مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

منظومة الزمزمي (الدرس السادس)

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 197 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

ما زال الحديث موصولًا بالقراءة في منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مع التعليق عليها، وتوقفنا في اللقاء السابق عند قوله:

وَالآيَةُ الطَّائِفَةُ المَفْصُولَةْ

مِنْ كَلِمَاتٍ مِنْهُ وَالْمَفْضُولَةْ

مِنْهُ عَلَى القَوْلِ بِهِ كَتَبَّتِ

وَالفَاضِلُ الَّذْ فِيهِ مِنْهُ أَتَتِ

بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ تَحْرُمُ

قِرَاءَةٌ بِهِ وَأَنْ يُتَرْجَمُ

الشرح

وَالآيَةُ الطَّائِفَةُ المَفْصُولَةْ

مِنْ كَلِمَاتٍ مِنْهُ وَالْمَفْضُولَةْ

مِنْهُ عَلَى القَوْلِ بِهِ كَتَبَّتِ

وَالفَاضِلُ الَّذْ فِيهِ مِنْهُ أَتَتِ

يتكلم هنا عن مسألة تفاضل السور، فبعد أن حدثنا عن السورة وضابط السورة، وأن السورة هذه محل التحدي بالإعجاز، وتكلمنا عن هذه المسألة، هل أيضًا يقع التحدي ببعض الآيات؟ وتبيَّن لنا أنه قد يقع أيضًا ببعض الآيات وليس شرطًا أن تكون سورةً كاملةً.

فهنا قال أو يتحدث عن التفاضل بين السور، فهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ هناك سورٌ فاضلةٌ وأخرى مفضولةٌ مع إثبات الفضل في كلٍ، بمعنى: هل هناك سورة أفضل من سورة؟ هل هناك آيةٌ أفضل من آية؟ من أهل العلم من يثبت ذلك، ويقول: نعم، فهناك سور أفضل من سور، وهناك آياتٌ أفضل من آيات، ويستدلون على ذلك ببعض الفضائل التي وردت في بعض السور، كفضل قراءة: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾1 وأنها تعدل ثلث القرآن؛ إذًا هذا يدل على أنها أفضل من غيرها من السور أو عددٍ من السور، وكقول النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «

مرَّ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ علَى أُبَىِّ بنَ كَعبٍ، فقال :أتُحِبُّ أن أُعَلِّمَك سورَةً لَم ينزَل في التَّوراةِ ، ولا في الإنجيلِ ، ولا في الزَّبورِ ، ولا في الفُرقانِ مِثلُها ؟ قلتُ: نَعَم ، يا رسولَ اللَّهِ ، قال : فَكيفَ تَقرَأُ في الصَّلاةِ ؟ فقَرَأتُ عليهِ أُمَّ الكتابِ ، فقال رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : والَّذِي نَفسِي بيَدِه، ما أُنزلَت سورةٌ في التَّوراةِ ولا في الإنجيلِ ولا في الزَّبورِ ، ولا في الفُرقانِ مِثلُها ،وإنَّها لَهي السَّبعُ المَثاني والقُرآنُ العَظيمُ

» (رواه الترمذي والنسائي)، يريد سورة الفاتحة، فقالوا: إذًا سورة الفاتحة أفضل السور.

واستدلوا كذلك على تفاضل الآيات حينما قال النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لأبي بن كعب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «

يَا أَبَا المُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «يَا أَبَا المُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ﴾2

. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ

» (رواه مسلم).

الشاهد في ذلك: أنهم قالوا أعظم آية في القرآن الكريم آية الكرسي.

إذًا معنا عدة نصوص فيها دلالة على فضل بعض السور، وعلى فضل بعض الآيات، فمن أخذ بظاهرها قال نعم التفاضل موجودٌ بين سور القرآن وآياته، فتكون سورةٌ أفضل من سورة وآيةٌ أفضل من آية وإن كانت كلها فاضلة، وهناك من أنكر ذلك فقال: كيف يكون هناك تفاضلٌ بين السور أو الآيات والمتكلم بكل واحدٍ هو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟ يعني الذي تكلم بسورة كذا أو بسورة كذا هو الله، فالتفاضل بينها هذا فيه إشكالٌ؛ لأن المتكلم واحدٌ وهو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

فقال بعضهم إذًا هذا التفاضل تفاضلٌ خارجيٌّ، خارجٌ عن حقيقة الآيات أو السور، والمراد بالتفاضل تفاضلٌ في الجزاء أو الثواب.

