منظومة الزمزمي (الدرس العشرون)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال: الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
العَقْدُ الثَّانِي مَا يَرْجِعُ إِلَى السَّنَدِ وَهِيَ سِتَّةُ أَنْواعٍ:
النَّوْعُ الأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ: المُتَوَاتِرُ، وَلآحَادُ، وَالشَّاذُ
واَلسَّبْعَةُ الْقُرَّاءُ مَا قَدْ نَقَلُوا
فَمُتَوَاتِرٌ وَلَيْسَ يُعْمَلُ
بِغَيْرِهِ فِي الْحُكْمِ مَا لَمْ يَجْرِ
مَجْرَى التَّفَاسِيْرِ وَإِلاَّ فَادْرِ
قَوْلَيْنِ إِنْ عَارَضَهَ المَرْفُوعُ
قَدِّمْهُ ذَا الْقَوْلُ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ المَسْمُوعُ
وَالثَّانِيُ الآحَادُ كَالثَّلَاثَةِ
تَتْبَعُهَا قِرَاءَةُ الصَّحَابَةِ
وَالثَّالِثُ الشَّاذُّ الَّذِي لَمْ يَشْتَهِرْ
مِمَّا قَرَاهُ التَّابِعُونَ وَاسْتُطِرْ
وَلَيْسَ يُقْرَأُ بِغَيْرِ الْأَوَّلِ
وَصِحَّةُ الِإْسْنَادِ شَرْطٌ يَنْجَلِي
لَهُ كَشُهْرَةِ الرِّجَالِ الضَّبْطِ
وِفَاقُ لَفْظِ الْعَرِبي وَالخَطِّ
الشرح
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد :
فنواصل القراءة في منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مع التعليق عليها، وننتقل إلى العقد الثاني، قال: "مَا يَرْجِعُ إِلَى السَّنَدِ وَهِيَ سِتَّةُ أَنْواعٍ"؛ إذًا هذا النوع أو هذا العقد ما يرجع إلى السند، وينقسم إلى ستة أنواع كما أن العقود ستة، فهنا هذا العقد الثاني : ستة أنواع كلها تتصل بالسند.
" النَّوْعُ الأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ: المُتَوَاتِرُ، وَلآحَادُ، وَالشَّاذُ ،والرَّابِعُ قِرَاءاتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الواردة عنه، الخَامِسُ وَالسَّادِسُ الرُّوَاةُ وَالحُفَّاظُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ اشْتُهِرُوا بِحِفْظِ القُرَآنِ وإِقْرَائهِ.
إذًا كلها تتصل بالسند. فما المراد بالسند هنا؟ السند هنا سلسلة الرواة الذين يتصلون إلى المنقول أو إن شئت فقل سلسلة الرواة التي تنتهي إلى منقول، والمنقول هنا المراد به القرآن الكريم؛ لذلك لم نقل كما نقول في الحديث "الإسناد سلسلة الرواة الموصلة إلى متنه أو التي تنتهي إلى متنه"؛ لأن المراد بالمتن هنا المنقول وهو القرآن الكريم.
إذًا حينما نقول سند قرآني؛ معناه السلسلة التي توصلنا إلى قراءة القرآن الكريم، هذا بالنسبة لهذا السند،
ومن المعلوم أن السند يتضمن شيئين :
يتضمن الرواة.
وصيغ الرواة.
فمثلًا حينما نقول فلان عن فلان عن فلان؛ ففلان وفلان وفلان هذا من السند، وطريقة التحمل "حدثنا، أخبرنا، سمعنا، قرأنا عليه" هذه أيضًا داخلة في السند التي هي من صيغ التحمل، والسند يشمل هذا وذاك، هذا السند قد يتصل إلى القارئ وقد يتصل إلى الراوي عن القارئ، وقد يتصل بطريق وهو دون الراوي؛
لذلك قالوا إن السند على ثلاثة أقسام :
سند قراءة.
وسند رواية.
وسند طريق.
إذًا أنا عندي السند في علم القراءات، إما أن ينتهي السند إلى القارئ بأن يضاف إليه فيقال هذه قراءة عاصم، أو هذه قراءة حمزة، أو هذه قراءة نافع، فيكون هذا من قبيل سند قراءة.
