منظومة الزمزمي (الدرس الثامن)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ تَحْرُمُ
قِرَاءَةٌ بِهِ وَأَنْ يُتَرْجَمُ
كَذَاكَ بِالْمَعْنَى وَأَنْ يُفَسَّرَا
بِالرَّأْيِ لَا تَأْوِيلَهُ فَحَرِّرَا
الشرح
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فما زلنا مع التعليق على منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وتوقفنا في اللقاء السابق عند الحديث عن الترجمة، وما يسوغ وما لا يسوغ منها في حق القرآن الكريم، وبعد ذلك انتقل هو عن المعنى، فبعد أن تحدث عن الترجمة، تحدث عن نقلها بالمعنى، وهذا فيه إشارة إلى مسألةٍ من المسائل وهي أن القرآن الكريم لا يُقال بمعناه؛ ولذلك من الأشياء الفارقة بين القرآن الكريم والحديث القدسي وكذا الحديث النبوي، أن القرآن الكريم لفظه ومعناه من عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
والحديث القدسي على خلافٍ، والحديث النبوي لفظه من عند الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لكن على كلٍّ الحديث النبوي والحديث القدسي على قول جمهور العلماء، تجوز روايتهما بالمعنى،
لكنهم اشترطوا في ذلك شروطًا، منها:
﴿إِلَّا﴾ يقصد التعبد باللفظ
؛ يعني مثلًا مثل الأذكار، فالأذكار لا تروى بالمعاني، وإنما تُقال بنفس الألفاظ؛ لأنه ترتب عليها أجرٌ معين، أو تعبدٌ خاصٌ، فهذه لا تقال بالمعاني.
وكذلك أيضًا: أن يكون عالمًا بما يحيل المعاني
؛ فالشخص الذي ليست لديه درايةٌ باللغة العربية لا يجوز له أن يروي الحديث بالمعنى؛ لئلا يُخطئ الفهم، فيُخطئ نسبة القول إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أما القرآن الكريم فلا يروى بالمعنى، أي إنه لا يصح لشخصٍ أن يقول مثلًا قال الله تعالى، ويأتي بالآية هكذا يقولها بمعناها، على أنه يقول القرآن، لا؛ إذا كان يقول القرآن فالقرآن باللفظ والمعنى، ليس فيه مسألة أنه... ﴿أَنَّمَا﴾ له أن يفسره إذا كان أهلًا للتفسير.
إذًا فهذا فيه أن القرآن الكريم لا يمكن نقله بالمعنى، لا يعني لا يقول الإنسان بمعنى القرآن، يقول الآية فيما معناها، ليس عندنا هذا، ﴿أَنَّمَا﴾ هناك تفسير للقرآن الكريم.
وهنا مسألة تُذكر وهي أن القرآن الكريم لفظه ومعناه من عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، شوش بعض الناس بشبهة، وهي أن السيوطي في كتابه "الإتقان" نقل قولًا شاذًّا لكنه لم يتعقبه في أول الأمر، وإن كان بعد ذلك ذكر القول المعتمد في القرآن الكريم وكونه لفظًا ومعنًى من عند الله عَزَّ وَجَلَّ، ثم طار به بعض المغرضين وغيرهم أو من أمثال الحداثيين بهذا المعنى، وهو أن بعض العلماء قالوا: القرآن لفظه من عند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعناه من عند الله، ونحن لا نشك في أن هذا القول باطلٌ، وأنه لا يصح على الإطلاق، وأن القرآن الكريم لفظٌ ومعنى من عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
والرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ليس فيه تصرفٌ لا بزيادةٍ ولا بنقصانٍ، ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾1، حتى كلمة "﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾" قيلت له فقالها، لم يغير فيها شيئًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
هم توكؤوا على قول الله جَلَّ وَعَلَا: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ2 عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾، فماذا قالوا؟ قالوا إن الله قال: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ﴾3، فالذي ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ قلب الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هو المعنى؛ لأن الألفاظ لا تنزل على القلوب، ﴿أَنَّمَا﴾ الذي ينزل على القلب هو المعنى، هكذا قالوا.
