مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

منظومة الزمزمي الدرس التاسع عشر

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 210 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فنواصل التعليق على منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وما زلنا مع أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن الكريم.

قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

النَّوْعُ الحَادِي عَشَرَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ

اقْرَأْ عَلَى الأَصَحِّ فالمُدَّثِّرُ

أَوَّلُهُ وَالْعَكْسُ قَوْمٌ يَكْثُرُ

أَوَّلُهُ التَّطْفِيفُ ثُمَّ البَقَرَةْ

وَقِيلَ بِالعَكْسِ بِدَارِ الِهجْرَه

النَّوْعُ الثَّانِي عَشَرَ آخِرُ مَا نَزَلَ

وَآيَةُ الكَلَالَةِ الأَخِيرَةْ

قِيلَ الرِّبَا أَيْضًَا وَقِيلَ غَيْرَهْ

الشرح

تحدثنا في الدرس السابق عن أول ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ الإطلاق، أو أول ما نزل بمكة، وعرفنا أن الراجح من الأقوال في ذلك أن أول ما نزل من القرآن الكريم هو قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ1 خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.

وذكرنا رواية جابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما في أن أول ما نزل من القرآن الكريم سورة المدثر، وقلنا إن ما ثبت عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أولى بالقبول من حيث الدراية، وإن كانت كلتا الروايتين ثابتتين في الصحيحين؛ فأول ما نزل من القرآن على الإطلاق صدر سورة العلق.

وما قاله جابر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، محمول على أن هذا اجتهاده أو فهمه رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك، أو أن يقال إن سورة المدثر هي أول ما نزل بقيدٍ، كأن يُقال هي أول ما نزل من القرآن الكريم بقيد الرسالة؛ إذ قال بعضهم: "نُبِّئ بـ (اقرأ) وأُرسِل بـ (المدثر)".

أو أن يُقال إن قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾2 أول ما نزل بعد انقطاع الوحي، يَعْنِي انقطع الوحي فترةً، ثم بعد ذلك عاد الوحي فنزلت عليه سورة المدثر، أو أن سورة المدثر هي أول سورة من القرآن باعتبار الكمال والتمام أي سورة كاملة؛ فسورة العلق لم تنزل كاملةً، وإنما نزل منها خمس آيات في أول الأمر، فربما كان المراد من ذلك والعلم عند الله أن سورة المدثر هي أول سورة نزلت كاملةً، هذا أحد الأوجه في هذا الباب والعلم عند الله تعالى.

وأما الحديث عن أول ما نزل بالمدينة النبوية، فقد تقدم أيضًا أن أهل العلم قد اختلفوا في ذلك وإن كان أكثر العلماء على أن أول ما نزل من القرآن بالمدينة النبوية سورة البقرة، بل نقله الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى اتفاقًا، فنقل اتفاق العلماء على أن أول ما نزل من القرآن بالمدينة النبوية سورة البقرة؛ ومقصوده بذلك أول ما نزل من سورة البقرة وليس المراد جميع سورة البقرة؛ لأن سورة البقرة كما تقدم نزلت في مدة زمنية طويلة، إذًا كلام العلماء في أن سورة البقرة أول ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة النبوية يقصدون صدر سورة البقرة أو أول ما نزل من آيات من سورة البقرة.

لكن في الحقيقة ما نقله الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى من اتفاق العلماء على أن سورة البقرة هي أول سورة نزلت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة النبوية يُعكر عليه أن الواحدي ذكر عن علي بن الحسين بن علي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن أول ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة النبوية سورة المطففين، فهذا ورد عن زين العابدين، ورد عن علي بن الحسين بن علي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ورَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وعن والده وجده، فقالوا هذا يُعكر على هذا الإجماع إلا إذا قيل إن هذا كان خلافًا ثم بعد ذلك استقر الأمر بين جماهير أهل العلم أو إجماع أهل العلم على أن سورة البقرة هي أول ما نزل من القرآن الكريم.

ورد في الباب حديث لابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ تقدم ذكره أيضًا أنهم كانوا من أكثر الناس سوءًا للكيل -يعني أهل المدينة- حتى قدم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة فأنزل الله قوله: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾3.

هذا الحديث أو تلك الرواية التي جاءت عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ من أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلًا، تفيدنا أو تدل على أن سورة المطففين نزلت بالمدينة، لكنها لا تقطع وليست بصريحة في أنها أول ما نزل.

إذًا عندنا فائدة صريحة منها وهي أنها نزلت بالمدينة، وأما كونها أول ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة، فهذا ليس بصريح في تلك الرواية، وإن كان كثير من العلماء يجعلون سورة المطففين من السور المكية، لكن رواية ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما ترد على هذا والله تعالى أعلم.

هنا قال: "

أوله التطفيف ثم البقرة ﴿وَقِيلَ﴾ بالعكس

"، هذا فيه أنه قدم سورة المطففين، فقوله "

أوله المطففين

" يَعْنِي أول ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدار الهجرة التطفيف -سورة المطففين-، ثم البقرة، ﴿وَقِيلَ﴾ بالتمريض هكذا قال "﴿وَقِيلَ﴾" كأنه يميل إلى الأول وهو أن سورة المطففين هي المتقدمة في النزول، "

﴿وَقِيلَ﴾ بالعكس

": يَعْنِي قيل سورة البقرة متقدمة على سورة المطففين، "

﴿وَقِيلَ﴾ بالعكس بدار الهجرة

": يقصد بها المدينة النبوية.