أو أن ينتهي إلى الراوي فيقال له سند الراوي أو سند راوٍ وهذا إذا انتهى إلى الراوي عن القارئ، فنقول هذه رواية حفص عن عاصم، هذه رواية قالون عن نافع وهكذا.
وقد يكون هذا السند سند طريق؛ وذلك إذا وقف عند من دون الراوي عن القارئ فحينئذٍ يقال هذا سند طريق؛ لأنه توقف دون الراوي كما يقولون: من طريق الأصبهاني أو من طريق الأزرق أو طريق عبيد بن الصباح ونحو ذلك من الطرق المعروفة عن القراء الذين تواترت قراءتهم.
إذًا أنا عندي الآن : قارئ وراوٍ وطريق، هذه ثلاثة، هذا من المهمات فيما يتصل بعلم القراءات.
والطريق قد يكون له إطلاق آخر وهو السند المتصل بما تضمنه كتاب، بمضمن الكتاب، فيقال هذا سند من طريق الشاطبية أو من طريق الطيبة؛ فالآن أي بمضمن الشاطبية أو بمضمن الطيبة، فيكون هنا الطريق طريق كتاب.
إذًا الآن عندنا قارئ، سند قراءة، سند رواية راوٍ، سند طريق، وهذا الطريق قد يكون إلى مَن دون الراوي عن القارئ، وقد يكون بما تضمنه كتاب من كتب القراءات كالشاطبية والطيبة، هذا بالنسبة للسند.
قسم هنا السند إلى ستة أنواع. النوع الأول : والثاني : والثالث : المتواتر والآحاد والشاذ، وهذا كما ترون يتصل بالقراءات، فما المراد بالقراءات؟
حينما نقول القراءات ما المراد بالقراءات؟ القراءات جمع "قراءة"، وقد ذكر بعضهم أنها في الاصطلاح، وهذا ذكره الشيخ الزرقاني في مناهل العرفان قال : مذهبٌ يذهب إليه إمام من أئمة القراء مخالفًا به غيره في النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات والطرق عنه، سواءٌ أكانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيئاتها.
إذًا أنا عندي القراءة اتجاه وجه، ولذلك نقول عن القراءات وجوه إقرائية، إذًا كل قراءة وجه إقرائي، وجه من وجوه القراءة، ولذلك قوله هنا مذهب يذهب إليه إمام، ليس المراد بالمذهب هنا المذهب المبني على الرأي والاجتهاد وإنما هو مذهب يعني أنه أقرأ بهذا وبذاك فاختار، ولذلك نقول اختيارات القراء.
إذًا هو اختار من المسموع، اختار من المقروء، اختار مما تلقاه عن شيوخه، يعني كل قارئ من القراء المعروفين تلقى القراءة عن شيوخه وأخذ بأوجه متعددة لكنه اختار وجهًا يقرأ به ويُقرئ به، فصار مذهبًا له بحيث اُشتهر عنه، لا أنه اجتهد فأتى به من تلقاء نفسه، هذا هو المراد، ﴿أَنَّمَا﴾ تلقاه، لكنه قرأ بهذا وبذاك فاختار لنفسه هذه القراءة.
مذهب يذهب إليه، فهمنا كلامه مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القراء، ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إمام من أئمة القراء الذي هو القارئ في الأصل، مخالفًا به غيره في النطق بالقرآن الكريم؛ يقصد بالمخالفة هنا متميزًا به ولا يلزم في كل الأحوال أن يخالف؛ لأنه معروف أن القراءات تتفق في أشياء بل في كثير من الأمور وأحيانًا تجد بعض المواضع يتفق القراء كلهم على قراءتها بوجه واحد.
إذًا لا يشترط لتكون هذه قراءة أننا سنجد اختلافًا في كل كلمة أو في كل آية، لا قد نقرأ آية أو نقرأ كلمة أو نقرأ جملة ولا يكون فيها خلاف عند القراء حتى من يقرأ بالجمع فإنه يقرؤها على وجه واحد ويكون قد قرأها للسبعة بل للعشرة؛ هذه إذًا معنى مخالفًا به غيره يعني أحيانًا لا بد تقع المخالفة في أثناء القراءات، وكل خلاف وقع في القراءات المتواترة والكلام هنا عن المتواترة بالدرجة أولى وسيأتي التفصيل فيما بعدها، فهو خلاف تنوع لا خلاف تضاد؛ فلا يوجد بين القراءات المتواترة اختلاف تضاد البتة.