إذًا هم يقولون إن الله قال: ، إذًا ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ القلب، بماذا ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ القلب؟ نزل بالمعنى، إذًا هو نزل بمعاني القرآن والرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ترجم تلك المعاني إلى ألفاظٍ، فكانت القرآن الكريم.
وهذا لا شك كما قلت عين البطلان، والآية الكريمة نفسها تدل عليهم أو ترد عليهم، على القاعدة العامة أنه ما يستدل مبتدعٌ أو ضالٌّ بآيةٍ من القرآن أو بحديثٍ نبويٍّ صحيحٍ، لا يستدل بهذا أو بذاك على بدعته إلا وكان في الدليل نفسه ما يرد عليه، في نفس الدليل دون حاجةٍ إلى أدلةٍ أخرى وإن كانت الأدلة الأخرى أيضًا تدل على هذا المعنى، فالآن من الآية الكريمة كيف نرد عليهم، على هذا القول الشاذ؟ نذكره لعدم الاغترار به، وبالذات إن بعض المحدثين صاروا يرددونه تبعًا لما ذكره السيوطي نقلًا عن غيره إلا أنه لم يتعقبه ثم ذكر القول المعتمد بعد ذلك في "الإتقان".
فكيف نجيب عليهم؟ ، فقالوا إن الذي نزل، ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ القلب.
طالب:
بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ.
الشيخ:
جيدٌ أحسنت، هذا شيءٌ.
الأمر الأول:
أننا نقول ربنا قال: ، فنقول لهم أكملوا الآية، أكملوا الآيات، ما معنى بلسان؟ يعني بلغةٍ، إذًا هو نزل باللغة، واللسان أو اللغة لفظٌ ومعنى، ليست معنًى فحسب، فقوله: فيه دلالةٌ على أن النزول كان باللغة، نزل بلسانٍ، وهذا اللسان عبارة عن ماذا؟ عبارة عن لفظٍ ومعنًى، إذًا هو نزل باللفظ والمعنى، هذا شيء.
الأمر الثاني:
من قال إن المعنى هو الذي ينزل على القلب ما الذي يمنع أن ينزل اللفظ أيضًا على القلب، وأن يعي القلب اللفظ كما يعي القلب المعنى، لا إشكال في ذلك، وإذا كانوا الآن في هذا العصر الحديث صاروا يقولون هناك أمورٌ ما كانوا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ يعرفونها، ما كانوا يدركون هناك بصمات من بصمة العين وغير ذلك، حتى الكلام له بصمة وما إلى ذلك، فما يمنع أن يكون نزول الملك على القلب أمرًا ممكنًا باللفظ وبالمعنى؟ هذا شيءٌ.
طالب:
.
الشيخ: ﴿وَإِنَّهُۥ لَفِى زُبُرِ ٱلْأَوَّلِينَ﴾4، ماذا فيها؟
طالب:
أن يكون لفظًا مكتوبًا.
الشيخ:
نعم، إنه أيضًا اللفظ مكتوب، نعم؛ لأن هم يُشكلون علينا يقولون: يعني ذكره، مجرد الذكر يعني، لكن نقول في نفس الآية وآياتٍ أخرى كثيرةٍ أيضًا.
الأمر الثالث:
﴿أَنَّمَا﴾ نُص على القلب للدلالة على شيءٍ آخر، هو معروفٌ أن القرآن نزل بلسانٍ، إذًا نزل بلغةٍ، لفظٍ ومعنًى، إذًا. ستتلقاه الأذن، لكن التنصيص على القلب لزيادة معنى، لا لمعنى أن الأذن غير داخلةٍ، ولكن للدلالة على أنه قد وعاه القلب اليقظان كما وعته الأذنان؛ أي إنه كما وعته الأذنان وعاه القلب، إذًا التنصيص على القلب لا ينفي الأذن أصلًا، يعني بالفعل هو ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ القلب ونزل على الأذن، فالأذن سمعت والقلب وعى، كما قال بعض أهل العلم والله تعالى أعلم.
