منظومة الزمزمي (الدرس السابع)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
الحمد لله رب العالمين، وأُصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد
:
فما زلنا مع القراءة لمنظومة الإمام الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في أصول التفسير مع التعليق عليها، وقد توقف بنا الحديث عند قوله:
بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ تَحْرُمُ
قِرَاءَةٌ بِهِ وَأَنْ يُتَرْجَمُ
كَذَاكَ بِالْمَعْنَى وَأَنْ يُفَسَّرَا
بِالرَّأْيِ لَا تَأْوِيلَهُ فَحَرِّرَا
الشرح
"
بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ تَحْرُمُ
...
قِرَاءَةٌ بِهِ وَأَنْ يُتَرْجَمُ
": تقدم الكلام عن هذا البيت: "
بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ تَحْرُمُ
"، فلا يمكن قراءة القرآن بغير العربية، وما ورد عن بعض الأئمة كالإمام أبي حنيفة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى من جواز قراءة الفاتحة بغير العربية أو بالفارسية، فقالوا: هذا قد رجع عنه الإمام؛ ولذلك لا يقول بذلك صاحباه أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وبعضهم حمل ذلك على الترجمة التفسيرية وعند الضرورة، لكن الصحيح أنه لا يُقرأ بذلك، وإنما يصير إلى التسبيح وإلى ذكر الله كما جاء بذلك بعض الأحاديث عن النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
"
قِرَاءَةٌ بِهِ وَأَنْ يُتَرْجَمُ
": كما قلت هناك نسختان، أو هناك من يقدم "به" وهناك من يؤخر "به"، فهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: "قراءة وأن به يترجم"، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: "قراءة به وأن يترجم"، فعلى كلٍ، إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: "بغير لفظ العرب تحرم قراءة"، هكذا المعنى واضح، فلا وجه لذكر "به" حينئذ، "بغير لفظ العرب تحرم قراءة"، يعني: تحرم قراءةٌ بغير اللفظ العربي، الكلام واضح، فلا حاجة حينئذ إلى الضمير "به"، لكن على وجود "به" فبعض العلماء يقول: إن الباء في قوله "بغير" هنا زائدة، فيكون المعنى "غير لفظ العربي تحرم قراءةٌ به"، ويكون "غير لفظ العربي" على أنه مبتدأ وأن الباء هنا زائدة كما تقول "بحسبك درهم"، تقدير الكلام أو حاصل الكلام "حسبك درهم"، فهنا يقول: "بغير لفظ العربي تحرم به أو قراءة به" ويكون "به" هنا للإشارة إلى المبتدأ؛ لأن الجملة الفعلية يكون فيها ضمير يعود على المبتدأ، فجاءت "به" لعود الضمير على المبتدأ.
إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ على التقديم والتأخير "وأن به يترجم"، يعني تحرم قراءة، إذًا تبقى الباء هنا أصلية في قوله: "
بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ تَحْرُمُ
قِرَاءَةٌ
"، إذًا تحرم قراءة القرآن الكريم بغير اللفظ العربي، "وأن به يترجم" يعني: وأن بغير اللفظ العربي يترجم القرآن الكريم، إذًا هذه معطوفة على تلك، جملة أخرى، إذًا "وأن به يترجم" أي: وأن بغير اللفظ العربي يترجم القرآن الكريم فيكون هناك حكمان.
ويرد على ذلك إشكالان:
الإشكال الأول:
الفصل بين "أن" والفعل، والأصل عدم الفصل، لكن جوز بعض النحويين الفصل بحرف الجر أو بالظرف، وهنا الفصل بحرف الجر "به"، فقالوا: هذا سائغ ولا بأس، ولا سيما في الشعر، فمن جوزه اختيارًا فالأمر واضح، ومن جوزه اضطرارًا فالشعر موضعه.
إذًا الإشكال الأول: إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن البيت "وأن به يترجم"، إنه لم يقل "وأن يترجم" بل قال "وأن به"، فما وجه ذكره "به"؟ نقول: يجوز ذلك عند قوم، أو يجوز في الاضطرار والشعر من قبيله.