ورد الأولون وقالوا: والتفاضل في الجزاء أو في الثواب مترتبٌ على التفاضل فيها هي، وقالوا: التفاضل بسبب الموضوع الذي تتحدث عنه، والواحد فينا قد يتكلم بكلامٍ ثم يتكلم في موضوعٍ آخر بكلامٍ آخر فنقول: هذا الكلام أفضل من هذا الكلام مع أنَّ المتكلم واحدٌ، فقالوا: لا حرج إذًا أن يُقال سورة كذا أفضل من سورة كذا مع أنَّ المتكلم بذلك واحدٌ وهو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لكن هذا في بابه أفضل وهذا في بابه أفضل، ومن حيث المقارنة هذا الموضوع أجلُّ من ذاك الموضوع.

فقالوا مثلًا سورة: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾3 دعاءٌ أو إخبارٌ عن هلاك أبي لهب وما جرى منه ومن امرأته، وأنه ﴿سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ ولا ينتفع بما أوتي من مالٍ وولدٍ وما إلى ذلك؛ إذًا هذا حديثٌ عن شخصٍ كفر بالله وعن جزائه وجزاء امرأته الكافرة بالله، لكن قوله: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ﴾4 فهذه خالصةٌ في صفات الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وفي الحديث عن وحدانية الله عَزَّ وَجَلَّ فهي أفضل من حيث الموضوع، لو أتى آتٍ ليتكلم في حق أبي لهبٍ ما استطاع أن يأتي بمثل سورة المسد ﴿وَلَآ أَن﴾ يقاربها أصلًا ولا وجهً للمقارنة، أليس كذلك؟ لأنَّها معجزةٌ في بابها، لكن لو أننا قارنا بين موضوع سورة المسد وموضوع سورة الإخلاص سنقول سورة الإخلاص موضوعها أفضل.

إذًا هل هناك تفاضلٌ بين سور القرآن وآياته؟ نقول نعم أخذًا بظاهر النصوص الشرعية في ذلك، الأحاديث التي وردت ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، أعظم آية في القرآن آية الكرسي ونحو هذه النصوص، وهذا التفاضل تفاضلٌ في الموضوعات وتفاضلٌ في الثواب والجزاء، إذًا تفاضلٌ في الاثنين، في الموضوع وتفاضلٌ في الثواب والجزاء، ولا ننفي ما أثبته الشرع.

فقال هنا: "

وَالْمَفْضُولَةْ مِنْهُ عَلَى القَوْلِ بِهِ كَتَبَّتِ

"، "

وَالْمَفْضُولَةْ مِنْهُ

" أي من القرآن أو من سور القرآن، "

عَلَى القَوْلِ بِهِ

"، يعني على القول به عند من يثبتها كـ "

تَبَّتِ

" يعني كسورة تبت التي هي سورة المسد، "

وَالفَاضِلُ الَّذْ فِيهِ مِنْهُ أَتَتِ

" يعني والفاضل المثال للفاضل "

الَّذْ

" يعني الذي، نحن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن "

الَّذْ

" لغة في الذي مثل ما جاء ابن مالك "

وجعل اللذ كاعتقد

"، "

الَّذْ

" تأتي بمعنى الذي أو هي نفسها لغة فيه، فبيقول: "

وَالفَاضِلُ الَّذْ

"؛ يعني الذي "

فِيهِ

" الذي هو من؟ في الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، "

مِنْهُ أَتَتِ

" يعني والمثال للسور الفاضلة أو السورة الفاضلة الذي جاء متحدثًا عن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كسورة الإخلاص ويقصد به سورة الإخلاص.

إذًا لو أني سأقارن ما بين سورة الإخلاص وسورة المسد؛ فسورة الإخلاص أفضل من حيث الموضوع ومن حيث الجزاء والثواب، لكن لا يعني ذلك أن السورة المفضولة فيها شيءٌ من خللٍ أو نقصٍ -عياذًا بك اللهم-، بل هي كلها معجزةٌ ولا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثل سورة المسد.

طالب:

....

الشيخ:

أو يقصد هذا يعني يقول أو نقول فاضلٌ وأفضل لا بأس، لكن هو يقول من باب التقريب في المسألة نقول هي سورٌ فاضلةٌ وهناك ما هو أفضل.

بل سورة المسد جمعت الإعجاز من وجهين كما يقول أهل العلم، يعني سورة المسد التي هنا مُثِّل بها لما هو ليس بأفضل بالنسبة لسورة الإخلاص معجزةٌ من وجهين:

معجزةٌ من حيث البلاغة

والنظم والاتساق والأسلوب وهو الإعجاز الساري في سور القرآن.

