مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

منظومة الزمزمي الدرس الثامن عشر

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 209 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فنُعاود بفضل الله وتوفيقه التعليق على منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في "أصول التفسير"، أو إن شئت فقل في "علوم القرآن الكريم"، وما زلنا مع النوع العاشر وهو أسباب النزول.

قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

العاشر: أسباب النزول

وَصَنَّفَ الأَئِمَّةُ الأَسْفَارَا

فِيهِ فَيَمِّمْ نَحْوَهَا اسْتِفْسَارَا

مَافِيهِ يُرْوَى عَنْ صَحَابِيٍّ رُفِعْ

وَإِنْ بِغَيرِ سَنَدٍ فَمُنْقَطِعْ

أَوْ تَابِعِي فَمُرْسَلٌ وَصَحَّتِ

أَشيَا كَمَا لِإفْكِهِمْ مِنْ قِصَّةِ

وَالسَّعْيِ وَالحِجَابِ مِنْ آيَاتِ

خَلْفَ المَقَامِ الأَمْرِ بِالصَّلاَةِ

الشرح

كنا قد توقفنا في آخر لقاء عند الحديث عن قوله: "أَوْ تَابِعِي فَمُرْسَلٌ وَصَحَّتِ ... أَشيَا كَمَا لِإفْكِهِمْ مِنْ قِصَّةِ"، عرفنا أسباب النزول وذكرنا بعض فوائد دراسة أسباب النزول والاطلاع عليها، كما عرضنا لبعض القضايا المهمة التي تتعلق بأسباب النزول؛ كقول العلماء "إن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب"، وعرضنا لقضية خطيرة أثارها الحداثيون ومن لف لفهم من دعواهم تاريخية القرآن الكريم، وعرفنا كيف نرد عليهم، وأنه ليس لهم مدخل عن طريق أسباب النزول كما يتوهمون.

ومن القواعد التي تقدمت معنا أن المعول عليه في معرفة أسباب النزول الرواية والسماع، فإذا سُئلنا أو سألنا وقلنا: ما الطريق إلى معرفة أسباب النزول؟

فيكون الجواب: الرواية والسماع؛ إذًا أسباب النزول ليس فيها مجالٌ للاجتهاد، فليس لشخص مثلًا أن يدعي أن سبب نزول آية كذا، كذا وكذا، اجتهادًا ورأيًا منه، وإنما سبب النزول يُعرف عن طريق الرواية والسماع.

هذه الرواية قد تكون عن صحابي من الصحابة فيكون لها حكم الرفع، ولذلك قرر أهل العلم أن رواية الصحابي الأصل فيها أنها موقوفة؛ موقوفة على الصحابي من قوله، لكن في بعض الأحوال تحمل رواية الصحابي على أنها في حكم المرفوع كأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الذي قالها، ومن هذه المواضع التي قرر أهل العلم فيها أن رواية الصحابي لها حكم الرفع الروايات الواردة في أسباب النزول، ويلحق بذلك ما لا مجال للرأي فيه، فإذا قال الصحابي قولًا وهذا القول الذي قاله ليس فيه مجال للرأي كأن يتحدث عن الثواب، عن الجنة والنار، فالصحابي لا مجال للاجتهاد في هذا الشيء ولا يقول هذا من تلقاء نفسه، إذًا من أين تلقاه؟ تلقاه من الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيكون له حكم الرفع.

واستثنينا من ذلك ما يكون منقولًا عن بني إسرائيل ممن عرف بالنقل عنهم، فإذا أتانا خبر وكان هذا الصحابي قد عُرف بالنقل عن بني إسرائيل ويمكن نقله عنهم؛ فحينئذ لا نقول إن روايته لها حكم الرفع؛ لاحتمال أن يكون قد تلقاها عن أهل الكتاب، فهذا حاصل ما يقال في قول الصحابي.

وأما تفسير الصحابي من حيث هو فهو ليس من قبيل المرفوع، ولذلك ما أطلق من أن تفسير الصحابي له حكم المرفوع، محل نظر، ومما يدل على أن تفسير الصحابي في الأصل ليس له حكم الرفع ما ورد من اختلاف بين الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ في التفسير، وإن كان أغلبه من قبيل اختلاف التنوع، لكن وُجد اختلاف حقيقي واختلاف تضاد في بعض الأحوال؛ لأن هذا قائم على الاجتهاد، ومع ذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن هناك تفسيرًا من تفاسير الصحابة يتعلق به القبول أو نجزم بقبوله ولا نتردد فيه، وهو ما كان من قبيل تفسير المعنى.

فإذًا تفسير الصحابة للمعاني مقبول من حيث إنهم أهل لغة وأهل فصاحة ودراية بالمعاني، فإذا كان أهل التفسير يرجعون في تفاسيرهم إلى الأشعار وإلى لسان العرب وإلى أقوال العرب؛ فأولى من نقبل كلامه في تفسير المعاني الصحب الكرام رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ؛ لأنهم جمعوا بين معرفة اللغة العربية وبين معرفتهم بعُرف القرآن وأسلوب القرآن الكريم، فعرفوا الأسلوب كما أنهم عرفوا لغته.

إذًا تفسير الصحابة ينقسم إلى هذه الأقسام، وهذا الباب يُدرس بتوسع حينما يكون الحديث عن أصول التفسير، لكنه جاء عرضًا معنا في الحديث عن أسباب النزول.

