المجلس الثامن - التعليق على تفسير الجلالين (سورة البقرة 3-6)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
افتتاح المجلس وتفسير الغيب
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. الذين يؤمنون بالغيب قال بالغيب بما غاب عنهم من البعث والجنة والنار. إذن هو فسر الغيب بما غاب عنهم أي: بالذي غاب عنهم يؤمنون بما غاب عنهم أو بالغائب فيكون من باب تفسير المصدر باسم الفاعل ويعبر عن اسم الفاعل بالمصدر من باب التوسع كما قال الكواشي قال «بالغيب مصدر سمي به الغائب توسعا كقولهم للزائر زور» قال هنا بما غاب عنهم من البعث والجنة والنار هذه العبارة لعله أخذها من الواحدي.
معاني الغيب وإقامة الصلاة
وقد سبق أن السيوطي من مصادره في هذا الكتاب أو في هذه التكملة في التفسير أنه يأخذ من تفسير الواحدي أعني تفسيره الوجيز فعبارة الواحدي في الوجيز بالغيب بما غاب عنهم من الجنة والنار والبعث وقوله: ما من البعث والجنة والنار أو من الجنة والنار والبعث هذا على سبيل التمثيل؛ وإلا فالمراد بقوله الذين يؤمنون بالغيب أن يؤمنوا بما غاب عنهم مما دل الدليل عليه فيدخل في ذلك الصراط والميزان والحوض وما إلى ذلك مما جاء في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكثير من المفسّرين حينما يفسرون ربما يذكرون المثال في التفسير من باب التقريب وأقصد بالمثال هنا قوله من كذا وكذا فقول بما غاب عنهم تم به التفسير.
لكن قد يقول قائل مثل لنا ما الذي يغيب عنا ويجب علينا أن نؤمن به. فقال من البعث والجنة والنار. بل في بعض الأحوال يستغني المفسر عن التفسير المطابق بالتفسير بالمثال كأن يقول مثلًا: في قوله سبحانه وتعالى ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ﴾2 أي: مقصر في أداء الزكاة مع أنَّ قوله ظالم لنفسه أعم وليس خاصًا بالزكاة ﴿أَنَّمَا﴾ هو فسر بالمثال.
وهذا مشهور جدًّا في تفسير السلف رحمهم الله تعالى طيب هذا تفسيره للغيب بعضهم يقول الغيب ما لا يطلع العباد عليه إلا بالوحي. إذن الغيب ما كان طريقه الوحي. وقال بعضهم: المراد بالغيب ما غاب علَّمه عن الحس والضرورة مما يدرك بالدليل، وعلى كل حال فالغيب ما غاب عنا ولم نشهده. لكن الله سبحانه وتعالى، أخبرنا به فنحن نؤمن به لأننا نصدق ربنا سبحانه وتعالى، ونذعن له عز وجل هذا كله في معنى: الذين يؤمنون بالغيب وبناء على هذا التفسير فقوله: بالغيب صلة لقوله يؤمنون، يعني: يتعلق بقوله يؤمنون.
لكن هناك قول آخر وهو مشهور أيضًا أن قوله بالغيب جملة حالية، أي: الذين يؤمنون وهم غائبون الذين يؤمنون فتكون الجملة حالية بمعنى، أي: الذين يؤمنون بالله سبحانه وتعالى، في حال غيبتهم أي: يؤمنون باطنًا وظاهرًا فهم يقرون بوحدانية الله سبحانه وتعالى، ويطيعون الله عز وجل في ظهورهم، وفي غيبتهم عن الناس ليس ممن إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها كما قال الله جل ذكره. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾3. وقد ذكر هذا القول الكواشي وغيره. لكن السيوطي كما ترون اقتصر على هذا المعنى وهو، أن الغيب أي: بما غاب عنهم فيكون متعلقًا بقوله الذين يؤمنون. ثم قال ويقيمون الصلاة، أن يأتون بها بحقوقها هذا تفسيره لإقامة الصلاة. إذن هو فسر الإقامة بأداء الصلاة مع مراعاة الحقوق.