الإشكال الثاني:
أن "أن" هنا دخلت على "يترجم" سواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ بوجود الفاصل أو لم يوجد، ولم ينتصب معها الفعل المضارع، ويجاب عن ذلك أيضًا بأن بعضهم قال: هذا أيضًا يأتي في بعض الأحوال بأن "أن" المصدرية قد تدخل على الفعل المضارع ويبقى الفعل المضارع مرفوعًا، يعني هو الأصل في اللغة المشهورة "أن يترجمَ"، كما تقول "أن يعملَ"، "أن يسمعَ"، وهكذا، لكن هنا جاء ماذا؟ "أن يترجمُ"، الفعل بقي مرفوعًا لم ينتصب بـ "أن"، فقالوا: هذه لغة، إنه أحيانًا "أن" تدخل على الفعل المضارع ولا تعمل فيه نصبًا، وأن "أن" هنا كـ "ما" فـ "ما" المصدرية لا تعمل النصب في الفعل المضارع.
إذًا أحيانًا "أن" المصدرية تعمل عمل "ما" المصدرية فلا تنصب الفعل المضارع بل يبقى الفعل المضارع معها مرفوعًا.
طالب:
...
الشيخ:
لا، هذه غيرها، هكذا أنت لم تذكر "ظن" واليوم ستسأل فيها، ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ۙ وَءَاخَرُونَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾1، "أن" هنا هي المخففة من الثقيلة "علم أنه"، فهنا "أن" من "أنَّ"، أما "أن" الأخرى فهي "أن" المصدرية غير هذه مطلقًا، هذا باب وهذا باب آخر.
وبعضهم قال: هذا لا يجوز في الاختيار أيضًا، وإنما هذا في الضرورة.
إذًا عندي قولان:
هناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إن "أن" تكون مهملة في بعض الأحوال وهذه قاعدة، يعني حتى في كلامنا العادي، كلام الناس، ممكن ندخل "أن" على الفعل المضارع ويبقى مرفوعًا، إذًا البيت ليس فيه إشكال.
وبعضهم يقول: لا، هذا لا يجوز إلا في الضرورة، وما الضرورة؟ الشعر، والذي معنا شعر.
إذًا على كلا المذهبين هذا جائز؛ إما على سبيل الاضطرار وإما على سبيل الاختيار، والله تعالى أعلم.
إن شاء الله سيأتينا هذا في النواصب، وبعضهم أهمل "أن" حملًا على "ما"، ابن مالك رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يقول: "وبعضهم أهمل أن حملًا على ما"، ولذلك سيأتينا إن شاء الله أن ابن مالك رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يجنح إلى أن هذا موجود في الاختيار، وأن كثيرًا يخالفون ابن مالك في ذلك إذ يرون أن هذا في الاضطرار وليس في الاختيار، وأنه لا يُقال إن هذا في النثر؛ لأن بعضهم يشعر أن هذا يكون حتى في كلام النثر وليس في حالة الشعر فقط، والله أعلم.
على كلٍ، تكلمنا في اللقاء السابق عن طرف مما يتعلق بترجمة القرآن الكريم، وأن الترجمة على نوعين، عرفنا معنى الترجمة في اللغة، كنا قد أخذنا هذا الكلام، وبعد ذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الترجمة على قسمين، الترجمة في الأصل ممكن أن تكون "ترجم فلان كلام فلان" أي فسر كلامه، لم يأت بلغة أخرى، أو الترجمة بمعنى نقل الكلام من شخص إلى شخص آخر، أو الترجمة تأتي معناها بنقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى، وهذا هو المراد: نقل القرآن الكريم بلغته العربية إلى لغة أخرى.
تقدم أن الترجمة على نوعين:
ترجمة حرفية.
وترجمة معنوية أو تفسيرية.
الترجمة الحرفية:
يُراعى فيها كل شيء من المعاني الأصلية والمعاني التابعة، وهذا يكاد يستحيل في كلام الناس، أو إذا وجد فعلى ندرة، فكيف في كلام رب الناس ؟ ولذلك بعضهم منع الترجمة الحرفية حتى في كلام الناس، وبعضهم قال: هي متعذرة لكنها غير مستحيلة، بمعنى أنك تتكلم كلامًا فيأتي غيرك ويأتي بنفس الترجمة الحرفية وبمقاصدك، وهذا صعب جدًا؛ لأنك تقدم لشيء وقد تؤخر لشيء، ولا سيما إن الترجمة يُراعى فيها ثقافة المترجم وما إلى ذلك، والملابسات، لكن مع ذلك إذا وجد ذلك في كلام الناس فيستحيل أن يوجد في كلام الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لِمَ؟
لأن إعجاز القرآن في نظمه، وفي أسلوبه، فمن أين يتأتى لأحدٍ أن يحيط ببلاغة القرآن وإعجاز القرآن؟ ونحن إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن شخصًا سيقدر على ترجمة كاملة، فمعنى ذلك أنه يقدر مفسر أن يحيط بما في الآية من إعجاز، ونحن نجزم أن المفسرين منذ بدأوا يفسرون القرآن إلى يوم الناس هذا لم يستطيعوا أن يأتوا على كل ما في القرآن من عجائب، فكيف يستطيع المترجم أن يأتي بمثل ذلك؟
وأما الترجمة التفسيرية
: فهي التي يفهم فيها المفسر الكلام، يفهم فيها الآية ثم يترجم هذا الفهم، فتكون الترجمة في الحقيقة ترجمة للتفسير وليس للفظ القرآني؛ ولذلك نستطيع أن نقول: إن الترجمة الصحيحة هي ترجمة تفسير القرآن الكريم وليست ترجمة القرآن الكريم نفسه؛ لأن ترجمة القرآن الكريم مستحيلة ولا تمكن.