زيادةً على ذلك أن هناك أدلةً أخرى كثيرةً تثبت أن القرآن لفظًا ومعنًى من عند الله، من أشهرها في ذلك: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ5 إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُۥ﴾، يعني وقراءته، ، يعني قرأه جبريل، وكيف يقرأه جبريل؟ إذًا يقرأ لفظًا ومعنًى، المقروء هو اللفظ، إذًا هو لفظٌ ومعنى، . إذًا هذه خلاصة المسألة.
كذلك منع هنا الزمزمي، قال أيضًا التفسير، فمنع أيضًا التفسير: "وَأَنْ يُفَسَّرَا... بِالرَّأْيِ لَا تَأْوِيلَهُ فَحَرِّرَا"، يعني كذلك لا يجوز تفسير القرآن الكريم، لكن يجوز تأويل القرآن، وهذا قد يستغرب، كيف لا يجوز تفسير القرآن الكريم؟ هذا مبنيٌّ على ما ذكره السيوطي في الأصل في "النقاية"، وهو ما مال إليه الماوردي وعددٌ من العلماء حينما فرقوا بين التفسير والتأويل، فقالوا:
إن التفسير: هو المقطوع به في المعنى.
والتأويل: ما لم يكن مقطوعًا به.
يعني جعلوا التفسير القطعي، والتأويل ما كان على سبيل الظن والاجتهاد، فكأنه يشير هنا إلى أنه لا يجوز لك أن تقطع وتقول هذا مراد كلام الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، هذا هو التفسير الذي منعه؛ لأنك أنت حينما تقرأ العبارة تقول: كيف إنه يمنع التفسير ويجيز التأويل؟
فنقول: هذا مبنيٌّ على ما فهمه من معنى التفسير في مقابلة التأويل، وهو ما قاله أو ذكره السيوطي وتبع في ذلك بعض العلماء، وهو أن التأويل ما كان على سبيل الظن، وأما التفسير ما كان على سبيل القطع، فقالوا لا ينبغي لأحدٍ إذا فسر القرآن أن يقول هذا مراد الله قطعًا، وهذا هو المقطوع به على سبيل اليقين؛ فلذلك منعه، وإلا ففي التحقيق، التفسير والتأويل والتفريق بينهما فيه كلامٌ طويلٌ.
فمنهم من قال التفسير والتأويل بمعنىً واحدٍ، وهذا قال به بعضهم ونُسب لأبي عبيد ولغيره، قالوا التفسير والتأويل بمعنىً واحدٍ.
وهناك من قال التفسير له معنى، والتأويل له معنى.
فقال بعضهم: التفسير يكون تفسير الكلمات، تفسير الألفاظ، الكلمات، والتأويل تفسير الجمل والآيات، يعني إذا قمت بتفسير لفظةٍ غريبةٍ فهذا يسمى ماذا؟ تفسيرًا، لكن تفسر الجملة كاملةً هذا يسمى تأويلًا.، هذا قولٌ.
وقولٌ قال ما ذكره هنا: إن التفسير القطعي، والتأويل ما كان على سبيل الظن.
ومنهم من قال: التفسير المعنى الظاهر، والتأويل المعنى الباطن المستنبط؛ يعني التفسير ما كان جليًّا، لا يحتاج إلى كثير عملٍ من جهدٍ وكدٍّ وما إلى ذلك.
أما التأويل ما لا يظهر لكل أحدٍ، وإنما يحتاج إلى بحثٍ وجهدٍ واستنباطٍ، فهذا هو التأويل.
فمثلًا من فهم ظاهر الآية، هذا تفسيرٌ، لكن من تفطن للاستنباط والأسرار الآتية من الآيات الكريمة قالوا هذا تأويلٌ، من ذلك قالوا ما وقع لابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ من دعاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له بتعليم التأويل.
فقالوا ما وقع له في تفسير سورة النصر هو من قبيل التأويل؛ لأن الصحابة حينما سُئلوا عن تفسير سورة النصر أجاب بعضهم بتفسيرها بظاهرها: «أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نَحْمَدَهُ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا» [رواه البخاري]، هذا ظاهر الآيات، لكن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال: "هو أجل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نعاه الله إليه". هذا ليس في ظاهر الآيات، لكن هذا معنًى وراء الظاهر، مستنبطٌ، تدل عليه الآية لكن بالإشارة ليس بالتصريح، قالوا هذا هو التأويل.
