منظومة الزمزمي الدرس السابع والعشرون
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:
فما زال الحديث موصولًا بالتعليق على منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وما زلنا مع نوعي الوقف والابتداء، وقد تكلمنا في ثلاثة دروس عن الوقف والابتداء، فأطلنا الكلام فيه مع أنه وجيز بالنسبة لباب الوقف والابتداء؛ فالأمر فيه كما قلت كثيرٌ؛ ولذا صنف العلماء فيه المصنفات الكثيرة وأولوه العناية والاهتمام.
وتقدم أنه قد اشتهر عن علي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أنه قال في قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾1، قال: «
تَجْوِيدُ الْحُرُوفِ وَمَعْرِفَةُ الْوُقُوفِ»
، إلا أن هذا الأثر لم أقف عليه مسندًا، وإنما تناقلته كتب التفسير والقراءات وعلوم القرآن دون أن يذكروا له إسنادًا، لكنه مشهور عنه، وهو داخل في معنى الترتيل؛ لأن الترتيل فيه تؤدة وتمهل وترسخ ومراعاة للمعاني، وما من شك أن للوقف والابتداء أثرًا في فهم المعنى.
أخذنا في اللقاءات السابقة كلامًا عن أنواع الوقف وأهمية الوقف وأثر الوقف في فهم المعنى وفي التفسير، وأن المعنى قد يختلف باختلاف الوقف، وعرفنا أن الوقف يقسمه بعض العلماء إلى: وقف اختباري، ووقف انتظاري، ووقف اضطراري، ووقف اختياري، والكلام عن الوقف الاختياري، فقلنا: بعضهم قسمه إلى وقف تام، وإلى وقف كافٍ، وإلى وقف حسن، وإلى وقف قبيح، ثم هناك أنواع أخرى من أنواع الوقف يسمى بها الوقف، لا تُعد قسيمة لهذه الأنواع أو لبعضها، وإنما ربما حدث تداخل بينها وبين بعض الأنواع كالوقف اللازم، وقلنا هناك الوقف الممنوع وحينئذٍ يكون قبيحًا، وهناك وقف التعانق، إلى غير ذلك مما تقدم بيانه.
لكن إمامنا الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تبعًا لأصله السيوطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كانت العناية متجهة في هذا النظم وفي أصله إلى طريقة الوقف؛ كيف يوقف على الكلمة؟ وهذا في الحقيقة أثره يظهر في جانب التلاوة والقراءة، لا في جانب التفسير؛ ولذلك باب الوقف والابتداء يدرسه علماء التفسير، ويدرسه علماء التجويد والقراءات؛ لأننا ندرسه لنعرف ما يتم به المعنى وما لا يتم، وهذا له علاقة بالتفسير، وندرسه لنعرف كيف نقف إذا وقفنا على الكلمة، وهذا يدخل في باب القراءات والتجويد؛ ولذلك كما قلت قد لا يكون له أثر واضح في التفسير، لكن مع ذلك اعتنى به الإمام الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تبعًا لأصله.
ولعلكم تذكرون ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ حينما ذكرنا تفريق العلماء بين علوم التفسير وعلوم القرآن؛ فهناك علوم من علوم القرآن لا تدخل في معنى علوم التفسير بالمعنى الأخص؛ لأننا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن علوم التفسير هي تلك العلوم التي تساعد على التفسير، فالعلم الذي لا يساعد على معرفة التفسير لا يعد من علوم التفسير وإن كان من علوم القرآن لاتصاله بالقرآن الكريم، مثل هذا: "طَرِيقَةُ الْوَقْفِ".
أنا إذا لم أعرف أن فلانًا من القراء يقف بالتاء والآخر يقف بالهاء، فإنَّ هذا لا يؤثر على المعنى، إذا لم أعرف أن هذا يقرأ بالفتح وهذا يقرأ بالتقليل وهذا يقرأ بالإمالة، فإنَّ هذا لا يتأثر به المعنى، لكن هذا يتعلق بجانب القراءات؛ ولذلك القراءات منها ما له صلة وثيقة بالتفسير فلا يحسن بالمرء أن يجهله، ومنها ما لا يتوقف عليه ذلك، فإنَّ علمه فهو خير، لا سيما إن كان يرغب في معرفة القراءات وإدراكها فهذا حسن، لكنه في مرتبة تتلو مرتبة الشيء الأول الذي يتعلق بتفسير القرآن الكريم.
ومن لم تكن له دراسة في علم القراءات فلا أقل من أن يراجع كلام علماء القراءات ولو كان من خلال كتب التفسير المعتمدة التي تذكر القراءات؛ لأننا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ إن القراءات لها أثر في التفسير، وقد يترتب على قراءة متواترة معنى جديد أو معنى آخر غير المعنى المشهور من القراءة التي نعرفها، من أجل ذلك نص المفسرون في كتبهم على القراءات.
