منظومة الزمزمي الدرس الثامن والعشرون
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:
فنواصل القراءة في "منظومة الزمزمي" رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مع التعليق عليها بما يفتح الله ويمُنُّ به.
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
النَّوعُ الثَّالِثُ: الإِمَالَةُ
حَمْزَةُ وَالكِسَائِي قَدْ أَمَالَا
مَا اليَاءُ أَصْلُهُ اسْمًا أوْ أَفْعَالَا
أَنَّى بِمَعْنَى كَيْفَ مَابِاليَا رُسِمْ
حَتَّى إِلَى لَدَى عَلَى زَكَى التُزِمْ
إِخْرَاجُهَا سِوَاهُمَا لَمْ يُمِلِ
إِلَّا بِبَعْضٍ لِمَحَلِّهَا اعْدِلِ
الشرح
انتقل الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى من الحديث عن الوقف والابتداء إلى الحديث عن الإمالة كنوعٍ ثالثٍ من الأنواع التي ترجع إلى الأداء، إلى تأدية القراءة، وتقدم أن كثيرًا مما ذكره في هذا الباب لا يؤثر على المعنى؛ فالباب الذي معنا وهو باب الإمالة، والباب الذي يتبعه باب الإدغام، وكذلك باب المد، وكذلك ما يتعلق بالإدغام؛ هذه الأبواب لا يتأثر بها المعنى، لا يختلف بها المعنى، ولكنه ذكرها؛ لأنَّها من جملة علوم القرآن.
وأذكر بما سبق معنا مرارًا من أن القراءات منها ما يتعلق بالمعنى ويتأثر به المعنى، ومنها ما لا مدخل له في المعنى؛ فمثلًا حينما نعرف أن فلانًا من القراء كحمزة والكسائي رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يميلان، فيقرآن مثلًا ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ بدلًا من ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ فهذا لا يختلف به المعنى؛ فـ و
طريقة الأداء لكن لا يترتب عليها أثر في المعنى.
لكننا في باب الوقف والابتداء تكلمنا عن الأثر المترتب على اختيار هذا الوقف أو اختيار الوقف الآخر؛ ولذلك لو أننا كتبنا كتابًا في أصول التفسير، أو في علوم القرآن المتعلقة بالمعانى، أو في علوم التفسير؛ فإننا لن نورد هذه الأبواب من الإمالة والمد والإدغام؛ لكن هو جمع بعض الأبواب في علوم القرآن تبعًا للأصل، تبعًا لأصله من "النقاية"، فقال "الإمالة"، ثم قال:
حَمْزَةُ وَالكِسَائِي قَدْ أَمَالَا
مَا اليَاءُ أَصْلُهُ اسْمًا أوْ أَفْعَالَا
الكلام عن الإمالة معروف في علم القراءات، والمراد بالإمالة: "تَقْرِيبُ الفَتْحَةِ إِلَى الكَسْرَةِ، وَتَقْرِيبُ الأَلِفِ إِلَى اليَاءِ"، وبعضهم يقول كثيرًا: الإمالة معناها تقريب الفتحة إلى الكسرة وتقريب الألف إلى الياء كثيرًا، وهذا في الإمالة الكبرى، ودونها الإمالة الصغرى، وحينما نقول تقريب الفتحة إلى الكسرة وتقريب الألف إلى الياء، لا نقصد بذلك تحويل الألف إلى ياء أو تحويل الفتحة إلى كسرة؛ هذا ليس صحيحًا؛ ولذلك القلب ليس مرادًا، فهناك فرق بين الإمالة وبين القلب الخالص؛ ولذلك حمزة والكسائي رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مثلًا يقرآن: ، لكن لا يقولان: "الضُّحِي" (بالياء الخالصة)، هكذا أنت قرأتها بالياء لم تقرأها بالإمالة.