هنا انتقل الناظم إلى رواية التابعي، يعني أحيانًا لا نجد رواية عن الصحابي في أسباب النزول، وإنما نجد رواية عن بعض التابعين في أسباب النزول؛ كأن نجد الرواية الواردة في سبب النزول نجدها مرويةً عن عكرمة، أو عن مجاهد، أو عن قتادة ونحو ذلك، فما حكم تلك الرواية؟ هل نقبل رواية التابعي، أم نقول إنها رواية غير مقبولة أو رواية ضعيفة، أو ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ تقبل ومتى لا تقبل؟

إذًا المسألة التي نبحثها الآن: ما حكم رواية التابعي لأسباب النزول؟ أو ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ تقبل رواية التابعي في أسباب النزول؟

هذا هو المبحث، لكن أذكر بقول الواحدي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في أمر أسباب النزول، قال: "

ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب

"، من الذين شاهدوا التنزيل؟ الصحابة؛ لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن روايتهم لها حكم الرفع، لكن إذا وردت الرواية عن التابعي، بدايةً ما حكم رواية التابعي لحديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

يعني إذا أضاف التابعي رواية إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يعني وجدنا عكرمة، أو وجدنا سعيد بن جبير، أو وجدنا قتادة ونحوهم من التابعين يقولون: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ما حكم هذه الرواية في علم الحديث؟

رواية مرسلة، إذًا نسمي هذه الرواية بالرواية المرسلة، "

وما أُضيف للنبي المرفوع وما لتابع هو المقطوع

"، يعني إذا وقفنا عند التابعي، قال: "

ومرسل منه الصحابي سقط

"، طبعًا اعترض على هذا بأننا لو أيقنا وعرفنا أن الساقط هو الصحابي لقبلنا رواية المرسل، وقلنا إن الرواية المرسلة مقبولة؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وإنما وقع الإشكال في الرواية المرسلة؛ لأننا لا نعرف أسقط الصحابي وحده، أم سقط معه بعض التابعين، وإن سقط هذا التابعي فلا ندري أروايته مقبولة أم هي غير مقبولة؟

ثم إن لأهل الحديث طريقًا في ذلك، وكذلك لأهل الأصول كلام في قبول رواية المراسيل وفي قبول رواية بعض المراسيل خاصة، كمراسيل سعيد بن المسيب ومراسيل كبار التابعين، محل ذلك في الأصول، وتقدم طرف منه في دراسة الورقات، لكن الشاهد هنا هذا هو الحكم العام؛ فإذا جاءت رواية في أسباب النزول عن تابعي يبقى الأصل أنها رواية مرسلة أيضًا، يعني قتادة روى جاء بسند إليه أنه يقول نزلت الآية في كذا وكذا؛ إذًا هذا نقول عنه رواية مرسلة.

فهنا يقول: "

أو تابعي

"، يعني جاء سبب النزول: "

وإن بغير سندٍ فمنقطع

" إذًا "

ما فيه يروى عن صحابي رُفع

" إذًا الذي يروى عن الصحابي في روايات أسباب النزول يكون مرفوعًا، وإذا كان بإسناد صحيح نقول مرفوع متصل، يبقى يكون هذا بإسناد متصل: "

وإن بغير سند فمنقطع

"؛ يعني جاء عن الصحابي لكن بغير سند يبقى هذا فيه انقطاع.

"

أو تابعي

"؛ يعني روي عن التابعي: "

فمرسل

"، إن كان بغير سند فهو مرسل ومنقطع أيضًا؛ فإذًا هذا لا شك في ضعفه وعدم قبوله، لكن إذا ورد بسندٍ صحيحٍ إلى التابعي؛ يبقى اتصل الإسناد إلى سعيد بن جبير، إلى قتادة، بحيث إن الإسناد صحيح لكن وقف عند قتادة ما قال من من الصحابة حدثه بذلك، قال: "

أو تابعي فمرسلٌ

". تكون رواية مرسلة، لكن هل تقبل أو لا تقبل؟ هذا هو الكلام.

الذي حرره بعض العلماء كالسيوطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في "الإتقان" قال: " إنه قد يقبل"، هو يتحدث عن ماذا؟ عن رواية التابعي في أسباب النزول: "إنه قد يقبل إذا صح السند إليه"؛ إذًا الشرط الأول: ما شرط أو ما شروط قبول رواية التابعي في أسباب النزول؟ يعني وأنت تقرأ في كتاب من كتب التفسير وجدت أن في سبب نزول مروي عن قتادة كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ أقبله؟

يقول: "إذا صح السند إليه"، هذا الأمر الأول: "

وكان من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير

".

إذًا عندنا الشرط الأول: أن يصح الإسناد إليه.

الشرط الثاني: أن يكون هذا التابعي من المشهورين بالأخذ عن الصحابة من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد بن جبر.

ومجاهد بن جبر تقدم الكلام عنه أنه لزم ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا حتى إنه ورد عنه قال: "عرضت القرآن على ابن عباس ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾"، وورد أكثر من ذلك، يوقفه عند كل آية يسأله عنها؛ لذلك قالوا إذا جاء التفسير عن مجاهد فحسبك به، بل جاء عن تلامذته كسفيان، فكيف به؟

وعكرمة وسعيد بن جبير، "أو اعتضد بمرسل آخر"، إنه يعتضد بمرسل آخر، يعني جاء مرسل آخر؛ فجاء مرسل قتادة وجاء مرسل سعيد بن جبير فيتقوى هذا المرسل بهذا المرسل، فحينئذٍ نقبل تلك الرواية.

لكن تلاحظ أن السيوطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لما ذكر هذا الكلام ذكره بلفظ "أو"، فكأنه لم يجعله شرطًا ثالثًا ﴿أَنَّمَا﴾ جعله مغنيًا عن الشرط الذي قبله.