ومعجزةٌ من حيث إخبارها عن الغيب

، أليس كذلك؟ لأن سورة ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾5

نزلت وأبو لهب كان موجودًا، كان بإمكانه أن يقول متظاهرًا: أنا أسلمت يا محمد، ولو قال أنا أسلمت يا محمد كيف تقول: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ﴾؟ لكن ما تجرأ ولا قدر ولا قال إنه أسلم ولو تظاهرًا، فهذا من الإعجاز أيضًا.

قال:

بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ تَحْرُمُ

قِرَاءَةٌ بِهِ وَأَنْ يُتَرْجَمُ

وهناك من يقرأها "

قِرَاءَةٌ وَأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ

" ففيه من يُقدم "

بِهِ وَأَنْ يُتَرْجَمُ

" وفيه ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: "

وَأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ

".

"

بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ تَحْرُمُ قِرَاءَةٌ

" يعني يحرم قراءة القرآن أو تحرم قراءة القرآن بغير العربية، إذًا تحرم قراءة القرآن بغير العربية، لا يصح أن يُقرأ القرآن بغير العربية، ولا يمكن أن يقرأ القرآن بغير العربية، والمقصود بالقرآن لفظ القرآن لا يمكن أن يقرأ بلفظ القرآن بغير العربية.

إذًا عندنا عدة مسائل ذكرها هنا في الأبيات:

كَذَاكَ بِالْمَعْنَى وَأَنْ يُفَسَّرَا

بِالرَّأْيِ لَا تَأْوِيلَهُ فَحَرِّرَا

الأمر الأول: قراءة القرآن بغير العربية.

الأمر الثاني: ترجمة القرآن إلى غير العربية.

الأمر الثالث: ترجمة معنى القرآن إلى غير العربية.

الأمر الرابع: تفسير القرآن بالرأي عمومًا عربيًا أو غير عربي.

الأمر الخامس: تأويل القرآن الكريم.

أما قراءة القرآن بغير العربية فلا تستطاع

، لا يمكن أن يقرأ ألفاظ القرآن بغير العربية والله عَزَّ وَجَلَّ قال في القرآن: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾6، وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ7 عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾، فلا يمكن هذا وهذا أمرٌ واضحٌ.

وإذا كان لا يجوز للإنسان ولا يجوز أن يقرأ القرآن كذلك بالمعنى، يعني القرآن لا يتصرف فيه بالمعنى، يعني الحديث النبوي ممكن يقرأ بالمعنى لكن على قول الجمهور وبشروط، يعني الحديث النبوي هل يمكن أن يروى بالمعنى؟ أجاز ذلك الجمهور بشرطين:

الشرط الأول: ﴿إِلَّا﴾ يكون متعبدًا باللفظ

، يعني لو أنه ذكرٌ من الأذكار فلا يصح أن تقوله بالمعنى، إذًا الذكر تقف عند النص؛ لأنه مترتبٌ عليه ثوابٌ معينٌ، فيقال كما هو لا يغير فيه إلا ما لا بد منه مثل "اللهم إني عبدك وابن عبدك" وتقول المرأة: "اللهم إني أمتك"، فهذا لا بأس به كما قال عددٌ من أهل العلم، لكن الأصل ﴿إِلَّا﴾ يغير في شيءٍ من ذلك.

الشرط الثاني: أن لا يكون عالمًا بما يحيل المعاني

، يعني بما يغيرها، فلا يكون أي شخصٍ يقول الحديث بالمعنى، فقد يقول الحديث بالمعنى فيَضِل ويُضِل دون أن يشعر.

أما القرآن الكريم فلا يروى بالمعنى، لا يصح لشخصٍ أن يقوله بالمعنى مع أنه سيقوله نفسه بالعربية، لكن كل ما هنالك سيقدم أو سيؤخر، هذا لا يكون، فكيف إذا حول إلى غير اللغة العربية؟ فهذا غير صحيح.

إذًا "

وَأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ

كَذَاكَ بِالْمَعْنَى

" إذًا بعد قراءة القرآن بالمعنى أو قراءة القرآن بغير اللغة العربية هذا لا يمكن، وما ورد عن بعض العلماء من أنه يجوز قراءة الفاتحة بالفارسية في الصلاة لغير القادر على العربية فغير صحيح.، وما ذكر من أن أبا حنيفة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يقول بذلك فقد ذكروا أنه رجع عن ذلك، والمعتمد في مذهبه أن ذلك للعاجز وليست قراءةً للألفاظ ﴿أَنَّمَا﴾ هو من قبيل الترجمة، قالوا عند الضرورة، والجمهور لا يقولون بذلك، ﴿أَنَّمَا﴾ يذكر الله ويسبحه ويكتفي بهذا التسبيح أو بهذه الأذكار - كما سيأتي إن شاء الله تعالى-، لكن هذا الكلام سوف نفصل فيه أكثر عندما نتكلم عن مسألة "ترجمة القرآن الكريم".