لا يوجد بين القراءات المتواترة خلاف تضاد البتة؛ لأن دعوى وجوده في القراءات المتواترة؛ يعني وجوده في القرآن الكريم وهذا خطأ؛ لأن القرآن منزه عن الاختلاف والتناقض ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾1؛ ولذلك نستطيع نقول إن القراءات أوجه إقرائية للقرآن الكريم، وبحيث قرأ القارئ فقد أصاب فهو يقرأ قرآنًا، إذًا طريقة لأداء القرآن الكريم.
قال "مع اتفاق الروايات والطرق عنه"؛ أيضًا هذا لا يلزم، يعني نقول هذا التعريف يعتبر المشهور فأردت أن أذكره في مناهل العرفان للزرقاني رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ لأنه أحيانًا القارئ يرد عنه أكثر من وجه، وعندنا القارئ عنه راويان والراويان قد يتفقان وقد يختلفان.
"سواء أكانت هذه المخالفة"؛ يعني إذا وقع شيء من الاختلاف في نطق الحروف أم في نطق هيئاتها، هذا فيه إشارة إلى أوجه الاختلاف في القراءات أنه قد يكون الاختلاف في نطق الحرف بمعنى مثلًا هذا قرأ بالفاء وهذا قرأ بالواو، فيكون هذا الفرق، أو هذا قرأ أيضًا من هذه الفروق، هذا قرأ بالإثبات وهذا قرأ بالحذف؛ يعني هذا قرأ "قالوا" وهذا قرأ "وقالوا"، هذا قرأ "سارعوا" هذا قرأ "وسارعوا"، إذًا هذا أثبت وهذا حذف، أو "اختلاف في الهيئات "؛ أيضًا من الخلاف في الحروف ممكن يكون خلاف بالياء والتاء ﴿لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ "لتنذر من كان حيًا" مثلًا، أو يكون الاختلاف في الهيئات يعني هذا قرأ "يصِدون" هذا قرأ "يصُدون" وهكذا، هذا قرأ بالفتح هذا قرأ بالكسر، وهذا كثير.
إذًا الخلاف قد يكون في الحرف إثباتًا وحذفًا، أو باختلاف نوع الحرف، أو قد يكون هذا باختلاف في الهيئة اختلاف بحركة، هذا فتح أو هذا كسر أو هذا ضم "تَرجعون" "تُرجعون" وهكذا، في مثل هذا فهذا يدخل في حيز القراءات ومعروف أن صور الاختلاف بين القراءات عديدة؛ لأنه قد يكون هناك زيادة كلمة أيضًا، مثل: ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾2 في موضع براءة فابن كثير يقرأ بإثبات "من"، ، فهذه كلمة أتى بها ليس لم يأتِ بها من تلقاء نفسه لكنها أيضًا قراءة.
إذًا هذا من أوجه الاختلاف في القراءات، هذه القراءات بصفة عامة، حينما نقول مذهب يذهب إليه إمام من القراء أي في طريقة قراءة القرآن الكريم كما تقدم وبناءً عليه فنسبتها إليه نسبة اشتهار وذيوع وليست نسبة ابتداع أو اختراع.
إذًا نسبة القراءات إلى القراء نسبة ذيوع واشتهار وليست نسبة اختراع أو ابتداع، وبهذا فلا وجه للشبهة التي تثار من بعض من لا يعقل المسائل ولا يعرف علوم القرآن الكريم فيقول لماذا تنقمون على النصارى وتقولون عندهم إنجيل يوحنا وإنجيل مرقس وإنجيل لوقا وإنجيل متا وأنتم عندكم قراءة نافع وعندكم قراءة عاصم وقراءة كذا وقراءة الكسائي ونحو ذلك، نقول شتان ما بينهما، نحن عندنا القراءات الأصل القرآن من عند الله
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
هذه أوجه إقرائية لكن هو قرآن واحد وليست كتبًا مختلفة، وليست إنجيلًا ينسب إلى فلان هو الذي قال وفلان هو الذي قال، ﴿أَنَّمَا﴾ نسبة القراءة إلى نافع لأنه اشتهر بها وقد قرأ هذه القراءة غيره.