إذًا المسألة عندنا: ما حكم أو ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ تقبل رواية التابعي في أسباب النزول؟

الشرط اللازم بلا شك صحة الإسناد إليه، ثم أن يكون مشهورًا بالتفسير والأخذ عن الصحابة، أو أن يُروى هذا بطريق آخر، بعض العلماء يجعله شرطًا ثالثًا؛ إذًا منهم من يجعله شرطًا ثالثًا أو أن يكون مغنيًا عن اشتهاره بالتفسير.

ولعله من الأمثلة المشهورة في ذلك ما ورد في سبب نزول قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا1 وَجَعَلْتُ لَهُۥ مَالًا مَّمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾، فقد اشتهر عند المفسرين أن هذه الآيات نزلت في شأن من؟ في شأن الوليد بن المغيرة وما جرى وما وقع منه حينما كما قال الله: ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ2 فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾، وحينما عرض عليه بعض المشركين ما عرضوا من أن يعطوه النفقات والصدقات.

حينما تنظر في الروايات الواردة في هذا الباب لا تجد رواية مرفوعة إلى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يثبت منها رواية، لكن ورد هذا عن عكرمة، ورد عن عدد من التابعين، فنقول ورد عن كبار المفسرين من التابعين الآخذين عن الصحابة، وثبت السند إليهم، وورد عن أكثر من شخص، إذًا نحتج بهذه الرواية أم لا نحتج؟ نحتج، فيصح لنا أن نقول صح سبب النزول، أو صح أن سبب النزول لهذه الآيات قصة الوليد بن المغيرة وإن لم يثبت لنا ذلك بطريق عن صحابي من الصحابة، ويعضد هذا الإجماع المروي في ذلك، فعدد من المفسرين قد نقلوا الإجماع على أن هذه الآيات الكريمة قد نزلت في شأن الوليد بن المغيرة، والله أعلم.

إذًا هذا قوله: "

أو تابعي فمرسل

"، طبعًا قوله: "أو تابعي" بالسكون هذا من أجل الضرورة الشعرية ليصح الوزن، "أو ما فيه يُروى عن صحابيً" لأنه لو كان على الصلة لو كان على الإعراب كان يقول : "أو تابعيٍ" لكنه قال: "أو تابعي" بالسكون؛ لأجل صحة الوزن، "

فمرسلٌ

"؛ ما معنى "فمرسل" هنا؟ يعني فهو مرسل، يبقى فمرسل خبر لمبتدأ مقدر.

"وَصَحَّتِ أَشيَا كَمَا لِإفْكِهِمْ مِنْ قِصَّةِ": "وصحت" أصل الكلام وصحة، المعنى ماذا وصحت؟ يعني صحت روايات في أسباب النزول، يبقى قوله وصحتِ يعني صحت روايات هناك روايات صحيحة في أسباب النزول، لكن أيضًا كسرها "وصحتِ" لتصحيح الوزن؛ ولذلك هذه الحركة ليست حركة إعراب كما لا يخفى؛ لأن الأصل في الفعل الماضي المتصل بتاء التأنيث الساكنة أن هذه التاء حرف، والحرف هذا ليس معربًا وإنما هي تاء ساكنة مبنية لا محل لها من الإعراب، ومضى أن التاء الساكنة قد يتخلص منها أحيانًا بالكسر وقد يتخلص منها بالفتح؛ فإذا اتصلت مثلًا بألف الاثنين "قالتا" فإننا نحرك التاء لاتصالها بألف الاثنين، وألف الاثنين تحتاج قبلها فتحة، تخلصنا من السكون بالكسر وهي ليست كسرة إعراب.

"وَصَحَّتِ أَشيَا"، "أشيا" هنا يعني أشياء، ما المراد بالـ "أشيا"؟ روايات، يعني هناك روايات صحيحة في أسباب النزول.

"كَمَا لِإفْكِهِمْ مِنْ قِصَّةِ": يعني يقول هناك رواية صحت في أسباب النزول مثل ماذا؟ مثل حادثة الإفك، حادثة الإفك حينما اُتهمت أم المؤمنين عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا ورُميت بما رميت به، وبرأها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وأنزل الله في ذلك قرآنًا يتلى في سورة النور: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُم مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلْإِثْمِ ۚ وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُۥ مِنْهُمْ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾3 إلى آخر الآيات الكريمة، ورواية حادثة الإفك موجودة في الصحيحين، لذلك قصة أو حادثة الإفك موجودة في الصحيحين، فقوله " كَمَا لِإفْكِهِمْ مِنْ قِصَّةِ": يعني هذا صح سبب النزول فيه؛ لذلك عرفنا من المراد بالإفك، وما الذي وقع وما الذي برأها الله عَزَّ وَجَلَّ منه، كل هذا عرفناه من رواية الصحيحين.

"وَالسَّعْيِ": يعني مما صحت الرواية فيه الروايات الواردة في السعي، ما المقصود بالسعي؟ السعي بين الصفا والمروة: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾4، ثبت هذا عن أم المؤمنين عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أيضًا في الصحيحين، حينما خفي على عروة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى معنى الآية الكريمة وقال: "فوالله ما أرى على أحد من جناح ﴿إِلَّا﴾ يطوف بهما؛ لأنّّ الله قال: "، فالذي يريد ترك السعي يترك؛ فأخبرته أن لهذا سببًا.