إذًا الفرق أن تقول كذلك: "رَمَى" وليس "رَمِي"؛ إذًا أنت حولتها إلى الياء؛ إذن؛ الإمالة ليس فيها التحويل بأن تحول الألف إلى ياء أو تحول الفتحة إلى كسرة، وإنما تقربها إليها، ثم هذا التقريب قد يكون كثيرًا فيُقال لها إمالة كبرى، وقد يكون قليلًا فيُقال لها إمالة صغرى أو تسمى بالتقليل؛ لذلك يُقال: "التقليل"، إذًا ما المراد بـ "التقليل"؟ هو الإمالة الصغرى، ويُقال أيضًا للإمالة: "إضجاع"؛ لأنه أرجع الألف فصارت مائلة إلى الياء، ويقال لها إضجاع وبطح أيضًا، ويُقال لها إمالة.
قال: "حَمْزَةُ وَالكِسَائِي قَدْ أَمَالَا"؛ هما العمدة في هذا الباب من القراء، يعني إذا ذُكرت الإمالة فالأصل في هذا الباب من القراء حمزة والكسائي رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وهما اللذان يُقال لهما: "الأخوان"؛ يُقال الأخوان حمزة والكسائي، فإذا ضُمَّ لهما عاصم، قيل لهم: "الكوفيون من السبعة"، فإذا دخل معهم خلف من العشرة قيل لهم: "الكوفيون"؛ إذًا الكوفيون من السبعة هم حمزة والكسائي وعاصم، ومن العشرة معهم خلف الذي هو راوٍ عن حمزة في السبعة.
ليس معنى هذا أنه لا يميل إلا حمزة والكسائي، فإنه في البيت الثالث أومأ وأشار بل صرح بأن هناك إمالات لغير حمزة والكسائي، بيد أن الأصل في الإمالة لهما، والأصل في من يميل من القراء حمزة والكسائي.
"حَمْزَةُ وَالكِسَائِي" هكذا بالكسرة بدون مد للوزن حمزة والكساء؛ حمزة بن حبيب الزيات القارئ المشهور المقرئ الجليل الذي سيرته عطرة كما تكلمنا عنه قبل ذلك في سيرة القراء، وكذلك الكسائي الإمام المقرئ النحوي الشهير، بعضهم قال: ﴿أَنَّمَا﴾ قيل له "الكسائي" لأنه تسربل في كسائه وأحرم فيه، يعني طوى ولفه كساءه؛ ولذلك في باب الحج حينما نقول من محظورات الإحرام ارتداء "المخيط"؛ المراد بالمخيط: المفصل على قدر الأعضاء، وليس المراد به أنه مصنوع من الخيط، فالإنسان لو أنه ارتدى ثيابه يعني ارتدى به أو اكتسى به دون أن يضع كل شيء منه في مكانه أو في عضوه كإنسان أتى بقميص ولفه على وسطه دون أن يدخل هذا في اليد اليمنى وهذا في اليد اليسرى؛ فحينئذٍ هذا يسوغ؛ لأنه لم يلبسه الارتداء المعتاد.
قال:
حَمْزَةُ وَالكِسَائِي قَدْ أَمَالَا
مَا اليَاءُ أَصْلُهُ اسْمًا أوْ أَفْعَالَا
إذًا بيّن لنا من المشهور في الإمالة وهو حمزة والكسائي، ثم بيّن لنا مواضع الإمالة؛ يعني المواضع طبعًا الأصل في هذه الإمالة أنها سماعية؛ يعني حمزة حينما أمال، أمال بماذا؟ بالسماع، سمع عن شيخه، وشيخه سمع عن شيخه إلى رسول الله محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن علماء القراءات ضموا النظير إلى النظير واستخرجوا منه القواعد؛ يعني وجدوا أنه يُميل في هذه الكلمات، هذه الكلمات التي يميل فيها ما قواعدها أو ضوابطها؟ عدة قواعد، منها: " مَا اليَاءُ أَصْلُهُ "ما كان أصلي الياء، اسمًا كان أو فعلًا؛ إذًا لو عندي فعل أو عندي اسم هذه الألف أصلها ياء فإنني أُميلها.