قد قرأ هذه القراءة التي قرأ بها نافع غيره، وقد قرأ القراءة التي قرأ بها عاصم غيره، وقد قرأ القراءة التي قرأ بها الكسائي غيره، لكنها استفاضت واشتهرت أو تواترت عنه؛ بالضبط كما ننسب مثلًا إلى فلان علم كذا لشهرته فيه وليس يعني ذلك أنه وحده المعروف بهذا العلم، أو ننسب المسجد نقول مسجد الشيخ فلان مع أنَّ هذا المسجد بني ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يولد هذا الشيخ والمسجد هذا يدخله فلان وعلان؛ لكن نسب إليه لشهرته بوجوده في هذا المسجد وما إلى ذلك فهذا أمر مهم.
فضلًا أن لا وجه للمقارنة ابتداءً لأن الخلاف بين القراءات كما قلت خلاف تنوع ليس خلاف تضاد، بخلاف الموجود في الأناجيل خلاف تناقض وتضاد بوضوح وصراحة، إصحاحات هنا وإصحاحات غير موجودة هنا بالمرة لكن ما تجد في القراءات كلها، أن تجد مثلًا آية كاملة موجودة هنا والآية غير موجودة سطرًا هنا موجود وسطرًا هنا ليس موجودًا فضلًا عن أن يكون صفحة فضلًا عن أن يكون سورة، هذا غير موجود في القراءات عندنا ولله الحمد والمنة فشتان بين هذا وذاك.
أقول هذا لأن كما قلت مرارًا إن الشبهات المثارة في قضايا علوم القرآن الكريم تدور حول هذه الأبواب: باب جمع القرآن، وباب أسباب النزول، وباب القراءات، وباب الناسخ والمنسوخ، أغلب الشبهات التي تُثار في علوم القرآن تدور حولها، نعم هناك شبهات أخرى تُثار حول قصص القرآن وبعض الأبواب مثل دعوى التناقض وما إلى هذا لكن هذه أشهر، ما يدور حوله العلمانيون وقبلهم المستشرقون وبعد ذلك جاء الحداثيون، فلذلك الإنسان إذا أحكم هذه الأبواب من أبواب علوم القرآن اتضحت له المسائل بفضل الله
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
.
هذا الذي تكلمنا عنه تعريف القراءات، فما تعريف علم القراءات؟ إذًا أنا عندي القراءات من حيث هي، عرفنا أنها هذه هي القراءات لكن علم القراءات يعني نقول هذا اسمه علم ندرس علم القراءات أين أنت ذاهب تقول أنا ذاهب إلى دراسة علم القراءات.
فما تعريف علم القراءات؟ قالوا علم القراءات وهذا مشهور عن ابن الجزري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذكره في منجد المقرئين : "القراءات علم بكيفيات أداء كلمات القرآن واختلافها معزوًا إلى ناقله".
إذًا هذا علم بكيفيات أداء كلمات القرآن؛ يعني تعرف كيف تؤدي كلمات القرآن، وتعرف مواضع الاختلاف؛ إذًا تدرس القراءات تعرف مواضع الاتفاق ومواضع الاختلاف سواء كان الاختلاف في الأصول أم كان الاختلاف في الفرش كما هو معروف في القراءات، معزوًا إلى قارئه؛ إذًا تقول هذه قراءة فلان هذه قراءة فلان هذا علم القراءات بخلاف التجويد ما تحتاج إلى هذا، ﴿أَنَّمَا﴾ تنطق أحكام التجويد تعرف قراءة القرآن قراءة صحيحة خلاص وأنت تقرأ بالتجويد لا تعزوه إلى قارئ لكن العزو وذكر مواضع الاتفاق ومواضع الاختلاف هذا يجري بين القراءات في علم القراءات.
هنا قسم السند إلى ستة أنواع، النوع الأول : المتواتر، والنوع الثاني : الآحاد، والنوع الثالث : الشاذ.
﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ نتكلم عن المتواتر لا بد أن نفهم أنه في باب القرآن الكريم هناك التواتر سند، تواتر السند بحيث نقول ما رواه جمع عن جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب كما هو تعريف المتواتر الذي يدرس في علم المصطلح، وبين أن نقول إنه هناك تواتر أعظم من ذلك وهو تواتر الطبقات؛ يعني القرآن الكريم نقل تواترًا يعني تواتر الطبقة عن طبقة فهذا فوق أن يقول رواه جمع عن جمع، ﴿أَنَّمَا﴾ هي طبقة تلو طبقة، طبقة عن طبقة عن طبقة، هذه الطبقة بعدد كبير وجم غفير يفوق الحصر.
ولكن ليس كل أصحاب الطبقة ينشطون لنقل ذلك أو لتعليم ما أقرئوا، يعني ممكن نكون في مجلس القرآن درسنا هذه القراءة درسه ألف أو خمسمائة على شيخ واحد لكن من الذي يكون بارزًا ويكون متصدرًا للإقراء قد لا يوجد من بين الألف أو الخمسمائة إلا واحد أو اثنان أو ثلاثة لكن الآخرين يعرفون فيأتي هذا موجود فيعلم خمسمائة فصار معه طبقة والذي تحته طبقة ففرق بين ما هو موجود في الأسانيد وبين ما هو موجود في طبقات الناس، هذه قضية.
يعني الآن الذي تصدر للإقراء ممكن نجد الأسانيد تتكرر وتدور حول فلان وفلان ومصب الأسانيد على فلان، لكن فلانًا هذا هو الذي برز أو الذي ظهر للتعليم هو الذي توجه للتعليم، غيره يحفظ لكن لا يعلم، يعني أنت الآن اليوم ممكن تقرأ آية يحفظها مئات ألوف لكنهم ساكتون لكنهم معك في هذه الآية وفي الآية الأخرى وفي هذه السورة وفي تلك السورة كذلك تلاميذه كذلك تلاميذ التلاميذ وهكذا.
فهذه مسألة تحل لنا الإشكالات في قضية أين التواتر في بعض الطبقات؛ لأنه يأتي يقول لك أنتم تقولون تواتر ما رواه جمع عن جمع ويقول لك لا يعلم أن فلانًا من تلاميذه إلا فلان وفلان، فأين التواتر؟ نقول التواتر أعظم من هذا المنقول هو تواتر طبقات، وبهذا ينحل كثير من الإشكالات التي ترد في قضية هل المشترط التواتر أو المشترط الاستفاضة والشهرة وربما لفتنا النظر إلى هذا بإذن الله تعالى في الوقت الذي يناسبه.
قال:
واَلسَّبْعَةُ الْقُرَّاءُ مَا قَدْ نَقَلُوا
فَمُتَوَاتِرٌ وَلَيْسَ يُعْمَلُ
بِغَيْرِهِ فِي الْحُكْمِ مَا لَمْ يَجْرِ
مَجْرَى التَّفَاسِيْرِ وَإِلاَّ فَادْرِ
قَوْلَيْنِ إِنْ عَارَضَهَ المَرْفُوعُ
قَدِّمْهُ ذَا الْقَوْلُ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ المَسْمُوعُ
"
واَلسَّبْعَةُ الْقُرَّاءُ مَا قَدْ نَقَلُوا..
فَمُتَوَاتِرٌ
": بدأ يتحدث عن النوع الأول : وهو المتواتر من القراءات، والمتواتر ما رواه جمعٌ عن جمعٍ تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، وأصل مادة التواتر تدل على التتابع ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾3، هذه ما نوعها من الكلمات؟ ما نوعها؟ اسم متتابعين تكون حالًا يعني؛ لأن بعض الناس يتوهم أن فيقول فعل وهذا خطأ؛ إذًا المتواتر أصله من التواتر بمعنى التتابع.
إذًا هذه القراءات المتواترة نص هنا على أنها سبعة فقال:
واَلسَّبْعَةُ الْقُرَّاءُ مَا قَدْ نَقَلُوا
فَمُتَوَاتِرٌ وَلَيْسَ يُعْمَلُ
إذًا السيوطي هنا قضى بأن القراءات المتواترة سبع قراءات، والذي عليه المحققون وجماهير أهل العلم أن القراءات المتواترة عشر قراءات، وإن كانت القراءات السبع أكثر تواترًا أو أشهر في هذا الباب، لكن لا يعني أن القراءات الثلاث ليست متواترة أو أنه لا يحتج بها؛ لذلك الذي حرره الجماهير أن القراءات المحتج بها والمقروء بها قراءاتٌ عشر وليس سبع قراءات، لكن هذا مذهب ذهب إليه فريق من العلماء كما ذكره هنا السيوطي.