ولذلك لما كنا نتكلم عن أسباب النزول قبل ذلك في الدروس ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ من فوائد معرفة أسباب النزول ماذا؟ إزالة الإشكال، رفع الإشكال في فهم الآية؛ لأنَّها بينت أن الصحابة تحرجوا، كانوا يمرون بين الصفا والمروة على بعض الأصنام التي كانوا يصرفون لها العبادة قبل ذلك في الجاهلية، فتحرجوا وهم يمرون على مناة ونحو ذلك، فلما دخل الإسلام تحرجوا كيف يسعون بين الصفا والمروة؟ فبين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن هذا من شعائر الحج والعمرة وأن هذا ليس داخلًا في الأمر الماضي، فقد ذهبت عبادة الأصنام بفضل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

قال: "وَالحِجَابِ مِنْ آيَاتِ": أي وآيات الحجاب، ودل على ذلك ما وقع من عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حينما قال: "وافقت ربي في ثلاث"، وذكر منها أنه قال: "إن نساءك يا رسول الله يدخل عليهن البر والفاجر"، فأنزل الله آية الحجاب: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتَ ٱلنَّبِىِّ إِلَّآ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَـٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُوا۟ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنتَشِرُوا۟ وَلَا مُسْتَـْٔنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى ٱلنَّبِىَّ فَيَسْتَحْىِۦ مِنكُمْ ۖ وَٱللَّهُ لَا يَسْتَحْىِۦ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعًا فَسْـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا۟ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓا۟ أَزْوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦٓ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا﴾5، فهذا أيضًا ثبتت به الرواية في المتفق عليه.

"خَلْفَ المَقَامِ الأَمْرِ بِالصَّلاَةِ": يعني أمر بالصلاة خلف المقام، فقوله خلف المقام متعلق بقوله الأمر بالصلاة، أيضًا جاء في الرواية نفسها: "وافقت ربي في ثلاث"، قال: "وقلت لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى"، فأنزل الله قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـۧمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾6؛ وهذا فيه أن سبب النزول قد يكون إجابة عن سؤال، أو ردًا على قول، أو بسبب حادثة أو واقعة؛ ولذلك لما عرفنا سبب النزول ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: "هو كل قولٍ أو فعلٍ نزل بشأنه قرآن أيام وقوعه" يعني أيام وقوع أو نزول الوحي كما حرره كثير من علماء علوم القرآن الكريم.

هذه أمثلة ذكرها الناظم لمعرفة بعض الروايات الواردة في أسباب النزول الصحيحة، وما من شكٍ أن اطلاع طالب العلم على أسباب النزول الصحيحة مفيدٌ جدًا له؛ ولذلك من الأبواب التي يدرسها طالب العلم في مجال التفسير وعلوم القرآن في بداية دراساته أن يكون له قسط أو قدر أو نصيب من حفظ الروايات الصحيحة في أسباب النزول، وتقدم أيضًا في بدايات الحديث عن أسباب النزول أن هناك بعض الكتب التي صُنفت في أسباب النزول الصحيحة فقط، ككتاب الشيخ مقبل الوادعي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى "الصحيح المسند من أسباب النزول"، وهناك كتب أخرى أيضًا في هذا الباب فبإمكان طالب العلم أن يحفظ هذا الكتاب، ويكون من الكتب المعتمدة لديه في حفظ أسباب النزول الصحيحة.

لكن أيضًا هناك روايات كثيرة لا تصح في أسباب النزول، وتقدم أيضًا بعض الكتب التي تذكر الرواية الصحيحة وغير الصحيحة والتي علقت على ذلك.

إذًا بهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن أسباب النزول، لكن لا أدري هل تحدثنا عن كلام العلماء في العبارات ومتى تكون صريحة؟ ومتى تكون غير صريحة؟ وماذا عن قولهم نزلت الآية في كذا؟ هل ذكرنا هذا؟ ذكرناه؟ الحمد لله.

طالب:

....

الشيخ:

يعني تقدم أن أسباب النزول نحن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ العبرة بالرواية والسماع.

أسباب النزول لها عبارات، يعني كيف نعرف سبب النزول بالعبارة؟ هناك عبارات صريحة وعبارات غير صريحة، العبارات الصريحة: "فنزلت"، "فأنزل الله كذا"، هذه عبارة صريحة؛ لأن الفاء تدل على السببية؛ إذًا لو كان عندي روايتان صحيحتان لكن أحد الصحابة يقول: "أنزل الله كذا في كذا"، والآخر يقول: "حدث كذا فنزلت الآية"؛ إذًا أي الروايتين أولى بالتقديم؟ الرواية التي فيها التصريح بالفاء "فنزلت"، "فأنزل"؛ إذًا هذا معنى التقديم، يبقى نقدم الصحيحة على غير الصحيحة، ونقدم الصريحة الصحيحة على غير الصريحة وإن كانت صحيحة؛ إذًا نحن أولًا نبحث في الصحة ثم نبحث في الصراحة.

"نزلت الآية في كذا"، تحتمل، هل تحتمل أنها غير مرفوعة؟ نعم، لذلك لا يقطع بأنها مرفوعة؛ لِمَ؟ لأن "نزلت الآية في كذا" يحتمل أنها سبب النزول أو أنها داخلة في حكم الآية، يعني الصحابي ممكن يقول نزلت الآية في كذا وهو لا يقصد أن هذا هو السبب الذي من أجله نزلت الآية، لكن يقصد أن ما يذكره هو يدخل في معنى الآية؛ إذًا أنت تسأل سؤالًا يقول لك: "الذي تتكلم أنت نزلت الآية فيه"، هو لا يقصد أن هذا هو سبب الآية لكن يقصد أنه داخل في حكم الآية الكريمة، لذلك "نزلت الآية في كذا" ليس صريحًا في أنه سبب نزول.