إذن تفسير إقامة الصلاة أي: أداء الصلاة مع أداء الحقوق. وهذا أحد ما يفسر به معنى إقامة الصلاة.؛ وإلا فقد ذكر بعضهم، أن إقامة الصلاة على معاني.
فقالوا إقامة الصلاة إمَّا أنها بمعنى تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها من أقام العود إذًا قومه. معنى يقيمون الصلاة، يعني: يُقوِّم صلاته فمعنى أنه يُقوِّم صلاته، يعني: أنه يعدل الأركان ويحفظ الصلاة من أن يقع فيها زيغ من قولهم أقام العود هذا هو. المعنى الأول وهو التعديل، تعديل الصلاة بتعديل الأركان وحفظها.
المعنى الثاني الدوام عليها والمحافظة عليها كما قال جل ذكره ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾4 وكما قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾5. وقال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾6 من قولهم قامت السوق إذًا نفقت. إذن المعنى الثاني في معنى: يقيمون الصلاة، أن يداوموا عليها ويحافظون على، يعني: النوم يستمرون على الصلاة لا يصلون ثم يتركون وإنَّما يصلون.
ولذلك ناسب هذا أيضًا أن يأتي التعبير بالفعل المضارع يقيمون الصلاة للدلالة على إلا تجدد والحدوث والمعنى الثالث التجلد والتشمر لأدائها وألّا يكون في مؤديها فتور عنها، ولا توانٍ من قولهم قام بالأمر وقامت الحرب على ساقها، وفي ضد ذلك يقولون قاعد عن الأمر وتقاعد عنه إذًا تقاعس وتثبت. المعنى الثالث التجلد والتشمر لأداء الصلاة، يعني: عنده همة وعنده نشاط وليس من هؤلاء الكسالة كالمنافقين.
نسأل الله السلامة والعافية. وقد وصفهم الله بقول ﴿وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ﴾7 فهؤلاء المؤمنون هؤلاء المتقون يقيمون الصلاة بنشاط وهو من قولهم قامت الحرب على ساقها، يعني: اشتدت، وفي ضد ذلك قاعد عن الأمر، يعني: تقاعس عنه. المعنى الرابع أن معنى يقيمون الصلاة، أن يؤدون الصلاة فعبر عن الأداء بالإقامة لأنَّ القيام بعض أركانها كما عبر عنه بالقنوت والقنوت القيام فيعبر عن الصلاة ببعض أركانها بذلك يعبر عنها بالإقامة ويقال ركعة ركعة وهي فيها ركوع وسجود وقيام وما إلى ذلك.
إذن هذه أربعة معانٍ ذكرها بعض المفسّرين كالزمخشري وتابعه عليها كثير ممن جاء بعده من المفسّرين في تفسير يقيمون الصلاة، وفي حقيقة الأمر فالمتقون يراعون ذلك كله فهم يؤدون الصلاة وهم يعدلون أركانها ويحفظونها ويخشعون فيها وهم يداومون عليها ولديهم همة ونشاط في تأديتها بفضل الله سبحانه وتعالى، قال ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾8 وتلحظ أخي الكريم أنه لم يتعرض للصلاة فلم يقل الصلوات المفروضة أو الصلوات النوافل وترك الكلام في ذلك وبعض المفسّرين يفصل القول في ذلك.
الإنفاق والإيمان بما أنزل
ثم قال ومما رزقناهم قال أعطيناهم ومما رزقناهم أعطيناهم. إذن فسر الرزق هنا بالعطاء أي: ومما أعطيناهم منفقون وأصل مادة الرزق تدل على معنى الحظ والنصيب. فهذا رزقه، يعني: هذا حظه ونصيبه هذا في أصل مادة الرزق ويقال رزق الله الخلق رزقًا ورزقًا الرزق بالفتح هو المصدر، يعني: أصل المصدر من مادة رزق يرزق رزقًا هذا هو المصدر الحقيقي على وزن فعل ويقال له: الرزق والرزق هو الاسم.