إذًا ابتداءً القراءات السبع، ما المراد بالقراءات السبع؟ هي تلك القراءات المنسوبة إلى القراء السبعة، وهم من؟ يعني إذا رتبناهم بهذه الطريقة سنرتبهم لا بترتيب الوفيات، يعني حينما يذكر العلماء القراء إما أن يرتبوهم بترتيب الوفيات أو يرتبوهم بالترتيب الذي درج عليه عمل الشاطبي مثلًا، إذا رتبناهم بترتيب الشاطبي ومن سار وراءه على هذا المنوال فنقول : نافع وابن كثير وأبو عمرو البصري وابن عامر الشامي وعاصم الكوفي وحمزة الكوفي والكسائي الكوفي. فيكون عندنا مدني وهو نافع المدني، ويكون عندنا عبد الله بن كثير المكي، وهو غير ابن كثير المفسر كما لا يخفى، فابن كثير المفسر إسماعيل بن عمر هذا في القرن الثامن أي نعم دمشقي وفي القرن الثامن هذا شيء آخر حتى لا يلتبس الأمر.
وقراءة أبي عمرو البصري ابن العلاء، وقراءة ابن عامر الشامي، وقراءة عاصم الكوفي، وبالكوفة الغراء ثلاثة فالكوفة عندها ثلاثة، وحمزة الكوفي أيضًا والكسائي الكوفي؛ إذًا هؤلاء ثلاثة. هؤلاء هم القراء السبعة الذين تواترت قراءتهم، وأجمع العلماء على أن قراءتهم متواترة، لكن هذا الإجماع كان في زمن من الأزمنة؛ ولذلك من أول من سبع السبعة؟ قالوا أبو بكر بن مجاهد وقد كان ذلك في أواخر القرن الرابع الهجري؛ لأنه بعد الـ300 في أواخر القرن الرابع الهجري وهو من تلاميذ الإمام الطبري محمد بن جرير الطبري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
ولعلكم تذكرون مرارًا أننا كنا نعتذر عن شيخ المفسرين ابن جرير الطبري حينما كنا نراه في تفسيره يرد بعض القراءات المتواترة يُضعفها، فكان العذر أن وقت الطبري -الطبري متوفى 310 هجرية في بداية القرن الرابع- أن الطبري من شيوخ ابن مجاهد ولم يكن أمر القراءات قد استقر، يعني كان ما زال في جمع للقراءات، القراءات المتواترة موجودة وشخص يقول يعني ما استقر بمعنى لم يكن هناك تواتر؟ لا التواتر قائم موجود طبقة عن طبقة، لكن البحث في هذه الطرق الكثيرة لنستخلص منها القراءات المضبوطة التي جاءت بهذا الطرق الذي يمكن الوصول إليه؛ ولذلك ابن الجزري في "الطيبة" ذكر أنه جمعها من زهاء ألف طريق، من زهاء ألف طريق فهذه قضية كبيرة.
فجاء أبو بكر بن مجاهد وبدأ يجمع فاتفق له سبعة، ولم يقصد بذلك الحصر ولذلك فعل أبي بكر بن مجاهد لا يعني أن القراءات مقصورة على هذه القراءات التي ذكرها لكن هذا ما اتفق له، ثم تتبع العلماء بقية القراءات التي ثبت تواترهم واستفاض أمرها فصارت عشر قراءات؛ الثلاث المتممة : قراءة أبي جعفر المدني، وقراءة يعقوب الحضرمي، وقراءة خلف أيضًا الكوفي.
إذًا أنا عندي خلف، خلف العاشر لماذا نقول خلف العاشر؟ لأنه يحكي رواية عن حمزة، أحسنت هو هذا، لأن خلفًا راوٍ وقارئ، يعني خلفًا يروي عن حمزة فتكون رواية، وخلف هو صاحب القراءة فتكون قراءة، فإذا قالوا وخلف العاشر يقصدون صاحب القراءة؛ يعني يقصدون حين يكون قوله أو حين تكون قراءته قراءة.