إذًا لو عندي أنطق بالكلمة وليكن كلمة ،
هذه فعل، هذه فعل، "سعى ورمى" إذًا كيف أعرف أن أصل الكلمة ياء؟ أُسندها، أجعلها فعلًا وأسندها إلى نفسي، أقول: "سعيتُ"، "رميتُ"؛ فأنا إذا أسندتها إلى نفسي تحولت إلى ياء، فعرفت أن أصل "سعى" و"رمى" ياء، فحينئذٍ لهم في كلمة "سعى" وفي كلمة "رمى" الإمالة.
وأما في الأسماء فكيف يُعرف التثنية؟ كيف تُعرف أن أصل الكلمة ياء؟ بالتثنية؛ إذًا في الأسماء ما طريق معرفتي أن أصل الكلمة ياء -إذا كانت اسمًا-؟ بالتثنية، وإذا كانت فعلًا؟ بأن أرد الفعل إلى نفسي، وهو ما قرره الشاطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذ قال:
وَتَثْنِيَةُ الْأَسْمَاءِ تَكْشِفُهَا
وَإِنْ رَدَدْتَ إِلَيْكَ الْفِعْلَ صَادَفْتَ مَنْهَلَا
يعني رددت الفعل إليك: "سعيتُ"، "رميتُ"؛ إذًا هذا هو الضابط وهذه القاعدة في هذا الباب.
فمثلًا كلمة "موسى" يُقال: "موسيان"؛ لذلك "موسى" لهم فيها الإمالة "موسِي"، هناك من يقلل "موسى" (إمالة قليلة تسمى التقليل)، وهناك من يميل كحمزة والكسائي.
"أَنَّى بِمَعْنَى كَيْفَ": أيضًا من الكلمات التي...
إذًا الضابط الأول: ما كان أصله يائيًا، فعلًا كان أو اسمًا، فإنَّ حمزة والكسائي مذهبهما في ذلك الإمالة.
الثاني: كلمة" أَنَّى" التي بمعنى "كيف" أيضًا فيها إمالة؛ هو نص الآن على قاعدة ونص على كلمة ككلمة " أَنَّى بِمَعْنَى كَيْفَ ".
" مَا بِاليَا رُسِمْ " هذه قاعدة ثالثة ضابط ثالث؛ إذًا ذكر ضابطًا، وذكر كلمةً، ثم ذكر ضابطًا آخر "المرسوم بالياء"؛ إذًا عندي فرق بين القاعدتين: ما كان أصله يائيًّا، وما رُسم بالياء، فالكلمة التي تُرسم بالياء مع أننا ننطقها ألفًا فإننا نعتد بالرسم، ولذلك هناك في أحكام كثيرة من القراءات ترتبط بالرسم، فننظر للكلمة، إذا وجدنا الألف رُسمت بالياء فإنَّ لحمزة والكسائي فيها أيضًا الإمالة، ولا يمنع أن يجتمع في الكلمة الأمران؛ فمثلًا كلمة ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾1 نراها مرسومة بالياء، وفي الوقت ذاته أصلها ياء، فاجتمع فيها الأمران.
قال: "حَتَّى إِلَى لَدَى عَلَى زَكَى التُزِمْ إِخْرَاجُهَا" هكذا الجملة، إذًا عندي الكلام كالتالي: "ما بالياء رُسم" داخل فيما يميله حمزة والكسائي، ثم بعد ذلك استأنف فقال: " حَتَّى إِلَى لَدَى عَلَى زَكَى التُزِمْ إِخْرَاجُهَا" "؛ هذه خمس كلمات، "زَكَى" مثل قول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾2
، فـ "زكى" إذا نظرنا إليها وجدناها مرسومة بماذا؟ مرسومة بالياء، لكن حمزة والكسائي لا إمالة لهما في الكلمة، وأصل "زكى" من "زكوتُ" أصلها "وأو"، لكن لو نظرنا إلى الإمالة سننظر إلى الرسم، ولكن لا إمالة لهما في ذلك، فهذا من المستثنى لهما؛ فلذلك نص عليها.