وقد يوضع موضع المصدر. والمراد به كلما ينتفع به العبد فهو رزق من مال وولد وغير ذلك. فقال هنا:::: ومما رزقناهم أعطيناهم وجعلنا لهم حظًّا ونصيبًا منه ينفقون قال في طاعة الله ينفقون في طاعة الله لأنك إذًا قرأت ومما رزقناهم ينفقون هل أثنى الله على المتقين من أجل الإنفاق بإطلاق الجواب أثنى عليهم من أجل إنفاقهم في طاعة الله.
فهذا القيد علم بمعونة المقام أو بقرينة السياق لأنَّ الكافر ينفق والله عز وجل ذكر قومًا. فقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾9. إذن هذا إنفاق لكنه إنفاق في باطل فليس هذا بموضع ثناء. بل هذا موضع ذنب. لكن هنا لأنَّ المقام مقام مدح مقام ثناء فعلم، أن المراد بالإنفاق هنا إنفاق في الطاعة فلذلك قال ينفقون في طاعة الله، ومن هنا نتعلم، أن المفسر قد يذكر قيدًا في التفسير من باب تيسير الفهم ويكون هذا القيد الذي ذكره دل عليه السياق أو دل عليه المقام الذي يجري الحديث عنه وأصل مادة الإنفاق معناه إخراج المال من اليد، يعني: أنفق، يعني: أخرج المال من يده ومن هذا يقال نفق المبيع، يعني: رجل عنده سلعة فيقال نفق المبيع إذًا كثر مشتروا فخرج عن يد البائع ويقال نفقت الدابة إذا خرجت روحها فلذلك هنا معنى ينفقون، يعني: يخرجون أموالهم.
لكن ما ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ باب في أبواب طاعة الله سبحانه وتعالى. وقد قال قتادة «ينفقون في طاعة الله وسبيله». ومما رزقناهم ينفقون. وأيضًا لم يذكر لنا السيوطي رحمه الله تعالى المراد بهذا الإنفاق. هل هو إنفاق يراد به إخراج الزكاة أو يراد به الصدقة المتطوع بها أو يراد بها نفقة الرجل على أهله لم يبين لنا ذلك.
وقد ذكر ابن جزي رحمه الله تعالى أقوالا في المراد بقوله سبحانه مما رزقناه منفقون ثم اختار القول بالعموم أنه إنفاق في الواجب، وفي المستحب، يعني: في الصدقات المتطوع بها، قال لأنه لا دليل على التخصيص، والطبري رحمه الله تعالى أيضًا اختار القول بالعموم في جميع اللازم لهم، يعني: مما رزقناهم ينفقون في جميع ما يلزمهم في أموالهم، مؤدين زكاة كان ذلك أو نفقة من لزمته نفقته، من أهل وعيال وغيرهم والجمع بين إقامة الصلاة والإنفاق هذا كثير في القرآن الكريم كالجمع بين الصلاة والزكاة، يعني: من أمثلة الجمع بين الصلاة والزكاة.
وهذا كثير في القرآن الكريم. وقد تقدم الحديث عن السر في ذلك في بعض اللقاءات قال هنا ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ10 وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾11 ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ تلحظ هنا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المبارك حفظك الله، أن الله سبحانه وتعالى، لم يقل ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾12 ويؤمنون بما أنزل إليك ﴿أَنَّمَا﴾ قال وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ فأعاد الاسم الموصول الذين.
فهذا حمل بعض العلماء على أن يقول إنهما صنفان أثنى الله عز وجل على المتقين ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ ومما رزقناه المنفقون وهؤلاء جنس هؤلاء هم المتقون من أمة محمد ﷺ من هذه الأمة. وأما قوله ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾13. فهذا حديث عن مؤمن أهل الكتاب فقسمهم إلى قسمين أو جعلهم طائفتين.
وقالوا هذا في مقابلة ما ذكر الله بعد ذلك إذ ذكر الله سبحانه وتعالى، الذين كفروا وذكر كذلك المنافقين وبعض العلماء يقول. بل هذا من تتمة أوصاف المتقين فقول وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ هذا من عطف الصفة على الصفة، يعني: من أوصاف المتقين الذين يؤمنون بالغيب، ومن أوصافهم النوم يقيمون الصلاة، ومن أوصافهم النوم مما رزقهم الله ينفقون، ومن أوصافهم أنهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ على كل حال هما قولان مشهوران في ذلك وأعرض عن تفصيل القول فيهما.