هنا في هذا الباب كما قلت يتكلم عن "كَيْفِيَّةِ الْوَقْفِ عَلَى الْكَلِمَاتِ"، فنمر عليه مرورًا دون استقصاء؛ لأن موضع ذلك في دراسة علم القراءات، فنرجع مرة أخرى إلى الأبيات.
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَالِابْتِدَا بِهَمْزِ وَصْلٍ قَدْ فَشَا
وَحُكْمُهُ عِنْدَهُمْ كَمَا تَشَا
تقدم أنه يبدأ بهمزة الوصل عند إرادة النطق بالساكن، ولذلك قيل لها همزة الوصل؛ لأنه يتوصل بها إلى النطق بالساكن. فأنت تقول: "عَمِلَ يَعْمَلُ"، فإذا حذفت ياء المضارعة وأردت أن تأتي بفعل الأمر فإنَّ العين ساكنة، فكيف تنطق بها؟ تقول: "اعمل" فنقول: هذه همزة وصل، همزة الوصل توصل بها للنطق بالساكن، ولها القواعد المشهورة التي مرت عليكم في دراسة الجزرية وغيرها من كتب التجويد فضلاً عن كتب القراءات.
قال:
مِنْ قُبْحٍ أَوْ مِنْ حُسْنٍ أَوْ تَمَامِ
أَوِ اكْتِفَا بِحَسَبِ الْمَقَامِ
بدأ يقسم أن هذا الوقف على أنواع، هذا التقسيم اسمه: "تَقْسِيمُ الْوَقْفِ الِاخْتِيَارِيِّ"، وهذا التقسيم كما قلت اقتضاه بعض العلماء كأبي عمرو الداني وكابن الجزري رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى واستقر عليه عمل الأكثرين من المتأخرين؛ يعني كثير من المتأخرين يقسمون الوقف الاختياري إلى أربعة أقسام: وقف تام، ووقف كافٍ، ووقف حسن، ووقف قبيح.
وعرفنا أن التام والكافي والحسن ثلاثتها "مَا تَمَّ مَعْنَاهُ"؛ فإنَّ لم يتعلق بما بعده لا لفظًا ولا معنى فهو التام، وإن تعلق بما بعده معنى لا لفظًا فهو الكافي، وإن تعلق لفظًا ومعنى فهو الحسن، وإن لم يتم فالوقف عليه قبيح، ثم هو على درجات؛ إذًا هذه هي القسمة: تام المعنى؛ يبقى الوقف التام والكافي والحسن، حينما نسأل سؤالًا: ما الشيء المشترك بين الثلاثة؟ تمام المعنى في حالة الوقف، القبيح لن يتم المعنى، ما الفرق؟ التام لا يتعلق بما بعده، خلاص المعنى تام لا يحتاج بما بعده، وإذا كان الوصل بما بعده يوهم خلاف المراد يقال إن الوقف لازم، إذا تم المعنى ولم يتعلق بما بعده لفظًا ولا معنى يسمى التام، فإنَّ كان وصله بما بعده يوهم خلاف المراد سمي بالوقف اللازم.
إذن الوقف التام تم معناه ولم يتعلق بما بعده معنى ولا لفظًا، لكن يمكن أن تصفه؛ فإنَّ كان الوصل يوهم خلاف المراد لا يقال عنه تام فقط بل هو لازم، ولذلك قلت إن اللازم لا نقول إنه قسيم التام لأنه قد يجتمع معه، فيبقى هناك وقف تام لازم ووقف تام غير لازم، فإنَّ تعلق بما بعده معنى لا لفظًا فهذا كافٍ، وإن تعلق بما بعده معنى ولفظًا فهو حسن، وإن لم يتم المعنى فهو وقف قبيح.
طبعًا أنا أعيد الكلام الذي مر؛ نحن ضربنا أمثلة وذكرنا آيات قرآنية وقلنا: "هَذَا وَقْفٌ تَامٌّ، هَذَا وَقْفٌ كَافٍ أو حسن".
ثم قال: "
بِحَسَبِ الْمَقَامِ
"؛ يعني بحسب المقام يعني تقف على كلمة هنا تكون كذا بحسب المقام، وأيضًا يترتب عليها المعنى؛ يعني ممكن تكون الكلمة على معنى تام؛ ولذلك ذكر ابن الجزري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في "النشر" أنه أحيانًا يكون الوقف تامًا على قراءة، كافيًا على قراءة، أو أن يكون كافيًا على قراءة، حسنًا على قراءة؛ يعني اختلاف المعنى يترتب عليه الاختلاف في الوقف.
