مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

لمحة في سورة (سورة القيامة)

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 178 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

لمحة في سورة القيامة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمرحبًا بكم يا أيها الإخوة الكرام في هذا المجلس من مجالس هذه السلسلة «لمحةٌ في سورة»، ونحن الليلة بفضل الله وتوفيقه على موعدٍ مع «سورة القيامة»، سورة القيامة هذه السورة الجليلة العظيمة تسمى بهذا الاسم «القيامة»، وفي أولها:﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾1.

وهذه السورة تتحدث عن يوم القيامة، ويحدثنا الله عَزَّ وَجَلَّ فيها عن بعض دلائل قدرته على البعث والنشور؛ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، لا يعجزه شيءٌ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كذلك حدثتنا السورة عن بعض مشاهد يوم القيامة، وعن أحوال الناس في هذا اليوم؛ فهناك أصحاب الوجوه الناضرة، وهناك أصحاب الوجوه الباسرة، نسأل الله سُبْحَانَهُ أن يجعلنا من الفائزين بمنّه وكرمه.

وفي السورة استفهامٌ إنكاريٌ في أولها:﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُۥ﴾2 ﴿بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ﴾3، وفي آخر السورة أيضًا:﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾4 ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَىٰ﴾5 ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾6 ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰٓ﴾7 ﴿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾8، بلى قادرٌ سُبْحَانَهُ عَزَّ وَجَلَّ.

هذه السورة الكريمة بينها وبين سورة المدثر مناسبةٌ جليةٌ وواضحةٌ، ومن هذه المناسبات ما يتعلق بآخر سورة المدثر وأول سورة القيامة؛ ففي آخر سورة المدثر:﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ ٱلْءَاخِرَةَ﴾، لماذا لا يخافون من الآخرة؟ هل عرفوها؟ هل عرفوا خطرها وأهوالها وشدتها؟ جاء الحديث عنها في هذه السورة المباركة؛ يُبيّن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بعض مشاهدها ليحذر منها المؤمن، وليخاف، وليرتدع عن المعصية.

سورة القيامة، قال الله في أولها:﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ ﴿وَلَآ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾9 ﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُۥ﴾؛ وتقدم في غير ما موضعٍ من دروس التفسير أن التعبير بقوله «لا أقسم» إثباتٌ للقسم، فقوله:﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾بمعنى أقسم بيوم القيامة، لكن قوله «لا» قالوا: إنه تأكيدٌ للقسم، ويشهد لذلك أن هناك قراءةً أخرى وهي متواترة «لَأُقسم بيوم القيامة».

والله أقسم بيوم القيامة، وأقسم باليوم الموعود كما تقدم معنا في سورة البروج، قال الله:﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾10 ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾11، وذكر القيامة في القرآن الكريم كثيرٌ، وبعضهم يقول: هو لنفي كلامٍ سابقٍ «لا»، ليس كما يزعم هؤلاء من التكذيب بيوم القيامة، «أقسم بيوم القيامة».

﴿وَقِيلَ﴾ ليوم القيامة هذا الاسم «يوم القيامة»؛ لأنه في هذا اليوم يقوم الناس لله كما قال الله:﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾12، ففي هذا اليوم ﴿يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾؛ فقيل له يوم القيامة.

ويوم القيامة له أسماءٌ كثيرةٌ في القرآن الكريم؛ فهو يوم القيامة، وهو يوم التغابن، وهو يوم التناد، إلى غير ذلك من أسماء، كما سمى الله القيامة بالقارعة، وبالصاخة، وبالطامة الكبرى، وبالحاقة، إلى غير ذلك.

﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ ﴿وَلَآ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾، قسمٌ آخر بالنفس اللوامة، والنفس اللوامة قال بعض المفسرين: هي كل نفسٍ؛ لأن كل نفسٍ تلوم صاحبها، لكن النفس المؤمنة تلوم صاحبها إذا قصر وإذا فرط، فتقول له: لم تركت الخير؟ أو لم فعلت الشر؟ فهذه النفس نفسٌ صالحةٌ تلوم صاحبها إذا قصر فترك خيرًا أو فعل شرًا، وكذلك النفس الكافرة أو النفس المنافقة أو النفس العاصية تلوم صاحبها؛ لأنَّها تدعوه إلى الفحشاء وتأمره بالسوء والمنكرات.

وقال بعضهم: بل هذه النفس التي أقسم الله بها هي النفس المؤمنة، وأما الكافرة فليست أهلًا لأن يُقسم الله عَزَّ وَجَلَّ بها.