بل عن التعرض لهم السيوطي فنسير على منواله متتابعين له في ذلك. لكن هذا يجعلنا نتعلم، أن التفاسير على مراحل وأن هناك تفسيرًا مختصرًا يعتني بقضايا ويترك أشياء تحتاج إلى بعض التفصيل ثم يأتي التفسير الآخر في المرحلة التي تليها فتتوسع المدارك أو تتسع المدارك ويكون لدى الطالب التمكن من إدراك هذه المسائل التي يلد فيها اختلاف بين المفسّرين قال هنا وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ، أي: القرآن.
إذن علم، أن معنى بما أنزل إليك القرآن لأنَّ الخطاب هنا لمن للنبي ﷺ الأصل في الخطاب أنه موجه إلى رسول الله محمد ﷺ والذي أنزل إليه هو القرآن الكريم. ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ﴾ الله من القرآن الكريم. وبما سينزل الله عز وجل من القرآن بعد نزول هذه الآيات لأنه قد يسأل سائل ويقول قوله: وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ هناك آيات لم تكن نزلت قبل هذه الآية وإنَّما نزلت بعد هذه الآية فكأن.
المعنى وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ سينزل عليك أو ما سينزل إليك لأنَّ هذه الآيات في صدر سورة البقرة نزل بعدها آيات أخرى. بل وسور أخرى. وبناءً عليه فقول بما أنزل إليك أي: وبما سينزل أيضًا. لكن قال الكواشي هنا وأفادنا فائدة لطيفة قال «وجاء بالماضي من الفعل في قوله بما أنزل إليك»، يعني: يعبر بما أنزل وليس بما ينزل أو بما سينزل أو سينزل إليه قال «وإن كان إيمانهم سابقًا لنزول جميع القرآن لأن القرآن شيء واحد في الحكم، ولأن المؤمن ببعضه مؤمن بكله» فهم ﴿امِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى، إلى نبيه ﷺ والذي يؤمن ببعض القرآن يؤمن بكل القرآن قال ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾، أي: التوراة والإنجيل وغيرهما وبعضهم اقتصر.
فقال وما أنزل من قبلك التوراة أو قال التوراة والإنجيل وتعبير السيوطي أدق كما قال الله سبحانه وتعالى، ﴿وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍ﴾14. وقال الله ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ﴾15
اليقين والإشارة بأولئك
قال وبالآخرة هم يوقنون قال أي: يعلمون. إذن الآن بعد قولي ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ ذكر صفة أخرى.
فقال وبالآخرة هم يوقنون قال أي: يعلمون ففسر هنا اليقين بالعلم. لكن بعض العلماء فرق بين اليقين والعلم. فقالوا اليقين هو العلم الذي يحصل بعد الاستدلال والنظر قالوا، ولا يجوز أن يُسمَّى علم الله يقينًا لأنَّ علَّمه لم يحصل عن الاستدلال والنظر فهم يؤمنون بالآخرة ويعلمونها علمًا بالاستدلال لأنَّ الله سبحانه وتعالى، ذكر الآخرة وبين البراهين الساطعة والأدلة الواضحة على إمكأنية البعث، وعلى وقوعه.
ولذلك في سورة البقرة عدة أدلة على إثبات الآخرة على إثبات البعث والتي يقال لها: براهين البعث وسيأتينا بيانها بإذن الله تعالى في مواضعها. إذن هو علم عن الاستدلال. ولذلك قالوا لا يقال عن الله سبحانه وتعالى، أو لا يُسمَّى علم الله يقينًا ﴿أَنَّمَا﴾ يوصف الله سبحانه وتعالى، بالعلم، ومن أسمائه العليم سبحانه عز وجل.
وقالوا أيضًا الإيقان إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه هذا كله من معنى اليقين. وقال الكواشي «اليقين علم بلا شك بعد أن لم يكن». ولذلك لا يقال لعلم الله يقين، يعني: اليقين يكون اكتسابه اكتسبه بعد أن لم يكن. ولذلك لا يقال لعلم الله يقين هذا أيضًا مما نسميه بالفروق بين الكلمات وتقدم في الدروس السابقة، أن كثيرًا من المفسّرين يفسرون بالتفسير المقارب بالمعنى المقارب، ولا يقصدون بذلك أن هذه الكلمة بمعنى هذه الكلم من كل وجه.