بدأ يتكلم عن كيفية الوقف؛ قال رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَباِلسُّكُوْنِ قِفْ عَلَى المُحَرَّكَةْ
وزِيْدَ الِاشْمَامُ لِضَمِّ الحَرَكَةْ
الرَّوْمُ فِيهِ مِثْلَ كَسْرٍ أُصِّلَا
وَالفَتْحُ ذَانِ عَنْهُ حَتْمًا حُظِلَا
"
وَباِلسُّكُوْنِ قِفْ عَلَى المُحَرَّكَةْ
" إذًا إذا كانت الكلمة متحركة فأردنا أن نقف عليها فكيف نقف؟ بالسكون، وهذا نسميه "الْوَقْفَ بِالسُّكُونِ الْمَحْضِ"، المحض يعني الخالص؛ فتقول مثلاً: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ2 ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾؛ إذا أردت أن تقف على "العالمين" تقول: ، "العالمين" كانت منصوبة "الرحيم" مجرورة، "الدين" مجرورة يعني في موضع الجر؛ نقف بالسكون المحض، ما معنى السكون؟ "خِلَافُ الْحَرَكَةِ"؛ يعني ليست ضمة ولا كسرة ولا فتحة، فيقال هذا سكون.
"
وَزِيدَ الِإشْمَامُ لِضَمِّ الْحَرَكَةْ
"؛ يعني هناك وجه ثانٍ وهو "وَجْهُ الْإِشْمَامِ"، أن تقرأ بالإشمام، وهو ضم الشفتين بُعيد النطق بالحرف دون صوتٍ، فتقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾3 "نستعين" وتضم شفتيك، أنت لم تنطق بالضمة وإنما ضممت الشفتين دون صوت؛ هذا يقال له "الْإِشْمَامُ"؛ ولذلك قالوا: "يَرَاهُ الْمُبْصِرُ وَلَا يَسْمَعُهُ الْإنسان"؛ يعني نعرف من أين أنك أشممت؟ من رؤيتك، وما فائدة الإشمام؟ "مَعْرِفَةُ الْحَرَكَةِ"؛ يعني الآن أنت تريد أن تجمع بين الأمرين: تريد أن تقف فإذًا تُسكن، وتريد أن تبين لي الحركة لو وصلت، فحينئذٍ تشم، فإذا أشممت عرفت أن الحركة هي الضم؛ لأن الإشمام لا يأتي إلا في المرفوع والمضموم.
إذًا أنا عندي السكون المحض لكل الحركات، السكون المحض للساكن الأصلي وللمفتوح والمنصوب وللمرفوع والمضموم وللمجرور والمكسور، كل الحركات تُسكن تسكن الأصلي وباقية الحركات، أما الإشمام فلا يدخل إلا مع المرفوع أو المضموم.
ولماذا نصوا على المرفوع والمضموم؟ لأن المرفوع مع المعربات، والمضموم مع المبنيات؛ يعني عندي يكون: "مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ" ليس معربًا؛ فقالوا ضمة، لكن إذا كان معربًا فنقول "مَرْفُوعٌ". فهذا السبب أنهم عطفوا المرفوع على المضموم؛ يعني مثلاً حينما نقول الضمة التي في هل هي ضمة إعراب أم ضمة بناء؟ ضمة بناء؛ ولذلك تبقى في كل الأحوال لا تتغير، فلذلك نقول ونضم هكذا؛ إذًا في حالة إذا كانت مبنية أو إذا كانت مرفوعة مثل كلمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإنه فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة، كما هو معلوم، هذا بالنسبة للإشمام.
طالب:
كلمة "مرفوع" قد يوهم أنها تدخل مع جمع المذكر السالم أو المثنى، لكنهم...؟
الشيخ:
حينما قالوا "مرفوع" يقصدون به المعرب في حالة الرفع وحركته الضمة، لكن هم قصدوا به إنه يكون معربًا، لكن كل الكلام على الضمة وليس على ألف الاثنين ولا وأو الجماعة، فهذا ليس موضع كلامهم. هم ذكروا ذلك لإدخال المعربات والمبنيات، ولكن الحركة في كلٍّ هي الضم؛ ولذلك نحن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ يعني مع الضمة، سواء كانت الضمة ضمة إعراب أم كانت ضمة بناء قد تكون الضمة ضمة بناء، فهو التعويل فيه على الضمة.
طالب:
...
الشيخ:
نعم في الضمة، لا تكون مع ألف الاثنين ولا وأو الجماعة، لكن الضمة هذه قد تكون هذه الضمة ضمة بناء يعني ملازمة لا تتغير، وقد تكون الضمة ضمة إعراب؛ يعني مثلاً كلمة "مُنْذُ" تبقى كما هي لا تتغير، لا تتغير، هذا اسمه "مَبْنِيٌّ"؛ لأنه لا تتغير حركته، بخلاف كلمة ، لو قال أحد: "لَنْ اسْتَعِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ"؛ صارت كلمة "نستعينُ" "نستعينَ" إذًا تغيرت، إذًا هي معربة، فهذا هو الفرق.
طالب:
نستعينُ إشمامُ بالفتحِ والكسر؟
الشيخ:
لا، لا إشمامَ في الفتحِ ولا في الكسرِ.