وقد ذكروا أن النفس لها أوصافٌ في القرآن؛ فهناك النفس الأمارة بالسوء:﴿۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾13، وهناك النفس اللوامة التي تلوم صاحبها، وهناك النفس المطمئنة الراضية بقضاء الله جَلَّ وَعَلَا والمسلمة لأمر الله:﴿يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ﴾14 ﴿ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾15 ﴿فَٱدْخُلِى فِى عِبَـٰدِى﴾16 ﴿وَٱدْخُلِى جَنَّتِى﴾17.

﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ ﴿وَلَآ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾، أين جواب القسم؟ جواب القسم «لتبعثن»، إن البعث حقٌ، إن يوم القيامة حقٌ، وفي كثيرٍ من مواضع القرآن يكون جواب القسم في مثل هذا الباب مقدرًا؛ وكأن الدلائل المذكورة بعد كافيةً في التدليل على هذا الجواب.

ثم قال:﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُۥ﴾، أيظن هذا الإنسان الكافر أن الله ليس قادرًا على جمع عظامه بعد تفرقها؟﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُۥ﴾ ﴿بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ﴾أي: بلى نجمعها،﴿بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ﴾، فالله يجمع تلك العظام بعد تفرقها سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

﴿بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ﴾، قالوا: أطراف الأصابع، أطراف أصابع اليدين والرجلين لها بنانٌ على قول كثيرين، أو المراد بها العظام أو الأعضاء،﴿بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ﴾قالوا: أي يجعل هذا البنان، يجعل البنان مستويًا، ويجعله بفضل الله في حالةٍ سويةٍ، بمعنى أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُعيد الإنسان على أكمل وجهٍ، فإذا كان الله يسوي البنان وهي الأصابع فكيف ببقية الأعضاء؟

هو على كل شيءٍ قديرٌ، والمعنى: أن الله يبعث الإنسان ويجمع عظامه حتى هذه الأصابع مع دقتها، يُعيدها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مع استوائها واستقامتها وحسن خلقها، ثم بعد ذلك يحاسب الإنسان.

وبعض العلماء قالوا: إن المراد إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يسوي تلك الأصابع فتصير مثل خف البعير، أو تصير مثل حافر الحمار -أعزكم الله-، انظر إلى خف البعير ليس فيه هذا الموجود في البنان الذي في أيدينا، الذي جعلنا الله به نقبض ونبسط، ونمسك ونفعل، لو أن هذه اليد لا تقبض ولا تبسط، كيف كان سيكون حال الإنسان؟ الواحد منا ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يتناول شيئًا أمسك بيده؛ قبض الشيء وبسط الشيء، وإلا إذا لم يكن لديه ذلك كيف يفعل؟ ينزل بفمه ليتناول الشيء أو ليأكله، لكن الله خلق الإنسان في أحسن تقويمٍ:﴿بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ﴾.

ومن فضل الله ودلائل قدرة الله أن الله جعل لكل إنسانٍ بنانًا يخصه؛ ولذلك هناك بصمةٌ تختص بكل إنسانٍ، كل إصبعٍ له بصمةٌ وهذا له بصمةٌ، فهذا يدل على عظيم خلق الله وقدرة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

﴿بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ ٱلْإِنسَـٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُۥ﴾18، هذا الإنسان المكذب يكذب مع أنه لو نظر لعلم ﴿أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ ولم يسعه إلا الإيمان بالله، لكن هذا الإنسان يعرض عن الحق لما ذا؟ يُرِيدُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ، يريد ليكون فاجرًا في الدنيا، في المستقبل، في مستقبل حياته؛ فيتناسى ويتغافل ويتعامى ويُعرض عن آيات الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

لا يريد أن يذكر الآيات؛ لأنه إذا تذكر الآيات يقول: هناك إله، هناك آخرة، وهناك جنة، وهناك نار؛ إذًا لا بد من الالتزام، ولا بد من الاستقامة، ولا بد من الطاعة، ولا بد من ترك المعاصي وترك كذا وكذا من الشهوات، وهو لا يريد أن يفكر في هذا، يريد الفجور:﴿بَلْ يُرِيدُ ٱلْإِنسَـٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُۥ﴾، يبقى فاجرًا في مستقبل حياته، وبعضهم فسر الفجور بالكذب، يريد أن يبقى على كذبه هكذا.

﴿بَلْ يُرِيدُ ٱلْإِنسَـٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُۥ﴾ ﴿يَسْـَٔلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾19مستبعدًا يوم القيامة، يستبعد يوم القيامة:﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾20.

﴿يَسْـَٔلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ﴾21، والقراءة الأخرى «بَرَقَ البصر»، شخص البصر، في يوم﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾22، هذا اليوم كما بين الله سُبْحَانَهُ أن الأبصار تشخص فيه.