قال: "

وَأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ

"، ترجمة القرآن الكريم، قال: "

كَذَاكَ بِالْمَعْنَى

" ظاهر الكلام أن الترجمة هنا هي الترجمة اللفظية، أنا عندي ترجمة القرآن الكريم.. طبعًا الترجمة بمعنى عام لها أكثر من معنى، لكن المقصود بها هنا ترجمة القرآن الكريم أن يأتي بألفاظ القرآن الكريم فيترجم الألفاظ ويحولها إلى لغة أخرى، كأن يأتي باللغة العربية بالقرآن الذي هو عربي يترجمه إلى الإنجليزية أو إلى الفرنسية، هذه تسمى "ترجمةً حرفيةً".

نحن عندنا الترجمة فيها: "ترجمة حرفية" و "ترجمة معنوية"؛ الترجمة المعنوية هي أن تفهم الموضوع عما يتحدث والجملة عما تتحدث وأنت قد تصوغها بطريقتك أنت فتقدم وتؤخر، هذا اسمه "ترجمة للمعنى".

لكن الترجمة الحرفية هي أن تراعي الألفاظ وترتيب الألفاظ وسياقتها، فما جاء فعلًا فهو فعل وما جاء اسمًا فهو اسم، وما جاء مقدمًا فهو مقدم، وما جاء مؤخرًا فهو مؤخر، هذا هو الترجمة الحرفية، هذا مستحيلٌ فضلًا عن أن يقال جائز أو غير جائزٍ، هذا مستحيل لا يمكن أن يتحقق مع القرآن الكريم أصلًا.

ولكن لو تصورنا أنها مع غيره؛ فباعتبار المقاربة الشديدة هو أمر لا يتأتى مع القرآن الكريم، يعني لا يستطيع أبدًا أن يأتي مع غيره؛ إذ سيقيد بقيد مع مراعاة الفروق بين اللغات؛ إن مثلًا هنا يكون الجمع بطريقة، وهنا الجمع بطريقة، هنا الفاعل يتقدم، وهنا الفعل يتقدم، حتى مع مراعاة هذا لا يمكن هذا مع القرآن الكريم، لماذا؟

نحن عندنا مسألة مهمة جدًا إذا فهمناها حُلَّ إشكال قضية الترجمة، إن الكلام فيه كلام طويل جدًا، يعني بعض الذين تكلموا في مسألة ترجمة القرآن هذه -كما ذكرت قبل ذلك- طال فيها الأمر منذ أيام الثلاثينيات في القرن العشرين، عام 1930 وعام 1936 ونحو ذلك؛ لما خرج الشيخ المراغي محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ببحثٍ في ترجمة القرآن وأحكامها ورأى الجواز، وحينئذٍ صارت بلبلة وقضايا كبيرة جدًا بين مؤيد ومعارض، فكُتبت في ذلك كتاباتٌ كثيرةٌ.

فمثلًا: الشيخ مصطفى صبري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -الذي كانوا يسمونه شيخ الإسلام باعتبار الدولة العثمانية- ألف رسالةً في ترجمة القرآن يمنع ذلك. وكذلك محمد سليمان في كتابه: "حدث الأحداث في الإسلام: الإقدام على ترجمة القرآن"، وهو نائب المحكمة الشرعية العليا، وكتاب "القول السديد في حكم ترجمة القرآن المجيد"، و"ترجمة القرآن وما فيها من المفاسد ومنافاة الإسلام" لرشيد رضا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ومحمد حسنين مخلوف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى "القول الفصل في ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية" للشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ المفتي ألف رسالةً، وشيخ الأزهر رسالةً، ووكيل الأزهر رسالةً، ومفتي الديار رسالةً، كان الوضع قد زاد جدًا في هذه المسألة، وتكونت لجان وعقدت لجان كثيرة جدًا في هذه المسألة في هذا الحين في هذه الفترة الثلاثينيات والأربعينيات في هذا الباب.