إذًا مرةً أخرى، لقد ذكرنا في الآخرِ أنَّ السكونَ مع السكون المحضَ يكونُ مع الفتحةِ والضمةِ والكسرةِ، أما الإشمامُ فلا يكونُ إلا مع الضمةِ فقط، وذلك نسميه ضمَّ الشفتينِ؛ يعني أنت عندما تضمُّ الشفتينِ تخبرني أنه كان هنا ضمةٌ، لكنني ساكنٌ الآن، ولكن انتبه توجد ضمةٌ، ولذلك أنا عندما أتيتُ أعبّرُ عن الإشمامِ ذكرتُ كلمةَ "نَسْتَعِينُ"، ولم أذكرْ ولا ؛
لأنك لو قلتَ: ، ما هذا؟ مفتوحةٌ وهذه ضمةٌ تدلُّ على ضمِّ هذا، فهذا خطأٌ؛ إذًا هل فيها إشمامٌ؟ ليس فيها إشمامٌ. هل فيها إشمامٌ؟ ليس فيها إشمامٌ، لكن نقفُ على كلمةِ فيها؟ فيها إشمامٌ؛ لماذا؟ لأنَّها في الأصلِ مضمومةٌ.
ولذلك الإمامُ الشاطبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لمّا قالَ:
وَالإِسْكَانُ أَصْلُ الْوَقْفِ وَهْوَ اشْتِقَاقُهُ
مِنَ الْوَقْفِ عَنْ تَحْرِيْكِ حَرْفٍ تَعَزَّلاَ
يعني انعزلَ عن الحركةِ، وقال في الإشمامِ:
وَالاشْمَامُ إِطْبَاقُ الشِّفَاهِ بُعَيْدَ مَا
يُسَكَّنُ لاَ صَوْتٌ هُنَاكَ فَيَصْحَلاَ
مثل ما قلتُ في التعبيرِ "بُعَيْدَ"؛ لأنك الآن تسكنُ ثم تضمُّ الشفتينِ، "لا صوتَ هناك فيصحلا"؛ يعني ماذا "لا صوتَ هناك فيصحلا"؟ لا يوجدُ صوتٌ لكي تتعبَ، أو يقالَ إنَّ هناك صوتًا ضعيفًا؛ يعني أنت أحيانًا عندما تكونُ هناك حركةٌ تقولُ لي: "الحركةَ أنت ماذا قلت؟ أعد، أخرى مرة حتى أسمعَ الصوتَ"، فلا نحتاجُ إلى أن يقالَ "صحلا يصحل"؛ إذا كان في صوتِهِ بحةٌ أو كان صوتًا ضعيفًا، يقولون: لا يحتاجُ إلى هذا؛ لِمَ؟ لأنه ليس هناك صوتٌ أصلًا في الإشمامِ؛ لا صوتَ، بل سكونٌ ثم ضمُّ الشفتينِ بُعيدَ النطقِ بالحرفِ.
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَباِلسُّكُوْنِ قِفْ عَلَى المُحَرَّكَةْ
وزِيْدَ الِاشْمَامُ لِضَمِّ الحَرَكَةْ
الرَّوْمُ فِيهِ مِثْلَ كَسْرٍ أُصِّلَا
وَالفَتْحُ ذَانِ عَنْهُ حَتْمًا حُظِلَا
بدأ يتكلمُ عن النوعِ الثالثِ في الوقفِ، وهو الوقفُ بالرومِ؛ إذًا أنا عندي الوقفُ على الكلمةِ يكونُ وقفُ بماذا؟ بالسكونِ المحضِ، وبالإشمامِ، وبالرومِ، ما معنى الرومِ؟ النطقُ ببعضِ الحركةِ، النطقُ ببعضِ الحركةِ، وبعضهم جعلها ثُلث الحركةِ؛ يعني بعضهم قيدَ هذا أو ضبطَهُ بثلثِ الحركةِ، وهو النطقُ ببعضِ الحركةِ؛ ولذلك قالَ الشاطبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَرَوْمُكَ إِسْمَاعُ الْمُحَرَّكِ سَاكِنًا
بِصَوْتٍ خَفِيٍّ كُلُّ دَانٍ تَنَوَّلاَ
يعني كأنك تقربُ الكلامَ فيتناولُهُ السمعُ، "
إسماعُ المحرَّكِ ساكنًا بصوتٍ خفيٍّ
"؛ يعني أنت الآن حينما تقولُ هذا سكونٌ محضٌ؛ "الرحيمْ". ما قلتَ "الرحيمِ"، لم تأتِ بالكسرِ، لكن إذا قلتَ "الرحيمِ" فأتيتَ بجزءٍ؛ لذلك يُسمعُ بصوتٍ خافتٍ أو منخفضٍ أو قليلٍ، وبعضهم جعلَهُ ثلثَ الحرفِ أيضًا، ومن فوائدهِ معرفةُ حركةِ الكلمةِ أو حركةِ الإعرابِ، فيستفادُ منه في ذلك.