وهناك أقوالٌ عديدةٌ في ذلك، لكن هي اصطلاحاتٌ اصطلح عليها أهل العلم، لكن لغة القرآن الكريم حينما جاءت بالتفسير والتأويل؛ فالتفسير جاء بمعنى البيان كما في قوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾6، أي أحسن بيانًا، وهذا المعنى مناسبٌ لكلمة التفسير في اللغة، فالتفسير معناه البيان وكشف المغطى، ومنه قولهم أسفرت المرأة عن وجهها، قالوا السفر والفسر بمعنى البيان.
وبعضهم قال: "السفر" يكون في الأمور المحسوسة، كــ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾7، وكذلك أسفرت المرأة عن وجهها، وأما "الفسر" يكون في الأمور المعنوية وفي الأمور العلمية كالقرآن وما إلى ذلك، فهذا التفسير البيان.
أما التأويل جاء في القرآن قالوا جاء بمعنى التفسير أيضًا، ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ ٱلْءَاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾8، أي تفسير تلك الرؤيا، فالتأويل يأتي بمعنى التفسير.
وقالوا: التأويل يأتي بمعنى حقيقة الشيء، مرجع الشيء، ما يؤول إليه الكلام، أو إن شئت فقل تطبيقه وتحقيقه؛ فإنَّ كان أمرًا بامتثالٍ أو نهيًا باجتنابٍ أو خبرًا بوقوعه، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾9، ما معنى يوم يأتي تأويله؟ حينما يقع.
الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ آيات النصر، ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾10، الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في ركوعه وسجوده يقول: «
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي
» يتأول القرآن،ما معنى يتأول القرآن؟ يعني يطبق، ينفذ؛ الآية أمرته بالتسبيح والاستغفار وهو يفعل ذلك.
فقالوا: التأويل مرجع الكلام، ما يؤول إليه، ويكون ذلك بتحقيقه، إن كان أمرًا فبامتثالٍ، وإن كان نهيًا فباجتنابه، وإن كان خبرًا فبوقوعه، هذان هما المعنيان المعروفان في القرآن الكريم؛ فلذلك لو قال قائلٌ: إذا أتوا لنا بتعريفٍ للتأويل لا يخرج عن هذه المعاني المعروفة في القرآن الكريم فالأمر قريبٌ، لكن إذا أُتي بمعانٍ بعيدةٍ فيقال هذا اصطلاحٌ خاصٌّ بهذا العالم أو بذاك؛ يعني هنا لو أننا لم نفهم اصطلاحه في التفسير والتأويل لأشكل علينا فهم عبارته أو فهم كلامه والله تعالى أعلم.
وأما التأويل
في الاصطلاح المتأخر أو اصطلاح الأصوليين وهو صرف النص عن ظاهره إلى معنىً مرجوحٍ لوجود قرينةٍ، يعني يصرف النص عن المعنى الراجح إلى معنىً مرجوحٍ لوجود قرينةٍ، فهذا هو التأويل في اصطلاح الأصوليين، لكنه لا يُعلم أنه استُعمل في القرآن بهذا المعنى، فإذا استُعمل في اصطلاحهم فيقال هذا اصطلاحٌ خاصٌّ بهم، فيُدرى أن هذا ليس هو المراد في كلام الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حق ابن عباس "وعلمه التأويل"، أو في قول السلف الصالح، أو قبل ذلك في القرآن الكريم والله تعالى أعلم.
هذا باختصارٍ ما يتعلق بالتفسير والتأويل.
قال الناظم:
كَذَاكَ بِالْمَعْنَى وَأَنْ يُفَسَّرَا
بِالرَّأْيِ لَا تَأْوِيلَهُ فَحَرِّرَا
قوله: "
وَأَنْ يُفَسَّرَا بِالرَّأْيِ
"، إذًا نحن تكلمنا عن التفسير بصفةٍ عامةٍ، أنه التفسير بعضهم يرى أنه المقطوع به بخلاف التأويل، وبعضهم عكس ذلك، وبعضهم فرق بين الألفاظ القريبة والألفاظ البعيدة وما إلى ذلك.