فلما جمعت بعض الرسائل التي كُتبت في هذا الباب وجدتها كثيرةً، وبغض النظر عن هذا، نحن عندنا قاعدة عامة تسهل لنا المسألة؛ من أول من أجلاها ووضحها الإمام الشاطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في "الموافقات"؛ نحن عندنا شيء يسمى: "المعاني الأصلية"، و "مستتبعات التراكيب"؛ إذًا أنا عندي معانٍ أصلية، وعندي مستتبعات للتراكيب، ما معنى هذا الكلام؟

المعاني الأصلية:

هي أن يقول المرء كلامًا فتفهم أنت منه معنى.

ومستتبعات التراكيب يسمونها "المعاني الثانوية"؛ إذًا أنا عندي المعاني الأصلية والمعاني الثانوية، وهذا يسمونه "مستتبعات التراكيب".

المعاني الأصلية:

هي ما يُفهم من اللفظ، جاءك لفظ ففهمت معناه وانتهى الموضوع.

مستتبعات التراكيب:

فهي الأسرار في طريقة التراكيب، بمعنى ماذا؟ أنت يمكن أن يفيد الكلام معنىً، ولكن ربنا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قدم هذا الكلام هنا لأجل معنىً معين، وأخره هنا لأجل معنىً، وهذا معنى ثانوي فوق المعنى الأصلي؛ اللفظة هنا جاءت نكرةً من أجل معنىً، أو جاءت معرفةً من أجل معنىً؛ أرأيت عندما كنا نتحدث في التفسير منذ قليل في قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَـٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾8، ولماذا جاءت "قتال" ولم تأت "القتال"، هذا موجود في الآية وفي اللفظ، ولكنه سر وراء اللفظ، ليس في ظاهر اللفظ ولكنه سر مستتبعات التراكيب، لماذا تَقَدَّم كذا ولماذا تأخر كذا؟ لماذا عُرِّف كذا ولماذا نُكِّر كذا؟ لماذا جاء بالفعل؟ ولماذا جاء بالاسم؟

المعاني الأصلية إذا أمكن الإتيان بها، فالمعاني الثانوية من يستطيع أن يحيط بها أصلًا؟ المعاني الثانوية هذه معناها إعجاز القرآن في بلاغته، وهذا لا يتأتى لأحد أن يصل إليه أو أن يحيط به؛ أنت الآن تقرأ الآية فتستنبط منها استنباطات، صحيح؟ يأتي غيرك ويأتي باستنباطات ثانية، ويأتي عاشر ويأتي باستنباطات عاشرة، فمن أين نعرف أنك عندما ترجمت القرآن قد جئت بكل القرآن بما يحويه من معانٍ ثانوية؟ هذا لا يمكن لأحد.

إذًا المعاني الثانوية في القرآن الكريم معانٍ متكاثرة، متتابعة، تتزايد ولا تنقص على مر الدهور وكر العصور، لا يمكن أن تحصى، فحينئذٍ الزاعم بأنه ترجم القرآن لا شك أنه خاطئ فيما يزعم؛ لأنه لن يقدر على الإتيان بها أصلًا، هو يقول شيئًا وغدًا يظهر شيء جديد، ويقول معنىً ثم يظهر معنىً جديد، فأنى له أن يحيط به؟ فضلًا عن أن هذا مما تتسم به اللغة العربية ولا تتسع لغة أخرى لها؛ يعني أنت لا تجد لغةً من اللغات أبدًا تسع ما تسعة اللغة العربية؛ ليس من باب التعصب لها، ولكنها الحقيقة.

مثلًا، نحن عندنا مسألة التشكيل؛ هل يوجد لديكم في اللغة الإنجليزية تشكيل؟ انظر ماذا يمكن أن يفعل التشكيل عندنا؛ لو أنك قلت: "هذا قاتلُ أخي" و"هذا قاتلٌ أخي"؛ نعم، "هذا قاتلٌ أخي" تعني أنه سيقتله ولم يقتله بعد، أما "قاتلُ أخي" فتعني أنه قتله؛ إذًا أحدهما قَتَل والآخر لم يَقْتُل، والفرق فقط أن هذه نُوِّنت وهذه لم تنوَّن.

طالب:

....

الشيخ:

ليس الأمر مجرد تنكير، ﴿أَنَّمَا﴾ هنا التنوين في "قاتلٌ أخي" فعندما قلت "قاتلُ أخي" مضاف ومضاف إليه، إذًا معناه أن القتل لزمه وأُضيف إليه فهو قد قتله، لكن "هذا قاتلٌ أخي" يعني يقتل أخي مستقبلًا؛ لأنَّها تنصب إذا دل على الاستقبال، إذًا ما زال لم يقتله، فالتنوين عكس المعنى تمامًا، وتكون "أخي" مفعولًا به في الجملة الثانية.