إذًا ما الذي يدخلُ فيه الرومُ؟ يدخلُ في الرفعِ والجرِ؛ يعني يدخلُ في الرفعِ والضمِ، ويدخلُ في الجرِ والكسرِ؛ أي حركته مع الضمةِ والكسرةِ؛ إذن كلاهما -أعني الرومَ والإشمامَ- لا يدخلانِ في ماذا؟ في الفتحِ، وأيضًا لا يدخلانِ في السكونِ المحضِ؛ خلاص، يكونُ الأمرُ واضحًا، وأيضًا في الفتحِ والنصب؛ ولذلك بقيةُ كلامِ الزمزميِّ قالَ: "
وَالْفَتْحُ ذَانِ عَنْهُ حَتْمًا حُظِلَا
". "
ذانِ
" يعني ماذا؟ هذانِ؛ يعني الإشمامُ والرومُ. "
حتمًا حُظلا
": مُنعا؛ يعني لا رومَ ولا إشمامَ في المفتوحِ أو في المنصوبِ.
وبناءً عليه؛ إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ فيها كم وجهًا؟ فيها السكونُ المحضُ، طبعًا علماءُ القراءاتِ والتجويدِ يقولون فيها: القصرُ، والتوسطُ، والطولُ؛ إذًا فيها العارضُ للسكونِ اثنين أربعة ستة، لكن دعني الآن أتكلمُ عن مسألةِ التفصيلِ بين السكونِ والرومِ والإشمامِ؛ إذًا فيها وجهُ السكونِ المحضِ على المدِّ بأنواعِهِ.
إذًا فيها كم وجهًا؟ فيها وجهُ السكونِ ووجهُ الرومِ، طبعًا القراءُ يقولون فيها أربعةُ أوجهٍ؛ لِمَ يقولون "الرومُ مع القصرِ؟ إذا رمتَ قصرتَ؛ لِمَ الرومُ مع القصرِ؟ لأنَّ بعضَ الحركةِ صرَفَهُ عن كونِهِ ساكنًا، فلم يكن عارضًا للسكونِ، فمِن أين نأخذُ التوسطَ والطولَ؟ بقينا على أنَّ فيه المدَّ الطبيعيَّ؛ يعني أنت عندما... تقول: فيها كم حركةً؟ حركتانِ فقط؛ لِمَ؟ لأنه صارَ مدًّا طبيعيًّا ليس عارضًا للسكونِ، والرومُ شبيهٌ بذلك لأنه بعضُ الحركةِ؛ إذًا فيها وجهُ السكونِ ووجهُ الرومِ، هل فيها إشمامٌ؟ لا إشمامَ؛ لأنَّ ليس فيها ضمةٌ هنا، "الدين" فيها ماذا؟ السكونُ والرومُ، ولا إشمامَ فيها، فيها السكونُ والرومُ والإشمامُ.
هنا فقط قالَ ماذا؟
الرَّوْمُ فِيهِ مِثْلَ كَسْرٍ أُصِّلَا
وَالفَتْحُ ذَانِ عَنْهُ حَتْمًا حُظِلَا
ما معنى قولِهِ "كسرٍ أُصّلَا"؟ يعني أنَّ الرومَ يدخلُ في الكسرِ مع الكلمةِ التي فيها كسرٌ أصيلٌ، بخلافِ لو كان الكسرُ عارضًا؛ يعني عندما نقولُ مثلًا: ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾4، هذا كسرٌ عارضٌ، فإذا وقفنا نقولُ فيها سكونٌ محضٌ "قالتْ" ليس فيها رومٌ؛ لأنَّ هذا الكسرَ كسرٌ عارضٌ، وكذلك في الضمِ؛ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾5، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الميمُ مضمومةٌ لكنَّهُ ضمٌّ عارضٌ، فإذا وقفنا على أقولُ "علَيْكُمْ"؛ لأنَّ هذا عارضٌ وليس أصلًا، قالَ بعدَ ذلك: "
والفتحُ ذانِ عنه حتمًا حُظلا
"، ثم بدأ يتكلمُ عن مسألةٍ ثانيةٍ.
طالب:
...
الشيخ:
سماعي، لا يُعرف هذا في القراءات..
طالب:
....
الشيخ:
قد يُتوهمُ هذا بالفعلِ أنَّ الألفَ هذا عوضٌ عن التنوينِ، عندنا تنوينُ العوضِ، ولذلك تنوينُ العوضِ يدخلُ مع المنصوبِ، لا يدخلُ مع المرفوعِ ولا مع المجرورِ.
إذًا قالَ بعد ذلك: بدأ يتكلمُ عن قضيةٍ تتعلقُ بالهاءِ والتاءِ؛ ولذلك عندنا يقولون: "ما كُتب بالهاء وما كُتب بالتاء" أو "ما رُسم بالهاء وما رُسم بالتاء"؛ لأنه عندنا كلماتٌ في القرآنِ الكريمِ أصلُها هاءٌ عند الوقفِ، ولكنها رُسمت بالتاءِ كما أنها تكونُ في الوصلِ تاءً، مثل كلمةِ "رحمة"، "رحمةٌ"، "رحمةً" هذا الأصلُ في الوصلِ تكونُ تاءً، لكن عند الوقفِ تقولُ: "رَحْمَهْ" بالهاءِ، هناك مَن رَسَمَها بالتاءِ وقرأها بالتاءِ، وعندنا ووغيرُ ذلك؛ كما قالَ ابنُ الجزريِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:
وَرَحْمَتُ الزُّخْرُفِ بِالتَّاءِ زَبَرْ
.........................