إذًا فيها القولان والذي عليه الأكثرون كما تقدم أن سورة البقرة هي أول ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة النبوية.

قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

النَّوْعُ الثَّانِي عَشَرَ آخِرُ مَا نَزَلَ

وَآيَةُ الكَلَالَةِ الأَخِيرَة

قِيلَ الرِّبَا أَيْضًَا وَقِيلَ غَيْرَهْ

الشرح

"النَّوْعُ الثَّانِي عَشَرَ آخِرُ مَا نَزَلَ": إذًا الحديث الآن عن آخر ما نزل من القرآن الكريم، والعلماء حينما يذكرون الأولية والآخرية أحيانًا يقصدون بها الإطلاق وأحيانًا يقصدون بها التقييد، فيكون مقصودهم بأول ما نزل أول ما نزل من القرآن على الإطلاق، أو أول ما نزل من القرآن في المدينة، أو أول ما نزل من القرآن في باب الجهاد، أو أول ما نزل من القرآن في تحريم القتل، أو أول ما نزل من القرآن في أحكام الربا، أو أول ما نزل من القرآن في تحريم الخمر، وكذا حينما يقولون آخر ما نزل من القرآن؛ آخر ما نزل من القرآن في باب الميراث، في باب القتال ونحو ذلك، أو يقصدون بذلك الآخرية المطلقة.

الحديث الآن عن الآخرية المطلقة، هذا هو الأصل، يَعْنِي إذا قيل أول ما نزل وآخر ما نزل فالأصل أنه حديث عن الأولية المطلقة والآخرية المطلقة، يَعْنِي أول ما نزل من القرآن على الإطلاق، وآخر ما نزل من القرآن على الإطلاق، فهنا يقول:

آخِرُ مَا نَزَلَ

وَآيَةُ الكَلَالَةِ الأَخِيرَةْ

قِيلَ الرِّبَا أَيْضًَا وَقِيلَ غَيْرَهْ

"

وَآيَةُ الكَلَالَةِ الأَخِيرَةْ

": يحتمل أن قوله: "الأخيرة" خبر لقوله "آية" فيكون المعنى وآية الكلالة الأخيرة يَعْنِي هي الأخيرة.

إذًا كأنه يجزم ويقول آية الكلالة هي آخر ما نزل من القرآن الكريم، فيكون قوله "الأخيرة" هذا ما موقعه من الإعراب؟ خبر لـ "آية"، يَعْنِي وآية الكلالة الأخيرة يَعْنِي هي الأخيرة، فيكون هذا خبرًا للمبتدأ، ويقصد بآية الكلالة هنا الآية التي جاءت في خاتمة أو في آخر سورة النساء، وذلك قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾4 الآية الكريمة.

ويحتمل احتمالًا آخر وهو أن قوله "

وَآيَةُ الكَلَالَةِ الأَخِيرَة

"؛ أن الكلام متعلق بالعنوان، كأنه يقول "آخر ما نزل" ثم يعطف عليه "وآية الكلالة الأخيرة" فهو يقصد آخر ما نزل من القرآن آية الكلالة الأخيرة؛ وذلك لأن آية الكلالة تحتاج إلى تقييد لأن الكلالة فيها آيتان؛ آية في بدايات سورة النساء وذلك في قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾5.

إذًا آيات الكلالة في القرآن آيتان، فلما قال "وآية الكلالة الأخيرة" إذًا هو يقصد الآية المتأخرة منهما ويقصد أيضًا أنها آخر ما نزل من القرآن الكريم، وأيًا ما كان فهذا هو المراد، فهو حديث عن آخر آية من سورة النساء.

طالب:

ما معنى الكلالة؟

الشيخ:

الأصل في معنى "الكلالة": الميت الذي يموت وليس له والد ولا ولد، مات فلان وليس له والد ولا ولد، فيقال عنها كلالة، وسيأتي تفصيل ذلك بإذن الله تَعَالَى قريبًا في دراسة المواريث في علم الفرائض بإذن الله تَعَالَى في دروسه.

إذًا عندنا الآن آيتان في الكلالة؛ الآية الأولى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ وهذه في الإخوة لأم، وآية الكلالة الأخيرة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ هذه في الإخوة الأشقاء والإخوة لأب، هو الآن يتحدث عن آخر ما نزل من القرآن، فيقول: "وآية الكلالة الأخيرة" فيحتمل أي وآية الكلالة هي الأخيرة آخر ما نزل، أو وآية الكلالة الأخيرة حديث عن آخر ما نزل من القرآن الكريم.

إذًا هناك قول يقول أصحابه إن آخر آية نزلت من القرآن هي آية الكلالة التي جاءت في خاتمة سورة النساء، وهذا ثبت عن البراء بن عازب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كما في الصحيحين قال: «

آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ:

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾،

وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ

»؛ إذًا البراء رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ثبت عنه أنه قال آخر آية نزلت "يستفتونك"، وآخر سورة نزلت "براءة"، إذًا هو يتحدث عن آخر سورة وعن آخر آية.

"

قِيلَ الرِّبَا

": إذًا هو يذكر قولًا آخر، هناك من يرى أن آخر آية نزلت من القرآن أو أن آخر آيات نزلت من القرآن هي آيات الربا، آيات الربا ما المراد بها؟ آيات الربا التي جاءت في سورة البقرة أيضًا في خواتيم سورة البقرة: ﴿ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰا۟ ۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟ ۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾6 ثم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ7 فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ الآيات.