وبعضهم قال: إن معنى قوله سُبْحَانَهُ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ﴾: تحير البصر،﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ﴾23: ذهب ضوؤه،﴿وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ﴾24: جُمع الشمس والقمر، فألقي في البحر أو في النار يوم القيامة؛ فالشمس والقمر مكوران يوم القيامة، وقد قال الله:﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾25 ﴿وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ﴾26.

قال:﴿وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ ٱلْإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ﴾27؟

أين المفر؟ أين المهرب؟﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾28، لا ملجأ، لا جبل، لا وزر، ليس هناك مكانٌ يسترك، ليس هناك مكانٌ تمتنع به من عذاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ﴾29، لربك يومئذٍ المستقر والمنتهى والمرجع والمآل.

﴿يُنَبَّؤُا۟ ٱلْإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾30، تُنبأ في هذا اليوم، ينبأ الإنسان يخبر بما قدم وأخر، ما الذي فعلت وما الذي تركت؟ ما الذي قدمته في الدنيا من معاصي وما الذي أخرته فتركت عمله؟ ما الذي عملته وما الذي تركته؟ ما الذي عملته من المعاصي وما الذي تركته من طاعات الله؟ أقوالٌ متعددةٌ.

﴿يُنَبَّؤُا۟ ٱلْإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ ﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ﴾31، بل الإنسان، وتأمل كلمة «الإنسان» تكررت في هذه السورة كثيرًا مع أنها سورة القيامة؛ لأن المقصود بذكر القيامة تذكير هذا الإنسان، ثم جاءت بعدها سورة الإنسان.

قال الله:﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ﴾، أنت أدرى واحدٍ بنفسك، أعلم الناس بالإنسان هو الإنسان نفسه،﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ﴾، أنت تُبصر حالك وتعلم أمورك، وتعلم باطنك، وتعلم ماذا أنت ومن الذي أنت عليه.

﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾32، حتى وإن أبديت أعذارًا: يا رب لي عذر كذا، ولي عذر كذا، أنت تعرف حقيقة أمرك، وتعرف كذبك، وتعرف خُلفك للوعد إلى غير ذلك،﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾، وماذا سيقدم المعاذير وقد أقيمت الحجة عليك؟

وبعضهم قال:﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾: ولو أرخى ستوره، حتى وإن أرخى الستور؛﴿يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾33تظهر الأمور وتنكشف الحقائق:﴿لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾34.

قال الله:﴿يُنَبَّؤُا۟ ٱلْإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ ﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ﴾35 ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ﴾36 ﴿فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ﴾37 ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُۥ﴾38.

انتقلت السورة انتقالًا آخر، وذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعالج من التنزيل شدةً، وكان يحرك شفتيه خشية أن يتفلت منه شيءٌ من القرآن، فإذا أقرأه جبريل عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شيئًا من القرآن، بدأ يكرر ويعيد ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يفرغ جبريل عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ من القراءة والتلاوة؛ والرسول يخشى أن يتفلت منه شيءٌ أو أن يضيع منه شيءٌ.

فقال الله له:﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ﴾ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ﴾، إن علينا أن نجمع القرآن في صدرك وأن تحفظه،﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ﴾أي: وقراءته،﴿فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ﴾أي: قرأه جبريل عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ،﴿فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ﴾أي: فاتبع قراءته، لا تتعجل عليه، استمع له وأنصت، فإذا فرغ جبريل فإنك ستقول كما قال، والله قد تكفل لك بأن تحفظ القرآن.

قال:﴿فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ﴾أي: قراءته،﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُۥ﴾، علينا أن تبينه وأن تبلغه كما سمعته، دون أن تنسى منه أي شيءٍ، ودون أن يخفى عليك منه شيءٌ؛ لأن الذي جعلك تحفظه هو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

وبعضهم قال:﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُۥ﴾: أن تُبيّن للناس معناه، أو أن تبينه وتشرحه للناس؛ فحفظ الله للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذين الأمرين: أن يحفظ الرسول القرآن، وأن يفهم الرسول القرآن صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.

ثم قال:﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ﴾39، بعض العلماء أشكل عليهم هذا الأمر، ما وجه هذه الآيات؟ ما وجه مناسبة الآيات التي تتحدث عن الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ﴾ما مناسبتها لما قبلها وهو حديثٌ عن يوم القيامة؟ ولما بعدها وهو حديثٌ عن يوم القيامة؟

هذا ألجأ بعضهم إلى أن يقول: إن المراد بقوله﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ﴾﴿أَنَّمَا﴾ هو للإنسان وليس للرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وكأنه يُقال للعبد يوم القيامة: لا تتلجلج بقراءة الكتاب،﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾40، لكن هذا بعيدٌ؛ لأن السنة النبوية قد جاءت ببيان معنى قوله:﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ﴾في حديث ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا المتفق عليه.