لكن هو هنا نهى عن التفسير بالرأي، أما لو أنك قطعت بأن هذا باعتبار، لأن هنا مسألة، ماذا نقول في الآيات القطعية؟ نقصد بالقطعية هنا قطعية الدلالة، هل إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هذا هو مراد الله عَزَّ وَجَلَّ، هل في ذلك من إشكالٍ؟
ليس هناك إشكالٌ، يعني الآيات قطعية الدلالة، دلالتها واضحةٌ جليةٌ لا اختلاف فيها، محل إجماعٍ أو اتفاقٍ، إذًا هذه أيضًا يُقطع بأن المقصود بها كذا أو كذا، أما الآيات التي ليست من هذا الباب فهي التي لا يستطيع أحدٌ أن يُقطع بها، وإنما يقول والله أعلم بمراده، أو يقول على حسب ما يسر الله له، وهذا معنى كلامهم في التفسير: بيان كلام الله عَزَّ وَجَلَّ بقدر الطاقة البشرية، وهذا تعريف التفسير، إن "التفسير": هو بيان القرآن الكريم بقدر الطاقة البشرية، إما باختصارٍ أو بتوسعٍ، أو بيان معاني القرآن الكريم واستخراج أحكامه وحِكمه، كما ذكر الزركشي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
لكن قوله: "
وَأَنْ يُفَسَّرَا بِالرَّأْيِ
"، هذا فيه إشارةٌ إلى أن التفسير منه ما كان بالرأي ومنه ما لا يكون بالرأي، والتفسير بالرأي يقصد هنا الرأي المذموم؛ لأنه ليس كل تفسيرٍ بالرأي مذمومًا، وإنما التفسير بالرأي منه المحمود ومنه المذموم، أنا عندي تفسيرٌ نقليٌّ، أتاني عن طريق النقل، ليس لي جهدٌ فيه إلا النقل، فأقول حدثني فلان عن فلان عن فلان، هذا تفسيرٌ نقليٌّ.
لكن التفسير النقلي لا يمتنع أن يدخله الرأي من حيث من ابتدأ ذكره، فمثلًا لو أن النقل عن ابن عباس، أنت الآن تروي أثرًا عن ابن عباس، هو تفسيرٌ نقليٌّ بالنسبة لك، أنت تنقله، لكن هل يلزم من ذلك أن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لم يجتهد فيه؟ قد يكون قاله باجتهادٍ.
إذًا هو من حيث كلام ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ دخله الاجتهاد، لكن من حيث نقلي أنا له هو من قبيل المنقول، وهذه مسألةٌ تحتاج إلى تدقيق نظرٍ في تحرير معنى التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي.
فكثيرٌ من العلماء تتابعوا على أن يقولوا إن التفسير بالمأثور ما أُثر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو الصحابة أو التابعين في التفسير، وبعضهم يُدخل تفسير القرآن بالقرآن، وهذا أيضًا فيه أخذٌ وردٌّ، بعضهم يرى إخراجه وجعله قسمًا مستقلًا، أيًّا ما كان، هل تفسير القرآن بالقرآن لا يدخله الاجتهاد؟ يدخله الاجتهاد، يعني أنت حينما تفسر آيةً بآيةٍ، وتقول لا يتكلم معي أحد، أنا أفسر آيةً بآيةٍ، أهو تفسيرٌ بالأثر، تفسيرٌ بالنقل، نعم أنت تفسر آيةً بآيةٍ ولكن هذه الآية في مكانٍ وتلك الآية في مكانٍ آخر، هذه الآية في معنى وتلك في معنى آخر.