وقلت: إن بعض العلماء جوز الترجمة في بعض مواضع من القرآن الكريم لكن هذا أيضًا غير سالم، والقرآن فيه المعاني الأصلية والمعاني التابعة، التي نقول عليها "مستتبعات التراكيب"، كونه تقدم هنا لماذا، وتأخر هنا لماذا، ونحو ذلك.
وإذا كنا نقول في اللغة العربية لا يوجد ترادف أو أن الترادف نادر، هذا في اللغة الواحدة، فكيف في غيرها؟ يعني إذا كنا نقول هناك فرق، ولذلك هذا من ضمن الردود، إذا كنا نقول هناك فرق بين "عَمِلَ" و"فَعَلَ"، وبين "كَسَبَ" و"عَمِلَ"، وهناك فرق بين "النبأ" و"الخبر"، وهناك فرق بين "الحديث" و"الخبر"، وهناك فرق بين الألفاظ المتقاربة جدًا في المعاني، هناك فروق دقيقة، فكيف يحيط المترجم بذلك إذا كانت ألفاظ اللغة لا يغني بعضها عن بعض؟ هذا من جهة.
ما أسباب منع ترجمة القرآن الكريم ترجمة حرفية؟
أولًا:
أن هذا لا يتأتى؛ لأن فيه مستتبعات تراكيب ولا يستطيع الإتيان عليها.
الأمر الآخر:
أن الترادف نادر أو معدوم وهذا في اللغة الواحدة، فكيف يستطيع الإتيان بلفظة تؤدي نفس المعنى ونحن عندنا أن كلمة "جاء" تدل على معنى و"أتى" تدل على معنى، فكيف سيأتي هو بهذا المعنى؟
الأمر الآخر:
أن هناك ألفاظًا قرآنية كثيرة تحتمل أكثر من وجه، فإذا رجح المترجم معنًى على معنًى أو أتى بأكثر من معنى أوهم أن هذا هو كلام الله قطعًا، مع أنه قد يكون تفسيره أو قد تكون ترجمته مخالفةً للواقع، لكن حينما يفسر القرآن يقول: هذا تفسير القرآن، أو هذه ترجمة التفسير، والتفسير نفسه بقدر الطاقة البشرية وقد يخطئ صاحبه؛ إذًا المترجم قد يقع في الخطأ تبعًا للتفسير بخلاف ما لو قال: هذه ترجمة القرآن الكريم نفسه.
أيضًا هناك ألفاظ في القرآن الكريم ليست على المعنى القريب وإنما على معنًى يحتاج إلى شيء من إعمال العقل، وهذا عند من يثبت الحقيقة والمجاز وهم الأكثرون، يقولون هناك ألفاظ على سبيل المجاز، وأيضًا الذين لا يقولون بذلك يرون أن الألفاظ لا تكون بنفس المؤدى الواحد أو بنفس الرتبة الواحدة، يعني لو قرأ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾2، فيأتي بكلمة "فيدمغه" ويأتي بكلمة "الدماغ" وأنه يضرب دماغها مثلًا، وطبعًا ليس المراد بها ذكر الدماغ بعينه، ﴿أَنَّمَا﴾ معناها أنه يمحقه ويقضي عليه، لكن أصعب ما يصاب الشخص فيه هو الدماغ، فيقول: ما علاقة الحق بالدماغ وما إلى ذلك؟ فيرتاب.