ولذلك عند تدقيق النظر وإمعانه نجد أنَّ هناك فروقا بين الكلمة والكلمة الأخرى. وهذا ما يظهر بجلاء في دراسة تحفة الأريب كما تعلمون. قالوا وبالآخرة هم يوقنون. بعد أن ذكر الله عز وجل أوصافهم قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾16. أولئك، أي: الموصوفون بما ذكر. أولئك المشار إليهم بهذه الصفات السابقة من يرى من أهل العلم النوم جنسان، يعني: أولئك، أي: الجنسان من مؤمن أمة محمد ﷺ ومن مؤمن أهل الكتاب أُو۟لَٰٓئِكَ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أو أن هذه الأوصاف للمتقين عمومًا فأيضًا يثني الله عز وجل عليهم فيقول: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ وذكر اسم الإشارة يجعلنا نعود إلى تذكر هذه الأوصاف.
وهذا أسلوب رائع في اللغة العربية، يعني: بعد أن تتحدث حديثًا وتذكر أوصافا إذًا بك تقول أولئك أي: هؤلاء الموصوفون بتلك الأوصاف فإذا سمعت أولئك تستحضر هذه الأوصاف لأنَّ الأصل في الإشارة أنها يُستعمل فيما يشار إليه بحضرتك، يعني: أن تقول هذا هؤلاء أولئك فأنت بهذا تستحضر هذه الأوصاف فكأنَّه قيل ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا﴾ رزقهم الله ﴿يُنفِقُونَ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ﴾ الله على رسوله وما أنزل الله على الرسل من قبله وهم بالآخرة يوقنون أو الذين هم بالآخرة يوقنون كل هؤلاء أو هؤلاء ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ كأنَّك تعيد الأوصاف حينما تسمع كلمة أولئك وتذكر معي هذا الاسم اسم الإشارة أولئك وتذكر ما سيأتي بإذن الله تعالى بعد ذلك في قوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾17 فاسم الإشارة هنا في مقابلة اسم الإشارة هناك قال أولئك، أي: الموصوفون بما ذكر وتقدم، أن أولئك اسم إشارة للبعيد على قول الجمهور عندما نفرق بين أسماء الإشارة ويجعل بعضها للقريب وبعضها للبعيد فيجعلها مرتبتين أو ثلاث مراتب.
وذلك لدخول الكاف لأنَّ أصل المادة هؤلاء هؤلاء فإذا أردت القريب قلت: هؤلاء وإذا أردت البعيد قلت: أولئك والإشارة بالبعيد للتنويه بشأنهم وبيان رفعة قدرهم عند ربهم سبحانه وبحمده قال أولئك الموصوفون بما ذكر ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ قال الفائزون بالجنة الناجون من النار وتلحظ أن السيوطي لم يعلق على قوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾، وفيه للمفسرين كلام كثير.
وهذا يعلمنا أو به نتعلم، أن السيوطي أو أن تفسير الجلالين لا يفسر كل الألفاظ وإنَّما قد يتجاوز بعض الكلمات. بل بعض الجمل إذا كانت من الوضوح بمكان بحيث إن من يقرآها يسهل عليه فهمها وإن كانت فيها دقائق لا تظهر إلا للمتأمَّل! والمتدبر كالتعبير بعلى وأنها تدل على علوهم بهذا الإيمان فالإيمان جعلهم مستعلين ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أيضًا كرر أولئك.