ولذلك وقع الخلاف بين العلماء، فمنهم من يدخله في المسند كما هو صنيع البخاري، فالإمام البخاري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يدخله في المسند، يعني لما يجد ابن عباس يقول: "نزلت الآية في كذا"، تجد البخاري يدخله في المسند في الصحيح على أنه رواية مسندة، وغيره لا يدخله في المسند، لا يجعلون هذه رواية مسندة، نص على ذلك ابن تيمية رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في "أصول التفسير" وهو يتكلم في هذا، قال: "وقد تنازع العلماء في قول الصاحب نزلت هذه الآية في كذا هل يجري مجرى المسند كما لو ذكر السبب الذي أنزلت من أجله أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند؟ فالبخاري يدخله في المسند وغيره لا يدخله في المسند وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره"، بخلاف ما إذا ذكر سببًا نزلت عقبه، يعني لو الصحابي قال "فأنزل" أو "فنزلت" فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند.

إذًا جميع المحدثين إذا جاءت الرواية عن الصحابي "فأنزل الله"، "فنزلت الآية"، داخل في المسند، لكن "نزلت الآية في كذا" منهم من يدخله في المسند ومنهم من لا يدخله، والأصل إذا اختلفنا في رواية الصحابي ألها حكم الرفع أم لا؟ فالأصل أنه ليس لها حكم الرفع لأن هذا هو الأصل، والله تعالى أعلم.

أظن بقية الكلام ممكن نكون ذكرناه بالفعل؛ لأني أذكر أنني قلته، أسباب النزول يعني إذا كنا قد انتهينا منه فهو كما قلت من أدق الأبواب في علوم القرآن الكريم، لذلك يحسن بالإخوة الذين لم يسمعوا الدروس السابقة أن يسمعوها لا سيما ما يتعلق بأسباب النزول، وقلت إن كثيرًا من الشبهات المثارة حول القرآن الكريم ترجع إلى الحديث عن أسباب النزول، وأيضًا ما يتعلق بالقراءات القرآنية والناسخ والمنسوخ، هناك أبواب معروفة في أبواب علوم القرآن أغلب المطاعن التي تأتي من المستشرقين والتي تأتي من الحداثيين وغيرهم تكون في هذه الأبواب، فمن استطاع ضبط هذه الأبواب تيسرت له السبل وفهم ما يتعلق بالقرآن الكريم فهمًا صحيحًا بفضل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

بعد هذا ننتقل إلى نوع آخر وهو النوع الحادي عشر: "أول ما نزل"، أول ما نزل من القرآن الكريم.

قال: الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

النَّوْعُ الحَادِي عَشَرَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ

اقْرَأْ عَلَى الأَصَحِّ فالمُدَّثِّرُ

أَوَّلُهُ وَالْعَكْسُ قَوْمٌ يَكْثُرُ

أَوَّلُهُ التَّطْفِيفُ ثُمَّ البَقَرَةْ

وَقِيلَ بِالعَكْسِ بِدَارِ الِهجْرَة

الشرح

"أَوَّلُ مَا نَزَلَ": إذًا من الأبواب أو من الأنواع التي يدرسها علماء علوم القرآن ما يتعلق بأول ما نزل من القرآن، وآخر ما نزل من القرآن الكريم، وتقدم أن هذه الأنواع: أسباب النزول، وما نزل صيفًا، وما نزل شتاءً، وما نزل ليلًا، وما نزل نهارًا؛ كل هذا يتعلق بنزول القرآن، إذًا النوع الرئيسي الذي تندرج تحته هذه الأنواع: باب نزول القرآن الكريم؛ ولذلك قلت إننا حينما نفتح كتب علوم القرآن نجد منهم من كثر الأنواع ومنهم من قلل الأنواع، ويمكننا أن نضم بعض الأنواع إلى بعض، فهذه الأنواع كلها تندرج في نزول القرآن الكريم.

أول ما نزل من القرآن الكريم، ومعرفة أول ما نزل تدل على اعتناء العلماء بمعرفة كل ما يتعلق بالقرآن الكريم، ومعرفة أول ما نزل وآخر ما نزل يقول العلماء يُستفاد منها في بعض الفوائد، من هذه الفوائد: معرفة الناسخ والمنسوخ وإن كان هذا قليلًا جدًا أو شبه نادر كما سيأتي تفصيله في موضعه بإذن الله، ماذا أيضًا؟ معرفة مراحل التشريع والتدرج في التشريع؛ لأننا نعلم أن هذه الآية نزلت قبل تلك الآية، مرت بمراحل مثل تحريم الخمر، فنعلم أن هذه الآية نزلت: ، ثم ، بخلاف فهي الآية الخاتمة فيما يتعلق بالخمر لذلك جاء التحريم فيها قطعيًا.

إذًا معرفة التدرج في هذا الباب، ومنه يتعلم الدعاة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كيف يدعون، إلى غير ذلك مما يذكر أيضًا في هذا الباب.

وأيضًا يزول بها الإشكال؛ لأن شخصًا لو لم يفهم هذا الكلام ووقف عند آية يقول أنا آخذ مفهوم المخالفة إذًا نقرب في غير وقت الصلاة، أو نشرب المسكرات؛ يقول له يا أخي وفقك الله وهداك، هذه آية نزلت في وقت معين وهذه لها مرحلة زمنية لا ينبغي إغفالها، وهذا من فوائد دراسة أول ما نزل وآخر ما نزل وأسباب النزول وما إلى ذلك.