إلى آخرِ كلامِهِ في الجزريةِ، وكذا ما ذكرَهُ الشاطبيُّ وغيرُهُ.
فهنا قالَ: "
فِي الهَا الَّتِي بِالتَّاءِ رَسْماً خُلْفُ
"، تأملْ قولَهُ: "في الهاءِ التي بالتاءِ رسمًا"؛ إذًا الكلامُ عن ماذا؟ عن الهاءِ التي رُسمت بالتاءِ؛ أما الهاءُ المرسومةُ بالهاءِ فلا شكَّ في أنَّ الوقفَ عليها بالهاءِ، وإذا وُقفَ عليها بالهاءِ فالوجهُ الذي فيها هو وجهُ السكونِ فحسبُ، لكن نحن نتكلمُ في الهاءِ التي رُسمت بالتاءِ؛ قالَ: "في الهاءِ التي بالتاءِ رسمًا خلفٌ"، خلفٌ: يعني اختلافٌ بين القراءِ، هذا بابٌ معروفٌ في القراءاتِ يُدرسُ فيما رُسمَ بالتاءِ.
فلذلك مذهبُ أبي عمرو البصريِّ والكسائيِّ الوقوفُ عليها بالهاءِ، وهو مذهبُ ابنِ كثيرٍ أيضًا فيما روى عنه البزيُّ، في روايةُ البزيِّ عن ابنِ كثيرٍ، وكذلك قراءةُ أبي عمرو، وقراءةُ الكسائيِّ: أن يوقفَ عليها بالهاءِ؛ إذًا تكونُ هي "رَحْمَة" ويُقرأُ عليها "رَحْمَهْ"، يقرأها بالهاءِ مع أنها مرسومةٌ تاءً. هذا وجهٌ، طب بقيةُ القراءِ يقرؤونها بماذا؟ بما رُسم، والأصلُ أنَّ القراءةَ يُعوَّلُ فيها على المرسومِ؛ هذا هو الأصلُ إلا ما استُثنيَ؛ ولذلك احتيجَ إلى التنصيصِ على هذا؛ يعني هم نصوا على هذا؛ لأنَّ غيرَ ذلك الأصلُ في القاعدةِ العامةِ أنه يُراعى في الوقفِ المرسومُ؛ إذًا هذه قاعدةٌ عامةٌ: يُراعى في الوقفِ رسمُ المصحفِ.
ولذلك مثلًا، إذا قرأنا قولَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾6، فوقفنا على ﴿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾، كيف نقرأها؟ مع أنَّ هذا ليس فيه مدَّ عوضٍ، ﴿أَنَّمَا﴾ أصلُهُ "ليكون" نونٌ مخففةٌ، من نونِ التوكيدِ المخففةِ أو الخفيفةِ التي هي مقابلُ المثقلةِ؛ فـ نونُ التوكيدِ الثقيلةُ، ونونُ التوكيدِ المخففةُ، فكان المتوقعُ في غيرِ القرآنِ أن يقولَ: "ولا يكونَنْ" تقفُ على النونِ بالنونِ، لكن لأنَّها رُسمت في المصحفِ بالألفِ راعينا الرسمَ، فنقولُ: "وَلَيَكُونَا"، لا أقولُ "وَلَيَكُونَنْ" اعتدادًا بالرسمِ؛ كذلك ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًۢا بِٱلنَّاصِيَةِ﴾7، لو وقفتَ على كلمةِ لا أقولُ "لَنَسْفَعَنْ" بالنونِ، ﴿أَنَّمَا﴾ أقولُ "لَنَسْفَعَا" بالألفِ؛ مع أنَّ الأصلَ لها نونُ توكيدٍ، لكن راعينا الرسمَ.
فلما وُجدتْ بعضُ الكلماتِ خالفتْ هذا الأصلَ -كما معنا الآن في التاء والهاء- نصَّوا على ذلك، وقد عرفنا أنَّ للكسائيِّ وأبي عمروٍ والبزيِّ اختيارًا في ذلك، أو لهم في ذلك القراءةُ بالهاءِ دون التاءِ.