ولذلك أهل الزيغ والضلال قد يستدلون على تفسير آية بآيةٍ أخرى، لكن هذا ليس في موضعه، كما ذكرت أن بعضهم مثلًا في قوله تعالى في حق نوح عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾11، ، هذا فيه إثبات أن الإغواء بيد الله، أن الله يهدي ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ ويضل ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾، فماذا يفعل الذين ينكرون ذلك؟ ويقولون إن الله لا يقدر الإضلال أبدًا على العباد؟
تأولوا الآية الكريمة، كالرماني وغيره من المعتزلة، يقولون هذا كقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلشَّهَوَٰتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾12، والغي هو العذاب، إذًا "
" يعني أن يعذبكم، لكن أنتم الذين تغوون، يريد بذلك عدم تفسير الآية بالوجه الصحيح، فهل نقبل هذا التفسير منه؟ لا نقبل.
كذلك التفسير بالسنة
، أنت الآن حينما تفسر بالسنة، هل يلزم أن يكون ذكرك للحديث في تفسير الآية هو المقصود بالآية؟ لا يلزم، كذلك تفسير الصحابي قد يكون اجتهادًا منه. لذلك هذه التفاسير منها ما هو من قبيل النقل الصرف المحض، ومنه ما يدخله الرأي، فمثلًا : إذا فسر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الآية الكريمة، فهذا نقول هو من التفسير المأثور المحض، ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾13 فسر الظلم بالشرك؛ إذًا هذه مسألةٌ منتهيةٌ، هذا تفسير الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الآية نفسها.
تفسير القرآن بالقرآن
، تقول: ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ﴾14 فتفسر الطارق بالنجم الثاقب، هذا واضحٌ أنه تفسيرٌ نقليٌّ لا يحتاج لإدخال الرأي؛ لأنه لا يختلف فيه اثنان، لكن ما يدخله الاجتهاد إذًا هذا يدخل في مسألة الرأي؛ لأن بعضهم يقول هذه الرواية وردت عن كذا، وهذا الذي سوغ للطبري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أنه يذكر آثارًا عن السلف وقد يخالف بعضها في بعض الأحوال وقد يأخذ بقول هذا ويرد هذا؛ لأنه يرى أن هذا من قبيل اجتهادهم، ولو كان كلُّهم منقولًا لما وقع الخلاف بينهم أصلًا.
أما التفسير بالرأي فهو ما كان عن اجتهادٍ
، الرأي ما كان عن رأيٍ واجتهادٍ وعقلٍ، فهل هذا ممنوع التفسير بالرأي؟ إذًا نحن عرفنا الآن التفسير الأثري، وأنه ممكنٌ أن يدخله الاجتهاد، فماذا عن التفسير بالرأي؟ التفسير بالرأي المشكلة في دراسة علوم القرآن الكريم أن بعض من يدرس في علوم القرآن الكريم يتتابعون على نقولاتٍ ينقل فيها الخالف عن السالف دون تحريرٍ، فيتتابعون على شيءٍ ويسيرون عليه، وكأنه صار من المسلمات.
فمثلًا أكثر من كتب في هذه المسألة يقولون: هناك قولٌ يقول لا يجوز التفسير بالرأي، وهناك قولٌ يقول يجوز التفسير بالرأي، وهناك القول الوسط يجوز التفسير بالرأي إذا استوفى الشروط، من الذي منع ومن الذي جوز؟ أين هذه الأقوال؟ هل إذا ورد عن بعض السلف التحذير من التفسير بالرأي، هذا يعني أنه يمنع بإطلاقٍ؟ لا يلزم منه ذلك، بدليل أنه يتأول كلامه، فيظهر أن هناك خلافًا في المسألة، وأنت ﴿تَكَادُ﴾ تقول معقولٌ هذا خفي على الجميع؟ لم يدركوا أنه يجوز بشروطٍ أو لا يجوز بشروطٍ؟ وهي المسألة أن هذا ذكر كلامًا أو اجتزأ به والآخر اجتزأ بكلامٍ، وتحرير المسألة أنه ليس هناك خلافٌ في حقيقة الأمر، أنه لا بأس بتفسيرٍ بالرأي لكن بضوابط وشروطٍ.