كذلك كلمة "
حَتَّى"
مرسومة بالياء، و "ِإلَى"، و
"لَدُى
"، و "
عَلَى
"؛ كل هذه الكلمات مرسومة بالياء لكن حمزة والكسائي لا إمالة لهم في هذه الكلمات؛ ولذلك أيضًا الشاطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قال:
وَمَا رَسَمُوا بِالْيَاءِ غَيْرَ لَدَى وَمَا
زَكَى وَإِلَى مِنْ بَعْدُ حَتَّى وَقُلْ عَلَى
هذا أيضًا مما استثنى، فالأصل في ذلك دراسة القراءات، ولذلك من مَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ عليه بدراسة القراءات فالأمر بالنسبة له ميسور، ولا شك أن ما ذُكر هنا لا يفي بالغرض كاملًا، فهناك أشياء واستثناءات وقواعد في هذا الباب، لكنه ذكر بعض ما يناسب المبتدئ في هذا الباب، وكما قلت؛ فلسنا في حاجة إلى الإطالة والإطناب في تحرير هذا المقام؛ لأن المقام مقام كلام عن علوم القرآن لاسيما ما يتصل بأصول التفسير وما يتصل بالمعنى، والعلم عند الله تعالى.
قال: "التُزِمْ إِخْرَاجُهَا": إذًا هذا من بقية الكلام: " حَتَّى إِلَى لَدَى عَلَى زَكَى التُزِمْ إِخْرَاجُهَا" "سِوَاهُمَا لَمْ يُمِلِ إِلَّا بِبَعْضٍ لِمَحَلِّهَا اعْدِلِ " "سواهما" كلام يعود الضمير؟ سوى حمزة والكسائي، "لَمْ يُمِلِ" يعني لا إمالة لغير حمزة والكسائي إلا في بعض المواضع، فقال: "إِلَّا بِبَعْضٍ لِمَحَلِّهَا اعْدِلِ"؛ يعني الأصل في الباب حمزة والكسائي، قد توجد إمالات لغيرهما في بعض المواضع كما يقع لورش رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كما يقع لأبي عمرو رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فلهما إمالات.
بل أيضًا هناك إمالات قليلة لآخرين غير ورش وغير أبي عمرو؛ كما أن هناك إمالات لشعبة مثلًا، وهناك إمالات أيضًا لهشام، وهناك إمالة واحدة من طريق الشاطبية لحفص رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كلمة ﴿وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾3
فيقول: "مَجْرَيهَا". الإمالة لا تكون "ياء" مباشرة أو كاملة ولكن مع ذلك لوجود الإمالة ولمقاربتها من الكسر ماذا يجري؟ ترقيق الراء؛ إذًا حينئذٍ ترقق الراء لأنَّها لما مالت اقتربت من الكسر.
قال: "إِلَّا بِبَعْضٍ لِمَحَلِّهَا اعْدِلِ"، هذا باختصار ما يتعلق بباب الإمالة مما يناسب المقام ولا نطنب فيه كثيرًا.
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
النَّوعُ الرَّابِعُ: المَدُّ
نَوْعَانِ مَا يُوْصَلُ أَوْ مَا يُفْصَلُ
وَفِيْهِمَا حَمْزَةُ وَرْشٌ أَطْوَلُ
فَعَاصِمٌ فَبَعْدَهُ ابْنُ عَامِرِ
مَعَ الكِسَائِي فَأَبُو عَمْرٍو حَرِي
وَحَرْفَ مَدٍّ مَكَّنُوا فِي الْمُتَّصِلْ
طُرًّا وَلَكِنْ خُلْفُهُمْ فِي الْمُنْفَصِلْ
الشرح
يقول: " النَّوعُ الرَّابِعُ: المَدُّ"؛ والمد أيضًا يتعلق بالأداء وطريقة القراءة ولا يتعلق به المعنى، بعض العلماء وبعض المفسرين تجدهم يعللون في بعض التعليلات واللطائف بأن هذا جاء بالمد المناسب للمقام، وهذه من قبيل اللطائف لكن لا يتوقف عليه أصل المعنى، وهذا الذي أقصده بذلك؛ إذًا إيراد بعض العلماء شيئًا من اللطائف المتعلقة بطريقة الأداء هذا من اللطائف ومن المتممات ولكن ليس من الأصل في التفسير.