الشاهد هنا: هل غير التنوين المعنى أم لم يغيره؟ لقد غير المعنى، فأين نجد هذا في غيرها من اللغات؟!

أقصد أن المعاني الثانوية لا يمكن لأحدٍ أن يحيط بها أبدًا، ولذلك تجد اللفظة القرآنية يأتي آتٍ ليترجمها، فكيف يترجمها؟ فلذلك نقول: الترجمة الحرفية تعني ترجمة المعاني الأصلية والمعاني الثانوية من مستتبعات التراكيب، وهذا مما يستحيل أن يحصره أحد؛ فتستحيل ترجمة القرآن لهذا ابتداءً، بعد ذلك نحن سننازعهم في المعاني الأصلية أصلًا؛ يعني إذا كانت المعاني الأصلية لا يقدرون عليها، فما بالك بالمعاني الثانوية التي لا شك أنه لا يقدر عليها، هذا إعجاز في القرآن الكريم؛ لماذا جاءت هنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾9 ولم تأتِ "نعبدك" كما في كلامنا، لماذا تقديم المفعول؟ ولماذا تَقَدَّم هنا في موضع آخر الخبر على المبتدأ؟ كيف يحيط بهذه الأسرار؟ لا يستطيع الإحاطة بالأسرار، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية: أن المعاني الأصلية في القرآن الكريم أيضًا يصعب حصرها أو الإتيان عليها؛ لأن القرآن متسم بالإيجاز، ومن إيجازه احتماله لمعانٍ كثيرة في لفظٍ واحد، فكيف يحيط بها؟ يعني اللفظة الواحدة تحتمل أكثر من معنى، وهذا المعنى صحيح وهذا صحيح وهذا صحيح، فعندما تترجم، هل تترجم هذا المعنى أم ذاك أم ذاك؟ وما هو المعنى المقدم في ذلك؟ لا يستطيع أن يأتي على ذاك.

إذًا، المعاني الأصلية أيضًا معانٍ متكاثرة، بل الأعجب من ذلك أن الوقف له معنى وأن الوصل له معنى؛ يعني أنت أحيانًا في بعض الآيات إذا وقفت تعطي معنىً، وإذا وصلت تعطي معنىً ثانيًا، فكيف تترجم هذا؟ يعني حتى في الوقف والوصل تأتي بمعنى مختلف، وتوجد أمثلة طويلة جدًا على هذا الموضوع من صيغ الإيجاز في القرآن أو من طُرق الإيجاز في القرآن الكريم، كل هذا لو اشتغلنا فقط على رواية حفص، فماذا لو اشتغلنا على القراءات؟ يعني لو أحضرنا القراءات بالروايات العشرين المتواترة، كيف يترجم هذا؟ وهذه تدل على معنى وتلك تدل على معنى؟ فهذا مستحيل، لا يمكن بحال من الأحوال.

على كلٍّ، إني أذكر الكلام بشيء من الاستطراد، ولكن سَيَأْتِي التفصيل في نقاط بعد ذلك إن شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ولكن أقول: إن مناقشة الموضوع كانت سائرةً بكثرة بين الناس في هذا؛ إذًا الآن استحالة ترجمة القرآن الحرفية لعدة أمور: لأن القرآن يحوي معانٍ أصلية ومعانٍ ثانوية، والمعاني الثانوية لا يمكن حصرها ولا الإتيان عليها، ثم إن المعاني الأصلية معانٍ متكاثرة وفيها إيجاز وقراءات، فأنى لأحد أن يلم بذلك كله؟

لذلك لم يكن هناك مناص من أن يتجهوا إلى الترجمة المعنوية للقرآن الكريم، وبعضهم لا يسميها بذلك فيقول: "ترجمة تفسير القرآن الكريم"، وهذا الأضبط في التعبير؛ لأن بعضهم يأتي يُفسر الترجمة المعنوية بأنه يُترجم المعاني الأصلية ترجمة حرفية، وهذا لا يمكن أيضًا، فسموه بـ "المعنوية"؛ ولذلك لا مشاحة في الاصطلاح، نفهم كل مصطلح؛ يعني بعض الذين اطلقوا كلمة "ترجمة معنوية" قصد بها الترجمة التفسيرية وبعضهم قصد بها "الترجمة اللفظية" التي تُرعي فيها المعاني الأصلية ولم يراعى فيها كل المعاني الثانوية.