إذًا هذا آخر ما نزل من القرآن الكريم على هذا القول آيات الربا، وهذا ثبت عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما كما في البخاري، فقد ثبت عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما أن آخر ما نزل من القرآن آيات الربا.

"

وَقِيلَ غَيْرَهْ

": يَعْنِي قيل أنزل الله غيره آخرًا، يَعْنِي آخر ما نزل من القرآن الكريم قيل غير ذلك، هذا معناه أنه ذكر قولين صراحةً، ثم أحال على أقوال أخرى على سبيل الإجمال؛ إذًا آخر ما نزل من القرآن هناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ آية: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ وهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ آخر ما نزل آيات الربا، ثم قال "﴿وَقِيلَ﴾ غيره" يَعْنِي هناك أقوال أخرى غير هذا القول.

"

وَقِيلَ غَيْرَهْ

": يحتمل أي ﴿وَقِيلَ﴾ قُل غيره، يعني ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ غير هذين القولين المذكورين، فهناك أقوال أخرى، والذي في "النقاية" وهي أصل هذه المنظومة قال: "قيل آية الكلالة" هذا قول، ﴿وَقِيلَ﴾ "آية الربا" أو قيل "الربا"، ﴿وَقِيلَ﴾ ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾8، ﴿وَقِيلَ﴾ "آخر براءة"، ﴿وَقِيلَ﴾ "آخر النصر"، ﴿وَقِيلَ﴾ "براءة" يَعْنِي جميعها.

إذًا المذكور في الأصل "النقاية"، وقلنا إن منظومة الزمزمي مأخوذة من "النقاية" للسيوطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فذكر فيها ستة أقوال، قال: قيل آية الكلالة، ﴿وَقِيلَ﴾ الربا، ﴿وَقِيلَ﴾ ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، ﴿وَقِيلَ﴾ آخر براءة، ﴿وَقِيلَ﴾ آخر النصر، ﴿وَقِيلَ﴾ براءة.

إذًا الذي ذكره هنا الكلالة، عرفنا الآن دليل الكلالة وهو حديث البراء رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، والربا دليله حديث ابن عباس أو أثر -يعني هذا أثر البراء وهذا أثر ابن عباس- لأن القول في آخر ما نزل وأول ما نزل مترتب أو موقوفٌ على السماع، يَعْنِي مسألة سماعية تحتاج إلى نصوص، فلماذا وقع الخلاف في ذلك؟ لاختلاف الروايات الواردة في ذلك.

إذًا حينما نسأل سؤالًا: ما سبب وقوع الاختلاف في أول ما نزل وآخر ما نزل؟ لماذا لم يجمع العلماء على قول واحد؟ القرآن نزل ومعلوم نزوله، لكن مع ذلك وقع الخلاف بينهم، ما أول ما نزل؟ وما آخر ما نزل؟ اختلفوا، ما سبب ذلك؟ يُقال: اختلاف الرواية عن الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ في ذلك، ولماذا وقع الاختلاف بينهم؟

وقع الاختلاف كلٌّ باجتهاده؛ بِمَعْنَى أن هذا ظن باجتهاده أن هذا أول ما نزل أو أن هذا آخر ما نزل.

مثلًا: هو لم يعرف آيةً نزلت بعد الآية التي عرفها فظن أن هذه الآية هي آخر ما نزل ولم يبلغه أن آيات أخرى نزلت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد تكون هناك آيات أخرى نزلت لكنه لم يشهدها أو لم يحضرها، أو ظن أنها نزلت قبل، فلما حفظ القرآن لم يجد هذه الآية بالنسبة له متأخرةً فظن أنها نزلت متقدمةً، أو أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نزلت عليه جملة من الآيات وأمر بكتابتها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فظن هذا أن هذه آخر آية أو أن هذه آخر آية كما نقل ذلك بعض العلماء كالبيهقي والباقلاني وغيرهما في هذه المسألة.

إذًا الذين قالوا إن آخر ما نزل من القرآن آيات الربا، يقصدون بها آيات الربا من سورة البقرة، وهذا كما تقدم مروي عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما، وثبت عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما أيضًا كما عند النسائي وغيره أن آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾؛ إذًا ثبت عن ابن عباس أن آخر ما نزل آيات الربا، وثبت عنه أن آخر ما نزل ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.

وكون آخر ما نزل من القرآن آيات الربا هذا في البخاري يَعْنِي أصح روايةً، لكن أيضًا ثبت عن ابن عباس أن آخر ما نزل ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وثبتت آثار أيضًا عن التابعين في هذا في أن آخر ما نزل من القرآن ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، ولكن كثيرًا من العلماء رجحوا أن آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وذلك لعدة أوجه؛ أما عن ثبوت الروايات فالروايات الأخرى ثابتة أيضًا؛ إذًا الكلام لن يكون على الصحة؛ لأن آيات الربا ثبتت بها الرواية، و ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ثبتت بها الرواية، وكذلك آية ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ ثبتت به الرواية.

لكنهم قدموا هذه الرواية لعدة أسباب:

الأمر الأول:

أنه جاء في هذه الرواية في بعض ألفاظها ذكر الزمن الذي نزلت فيه، فوجدوه أنه أقرب زمن إلى وفاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ إذ قد جاء في بعض الروايات أن آخر ما نزل من القرآن: ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ نزلت قبل وفاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتسع ليالٍ.

