كلامها، ﴿إِلَّا﴾ ترى أنها لا تدعه على لفظه الذي كان عليه عند العجم إلا إذا كانت حروفه في المخارج والصفات كحروف العرب، وهذا يقل وجوده، وعند ذلك يكون منسوبًا إلى العرب، فأما إذا لم تكن حروفه كحروف العرب أو كان بعضها كذلك دون بعض فلابد من أن تردها لحروفها ولا تقبلها على مطابقة حروف العجم أصلًا، ومن أوزان الكلم ما تتركه على حاله في كلام العجم ومنها ما تتصرف فيه بالتغيير كما تتصرف في كلامها، وإذا فعلت ذلك صارت تلك الكلمة المضمومة إلى كلامها كالألفاظ المرتجلة والأوزان المبتدأة لها، وهذا معلوم عند أهل العربية لا نزاع فيه ولا إشكال
"؛ يعني بعض الكلمات التي هي في الأصل كانت غير عربية لما استعملها العرب غيروا في الحروف وجعلوها على وزن من أوزان العربية، هذا يعني أنهم لا يقبلون كل شيء.
هذا الذي ذكره الشاطبي في الحقيقة مسبوق إليه من العلماء؛ فالعلماء قرروا هذا سابقًا؛ ولذلك هناك كلام للعلماء في هذا الباب وهو أن الخلاف في المسألة خلاف لفظي أو أن الخلاف خلاف صوري وليس حقيقيًا؛ لأن الذي يمنع فلأنها صارت مستعملة عند العرب فالقرآن نزل بها لأن العرب استعملوها، فمن قال إنها غير عربية فهو باعتبار أصلها، ومن قال إنها عربية فباعتبار استعمالها، وفي كلٍ فالقرآن نزل بلسان عربي مبين ولا إشكال حينئذ، والعلم عند الله تبارك وتعالى.
ولذلك قال ابن عطية في تفسيره "المحرر الوجيز"، يقول: "
حقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية بهذا الوجه
"، والزمخشري نفسه في تفسيره في قوله: ﴿لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾8 قال: "
فإنَّ قلت ما للكتاب العربي المبين والفارسية
"؛ يعني هم يقولون كلمة فارسية، "
قلت: التعريب أحالها عربية
"؛ يقول: "
التعريب أحالها عربية كما أخرج الاستعمال المهمل من كونه مهملًا
"؛ كلمة مهملة لما العرب استعملوها صارت مستعملة، يعني عندنا "ديز" يقولون ديز مقلوب "زيد" لا معنى له، لو فرضنا اليوم استعملنا "ديز" إذًا صار ماذا؟ كلمة مستعملة وليست مهملة، فخلاص العرب استعملوا الكلمة صارت عربية فأنزل القرآن بهذا اللفظ المستعمل في لغة العرب.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام، وهذا أسبق، قال: "
كلاهما يقصد كلا المذهبين مصيب إن شاء الله
"، وهذا له السبق في ذلك، قال: "
كلاهما مصيب إن شاء الله؛ وذلك أن أصل هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل، فقال أولئك "أي المجيزون" على الأصل، ثم لفظت به العرب بألسنتها فعربته فصار عربيًا بتعريبها إياه، فهي عربية في هذه الحال أعجمية الأصل، فهذا القول يصدق الفريقين جميعًا
"؛ ولذلك قال الزركشي: "
من قال إنها عربية فهو صادق ومن قال أعجمية فهو صادق
"، وقريب من ذلك ما ذكره أيضًا ابن فارس في كتابه "الصاحبي في فقه اللغة العربية".
إذًا حاصل القول في مسألة المعرب:
أن المعرب من قال بجوازه فإنَّ هذا مبني على أن العرب قد استعملوا تلك الكلمة، ومن قال بمنعه فخشية أن يُنسب إلى القرآن الكريم ما ليس بعربي، والجواب عن ذلك أنه بعد استعماله صار عربيًا، هذا إن سلمنا بذلك، وإن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه من توافق اللغات لم نحتج إلى هذا، إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه لا يحاط باللسان العربي فحينئذ لسنا في حاجة إلى ذلك، لكن الأمر في ذلك يسير والله تعالى أعلم.
ومع ذلك فينبغي تقليل القول بذلك ما استطعنا؛ لأننا وإن جوزنا وجود المعرب على مذهب من يجوزه فهو خلاف الأصل أيضًا، وبناءً عليه فإذا وُجد من أهل اللغة المعتبرين ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إنها كلمة عربية في الأصل ومن يدعي غير عربيتها فالقول قول من أثبت عربيتها؛ لأنه مبقٍ على الأصل الذي معنا؛ يعني أنت ممكن تقرأ في القرآن تجد كلمات فيقول هي عربية الأصل ويأتي بأصلها واشتقاقها وأنها مشتقة من أصل كلمة عربية، إذًا لماذا أحتاج أن أقول إنها غير عربية ولماذا أقول أصلها فارسي أصلًا وأصلها كذا؟
إذًا لسنا في حاجة إلى ذلك؛ لأن التوسع في ذلك غير مطلوب؛ لأن بعض الناس لما تكلم في باب المعرب نظر إليه من جهة أخرى قال: هذا من الدلالة على إعجاز القرآن الكريم أن يكون في القرآن الفارسية وأن يكون في القرآن الرومية، فقلنا: وأين الدليل على هذا؟ يعني كون كلمة توجد في المصحف من لغة من اللغات هذا وحده لا يُقال إنه دليل على الإعجاز، ﴿أَنَّمَا﴾ الإعجاز في غيره والعلم عند الله تبارك وتعالى.
يعني بعض الناس يستكثر يقول حتى يكون القرآن نزل لكل الناس وبكل اللغات، ما يلزم ذلك، ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾، ثم إن الحجة قائمة وبإمكان هذا الشخص أيًا كانت لغته أن يتعلم اللغة العربية ثم يحاول الإتيان بمثل القرآن إن قدر ولم يقدر ولا يمكن له ذلك، فبهذا يتأتى الإعجاز، والله تعالى أعلم.
لأن بعض الناس حينما تكلم في الإعجاز يدخل هذا في باب الإعجاز فيكثر من هذا الباب، على أن بعض المدعى غير مقبول؛ يعني كون في كلمات حبشية عند من يجيز هذا أمر قد يكون مقبولًا بعض الشيء باعتبار أن الحبشة واليمن بينهم تواصل كثير والعرب لهم صلة وأخذوا من اليمن كثيرًا فيأخذون بعض الكلمات الحبشية، لكن العلاقة بينهم وبين الروم والعلاقة بينهم وبين فارس كانت قلقة ومضطربة فلا يظن أنهم أكثروا من الأخذ عنهم في مثل هذا.
فالمسألة ليست بهذا التوسع الذي يريده بعضهم، وبعضهم ألف في ذلك كتبًا؛ فهناك كتاب للسيوطي "المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب"، وهناك أيضًا "المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم" لأبي منصور الجواليقي، والله تعالى أعلم.
ونقف عند هذا، وصَلَّى اللَّهُ على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشْكَوٰةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ لِلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ — النور: 35 ↩
- آية: ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ﴾ — هود: 75 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ — هود: 82 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَءَامِنُوا۟ بِرَسُولِهِۦ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِۦ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِۦ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — الحديد: 28 ↩
- آية: ﴿وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا۟ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ — الإسراء: 35 ↩
- آية: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ — الشعراء: 193-195 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ — إبراهيم: 4 ↩
- آية: ﴿لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ — الزمر: 63 ↩