المد: تعرفون أن المد في الأصل منه المد الطبيعي والمد الفرعي، والأصل أن المد الطبيعي ما لا تقوم ذات الحرف إلا به، وهو: الألف الساكنة المفتوح ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها، والواو الساكنة المضموم ما قبلها؛ المجموعة في كلمة "نُوحِيهَا"، "نو" الواو ساكنة قبلها ضم، الياء ساكنة في نوحي قبلها كسر، والهاء الألف ساكنة وقبلها فتح، والألف لا تكون إلا كذلك كما هو معلوم.
هو بدأ مباشرة وتكلم عن المد المتصل والمد المنفصل، والأصل في هذا أنه حينئذٍ يتكلم عن المد الفرعي؛ ولذلك يقال في المد إنه "إِطالة أو زيادة المد أو المط بالحركة عند النطق بها"، فالمعنى بذلك أنك تزيدها عن المد الطبيعي، فبدلًا من أن تكون حركتين تزيد فتصل إلى أربع وتصل إلى ست كما هو معلوم.
قال: "
نَوعَانِ
"، يعني المد نوعان، إذا جعلنا العبارة "المد نوعانِ" يكون "نوعان" خبر للمد، أو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ "المد" يعني باب المد، ثم بدأ كلامًا جديدًا "نوعان" يعني "هو نوعان" فيكون قوله: "نوعان" خبر لمبتدأ مقدر تقديره هو.
"
نَوْعَانِ مَا يُوْصَلُ أَوْ مَا يُفْصَلُ
": يعني نوعان متصل ومنفصل؛ إذًا هو قسم المد إلى نوعين: متصل ومنفصل، وهذه الطريقة لا يقول بها علماء التجويد من البداية أو علماء القراءات؛ فإنهم يقسمون المد ابتداءً إلى مد طبيعي وإلى مد فرعي، ثم إن المد الفرعي يقولون: ما كان سببه الهمز أو ما كان سببه السكون، ثم يقسمون ما كان سببه الهمز إلى متصل ومنفصل وبدل؛ فالذي ذكره هو المد الفرعي الذي سببه الهمز، ومع ذلك فاته أن يذكر مد البدل؛ فما ذُكر إلا البعض من الكثير كما هو معروف في علم الأداء أو علم القراءات والتجويد.
فقال: "
نَوْعَانِ مَا يُوْصَلُ أَوْ مَا يُفْصَلُ
"، ما الفرق بينهما؟
الأمر الأول: المد المتصل؛
وهو ما جاءت فيه الهمزة بعد حرف المد في كلمة واحدة، مثل: ،
، .
الأمر الثاني: المد المنفصل
؛ وهو ما جاءت فيه الهمزة بعد حرف المد في كلمة منفصلة عنه، مثل: ، فقوله "بما أنزل" هذا من المد المنفصل. وفي كلمة ؛ أصلها أولاء فالهمزة في آخرها متصلة، والهمزة في أولها "ها" منفصلة.
بقي نوع ثالث مما سببه الهمز وهو "مد البدل"، فهو قسيمهما، إذا أردنا أن نجمع المدود التي سببها الهمز فنقول: متصل ومنفصل وبدل. مد البدل ما هو؟ أن يتقدم الهمز على حرف المد، مثل: .
قال: "
وَفِيْهِمَا حَمْزَةُ وَرْشٌ أَطْوَلُ
"؛ طبعًا أيضًا ضرب صفحًا عن الكلام عن المد اللازم والمد عارض السكون وسببهما السكون كما هو معهود، "
وَفِيْهِمَا
" أي في المتصل والمنفصل، "
حَمْزَةُ وَرْشٌ أَطْوَلُ
"؛ يعني عندنا إمامان في القراءات يقرآن بالطول، والمراد بالطول هنا: ست حركات؛ إذًا كيف يقرأ ورش أو كيف يقرأ حمزة ما كان مدة متصلًا أو منفصلًا؟ يقرآن بالمد المشبع أو المطول أو الطويل، وهو ست حركات؛ فمثلًا ورش في يأتي بست حركات، أما حمزة فمعروف له في الهمزات ما له، يقرأ ثلاثة
أوجه كما هو معروف بحسب قراءته في الهمزات حين الوقف، لكننا إذا واصلنا فيبقى المد كما هو معروف على ست حركات.