ثم قال:
فِي الهَا الَّتِي بِالتَّاءِ رَسْماً خُلْفُ
وَوَيْكَأَنَّ لِلْكِسَائِي وَقْفُ
مِنْهَا عَلَى اليَا وَأَبُوْعَمْرٍو عَلَى
كَافٍ لَهَا وَغَيْرُهُمْ قَدْ حَمَلَا
ما معنى هذا الكلامِ؟ تأملِ الكلامَ؛ يقولُ: "وَوَيْكَأَنَّ". أنا عندي في سورةِ القصصِ ﴿وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْا۟ مَكَانَهُۥ بِٱلْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَآ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾8، ﴿وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْا۟ مَكَانَهُۥ بِٱلْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَآ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾. فعندنا في أولِ الآيةِ والثانيةُ ؛ الكلامُ في الكلمتينِ ليس في واحدةٍ منهما، قالَ: "
وَوَيْكَأَنَّ لِلْكِسَائِي وَقْفُ مِنْهَا عَلَى اليَاء
"؛ يعني الكسائيُّ كيف يقرأُ؟ يقولُ: "وَيْ"، "وَيْ كَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ". "وَيْ" تفيدُ معنى أعجب العجبَ؛ يعني هذا يفيدُ العجبَ، "وَيْ" وعجبًا لهذا، "وَيْ كأَنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ". وأيضًا آخرُ الآيةِ: "وَيْ كأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ".
"
مِنْهَا عَلَى اليَاءِ وَأَبُو عَمْرٍو عَلَى كَافٍ لَهَا وَغَيْرُهُمْ قَدْ حُمِلَا
"؛ وأبو عمرو من؟ البصريُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى "وأبو عمروٍ على كافٍ"؛ أين الكافُ؟ الكافُ؛ فماذا يقرأُ أبو عمرو؟ كيف يقرأُ؟ "وَيْكْ"، "وَيْكْ أَنَّهُ"، "وَيْكْ أَنَّ اللَّهَ"؛ إذًا أنا عندي فيها ثلاثُ قراءاتٍ:
الأمرُ الأولُ
: قراءةُ الكسائيِّ "وَيْ" "كَأَنَّهُ".
الأمرُ الثاني: قراءةُ أبي عمروٍ "وَيْكْ" "أَنَّ"، "وَيْكْ" "أَنَّهُ".
الأمرُ الثالثُ:
بقيةُ القراءِ يقولون فيصلونها.
قالَ: "
عَلَى كَافٍ لَهَا وَغَيْرُهُمْ قَدْ حُمِلاَ
"؛ بعضهم يقولُ وهناك مَن ضبطها -يعني في بعضِ النسخِ- "قد كملَا"؛ يعني قرأها مكتملةً، وهذا على الوجهِ الثاني في القراءةِ؛ ولذلك الإمامُ الشاطبيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قالَ: "
وَقِفْ وَيْكَأَنَّهْ وَيْكَأَنَّ بِرَسْمِهِ
" وهي في الرسم موصولة ولا مفصولة؟ موصولة، فإذا نحن أخذنا بالرسم كما هو الأصل فإننا نختار الوصل.
قال:
وَبِالْيَاءِ قِفْ (رِ)فْقًا وَبِالْكَافِ (حُـ)لِّلاَ
" مَن "رفقًا"؟ الكسائيُّ؛ لأنَّ عندي رمزَ "الراءِ" هذا رمزٌ لِلْكِسَائِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. "رفقًا" يعني الراءَ؛ يعني هو يقفُ على الياءِ، "وبالكافِ حللا"؛ حرفُ الحاءِ وهو مَن؟ أبو عمرو؛ يعني أبو عمروٍ يقفُ على الكافِ "وَيْكْ". فهذا هو الكلامُ، طبعًا بعضهم قالَ إنَّ هذا مَن قراءةَ الكسائي من روايةِ الدوريِّ، لكنَّ الشاطبيَّ أطلقَ في هذا.
قال:
وَوَقَفُوا بِلَامِ نَحْوِ مَالِ
هَذَا الرَّسُولِ مَاعَدَا المَوَالِي
السَّابِقَينِ فَعَلَى مَا وَقَفُوا
وَشِبْهَ ذَا الِمثَالِ نَحْوَهُ قِفُوا
"
وَوَقَفُوا بِلَامِ نَحْوِ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ
"؛ يعني أنت حينما تقرأُ للقراءِ كيف يقفون في قولِهِ: ﴿وَقَالُوا۟ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا﴾9؟ لو أنت وقفتَ تقفُ على اللامِ؛ ﴿وَقَالُوا۟ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا﴾ على اللامِ؛ لأنَّ "مَا" موصولٌ باللامِ في رسمِ المصحفِ، هل تجدُ اللامَ مع "هَذَا" أم مع "مَا"؟ مع "مَا"؛ فلذلك يقول: "مَالِ" تصلها؛ هذه قراءةُ جمهورِ القراءِ.