فقالوا إذًا هذا آخر ما نزل، لأنه لم يرد أن هناك شيئًا آخر نزل في هذه الليالي، ورد في بعض الروايات بضع وثمانون ليلة، لكن الروايات الأخرى التي فيها آخر ما نزل "يستفتونك" ليس فيها ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ نزلت قبلها بشهر أو شهرين أو أكثر، لا يوجد، وكذلك في آيات الربا ليس موجودًا، ﴿أَنَّمَا﴾ هو موجود في رواية ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، فقالوا: هذا يدل على ضبط الزمان وأنه آخر مدة عاشها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي هذه المدة الأخيرة كان مرض النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشديد صلوات الله وتسليماته عليه.

الأمر الثاني:

أيضًا من الأدلة أو من أوجه تقديم العلماء لهذا القول، قالوا: أيضًا لمعنى الآية الكريمة، فالمعنى يدل على الختام: ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ فالحديث في الآية عن المرجع وعن يوم القيامة وعن الحساب، فهذا أنسب ما يكون لختام القرآن الكريم، فيكون هذا هو الختام كما أن البداية ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾9 فيكون الختام ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾؛ وهذا معناه أن هذه الآية هي آخر آيات القرآن نزولًا وآخر صلة السماء بالأرض عن طريق الوحي، يَعْنِي الوحي الإلهي الوحي القرآني انقطع بهذا وليس هناك وحي بعد ذلك كقرآن، صحيح قد يكون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكلم بكلمات كما هو معروف في أواخر عهده أو في أواخر أيامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بعض وصاياه التي قالها لأصحابه رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، لكن يكون هذا آخر ما نزل من الوحي أي من القرآن الكريم حيث انقطع الوحي بعده.

الأمر الثالث:

أيضًا مما رجحوا به هذا القول، قالوا: أن هذه الآية هي بعد آيات الربا، فلا تعارض بينها وبين آيات الربا، إذ يكون المراد نزلت آيات الربا ونزلت هذه الآية تتمة لأحكام الربا، فحينئذ لا إشكال ويكون هذا من الجمع بين تلك الروايات.

يَعْنِي نزل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.

إذًا حينئذٍ يجمع وهذا ذكره الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في "الفتح" وكذا غيره من أهل العلم كالسيوطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وغيره، إذًا المراد أن آيات الربا نزلت ونزلت في عقبها آية ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾؛ إذ يبعد أن يكون العكس أن تكون نزلت ثم تقدمتها آيات الربا مع التقارب الشديد في الزمان.

ثم إن قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ وما قاله البراء رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إن هذه آخر آية نزلت من القرآن، حملوه على الآخرية المقيدة، فقالوا: المراد آخر آية في باب الفرائض والميراث، إذًا حملوا رواية البراء رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ من أن آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ على أن المراد بالآخرية هنا آخرية مقيدة، أي آخرية في باب معين؛ فآخر آية نزلت في باب الميراث في باب الفرائض هي آخر آية من سورة النساء والعلم عند الله تبارك وتعالى.

على كلٍّ الباب محتمل ورواياته متعددة، لكن أقرب الأقوال إلى كثير من أهل العلم أن آخر ما نزل من القرآن على الإطلاق قوله جَلَّ ذكره: ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.

إذًا بقيَّ بعد هذا أن نستحضر بعض الأمور، منها ورود روايات أخرى تدل على أن سورة كذا آخر سورة من القرآن، كقول البراء رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: "وآخر سورة نزلت براءة"، فهذا فيه أن آخر سورة سورة براءة، إذًا هذا قول آخر أن سورة براءة.

وأيضًا ما جاء عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما حينما سأل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن آخر سورة نزلت من القرآن جميعًا، فقال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾10، فأخبر أن آخر سورة نزلت من القرآن جميعًا هي سورة النصر، فكيف هذا وأنت تقول إن كثيرًا من أهل العلم رجحوا أن آخر آية نزلت من القرآن الكريم: ؟

فالجواب عن ذلك:

أن الكلام هنا عن آخر آية لا عن آخر سورة، إذًا آخر آية: وهي من سورة البقرة، لكن آخر سورة لا يمكن أن نقول آخر سورة سورة البقرة؛ لأن سورة البقرة من أوائل ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة، وسورة البقرة استمرت أكثر من تسع سنوات كما تقدم في النزول، إذًا الذين يقولون: يقصدون الآية فقط لا كل السورة؛ لأن أغلب سورة البقرة كان متقدمًا في نزوله.

فحينئذ هؤلاء يقولون سورة براءة هي آخر ما نزل أو سورة النصر هي آخر ما نزل، وورد أيضًا أن آخر سورة نزلت سورة المائدة،

فالأقوال المشهورة في آخر سورة نزلت من القرآن ثلاثة أقوال:

منهم من قال سورة النصر.

ومنهم من قال سورة براءة.

ومنهم من قال سورة المائدة.

وقد ورد هذا عن أم المؤمنين عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، كل هذا في آخر سورة وليس آخر آية.