"

اقْرَأْ عَلَى الأَصَحِّ فالمُدَّثِّرُ ... أَوَّلُهُ وَالْعَكْسُ قَوْمٌ يَكْثُرُ

"، "

اقْرَأْ عَلَى الأَصَحِّ

" ما المراد بقوله اقرأ؟ سورة اقرأ، وما سورة اقرأ؟ العلق، والمقصود هنا الخمس آيات الأولى من سورة العلق: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ7 خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، هذه الآيات الخمس هذا هو المراد؛ لأنه ما يدل عليه الدليل أن هذه هي الآيات الأولى التي نزلت من القرآن الكريم.

"

اقْرَأْ عَلَى الأَصَحِّ فالمُدَّثِّرُ

"، يعني يلي القول بأن سورة العلق هي أول ما نزل من القرآن قول ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إن أول سورة نزلت من القرآن المدثر، هذا معنى، "

أَوَّلُهُ

": يعني "

اقْرَأْ عَلَى الأَصَحِّ فالمُدَّثِّرُ

أَوَّلُهُ

" إذًا اقرأ أوله، إذًا أول ما نزل من القرآن اقرأ، ولك أن تقول أن "

أَوَّلُهُ

" هي المبتدأ المؤخر، و "

اقْرَأْ

" الخبر المقدم، وكيف تقول: "

اقْرَأْ" مبتدأ على هذا؟ ليس المراد بـ " اقْرَأْ " الفعل الأمر ﴿أَنَّمَا﴾ اللفظ الدال على الاسم، يعني اسم "اقرأ"، سورة "اقرأ"، فإما تقول هي مبتدأ و"أوله" الخبر أو العكس.

إذًا الكلمة قد تكون فعلًا ولكن إذا أُريد بها اللفظ "الاسم"، وليس المراد به حقيقة الحدث فحينئذٍ تُعرب على أنها "اسم" ترفع كان المبتدأ، ما إعراب "كان" هنا؟ فاعل مع أنها "كان"؛ لأن المراد به لفظ "كان" وهكذا.

"

اقْرَأْ عَلَى الأَصَحِّ فالمُدَّثِّرُ

": فيها معنيان في البيت، إما أن يقصد أن الترتيب في النزول اقرأ فالمدثر؛ إذًا "اقرأ" هي السورة الأولى، و "المدثر" الثانية؛ إذًا هو سار على هذا، أو إنه يتكلم عن الترتيب لا في النزول ﴿أَنَّمَا﴾ على ترتيب الأقوال، أي هناك اختلاف بين العلماء في أول ما نزل من القرآن، فهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إن أول ما نزل من القرآن صدر سورة العلق، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إن أول ما نزل من القرآن سورة المدثر كما ورد عن جابر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إن أول ما نزل من القرآن سورة الفاتحة، وهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إن أول ما نزل من القرآن البسملة،

لكن أولى الأقوال وأقوى الأقوال قولان:

قول من قال: إن أول ما نزل من القرآن سورة العلق، أو صدر سورة العلق.

وقول من قال: إن أول ما نزل من القرآن سورة المدثر.

فهو يرتب الأقوال أو إنه يرتب السور، إذًا واضح هكذا التأويل في المعنى، وفي الحقيقة الذين يقولون إن أول ما نزل من القرآن صدر سورة العلق لم يقولوا جميعًا إن ثاني سورة هي المدثر، بل هناك من قدم بعض السور أيضًا على سورة المدثر، فهناك من قدم سورة المزمل وغير ذلك مما ذكره أهل العلم في هذا الباب.

إذًا قال: "

اقْرَأْ عَلَى الأَصَحِّ فالمُدَّثِّرُ أ

... أَوَّلُهُ وَالْعَكْسُ قَوْمٌ يَكْثُرُ

" يعني عكس هذا القول، "

وَالْعَكْسُ

" هنا: مقابل هذا القول، وليس المراد بالعكس العكس في المنطق وهو قلب جزئي القضية فهذا شيءٌ آخر؛ لأن هناك العكس في علم المنطق، وإنما هنا كلمة العكس العكس بالمعنى العام، العكس يعني مقابل هذا القول، ما مقابل هذا القول؟ أن سورة "المدثر" أسبق من سورة "العلق".

"

قَوْمٌ يَكْثُرُ

": يعني قال به كثيرون، لكن القول الأول قال به الأكثرون وهو قول الجمهور وهو القول الأرجح والأصح؛ ودليله حديث أم المؤمنين عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا المتفق على صحته: «

أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة -وفي لفظ الصادقة- فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء

...» إلى آخر الرواية، ففيه أن الرسول قال "زملوني زملوني"، أو فقال له قبلها "اقرأ"، قال "ما أنا بقارئ"، قال "اقرأ"، قال "ما أنا بقارئ"، قال "فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني قال في الثالثة: ؛ فإذًا هذا يدل على أن سورة العلق أو صدر سورة العلق أول ما نزل من القرآن، حينما فجاءه الحق، وفي رواية "جاءه الحق وهو في غار حراء، فقال له اقرأ، قال ما أنا بقارئ، فقال ". فإذًا قالوا هذا أول ما نزل من القرآن.