وقال هم المفلحون فغيرهم غير مفلح وعرفنا ذلك من أسلوب الحصر لأنَّ أولئك هذا اسم إشارة واسم الإشارة من المعارف فأسماء الإشارة نوع من أنواع المعارف أو أحد المعارف كما هو معروف فقول أولئك هذا معرفة وقوله: المفلحون هذا أيضًا معرفة ويقول أهل البلاغة تعريف جزأي الجملة يفيد الحصر والقصر، يعني: حينما تقول أولئك المفلحون أي: أولئك وحدهم هم المفلحون أولئك المفلحون لا غيرهم من أين استفدنا
ذلك استفدناه من أسلوب الحصر، ومن أين أخذنا أسلوب الحصر من تعريف جزأي الجملة، وأيضًا استفدناه من شيء آخر وهو وجود ضمير الفصل وهو هم وأولئك هم هذا يقال له: ضمير الفصل يقال له: ضمير الفصل وضمير الفصل يفيد التأكيد والتمييز بين الخبر والوصف ويفيد كذلك معنى الحصر ولعل بإذن الله تعالى في بعض المواضع سأقف وقفة يحتاجها المقام بإذن الله تعالى لتبين ما يتعلق بضمير الفصل قال ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ قال الفائزون بالجنة الناجون من النار.
معنى الفلاح والمفلحون
إذن هو فسر المفلح بالفائز بالجنة الناجي من النار كما قال الله سبحانه ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾18 وأصل مادة الفلح بمعنى القطع، يعني: أصل مادة الفلح بمعنى القطع فمعنى ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾، يعني: «المقطوع لهم بخير الدنيا والآخرة». وهذا ما قاله الكواشي. وهذا التعبير من الكواشي أعم من تعبير السيوطي لأنَّ السيوطي قال هنا الفائزون بالجنة الناجون من النار وهنا نسأل سؤالًا هل الفلاح يقتصر على فلاح الآخرة
إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الفلاح فلاح في الدنيا، وفي الآخرة وهو كذلك فلذلك قول الكواشي هنا «المقطوع لهم بخيري الدنيا والآخرة» في الدنيا مفلح فيعيش في فلاح، وفي سعادة مقطوع لهم بخير الدنيا والآخرة. لكن كثير من المفسّرين حمل ذلك على الفوز بالجنة والنجاة من النار وجعل ما يتعلق بالدنيا مستفادا من قوله سبحانه وتعالى، ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾19 في الدنيا ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾20 في الآخرة والقول بالتعميم وجيه، والله تعالى أعلم. والإمام الطبري رحمه الله تعالى ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾21 «أولئك هم المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله من الفوز بالثواب والخلود في الجنان والنجاة مما أعد الله - تبارك وتعالى لأعدائه من العقاب».
وقالوا من الدلالة على أن أحد معاني الفلاح إدراك الطلب والظفر بالحاجة، يعني: الفلاح في اللغة العربية يطلق على إدراك الطلب ما تطلبه والظفر بالحاجة قول لبيد بن ربيعة اعقلي إن كنت لما تعقلي. ولقد أفلح من كان عقلًا. فهذا من معاني الفلاح إدراك مطلوب وتقدم، أن من معاني الفلاح القطع.
ولذلك قالوا للفلاح فلاحا قالوا له فلاح لأنه يقطع الأرض ويجوبها ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾22. قال بعدها ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾23242526. وأحاول قدر المستطاع أن أحجم وأن أمسك بزمام نفسي عن الاستطراد فيما يتعلق بتفسير الآيات؛ وإلا فالآيات فيها دقائق ونفائس كثيرة.
لكن حتى نكون على شرطنا من الاقتصار على ما يتعلق بتفسير جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي والآن مع جلال الدين السيوطي حتى يتم المقصود بإذن الله تعالى من دراسة الكتاب ونسأل الله أن يرزقنا الإخلاص والعلم النافع والعمل الصالح قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ كفروا كأبي جهل وأبي لهب ونحوهما هذا ماذا نسميه نسميه التفسير بالمثال.
وهذا تقدم منذ قليل، يعني: هو إذا قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ كفروا الأصل أن يفسر لنا كلمة كفروا فيقول: أصل مادة الكفر الستر والتغطية فمعناه ستروا أو جحدوا آيات الله أو يذكر أنواع الكفر. لكن السيوطي هنا قال كأبي جهل وأبي لهب ونحوهما ففسر لنا بالمثال وتقدم، أن هذا كثير في تفاسير أهل العلم. بل ومشهور جدًّا في تفاسير السلف.