لكن الذي يقول آخر آية يقصد بالآخرية الآخرية المطلقة؛ يَعْنِي بعد السور أيضًا، ﴿أَنَّمَا﴾ الكلام على سورة بأكملها؛ ولذلك هنا قول السيوطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عندما ذكر في "النقاية" وقال: "﴿وَقِيلَ﴾ آخر براءة ﴿وَقِيلَ﴾ آخر النصر ﴿وَقِيلَ﴾ براءة"، فأدخل براءة على أنها سورة كاملة، وكذلك آخر النصر ولم يقل أحد أن جزءًا من النصر نزل في وقت وآخر النصر نزل في وقت، ﴿أَنَّمَا﴾ هي سورة النصر كاملة؛ لأن سورة النصر كلها شرط وجوابه، فلا يمكن أن ينزل البعض منها أصلًا دون البعض، يَعْنِي لا يأتي ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾11 وخلاص وبعد فترة يأتي الباقي، هذا لا يمكن، إذًا قطعًا سورة النصر نزلت كاملةً، ولذلك هناك سور كثيرة من قصار سور القرآن يُقطع بأنها نزلت مرةً واحدةً، نزلت مرةً واحدةً يَعْنِي لم تنزل مجزأةً أو مقسمةً.

طالب:

....

الشيخ:

هو يقصد مقطعةً هنا لكن يقصد نعم يَعْنِي يقول بالنسبة لسورة براءة وسورة المائدة يحملون هذا على معنى الأكثر، أن أكثر السورة هو آخر ما نزل من القرآن الكريم، فيكون المعتبر به هو الأغلب؛ ولذلك سيأتي نزاع في هذه المسألة بعد قليل.

إذًا الآن أنا عندي آخر ما نزل من القرآن سورة النصر أو سورة براءة أو سورة المائدة، أما آخر آية فتقدم الكلام فيها.

إذًا هذا اعتراض ويجرونا إلى كلام آخر وهو آخر سورة نزلت من القرآن الكريم والخلاف فيها أيضًا خلاف قوي، ومن أهل العلم من يجمع بين هذه الروايات بأن يقدر "مِن"، فيقول معناه: "مِن" آخر ما نزل من القرآن سورة براءة، "مِن" آخر ما نزل من القرآن سورة المائدة، "مِن" آخر ما نزل من القرآن سورة النصر، أو أن يجعل هذا مقيدًا بباب معين.

مِن آخر سور القرآن نزولًا في باب الجهاد والنفاق سورة براءة، وفي باب الأحكام سورة المائدة، وفيما يتعلق بالنصر والفتح سورة النصر، يبقى هذا، أو يقول سورة النصر هي آخر سورة في القرآن نزلت كاملة، وهذا ظاهر رواية ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عندما قال: "أتدري آخر سورة نزلت من القرآن جميعًا؟" جميعًا، لكن ورد أن آخر سورة نزلت من القرآن كاملة سورة براءة فجعلها كاملة، فوقع الإشكال حينئذٍ.

واعتناء العلماء بآخر ما نزل من القرآن؛ لمعرفة ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ انقطع الوحي نزول القرآن على الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وآخر سور القرآن وآيات القرآن عهدًا بالسماء نزولًا إلى الأرض، وكذلك لأن آخر ما نزل من القرآن لا نسخ فيه؛ لأنه محكم، لن يأتي ما ينسخه؛ ولذلك العلماء حينما يستدلون بالأحكام في سورة المائدة يقولون: وقد جاء في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل من القرآن، يقصدون بذلك أنها لا تكون منسوخة، إذًا هذا من فوائد ذكر هذا في هذا العلم أعني في علوم القرآن الكريم.

حينما تنظر إلى سورة النصر، تجد أن سورة النصر تتحدث عن فتح مكة: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا﴾ الكلام عن الفتح، والفتح فتح مكة على قول جمهور المفسرين، بل إن الحافظ ابن كثير رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قال: "فتح مكة قولًا واحدًا"؛ يَعْنِي هناك من قال غير ذلك لكن القول الذي عليه جماهير أهل العلم إنه فتح مكة؛ إذًا "إذا" فيمَ تستعمل؟

ظرف زمان لما يستقبل؛ يَعْنِي تقول: إذا جاءك محمدٌ فأكرمه، إذًا الكلام عن أمر مستقبلي سيكون، فهنا إشكال، إذًا: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾ هذا معناه أن هذا قبل الفتح أم بعد الفتح؟ قبل الفتح يَعْنِي حين يجيء نصر الله والفتح افعل كذا وكذا.

إذًا هذا معناه أن سورة النصر نزلت قبل فتح مكة وأنها بشارة يبشر الله رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن فتح الله ونصره سيأتي أو سيجيئه، وحين يجيئه فعليه أن يحمد الله أن يسبح الله ويحمده ويستغفره؛ ولذلك في الحديث: «

أَرَانِي اللهُ عَلَامَةً فِي أُمَّتِي، وَأَمَرَنِي إِذَا رَأَيْتُهَا أَنْ أُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ وَأَسْتَغْفِرَهُ، إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا، فَقَدْ رَأَيْتُهَا:

﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾» [صحيح مسلم]. إذًا جعلها الله علامةً إذا رآها عليه أن يسبح الله ويحمده.

إذًا على هذا القول إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن "إذا" لما يستقبل من الزمان معناه أن سورة النصر نزلت قبل فتح مكة، وسورة براءة كثير منها في غزوة تبوك، وغزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة صح؟ فحينئذ تكون براءة متأخرة، سورة براءة تتكلم عن المنافقين وعما وقع في جيش العسرة وعن تخلفهم عن غزوة تبوك، هذا كان في التاسعة من الهجرة.

وكذلك سورة المائدة، هناك آيات كريمة فيها نزلت متأخرةً في سورة المائدة، ومن دلائل ذلك أن آية الوضوء والتيمم عندما قالوا كان يعجبنا حديث جرير بن عبد الله البجلي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لأنه أسلم متأخرًا، أسلم متأخرًا وكان يمسح على خفيه للدلالة على أن هذا مما لم يُنسخ.