وهذا ذكرني ببحثٍ قريبٍ طالعته منذ أيامٍ، يتكلم فيه عن شيخ الإسلام ابن تيمية رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ويذكر رأيه في إحداث قولٍ لم يقله السلف الصالح، وينعى عليه أنه يمنع بإطلاقٍ التفسير بالرأي ويمنع أن يجتهد أحدٌ في تفسيرٍ لم يقله السلف الصالح، يعني إذا سكت لم يقل السلف الصالح عن شيءٍ لا يجوز لأحدٍ أن..، وإذا قالوا قولًا لا يجوز أن تأتي أنت بجديدٍ، هل شيخ الإسلام عنى ذلك؟ هل قصد بالفعل أنه لا يجوز لك أن تأتي أنت بالملح وباللطائف وبالفوائد؟ وكتب شيخ الإسلام مشحونةٌ بكثيرٍ من الفوائد التفسيرية التي ليس فيها أثرٌ لا عن ابن عباس ولا عن غيره من الصحابة.
أم أن شيخ الإسلام يقصد بذلك إذا اجتمع السلف الصالح على تفسيرٍ معينٍ، لا تأتِ أنت وتخترع قولًا يخالفهم، هم أثبتوا معنًى وأنت تنفي هذا المعنى، إذًا أنت تخالف إجماعهم، وإلا ففي رسالة شيخ الإسلام في أصول التفسير، لما قال ما أحسن طرق التفسير؟ وذكر أن يفسر القرآن ثم السنن ثم ذكر، ذكر التفسير باللغة، وتكلم عن التفسير بالرأي، فلو كان يمنع ما الذي يجعله يحتاج لمثل هذا الكلام أصلًا؟ يعني ما الذي يجعله يبحث في هذه المسألة وهو يمنعها ابتداءً؟ فكلامٌ يعني ينقض بعضه بعضًا.
صحيحٌ أن شيخ الإسلام في بعض الأحيان يكون كلامه مجملًا، فيأخذ منه الإنسان هذا الكلام المجمل ويجعله هو الأصل، مع أنَّ له كلامًا آخر مفصلًا، وهذه يعني مشكلةٌ في بعض الأحيان، فهو أتى ببعض جملٍ صريحةٍ، وأن الذي يأتي بقولٍ غير كلام الصحابة هذا كلامٌ ضالٌّ وكلامٌ باطلٌ، يقول لك أهو ابن تيمية يقول..، مع أنَّ ابن تيمية بعدها بصفحتين أتى بكلامٍ...
خلاصة القول حتى لا نخرج عن المقصود:
أن التفسير بالرأي يجيزه أهل العلم لكن بشروطٍ، فهو يكون ليس بالهوى ولا بمجرد الاستحسان، وإنما يكون قائمًا على دليلٍ، قائمًا على أصولٍ، يعني مستفادًا من الكتاب من السنة من السياق، لعالمٍ متضلعٍ باللغة العربية، يكون لإنسانٍ أو ناقلٍ عن غيره، يعني يكون مستفيدًا من علماء اللغة العربية، فيكون لديه درايةٌ باللغة، لديه درايةٌ بسياق القرآن، لديه درايةٌ بالنصوص الشرعية أيضًا وبما قاله من قبله من سلف الأمة الأخيار، حينئذٍ لا بأس أن يفسر بالرأي.
نكمل -إن شاء الله- في الدرس القادم، هي مسألة التفسير بالرأي يعني مهمةٌ فتحتاج لشيءٍ من الإيضاح فـ -إن شاء الله- المرة القادمة، والله أعلم.
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ — يونس: 15 ↩
- آية: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ﴾ — الشعراء: 193-195 ↩
- آية: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ﴾ — الشعراء: 193-194 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّهُۥ لَفِى زُبُرِ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ — الشعراء: 196 ↩
- آية: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ — القيامة: 16-19 ↩
- آية: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ — الفرقان: 33 ↩
- آية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ — عبس: 38 ↩
- آية: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ ٱلْءَاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — يوسف: 36 ↩
- آية: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ — الأعراف: 53 ↩
- آية: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾ — النصر: 1 ↩
- آية: ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ — هود: 34 ↩
- آية: ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلشَّهَوَٰتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ — مريم: 59 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ — الأنعام: 82 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ﴾ — الطارق: 2-3 ↩