"
وَفِيْهِمَا حَمْزَةُ وَرْشٌ أَطْوَلُ
" بالنسبة للحركة، كيف تكون؟ ستة حركات، بعضهم يعبر من علماء القراءات والتجويد فيقولون: "ثلاث ألفات"؛ فهم يعبرون عن كل حركتين بألف مقدار ألف؛ لأن المد الطبيعي لا يقوم الحرف إلا به، وبناءً عليه فالألف هو أصل الكلام، فإذا أردت أن تمد أتيت بألف أخرى (أربع حركات)، ألف ثالثة (ست حركات)، بعض العلماء يقولون: "بمقدار بَسْطِ الأُصْبُعِ أَوْ قَبْضِهِ"؛ فيقول مثلًا إذا قلت هكذا: حركة، اثنين، ثلاثة، أربعة. والأضبط -والعلم عند الله- ضبطه بالألفات؛ لأن الألفات أقرب إلى الصوت وأقرب إلى الحروف والمدود، وأما مسألة قبض الأصبع وبسطه فتختلف كثيرًا، وأما الألفات فتتقارب في النطق بين الناس، لكن هذا مشهور وهذا مذكور في كتب التجويد والقراءات.
إذًا نحن عرفنا من هنا أن من قرأ لورش ومن قرأ لحمزة فإنهما يقرآن بالطول في المد المتصل والمد المنفصل، ومعروف ما لورش في مد البدل، له "ثلاث في البدل"؛ ويقرأ فيه بالقصر وبالتوسط وبالمد أيضًا.
"
فَعَاصِمٌ فَبَعْدَهُ ابْنُ عَامِرِ
مَعَ الكِسَائِي فَأَبُو عَمْرٍو حَرِي
"؛ يعني يلازم ذلك، كيف هذا؟ "
فَعَاصِمٌ
" عطف عاصمًا عليهم (على حمزة وورش)، "
فَبَعْدَهُ ابْنُ عَامِرِ
مَعَ الكِسَائِي
" وجعل ابن عامر مع الكساء في مرتبة واحدة، ثم جعل أبا عمرو بعدهما بمرتبة، من أين أخذنا هذا التفاوت؟ من دخول "الفاء"؛ فالفاء تفيد الترتيب والتعقيب، هناك من يطلق من علماء القراءات فيقول: عاصم وابن عامر والكسائي لهم "التوسط"، وهناك من يفصل في هذا التوسط، كيف يكون التوسط؟ لأن التوسط قد يكون أربع حركات وقد يكون خمس حركات، وأيضًا الثلاث فوق القصر وقريبة من التوسط.
فأنا الآن إذا أطلقت الكلام قلت: "ست، أربع، اثنان"؛ فأدخلت مع الأربعة القريب من الأربعة، فحينئذٍ سيدخلون من يقرأ بخمس أو من يقرأ بثلاث، والقصر من يقرأ بحركتين، بعضهم يقول: عاصم ﴿أَنَّمَا﴾ قدمه لأن عاصمًا يقرأ بألفين ونصف، يعني بخمس حركات، وإن كان بعضهم يقول له أربع حركات، لكن قدمه لأن له أيضًا خمس حركات.
ثم قال: "
فَبَعْدَهُ ابْنُ عَامِرِ
"، وابن عامر يقرأ -كما قالوا- أربع حركات، وكذا الكسائي؛ لذلك هما في مرتبة واحدة.
إذًا عند ابن عامر والكسائي يقرآن بالتوسط، عند الإجمال سندخل عاصمًا معهما فنقول: عاصم وابن عامر والكسائي، عند التفصيل سنقدم عاصمًا؛ لأنه يصل إلى خمس حركات، وإذا اعتبرنا بالألفات سنقول لابن عامر والكسائي: ألفان.