الشاهد من ذلك:

أن قول من قال إن سورة النصر نزلت قبل فتح مكة يُعكر عليه هذا الأمر تعكيرًا شديدًا، كيف تكون نزلت قبل فتح مكة؟ معناها أن قبل سنة ثماني هجرية كان آخر سورة نزلت من القرآن، إذًا كيف؟ يَعْنِي سنتان وكسر لا توجد سورة نزلت من القرآن بعد ذلك كاملةً؟ هذا معناه أن كل سورة كانت تنزل بعدها، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يصح هذا القول؟ يَعْنِي ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يصح القول بأن سورة النصر هي آخر سورة نزلت كاملة إذا رجحنا أنها نزلت قبل فتح مكة؟ معناه أن كل السور المدنية التي نزلت بعد ذلك نزل جزء منها قبل فتح مكة أيضًا، لست أدري هل وصلت الفكرة أم أنها صعبة؟

يَعْنِي معناها أن كل سورة من السور المدنية لا بد أن فيها جزءً نزل قبل فتح مكة بفترة، فيبقى سورة النصر هي التي نزلت قبل فتح مكة كاملةً وكل السور التي جاءت بعدها نزل جزء منها قبل فتح مكة، وإلا لم يسلم هذا القول؛ لكن قائله ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما وجزم أنها نزلت جميعًا.

هناك أصلًا قول آخر، هناك من يرى أن سورة النصر من آخر ما نزل يقولون: أنها نزلت في حجة الوداع وورد في ذلك حديث أنها نزلت في ثاني أيام التشريق أو في حجة الوداع لكنه حديث ضعيف لم يثبت، وجاء أيضًا أو مشهورٌ عند المفسرين أن من أسماء سورة النصر سورة "التوديع"، ومقصود السورة ومعنى السورة يؤيد هذا، فالسورة تُحدث أن أجل رسول الله

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

أوشك على الانتهاء؛ ولذلك ابن عباس فهم هذا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال: "هذا أجل رسول الله نعاه الله إليه"؛ يعني مهمتك اقتربت، ربنا سيرسل لك النصر فحينئذٍ فقالوا: هذا يدل على أنها نزلت وداعًا، الرسول سيودع الأمة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فالذين قالوا: أنها نزلت في حجة الوداع اضطرد عندهم الأمر، قالوا سورة براءة نزلت في تبوك، نزلت في الهجرة ليس مشكلة، سورة النصر بعدها، لكن الإشكالية عند من رجح إن سورة النصر قبل فتح مكة، إذًا ماذا صنع الآخرون؟ تأولوا قوله بأن "إذا" هنا بِمَعْنَى "إذ جاء"، "إذا" لما يستقبل من الزمان لكن أحيانًا ممكن "إذا" تأتي للماضي، فمعنى "إذا" يَعْنِي قد ﴿جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾، يبقى معناه أنه قد جاء أصلًا، والذي يقول إنها نزلت في حجة الوداع؛ إذًا كيف نزلت في حجة الوداع وربنا يقول له وهذا لسه سيأتي؟

قالوا لا، إن "إذا" هنا خرجت عن معناها والمراد بها قد ﴿جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾، يُعكر على هذا أن هذا خلاف الأصل، الأصل أن "إذا" لما يستقبل من الزمان، فكيف تحولها أنت للماضي؟ وبعد ذلك أين ستذهب بالروايات؟

ثم وجدت روايات أيضًا عند أحمد وغيره أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما فتح الله عليه خيبر جاء في بعض الروايات أنه قال: «

أَتَاكُمْ وَفْدُ الْيَمَنِ، وَقَدْ ﴿جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾

» إشارةً إلى أن هذا قبل فتح مكة، فهذا يشعر بأن سورة النصر نزلت قبل ذلك وأنها لم تتأخر كما قالوا إلى حجة الوداع.

فبقيَّ عندي إشكال واحد وهو: هل بالفعل ثبت أن هناك سورة كاملة من السور المدنية التي نزلت بعد فتح مكة نزلت كاملة؟ أم أن كل سورة قيل إنها نزلت بعد فتح مكة لا تخلو من آيات إلا وقد نزلت قبل ذلك فحينئذ يبقى كلام ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سالمًا، فعند النظر في ذلك وجدنا أن سورة المائدة منها آيات نزلت متقدمةً حتى وإن قيل إن المائدة نزلت متأخرةً، مثلًا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾12 ورد أنها نزلت في عثمان بن مظعون رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في بعض الصحابة الذين أرادوا الاختصاء أو أرادوا تحريم بعض الطيبات، وعثمان متقدم في الوفاة.

كذلك تحريم الخمر، فكثير من العلماء يرون أن تحريم الخمر كان في السنة الثالثة من الهجرة، ومنهم من قال في السابعة من الهجرة؛ أيًّا ما كان فهو قبل فتح مكة، إذًا هذا معناه أن هناك آيات في سورة المائدة نزلت قبل فتح مكة، فحينئذٍ لا إشكال بالنسبة لسورة المائدة أن نقول إن سورة النصر متأخرة عن سورة المائدة باعتبار الكمال، إن سورة النصر نزلت كاملةً مرةً واحدةً.

إذًا وسورة براءة؟ أيضًا وجدت بعض الآيات التي تدل على تقدمها في النزول في مسألة: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ شَـٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ﴾13، وكذلك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَـٰنِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾14، بعض الآيات ورد فيها أسباب نزول تدل على أنها نزلت متقدمةً وأنها لم تنزل متأخرةً إلى ما بعد فتح مكة.