وأكرر أن هذه القراءات نسبت إليهم لاشتهارهم بها لا أنهم تصرفوا فيها أو غيروا فيها فهي قرآن من عند الله سبحانه قد تلقي بالوحي.
إذًا قول السيوطي هنا في النظم:
واَلسَّبْعَةُ الْقُرَّاءُ مَا قَدْ نَقَلُوا
فَمُتَوَاتِرٌ وَلَيْسَ يُعْمَلُ
نقول هذا ما ذهب إليه فريق من العلماء؛ لكن الأصح أن القراءات المتواترة عشر قراءات، وهذا كثير يعني أيضًا من له هذا كثير ولذلك بعضهم يحكم بالفعل على أن الثلاث قراءات لا تصل إلى هذا يجعلونها من الآحاد، والسيوطي تابع البلقيني وغيره من أهل العلم في كثير من هذا الباب كذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هو اعتمد على مواقع العلوم من مواقع النجوم، لكن المحققين يقولون هي عشر قراءات.
أيضًا مما هو جدير بذكره هنا أن نعلم أن معرفة القراءات الثلاث مهمٌ ولا ينبغي لدارس تفسير القرآن الكريم أن يغفلها في التفسير، والذي ينظر في كتابات المفسرين يجد أن أكثرهم يعتني بالقراءات السبع فقط؛ يعني كثير من القراء اعتمد على السبعة وجعل ما سوى السبعة في حيز الآحاد وأحيانًا في حيز الشاذ.
وبعضهم إذا أوردها يوردها من باب تتمة الكلام فيمزج معها القراء الآخرين، فإذا قال وقرأ أبو جعفر مثلًا أو قرأ يعقوب يضم إليه بعض القراء الآخرين الذين قراءتهم ليست في حيز التواتر، لكن في الحقيقة القراءات المتواترة عشرة فتوجيهها مهم.
ممن اشتهر بتوجيه القراءات من المفسرين أبو حيان الأندلسي وهو مشتهر بذكر القراءات عمومًا متواترة وشاذة، ويحاول جاهدًا توجيهها، وإن كان إذا ذكر كما قلت يضم إليها غيرها.
ومن أشهر المعاصرين في توجيه القراءات العشر بلا منازعة الطاهر بن عاشور، فهو في الحقيقة جعل من مقاصده أنه لا يمر على آية فيها قراءات من القراءات العشر المتواترة إلا نص عليها وحاول أن يوجهها؛ لذلك كان تفسيره لا يكتفي بقراءة واحدة على أنه أقام قراءته في الأصل على رواية قالون عن نافع.
وهنا من القضايا التي أختم بها الدرس الليلة أن المفسرين لهم طرائق في التفسير فبعضهم ابتداءً يعتمد قراءة من القراءات غير قراءة عاصم فيبدأ بها ثم يفسرها ثم يتبعها بقراءة غيره، كما جرى في تفسير الجلالين وكذلك في تفسير ابن جزي الكلبي فإنه أيضًا يعتمد قراءة نافع وكذلك القرطبي، فحينما يقرأ الإنسان التفسير ربما يجد نوجه قراءة وهي ليست القراءة التي نقرؤها أصلًا فيقول المعنى كيف يكون هذا المعنى؟ يعني مثلًا في سورة الروم ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَٰنِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّلْعَـٰلِمِينَ﴾4، جمهور القراء العشرة يقرأون ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَٰنِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّلْعَـٰلِمِينَ﴾، إذًا الكلام عن العالِمين وليس عن العالَمين فيأتي التفسير على أنها للعالِمين وليس للعالَمين، ولا يكون مدركًا لهذا الأمر.
على كلٍّ سنبدأ إن شاء الله تعالى في درسنا المقبل بالحديث عن بعض الأنواع أو الأنواع الأخرى وما يتعلق بأهمية القراءات وحكمها.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ — النساء: 82 ↩
- آية: ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ — التوبة: 100 ↩
- آية: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ — المؤمنون: 44 ↩
- آية: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَٰنِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّلْعَـٰلِمِينَ﴾ — الروم: 22 ↩