"
مَاعَدَا المَوَالِي
السَّابِقَينِ
" مَن اللذان سبقا؟ أبو عمروٍ والكسائيُّ، هما اللذان سبقا، فهو يستثنيهما أيضًا، أبو عمروٍ والكسائيُّ؛ مع أنَّ أبا عمروٍ البصريَّ -أبو عمرو بن العلاء تميمي مازني- عربيٌّ وليس من الموالي؛ فلذلك تُعقبَ عليه في هذا، أنت قلتَ "من الموالي" ومعروفٌ أنَّ صريحهم أبو عمروٍ المازني؛ يعني هو من العربِ الخُلَّصِ، واغتُفرَ له بأنَّ هذا من بابِ التغليبِ، فغلبَ الكسائيَّ عليه كقولنا "الأبوان" وتقصدُ الأبَ والأمَّ، أو "القمران" وتقصدُ الشمسَ والقمرَ، أو "البحران" وتقصدُ البحرَ والنهرَ؛ وأسلوبُ التغليبِ أسلوبٌ شهيرٌ ومعروفٌ.
"
فَعَلَى مَا وَقَفُوا
"؛ ما معنى "فعلى مَا وقفوا"؟ يعني وقفوا على كلمةِ "مَا" وقالوا "مَا لهذا الرسول"؛ هذا معنى "فعلى مَا وقفوا". لا تقلْ "عَلَى مَا" وقفوا، هذا من بابِ فقط تصحيحِ الوقفِ، باعتبارِ أنك تسألُ الطالبَ ليبينَ لك الموصولَ من المقطوعِ؛ ولذلك عندنا بابُ "المقطوع والموصول"، وليس معنى ذلك أنك تكملُ؛ فالأصلُ أنك إذا وقفتَ على "مَا" تستأنفُ من جديدٍ، فتقولُ: أقولُ لك قِفْ لجمهورِ القراءِ، فتقولُ: ﴿وَقَالُوا۟ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا﴾؛ الطالبُ يقولُ هكذا، أقولُ له قِفْ لأبي عمروٍ أو لِلْكِسَائِيِّ على هذا، فيقولُ لي: "وَقَالُوا مَا" ثم يعيدُ يقولُ: ﴿وَقَالُوا۟ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا﴾؛ إذًا هذا من بابِ التعليمِ في بابِ التعليمِ الاختباريِّ أو الانتظاريِّ.
"
وَشِبْهَ ذَا الِمثَالِ نَحْوَهُ قِفُوا
"؛ يعني وأيضًا في شبهِ هذا المثالِ الكلماتِ الأخرى التي وردت في "مَالِ"؛ ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾10، ما قيل في هذا يُقالُ في الأمثلةِ الأخرى، هذا المعنى؛ إذًا ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ كيف يقفُ أبو عمروٍ والكسائيُّ؟ "فَمَا"، غيرهم يقولُ "فَمَالِ" ثم يستأنفانِ ويقولُ -أو يستأنفُ الجميعُ ويقولُ-: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾.
وقد جمعها الشاطبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أيضًا فقالَ:
وَمَالِ لَدَى الْفُرْقَانِ وَالْكَهْفِ وَالْنِّسَا
وَسَالَ عَلَى مَا (حَـ)جَّ وَالْخُلْفُ (رُ)تِّلاَ
يا سلام! هذا جميلٌ؛ "ومَالِ لدى الفرقان" هذه الآيةُ ﴿وَقَالُوا۟ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا﴾، والكهفِ؛ ﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَـٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾11 هذا الموضعُ الثاني، والنساء؛ ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾، وسال (المعارج)؛ ﴿فَمَالِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾12. "على مَا حجَّ والخلفُ رتل"؛ "على مَا" يعني مَن الذي يقفُ على "مَا"؟ "حج" وهو أبو عمروٍ، "والخلفُ رتل" يعني والكسائيُّ بخلفٍ.
إذًا كلامُ الزمزميِّ هنا فيه ملحوظتانِ:
الأمرُ الأولُ:
أنه عدَّ أبا عمروٍ من الموالي وليس من الموالي، ونعتذرُ عنه بأنه من بابِ التغليبِ.
الأمرُ الثاني:
أنه أطلقَ الوجهَ لِلْكِسَائِيِّ، مع أنَّ لِلْكِسَائِيِّ في ذلك الوجهينِ وله الخلفُ، أي يقفُ على "مَا" أو يصلُ ويقولُ "مَالِ" عند الوقفِ.
واللهُ أعلمُ، ونكتفي بهذا، وصلى اللهُ على نبينا محمدٍ وعلى آلِهِ وسلمَ تسليمًا كثيرًا.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ — المزمل: 4 ↩
- آية: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ — الفاتحة: 2-4 ↩
- آية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ — الفاتحة: 5 ↩
- آية: ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — الحجرات: 14 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ — البقرة: 183 ↩
- آية: ﴿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾ — يوسف: 32 ↩
- آية: ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًۢا بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ — العلق: 15 ↩
- آية: ﴿وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْا۟ مَكَانَهُۥ بِٱلْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَآ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ — القصص: 82 ↩
- آية: ﴿وَقَالُوا۟ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا﴾ — الفرقان: 7 ↩
- آية: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ — النساء: 78 ↩
- آية: ﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَـٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ — الكهف: 49 ↩
- آية: ﴿فَمَالِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ — المعارج: 36 ↩