فكل هذا يجعل المرء يقول إلى الآن لم نقف على سورة كاملة نزلت من أولها إلى آخرها بعد فتح مكة، اللهم إلا هذه السورة التي نزلت قبل فتح مكة وهي سورة النصر.

أيضًا مما يُشكل سورة الحجرات، فسورة الحجرات من السور المتأخرة جدًا في النزول أيضًا، وقد ورد أن صدرها نزل في قضية وفد بني تميم وإن كانت الروايات لا تخلو من مقال، لكن في مسألة إن "مدحي زين وإن ذمي شين" قال ذاك الله؛ هذا ضعيف، لكن ثبت أيضًا أنه لما قدم وفد تميم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أمِّر القعقاع، وقال عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أمِّر الأقرع بن حابس؛ هذا ثابت في البخاري.

إذًا وعام الوفود كان ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾؟ عام تسع هجرية إذن الحجرات متأخرة، لكن أيضًا فيها قوله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾15، وأيضًا فيها ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُوا۟ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنۢ بَغَتْ إِحْدَىٰهُمَا عَلَى ٱلْأُخْرَىٰ فَقَـٰتِلُوا۟ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىٓءَ إِلَىٰٓ أَمْرِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾16 وردت روايات تدل على تقدمها في النزول.

على كلِّ الموضوع طويل الذيول، فيبدو لي والله أعلم أن قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بأن آخر سورة نزلت في القرآن كاملة سورة النصر قول قوي جدًا وله وجهه، وأن كل السور التي وردت أنها نزلت بعد ذلك لا ﴿تَكَادُ﴾ تخلو من بعض آيات نزلت قبل ذلك، فيكون قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ محمولًا على أن سورة النصر نزلت من أولها إلى آخرها كاملةً، وكأن المشهور في نزول السور المدنية أنها تنزل على فترات؛ لتعلق أكثرها بالأحكام والمواقف والأسباب، فهذا يجعلها لا تنزل مرةً واحدةً أو دفعةً واحدةً وإنما تنزل متفرقةً والعلم عند الله تبارك وتعالى.

وإن كان الأمر يحتاج إلى مزيد من النظر والتأمل وقد كتبت في ذلك بحثًا يتعلق بسورة النصر لكنه في طور الإتمام والكمال والعلم عند الله، لكن هذا حاصل ما يقال في هذا الباب.

لكن كثيرًا من العلماء يتأولون هذا بتقدير "مِن"، يَعْنِي يخرجون من هذا باختصار يقولون: مِن آخر ما نزل من القرآن سورة براءة، مِن آخر ما نزل القرآن سورة المائدة، مِن آخر ما نزل القرآن سورة النصر.

أيضًا هناك من قال آخر ما نزل من القرآن آخر سورة براءة: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ17 فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾، لكن الرواية التي وردت في شأن الربا وأنه آخر ما نزل من القرآن أصح من حيث الرواية.

ثم بعد ذلك هناك أوليات وآخرية مقيدة؛ يذكرها بعض علماء علوم القرآن عند الحديث عن هذا الموضوع، فتجدونهم مثلًا يقولون: أول ما نزل من القرآن في باب الخمر، ما أول ما نزل القرآن في باب الخمر؟ ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾18، وهناك من يرى أن أول ما نزل من القرآن في شأن الخمر آية سورة النحل: ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾19، لذلك العلماء اختلفوا في مراتب تحريم الخمر.

فمنهم من يرى أن المرتبة الأولى كانت مرتبة العفو، ومنهم من يرى أن المرتبة الأولى كانت مرتبة الإباحة، ولعلنا أشرنا إلى هذا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في دراسة أصول الفقه، التفريق بين مرتبة العفو وبين الإباحة الشرعية، هناك إباحة عقلية وإباحة شرعية، يَعْنِي هناك إباحة بِمَعْنَى أنه لم يرد في الشرع ما يدل على الحل، فهي في مرتبة المعفو عنه؛ يَعْنِي الشرع سكت عنه، لم يقل إنها حرام ولا قال إنها حلال.

فإذًا هي مرتبة العفو، ثم بعد ذلك بَيَّنَ أن ضررها أكثر: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾، ثم بعد ذلك بَيَّنَ أنه لا يجوز شرب الخمر في بعض الأوقات: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾20، ثم بعد ذلك حرمت الخمر على التأبيد: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾21.

من أهل العلم من يرى أن أول مرحلة من مراحل الخمر الحل الإباحة، كانت مباحةً؛ لِمَ؟ ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ عندما نفسر السكر بالخمر وإن كان في خلاف في تفسيرها، يقولون إذًا هذا يدل على هذا في باب الامتنان والله لا يمتن علينا بحرام، لكنه أومأ في آخر الآية بأنه قال ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، كأنه يقول والسكر ليس حسنًا، ثم قال ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ والذي يعقل لا يشرب شيئًا يضيع عقله؛ فلذلك الختام مناسب لكن أيضًا لا ينافي الحل، ثم جاءت مرتبات أخرى، فهذا هو الفرق في مراتب تحريم الخمر، فالعلماء يذكرون هذا في أول ما نزل.

أول ما نزل في شأن القتال أو الجهاد قال كثيرون قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾22، ﴿وَقِيلَ﴾ غير ذلك، إذًا هذا في باب الجهاد.

في باب القتل، تحريم قتل النفس: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا﴾23، إذًا هناك أوليات في باب كذا في باب كذا، هذا يذكره العلماء في بعض ما يكتبون والعلم عند الله تبارك وتعالى.