طيب أبو عمرو؟ أيضًا أبو عمرو يدخلونه في المتوسطين، فيقولون له نفس الكلام أو الكلام نفسه، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بل له ألف ونصف فيجعل له ثلاث حركات، ومن أجل هذا أخره فقال: "
فَأَبُو عَمْرٍو
"، ولا يخفى على من درس الشاطبية أن أبا عمرو يُنظر في الراوي عنه؛ فرواية الدوري له فيها القصر والتوسط (يعني يقرأ باثنين وبأربعة)، وهنا قال "ثلاث" عمومًا، وأما السوسي عن أبي عمرو فإنه لا يقرأ إلا بالقصر؛ إذًا هنا أطلق فقال "فأبو عمرو"، لكن عندنا من حيث المدود إذا قرأنا للسوسي قرأنا بالقصر، وإذا قرأنا للدوري جاز لنا الوجهان.
هو الآن أتى على حمزة وورش، وترك من هنا؟ ترك ابن كثير، وابن كثير له القصر، وترك قالون عن نافع، وقالون له القصر والتوسط؛ إذًا عندنا قالون نظيره الدوري، طبعًا هذا الكلام كله يجري في "المنفصل"، أما في "المتصل" فلجميعهم المد؛ ولذلك كلامنا لأنه جمع بين المتصل والمنفصل، ولذلك بعدها ضح الكلام أكثر فقال: "
وَحَرْفَ مَدٍّ مَكَّنُوا فِي الْمُتَّصِلْ
"؛ يعني جميع القراء يقرؤون المتصل بالمد؛ ولذلك من ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ عنه الآن إنه يقصر، فإننا نقصد "المنفصل".
إذًا حينما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن السوسي يقصر (يقرأ بحركتين) أو بألف، وإن قالون له القصر، وإن ابن كثير له القصر؛ فنحن نتكلم عن المد المنفصل، أما المد المتصل فللجميع لهم فيه التوسط أو الإشباع؛ أما الإشباع والطول فلحمزة ولورش، وما سواهما فلهم التوسط على التفاوت (خمس حركات أو أربع حركات)، لكن لا يقل القراءة في المد المتصل عن ألفين (أربع حركات)؛ هذا هو الأصل في ذلك.
قال: "
وَحَرْفَ مَدٍّ مَكَّنُوا فِي الْمُتَّصِلْ
طُرًّا
"؛ ما معنى "
طُرًّا
" ؟ أي جميعًا، يعني الجميع على المد المتصل؛ لذلك ماذا كنا نسميه في دراسة "تحفة الأطفال" و"الجزرية" وما إلى ذلك؟ نسميه "المد الواجب"، ولكن في المنفصل يقولون: "المد الجائز"، لكن أيضًا نحن نتكلم عن الشاطبية؛ فمثلًا عندنا عاصم يقرأ من طريق الشاطبية بمد المنفصل وليس بالقصر، ﴿أَنَّمَا﴾ القصر فمن طريق "الطيبة"؛ لذلك لو أنني أقرأ من طريق الشاطبية لعاصم (أو لحفص عن عاصم كما نقرأ) فإننا نقرأ بمدٍ منفصل، فإذا قرأ أحدنا بقصر المنفصل لعاصم فليراعي طريقة "الطيبة" وما يتعلق بذلك من توابع في بعض الخلافات الموجودة بين طريقي الشاطبية والطيبة كما هو معلوم.
قال: "
وَلَكِنْ خُلْفُهُمْ فِي الْمُنْفَصِلْ
"؛ يعني اختلافهم هو في المنفصل، فهناك من يقرأ بالقصر، وهناك من يقرأ بالتوسط، وهناك من يقرأ بالطول كما تقدم.
والله أعلم، هذا أيضًا ما يناسب المقام في هذا الباب، والعلم عند الله تعالى، ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ — الأنفال: 17 ↩
- آية: ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ — النور: 21 ↩
- آية: ﴿وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — هود: 41 ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- آية: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ — الضحى: 1