أما القائلون بأن أول ما نزل من القرآن سورة المدثر فقد استدلوا بحديث جابر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حينما سأله أبو سلمة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عن أول ما نزل من القرآن، قال: "، قال: يقولون ، فقال: لا أقول لك إلا ما سمعت من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم ساق الحديث"؛ وهذا يرد على من يظن أن جابرًا لم يعِ القول بأن سورة العلق يقال إنها أول ما نزل؛ لأن أبا سلمة طرح عليه الإشكال يعني يقول نبئت أنه ، قال: لا أخبرك إلا بما قال رسول الله، وإنما يحتمل أن أبا سلمة لما أخبره لم يرفع ذلك إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يذكر له رواية عائشة، ﴿أَنَّمَا﴾ ذكر أن هذا كلام قيل، فما كان من جابر إلا أن ذكر ما سمعه من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكأن جابرًا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اكتفى بما ثبت عنده، فما ثبت عنده هو أن أول ما نزل سورة المدثر، وإلا فما صار إليه جابر ما هو إلا اجتهاد منه رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وما جاء عن عائشة ﴿أَنَّمَا﴾ هو رواية مرفوعة فتقدم حينئذٍ.

ثم إن بعض العلماء قد قالوا إن جابرًا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ﴿أَنَّمَا﴾ كان يتحدث عن أولية مقيدة وليست عن أولية مطلقة؛ ويشهد لذلك أنه جاء في بعض الروايات "وهو يحدث عن فترة الوحي"؛ يعني عن انقطاع الوحي، إذًا جابر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يتكلم عن أولية تتعلق بأول ما نزل بعد انقطاع الوحي، كأن سورة العلق نزلت ونزلت بعض الآيات ثم انقطع الوحي فترة، فأول ما نزل بعد انقطاع الوحي كانت سورة المدثر.

وأيضًا يشهد لذلك أنه جاء في بعض الروايات: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيٍ بين السماء والأرض"، وفي رواية الصحيحين، "فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيٍ بين السماء والأرض فجثثت منه رُعبًا"، إذًا "فإذا الملك الذي جاءني بحراء" ماذا نستفيد من قوله هذا؟ أن الملك قد جاءه قبل ذلك، " فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيٍ بين السماء والأرض فجثثت منه رُعبًا " فرجع إلى زوجه فقال: "زملوني" أو "دثروني وصبوا علي ماءً باردًا"، فأنزل الله الآيات.

إذًا هذا يدل على أنه يتكلم عما نزل بعد انقطاع الوحي وليس أول ما نزل، وعليه: تحمل الرواية الأخرى: "إني جاورت بحراء، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي ثم نظرت إلى السماء، فإذا هو -يعني جبريل عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فأخذتني رجفة فأتيت خديجة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا".

إذًا الذي عليه الجمهور: أن أول ما نزل من القرآن صدر سورة العلق، دليل ذلك حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، وما ورد في حديث جابر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يحمل على أمور: أنه اجتهاد جابر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وأنه تحدث عن أولية مقيدة وهي الأولية بعد انقطاع الوحي، ولذلك بعض العلماء قالوا قولًا مشهورًا: "نُبئ بـ وأُرسل بـ "؛ يعني إنه نُبئ في خاصة نفسه فصار نبيًا، وأُمر بالبلاغ وهكذا.

فإذًا نقول إن سورة المدثر أول ما نزل من القرآن في باب الإنذار، أو أول ما نزل بعد انقطاع الوحي، أو أول ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ سبب حينما قال دثروني وصبوا علي ماءً باردًا، بخلاف قيل له "اقرأ"، "ما أنا بقارئ"، مباشرة.

وأما من ذهب إلى أن أول ما نزل من القرآن سورة الفاتحة فقد ورد في هذا روايات لكنها لا تصح، ويُحمل ذلك على أن سورة الفاتحة من أول ما نزل من القرآن؛ يعني على فرض ثبوت ذلك لكنها دون هذه الروايات، وأما رواية عائشة وجابر فهي في الصحيحين كما لا يخفى، وأما رواية أن البسملة أول ما نزل، فمع الكلام على الرواية والنظر فيها، إلا أنه كما قال عدد من أهل العلم لا يعد هذا قولًا برأسه؛ لأن البسملة جزء من السورة أو تكون في بداية السورة أو للفصل بين السور، وإنما الكلام في أول ما نزل مما هو من بدايات السور باستثناء البسملة، فليس قولًا قائمًا برأسه والله أعلم.

أما تسمية الفاتحة بأم القرآن، فأحد المعاني لأم القرآن أن الأم هي الأول؛ لأن الأم تسبق الأولاد، والأم تأتي بمعنى آخر فالأم كما يقال "أم الرأس" يقال لجلدة الرأس أم الرأس؛ لأنَّها تضم الجلدة التي على الرأس، فنقول سميت أم القرآن؛ لأنَّها تجمع مقاصد القرآن أو هي المفتتح في بداية الترتيب المصحفي لا في الترتيب بحسب النزول؛ ولذلك سورة الفاتحة هي أول السور بحسب الترتيب المصحفي، وعلى هذا المعنى فيكون ترتيب سور القرآن بدايته بالفاتحة جاء بتوقيف من عند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهذا قد يفيدنا في الاستدلال على أن ترتيب السور توقيفي والله أعلم.

ولذلك كثير ممن بحث في علوم القرآن الكريم لا يذكر هذا الدليل مع أنه ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ للاحتجاج، وهو أن الرسول سماها بأم القرآن وسماها بفاتحة الكتاب، وهذا أصرح: «

لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»

، وإذا رجحنا أن أول ما نزل صدر سورة العلق وليس سورة الفاتحة، إذًا ما معنى فاتحة الكتاب؟ أنها فاتحة في الترتيب، فدل على أن الترتيب هو الذي رتبه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والله أعلم.