أيضًا في باب المطعومات، بعضهم يقول إن أول ما نزل من القرآن: ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾24، يقولون لذلك لا يستدل مستدل بهذه الآية على أن المحرمات هي فقط المذكورة في هذه الآية الكريمة؛ لأننا نقول هذا من أوائل ما نزل، هناك آيات نزلت بعد ذلك قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾25 الآية الكريمة.

ولذلك التعبير القرآني جاء: ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، يَعْنِي إلى هذا الوقت، ولم يقل: "﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لا أجد في ما يوحى إلي"، فمعناه أنه ممكن يوحى إليه محرمات أخرى فحينئذٍ الآية لا تدل على الحصر ابتداءً، وقد استدل الإمام الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى من جهة أخرى وهي أن الآية في مناط معين، وهي أنها ترد على مزاعمهم حينما كانوا يزعمون أن الله حرم الذكرين حرم الأنثيين حرم كذا؛ فقل ليس هذا ولا ذاك، ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يَعْنِي ليس كما تزعمون ﴿أَنَّمَا﴾ المحرم عليَّ إلى الآن كذا وكذا؛ إذًا الآية لا يقصد بها الحصر ابتداءً.

أيضًا في توجيه هذه الأقوال كلها نقول كلٌّ أجاب بما عنده، يَعْنِي ما ورد عن البراء أجاب بما عنده، وما ورد عن ابن عباس أجاب بما عنده، وما ورد عن عائشة أجابت بما عندها، يبقى هذا هو الوجه كلٌّ أجاب بما عنده، وهذا ذكره البيهقي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وغيره من أهل العلم.

بقيت لنا مسألة واحدة تتعلق بذلك وفاتنا الحديث عنها وهي مهمة، وهي قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أليست الآية ظاهرةً في أنها آخر ما نزل من القرآن؟ ؟

فالجواب:

لا تدل على هذا كما قرر جماهير أهل العلم، بذلك أكثر العلماء على أنها ليست آخر آية نزلت من القرآن، والآية نزلت في حجة الوداع والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واقف بعرفة، فهي من آخر ما نزل لكن قالوا ليست آخر آية.

لكن العلماء فسروا إكمال الدين هنا؛ لأنه الآن عندنا ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ورد أنها نزلت قبل وفاته بتسع ليالٍ، إذًا سيرد هذا الإشكال، ورد آخر ما نزل آيات الربا، فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ آيات الربا نزلت متأخرةً فبعضهم يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ما يتعلق بالأحكام، يُعكر عليه ما ورد في شأن الربا وهذا من جنس الأحكام.

لذلك بعض العلماء كالإمام الطبري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تأول الآية "أكمل لهم دينهم بإقرارهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه حتى حج المسلمون لا يخالطهم المشركون"؛ إذًا ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ إكمال الدين وتمام النعمة بأن نصر الله المؤمنين وأيدهم وجعلهم مؤيدين يحجون بيت الله الحرام منفردين؛ ولذلك في حجة الوداع: "

﴿إِلَّا﴾ لا يحج بعد العام مشرك

"، فهذا معنى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ الذي هو إعزاز الدين وتقوية الدين، وليس معناه انقطاع الوحي، وليس المراد بذلك انقطاع الوحي وأنه ليست هناك آيات قرآنية ستنزل والعلم عند الله تبارك وتعالى؛ ولذلك الأكثرون على أن هذه الآية ليست هي آخر ما نزل من القرآن الكريم.

وبهذا القدر نكون قد انتهينا من النوع الثاني عشر، وبهذا ينتهي الحديث عن الشق الأول أو العقد الأول وهو ما يتعلق بنزول القرآن، ليتكلم بعده عما يتعلق بالسند من القراءات وغيرها كما سيأتي بإذن الله تعالى.

ونكتفي بهذا القدر هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ — العلق: 1-5 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ — المدثر: 1 ↩
  3. آية: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ — المطففين: 1-3 ↩
  4. آية: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ — النساء: 176 ↩
  5. آية: ﴿۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ — النساء: 12 ↩
  6. آية: ﴿ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰا۟ ۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟ ۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ — البقرة: 275 ↩
  7. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ — البقرة: 278-279 ↩
  8. آية: ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ — البقرة: 281 ↩
  9. آية: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ — العلق: 1 ↩
  10. آية: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾ — النصر: 1 ↩
  11. آية: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾ — النصر: 1-3 ↩
  12. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ — المائدة: 87 ↩
  13. آية: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ شَـٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ﴾ — التوبة: 17 ↩
  14. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَـٰنِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ — التوبة: 23 ↩
  15. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ — الحجرات: 13 ↩
  16. آية: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُوا۟ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنۢ بَغَتْ إِحْدَىٰهُمَا عَلَى ٱلْأُخْرَىٰ فَقَـٰتِلُوا۟ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىٓءَ إِلَىٰٓ أَمْرِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ — الحجرات: 9 ↩
  17. آية: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ — التوبة: 128-129 ↩
  18. آية: ﴿۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ — البقرة: 219 ↩
  19. آية: ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ — النحل: 67 ↩
  20. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ — النساء: 43 ↩
  21. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ — المائدة: 90 ↩
  22. آية: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ — الحج: 39 ↩
  23. آية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا﴾ — الإسراء: 33 ↩
  24. آية: ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — الأنعام: 145 ↩
  25. آية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — المائدة: 3 ↩

دروس مشابهة