فالأفضل أن يُقال: "ترجمة تفسير القرآن الكريم"؛ يعني معناها يُفسر القرآن أولًا ثم بعد تفسيره يُترجم، ويُقال: هذا ترجمةٌ لتفسير القرآن الكريم؛ لأن التفسير معروف أنه منبثق عن الأصل لكنه لا يوازيه ولا يعدله، ولأن المفسر قد اجتهد فنحن نترجم ما وقع الاجتهاد فيه، حتى إذا ما وقع خطأ من المفسر يكون هذا الخطأ مدركًا أنه متعلق بالمفسر لا بالقرآن الكريم، وهذا الذي يتأتى، وهذا الذي لا مانع منه ولا وجه لمن منعه.

أما من قال بالمنع من باب سد الذريعة وإغلاق الباب إطلاقًا، فهذا خطأ؛ لأن هذا أيضًا طريق لنشر الدعوة، والذين أجازوا قالوا: كيف تبلغ الدعوة لغير العرب وليس بإمكانهم أن يتعلموا لغتنا؟ والواجب علينا أن نصل إليهم وأن نبلغهم دين الله عَزَّ وَجَلَّ، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾10، وهو لا يتمكن من اللغة العربية، إذًا نترجم له القرآن، فنقول: هناك البديل، هناك العِوض، ما العِوض؟ هو أن يُترجم تفسير القرآن، بعد أن يفسر القرآن الكريم يُترجم تفسير القرآن الكريم، ولكن بضوابط وشروط، من هذه الشروط:

الأمر الأول:

أن يكتب في أول الكتاب أو في مكان بارز منه ما يدل على ذلك؛ لئلا يلتبس بمن يدعي ترجمة القرآن الكريم، إذًا لا بد لمن يفتح الكتاب أن يعرف أن هذه ليست ترجمة القرآن بل ترجمة تفسير القرآن الكريم، وهذا شيء ضروري.

طالب:

....

الشيخ:

هذا كلام سهل ترجمة كلام البشر أمرها يسير فيها مسألة أخذ ورد، لكن بالنسبة لتفسير القرآن.

طالب:

هل التفسير يكون للفظ أم للمعنى؟ يعني هل هو قصد اللفظة القرآنية ذاتها أم المعنى؟ ولو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هو تفسير للفظ فهو أيضًا تفسير للقرآن وترجمة له.؟

الشيخ:

لا، كيف لفظ فهمني أنت أكثر.

طالب:

يعني تفسير القرآن مثل اللفظ......

الشيخ:

تفسير للفظ يعني معنى اللفظ...

طالب:

...

الشيخ:

لا هو تفسير للفظ هو بيان المعنى...

طالب:

...

الشيخ:

نعم في المعنى هذا الذي يمكن ترجمته؛ لأن المفسر لا يقول إنني آتي بكل ما يحويه القرآن، ولذلك في تعريف "التفسير" يقولون: "بيان كلام الله عَزَّ وَجَلَّ بقدر الطاقة البشرية"، فكلمة "بقدر الطاقة" تعني أنك تفسر على قدر استطاعتك، فإذًا تقول: هذه الترجمة على قدر الاستطاعة، فيشترط أن ينبه في داخل الكتاب أو في أوله على أن هذه ترجمة لتفسير القرآن الكريم وليست ترجمةً للقرآن الكريم نفسه؛ لأن ترجمة القرآن لا تمكن لا للمعاني الأصلية ولا للمعاني الثانوية.

الأمر الثاني:

أن يكون المترجم عالمًا باللغتين جدًا، وهذا لا بد منه؛ فهل ينفع أن يترجم للغة أخرى وهو أصلًا غير متقن للغة العربية؟ هذا لا يصح؛ فلابد أن يكون المترجم عالمًا باللغة المترجم منها وإليها، ويكون لديه دراية باللغة العربية وباللغة التي يترجم إليها، وبمصطلحاتها وأسلوبها وسياقاتها، لا تكون مجرد ترجمة إنه عارف كلمات، بل عارف في السياقات؛ فمثلًا قد يترجم قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾11، فيفسر "فيدمغه" بالدماغ، وهذا ليس كذلك، أو قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾12، فيترجمها بمعنى الملابس (Clothes) مثلًا ويُفسر بها الآية.

طالب:

....

الشيخ:

أيًا كان لا هذا ولا ذاك يعني ليس كذلك، وطبعًا ترجمات كثيرة سخيفة ووقع فيها هذا الخطأ والخلل ونبه العلماء عليها.

طالب:

...

الشيخ:

إذًا هو يقول ذلك ترجمة تفسير كذا..

طالب:

....