بعض من ترجم ترجمات قد يعتمد قولًا مرجوحًا، يعني ذكر بعض العلماء أن بعضهم ترجم ترجمة ألمانية لقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾3، ففسر "الإبل" أو ترجم "الإبل" بالسحب؛ لأن "الإبل" فيها قولان؛ هناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ "الإبل": هي الإبل المعروفة، وهناك قول في التفسير بأنها السحب، فهو قال: إن الذي يراه هؤلاء في الصحراء يرون السحب في السماء ﴿وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾4، فالمراد بالإبل هنا السحب، مع أنَّ هذا قول مرجوح، وهو اعتمد هذا في الترجمة، إذًا سيقرأ القارئ ويظن أن هذا هو مراد الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
أيضًا هناك ألفاظ من قبيل المشترك اللفظي، فماذا يصنع في ﴿وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾5؟ ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ6 فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍۭ﴾؟ فهي تدل على أكثر من معنًى، فكيف يحيط بمثل ذلك؟
هناك أيضًا القراءات القرآنية، أنى له أن يقوم على ترجمتها؟ وهذه القراءة لها معنًى وهذه القراءة لها معنًى، هناك أيضًا أسرار في الوقف والابتداء، إذا وقف أدى معنًى وإذا وصل أدى معنًى آخر.
على كلٍ، هذا لا يتأتى بحال من الأحوال؛ من أجل ذلك منع فريق من العلماء ترجمة القرآن بإطلاق، والصواب هو الوسط، أننا لا شك بحاجة إلى ترجمة تفسير القرآن الكريم، لِمَ؟ لتبليغه للناس وللعالمين، والله عَزَّ وَجَلَّ قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾7، فالرسول أرسل بلسان قومه في البداية وهم العرب، لكن دعوته ليست للعرب فقط، وإذا كانت دعوته للناس كلهم فعلى ذلك ينبغي إيصالها إلى الناس كلهم بأي طريقة صحيحة يمكن إيصالها؛ لذلك ترجمة تفسير القرآن إلى اللغات المتعددة الكثيرة شيء مرغوب فيه، بل لو قال قائل بوجوبه مع مراعاة شروطه لكان قولًا وجيهًا، بل لو قال قائل بوجوبه الكفائي، أي أنه فرض كفاية بشروطه، لكان قولًا وجيهًا في ذلك مع مراعاة الضوابط.
ولذلك الأولى في مثل هذه الأبواب أن تكون هناك لجان كاملة تقوم على تفسير القرآن تفسيرًا ميسرًا، وتفسيرًا مراعًا فيه الضوابط والأقوال الراجحة وما إلى ذلك، ثم بعد ذلك تقوم مجموعة أيضًا من المتخصصين في اللغة التي ينقلون إليها هذه الترجمة، فيكونون على علم ودراية باللغة العربية من جهة، وباللغة التي يترجم إليها هذا التفسير من جهة أخرى، حتى إذا ما صدر مثل هذا التفسير أو تلك الترجمة كان موفقًا بإذن الله تبارك وتعالى.
وهذا القول الفصل في هذه المسألة وخلاصة القول فيها، وإلا فالكلام فيها فيه تشعبات كثيرة، ومن أشهر الشروط لذلك أن يكون المترجم على علم باللغة العربية وعلم باللغة المنقول إليها، وأن يكونوا ذوي أمانة، لا بد أن المترجم يكون ذا أمانة، وأن يكون كذلك على علم وبصيرة، وأن يكون على دراية بالسياق القرآني لئلا يبتر النص عن سياقه، والله تَعَالَى أعلم.
طالب: إذا كان أصلًا القائمين على التعليمية الأزهرية ليس عندهم هذه الملكة أصلًا
.
الشيخ:
لا، الحمد لله هي موجودة، ولذلك صدرت بفضل الله في الفترة الأخيرة والآونة الأخيرة عدد من التفاسير ومن التراجم المراجعة ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ هيئاتٍ كبيرة، يعني الآن صدر -على ما أذكر- منذ فترة، وقد تجاوزوا الأربعين أو الخمسين لغة تُرجم إليها تفاسير القرآن الكريم، فهذا يدل على أن هناك جهودًا متضافرة في مثل هذا الباب.
هناك مجامع كاملة، يعني عندكم في مجمع البحوث الإسلامية أعدوا عدة تفاسير بهذا، وكذلك الطبعات التي طبعها مجمع الملك فهد أيضًا قاموا بمثل ذلك، عدد من هؤلاء المجامع التي هي عامة وليست خاصة بشخص بعينه؛ لأن الشخص بعينه لا يؤمن عليه الخطأ، والله تَعَالَى أعلم.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ۙ وَءَاخَرُونَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾ — المزمل: 20 ↩
- آية: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ — الأنبياء: 18 ↩
- آية: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ — الغاشية: 17 ↩
- آية: ﴿وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ — الغاشية: 18 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ — التكوير: 17 ↩
- آية: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ﴾ — المدثر: 50-51 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ — إبراهيم: 4 ↩