الكفار المصرون وقراءة أأنذرتهم
لكن هنا عبارة السيوطي لها مغزى. وذلك في قوله ونحوهما، يعني: أن المراد بقوله. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ كفروا ليس جميع الكفر وإنَّما المراد بها: أولئك الكفار الذين سبق في علم الله سبحانه وتعالى، أنهم لن يؤمنوا بذلك قال بعضهم. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ كفروا في من سبق القدر، يعني: بتقدير الله سبحانه أنه لا يأمن كأبي جهل. وهذه عبارة ابن جزي ما معنى ذلك
الآية يقول أهل العلم أو كثير منهم إنها من قبيل العام الذي أريد به الخصوص وبهذا يزول الإشكال في فهم الآية الكريمة لأنك حينما تقرأ الآية. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يشكل عليك. الأمر وتقول أليس هناك كفار آمنوا، وقبل الله إيمانهم الجواب بلى وهنا الآية ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ مع أنَّ هناك كفارا قد انتفعوا بالإنذار وآمنوا وأقلعوا عن الكفر فيقال ليس المراد بالكفر هنا جميع الكفر ﴿أَنَّمَا﴾ المراد بالكفر كفار معينون فلذلك قالوا: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ كفروا ممن قدر الله عز وجل عليهم أنهم لن يؤمنوا أو.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ كفروا المصرين على الكفر المصرين على الكفر. ولذلك قال في نهاية الكلام قال ﴿أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لعلم الله منهم ذلك فلا تطمع في إيمانهم والله لا يظلم أحدًا سبحانه وبحمده. إذن قولك أبي جهل وأبي لهب ونحوهما لبيان، أن الآية ليست في جميع الكفر وإنَّما في الكفر المصرين على الكفر كالذين قال الله فيهم. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾27 ﴿وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾28 وبهذا يزول الإشكال. وهذا يقال أيضًا في مثل قوله سبحانه وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ فقد يسأل سائل ويقول وهناك فاسقون هداهم الله وهناك كافرون هداهم الله وهناك ظالمون هداهم الله فيقال المراد بذلك من تماد في كفره من تماد في ظلمه من تماد في فسقه من أصر على ذلك ممن لم يكتب الله سبحانه وتعالى، له الهداية ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال سواء عليهم أأنذرتهم بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفًا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه هو يتكلم ذلك عن طريقة القراءة، يعني: كيف قرأ القراء كلمة أأنذرتهم.
وهذا ما يذكره القراء أو الحديث القراءات في الأصول حينما يتكلمون عن اجتماع الهمزتين وهنا اجتمعت همزتان في كلمة واحدة، يعني: أنذرتهم الهمزة الأولى الهمزة الأصلية أنذر أو أقصد الهمزة التي في الكلمة أنذر؛ وإلا فأصل الكلم من النذر. لكن أنذر. إذن هي همزة في الكلمة ثم جاءت همزة الاستفهام أأنذرتهم والهمزتان مفتوحتان فكيف تكون القراءة فذكر هنا أوجها للقراء.
وهذه الأوجه لا يترتب عليها أثر تفسيري وذكرت أن السيوطي أحيانًا يذكر القراءات. لكن لا يترتب عليها أثر في التفسير على كل حال سأبدأ بإذن الله تعالى بتحرير القول في ذلك وبالحديث عما ذكره السيوطي في القراءات في قوله أنذرتهم مع تفسير الآيات الكريمة في الدرس المقبل هذا والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 32 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الملك 12 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المعارج 23 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 9 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المعارج 34 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 142 ↩
- آية: ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 3 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 36 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ — البقرة: 4 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 4 ↩
- آية: ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ — البقرة: 3 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 4 ↩
- آية: ﴿وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 15 ↩
- آية: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 285 ↩
- آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 5 ↩
- آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 16 ↩
- آية: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 185 ↩
- آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 5 ↩
- آية: ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 5 ↩
- آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 5 ↩
- آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ — البقرة: 5 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 6 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ — البقرة: 6 ↩
- آية: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 6 ↩
- آية: ﴿أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 6 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 96 ↩
- آية: ﴿وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 97 ↩
من سلسلة: سلسلة التعليق على تفسير الجلالين (21 درسًا)