الشيخ:

هذا هو جواب "إبراهيم"، وهو أن يعتمد المترجم تفسيرًا قام العلماء بتفسيره أصلًا، وهذه الطريقة "التفسير الميسر" صُنع من أجل هذا ومن ضمن أسباب وجود الكتاب كذا؛ لكي يتمكن الناس من ترجمته إلى اللغات الأخرى.

ونقول إن هناك بعض المحاولات -وإن كان ذكرها سابقًا لأوانه- إنه بالفعل دعا بعض العلماء المسلمين دعا لمثل ذلك قال: يعني نرجو من المسلمين أن يجتمعوا ويوجدوا لجانًا خاصة بذلك من المتخصصين لترجمة تفسير القرآن إلى لغات كثيرة، وقد تم ذلك في لغات عديدة جدًا، وفسر القرآن بلغات عديدة جدًا بالإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها، وهذه محاولات موجودة، ولا شك أنه إذا قامت عليها المجامع بخلاف التراجم الخاصة التي يقوم بها الأفراد؛ لأنَّها غالبًا ما يشوبها الخطأ.

إذًا الشروط هي: أن يكون عالمًا باللغتين ومدلولاتهما وسياقاتهما، وأن يشير إلى أن هذا تفسير وليس قرآنًا، وألا يستغنى به عن الأصل؛ أي لا يصير هذا الكتاب كالقرآن، بل لا بد أن يُعرف أنه ترجمة للتفسير لئلا يستغني الناس به عن القرآن الكريم.

وهنا قال الناظم:

بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ تَحْرُمُ

قِرَاءَةٌ بِهِ وَأَنْ يُتَرْجَمُ

كَذَاكَ بِالْمَعْنَى وَأَنْ يُفَسَّرَا

بِالرَّأْيِ لَا تَأْوِيلَهُ فَحَرِّرَا

فسواء كانت الترجمة لفظيةً أو ترجمة بالمعنى، فنحن نقول: هذه ترجمة تفسيرية للقرآن الكريم وليست ترجمةً لفظيةً ولا معنويةً.

بعض العلماء أجاز الترجمة اللفظية إذا كانت للمعاني الأصلية، واستدلوا بقصة هرقل لما أرسل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكتاب إلى هرقل عظيم الروم، ونص الحديث كما ورد في صحيح البخاري: «

من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم: سلام ﴿عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ﴾، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإنَّ توليت فإنَّ عليك إثم الأريسيين، و﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾»13 [رواه البخاري].

فقالوا: هل كُتب هذا بالعربية؟ الظاهر أنه قد تُرجم له، فقالوا: إذًا لا مانع من ترجمة آية أو آيتين من الآيات الواضحة الجلية،

إذًا بعض العلماء جوز ترجمة بعض الآيات دون القرآن كله، ونحن نقول: هذه الترجمة عندما يجيزونها ستكون للمعاني الأصلية وليست للمعاني الثانوية؛ لأنَّها غير ممكنة، وحتى في الرواية ليس فيها "﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا أهل الكتاب" ولكن ﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، فقالوا: إنه لم ينطق بلفظ القرآن وإنما كانت كأنها آية من القرآن الكريم، فكانت الترجمة ليست للفظ القرآن، أو نقول: هذا جائز في بعض الآيات ولكن ليس في كل الآيات؛ إذ إن هناك آيات لا يمكن ترجمتها بحال، لا لفظيًا ولا معنويًا، لا من حيث المعاني الأصلية ولا الثانوية.

على كلٍّ، إن شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى في الدرس المقبل نضع النقاط على الحروف بالنسبة لرأي المجيزين والمانعين بشيء من الاختصار؛ لأن المسألة طويلة الذيول وفيها بحوث كثيرة، لكنها نافعة؛ لأن المرء قد يُسأل عنها كثيرًا في بعض الأحوال، ولبيان ما يصلح وما لا يصلح، وربما أشرنا إلى بعض التراجم الحسنة التي يوصي بها العلماء، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ — الإخلاص: 1 ↩
  2. آية: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ﴾ — البقرة: 255 ↩
  3. آية: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ — المسد: 1 ↩
  4. آية: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ﴾ — الإخلاص: 1-4 ↩
  5. آية: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ — المسد: 1-2 ↩
  6. آية: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾ — الشعراء: 195 ↩
  7. آية: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ — الشعراء: 193-195 ↩
  8. آية: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَـٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ — البقرة: 217 ↩
  9. آية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ — الفاتحة: 5 ↩
  10. آية: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ — التوبة: 6 ↩
  11. آية: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ — الأنبياء: 18 ↩
  12. آية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ — البقرة: 187 ↩
  13. آية: ﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ — آل عمران: 64 ↩

دروس مشابهة