"

أَوَّلُهُ التَّطْفِيفُ ثُمَّ البَقَرَةْ

وَقِيلَ بِالعَكْسِ بِدَارِ الِهجْرَة

"؛ "

أَوَّلُهُ التَّطْفِيفُ

"، ما المراد بالتطفيف؟ سورة المطففين، هذا أحد الأوجه، يعني أحد الأوجه أيضًا أن صدر سورة العلق نزل أولًا، وأما سورة المدثر فنزلت كاملة، وهذا يجرنا إلى أمر وهو إلى رواية عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا في الصحيح: «

إنَّما نَزَلَ أوَّلَ ما نَزَلَ منه سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ والنَّارِ، حتَّى إذَا ثَابَ النَّاسُ إلى الإسْلَامِ نَزَلَ الحَلَالُ والحَرَامُ، ولو نَزَلَ أوَّلَ شَيءٍ: لا تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقالوا: لا نَدَعُ الخَمْرَ أبَدًا، ولو نَزَلَ: لا تَزْنُوا، لَقالوا: لا نَدَعُ الزِّنَا أبَدًا

»، [صحيح البخاري]، ماذا نقول في هذه الرواية وسورة العلق ليس فيها ذكر الجنة والنار إلا في قوله ؟ بشيء لكن أين ذكر الجنة؟ فيقال: هذا على تقدير "من"؛ إذًا أول ما نزل يعني من أول ما نزل، أو يقال إن سورة المدثر نزلت كاملة وفيها ، وفيها أيضًا خواتيم السورة .

"

أَوَّلُهُ التَّطْفِيفُ ثُمَّ البَقَرَةْ

وَقِيلَ بِالعَكْسِ بِدَارِ الِهجْرَة

"، "

أَوَّلُهُ

"على ما يعود الضمير في أوله؟ يعني أول القرآن، "

التَّطْفِيفُ ثُمَّ البَقَرَةْ

وَقِيلَ بِالعَكْسِ بِدَارِ الِهجْرَة

"، ما المراد بدار الهجرة؟ المدينة النبوية، ماذا يقصد بهذا؟ أن أول ما نزل من القرآن الكريم بالمدينة النبوية سورة "المطففين" ثم سورة "البقرة"، ﴿وَقِيلَ﴾ بالعكس؛ يعني هناك من العلماء ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إن أول سورة نزلت من القرآن بالمدينة هي سورة البقرة. إذًا انتهينا من الحديث عن أول ما نزل من القرآن على الإطلاق بأننا حينما نقول لم نحتج أن نقول إن سورة العلق أو صدر سورة العلق أول ما نزل من القرآن بمكة؛ لماذا؟ لأن ما نزل بمكة سيكون قبل المدينة قطعًا، فأول ما نزل بمكة هو أول ما نزل من القرآن لأن هذا أسبق وهو قبل دار الهجرة.

لكن الكلام عن أول ما نزل بالمدينة النبوية، منهم من قال سورة المطففين ومنهم من قال سورة البقرة، وقد نقل بعض العلماء الاتفاق على أن سورة البقرة أول ما نزل من القرآن بالمدينة النبوية، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وغيره قالوا بالاتفاق، لكن هذا الاتفاق فيه نظر؛ لأن بعضهم حكى الخلاف وذكر أن سورة المطففين هي أول ما نزل من القرآن في العهد المدني أو في المدينة النبوية؛ إذًا الاتفاق ليس بسالم هذا شيء.

الأمر الثاني أن أكثر المفسرين يجعلون سورة المطففين من السور المكية ويقولون إن الإطار العام للسورة وحديث السورة يليق بالسور المكية، لكن عندنا حديث يقوي القول بأن سورة المطففين من السور المدنية وهو حديث ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عند ابن ماجه وابن حبان في صحيحه والنسائي في السنن الكبرى عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قال: «

لمَّا قدمَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ المدينةَ كانوا من أخبَثِ النَّاسِ كيلًا فأنزلَ اللَّهُ سبحانَهُ:

فأحسنوا الكيل بعد ذلك

» [سنن ابن ماجه]؛ هذا يدل على أن سورة المطففين نزلت أين؟ نزلت في المدينة، وإذا كانت سورة المطففين عند الأكثرين سورة مكية معناها أنها متقدمة، فلتكن متقدمة على سورة البقرة والله تعالى أعلم.

لكن تبقى هنا مسألة، وهي أننا إذ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن سورة البقرة من أول ما نزل بالمدينة فالمقصود أغلب السورة أو كثير من السورة، وإلا فإنَّ سورة البقرة من السور التي استغرق نزولها مدة طويلة، وتقدم أنها استمرت ما يزيد على تسع سنوات، فآخر آية من القرآن على الراجح كما سيأتي ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾8، وهذه الآية في سورة البقرة؛ لأن السورة لم تنزل كاملة وإنما نزلت أجزاء.

ونكمل الحديث بإذن الله في الدرس المقبل، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا — المدثر: 11-15 ↩
  2. آية: ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ — المدثر: 18-25 ↩
  3. آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُم مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلْإِثْمِ ۚ وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُۥ مِنْهُمْ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ — النور: 11 ↩
  4. آية: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ — البقرة: 158 ↩
  5. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتَ ٱلنَّبِىِّ إِلَّآ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَـٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُوا۟ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنتَشِرُوا۟ وَلَا مُسْتَـْٔنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى ٱلنَّبِىَّ فَيَسْتَحْىِۦ مِنكُمْ ۖ وَٱللَّهُ لَا يَسْتَحْىِۦ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعًا فَسْـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا۟ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓا۟ أَزْوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦٓ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا﴾ — الأحزاب: 53 ↩
  6. آية: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـۧمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ — البقرة: 125 ↩
  7. آية: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ — العلق: 1-5 ↩
  8. آية: ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ — البقرة: 281 ↩

دروس مشابهة