ولكن يُقال: إن الله أرشد نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الآيات إلى أن العجلة في بعض الأحيان لا يُرغب فيها ولا تراد، فالأصل أن الإنسان لا يتوانى في فعل عملٍ من أعمال الآخرة، بل يبادر ويستبق الخيرات، لكن هناك أشياء لا بد فيها من التأني وعدم العجلة، ومنها ما يكون في تلقي العلم؛ اصبر يا رسول الله حتى تسمع العلم كله من جبريل عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حين يُلقيه لك؛ ولذلك بعد هذه الآيات قال الله:﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ﴾، وفي الأول قال:﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ﴾، فالرسول وإن عجل؛ فإنَّ عجلته من أجل القرآن، من أجل تلقي العلم، من أجل ﴿إِلَّا﴾ يضيع منه شيءٌ من القرآن، وشتان بين حاله وبين حال أولئك المقبلين على الدنيا المدبرين عن الآخرة.

وأيضًا في كثيرٍ من القرآن الكريم يُذكر حال القرآن مع حال كتاب الآخرة، فهناك جمعٌ بين القرآن الكريم وبين الكتاب الذي يتسلمه الإنسان في الآخرة، ويدل عليه ما ذُكر من آيات الحساب.

﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ ٱلْءَاخِرَةَ﴾، «كلا» ردعٌ وزجرٌ،﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ﴾: تحبون الدنيا العاجلة الفانية،﴿وَتَذَرُونَ ٱلْءَاخِرَةَ﴾: الباقية الدائمة.

ثم قال الله:﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾41، وكأنه يقول: وكيف ﴿تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ ٱلْءَاخِرَةَ﴾، أما عرفتم ماذا سيكون في الآخرة؟﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾42، نسأل الله الكريم من فضله،﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾تعلوها النضرة،﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾43من رؤية الرب الكريم، يتلذذون بالنظر إلى وجه الله عَزَّ وَجَلَّ،﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾نسأل الله أن نكون من هؤلاء.

﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍۭ بَاسِرَةٌ﴾44كالحةٌ، تظن -أي توقن-﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾45أي: أن تنزل بها مصيبةٌ تقصم فقار ظهرها؛ ففقار الظهر إذا قصم قيل لها: فاقرة، مصيبةٌ وداهيةٌ تصيبه في يوم القيامة؛ لأنه يعلم أنه ما عمل لتلك الدار، وأنه كان كافرًا بها مكذبًا بها،﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ ﴿كَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ﴾46، ردعٌ مرةً أخرى.

﴿كَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ﴾ ﴿وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ﴾47 ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ﴾48، «كلا» إذا بلغت أي: بلغت الروح، بلغت روحك التراقي، أعلى الترقوة أو أعلى ترقوة الصدر قرابة النحر، أي أن الروح بلغت المنتهى، كادت تزهق، كادت تخرج.

﴿كَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ﴾ ﴿وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ﴾قال بعض المفسرين: ﴿وَقِيلَ﴾ من راق، أي قال أقاربه وأهله: هل من راقٍ يرقيه؟ هل من داعٍ يدعو له؟ اللهم اشفه، اللهم عافه، لكن فات الأوان وذهب الوقت، فهو إلى زوالٍ وإلى موتٍ، ﴿وَقِيلَ﴾ من راق: من يرقيه لعله يشفى؟

أو﴿وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ﴾؛ تقول الملائكة من سيرقى بتلك الروح؟ ومن سيقوم بإخراجها؟ أهي روحٌ مؤمنةٌ أم هي روحٌ كافرةٌ؟

﴿وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ﴾ ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ﴾أي: وأيقن أنه الفراق، أيقن أنه الفراق، أي: مفارقة الحياة.

﴿وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ﴾ ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾49التفت الساق بالساق، قال "الساق" الشدة، أي: التفت الشدة بالشدة، فقالوا: شدة الدنيا بشدة الآخرة، انتهت الدنيا وأقبلت شدائد الآخرة، فهو في آخر الحياة في شدةٍ، ويقبل على شدائد.

﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾: اجتمعت الشدائد عليه؛ آخر شدائد الدنيا مع أول شدائد الآخرة، أو في آخر أمره حينما توضع الساق على الساق، أو حين يدفن، أو حين يوضع في قبره وقد ذهب ولا حركة ولا حراك، وإنما هو البعث والحياة البرزخية التي تختلف عن حياة الدنيا.

﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ﴾50، إلى ربك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان المساق،﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾51،﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ﴾52، فهذه هي الروح الخبيثة نسأل الله السلامة، بخلاف روح أهل الإيمان.

قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ﴾أي: هذا الإنسان الكافر لا صدق ولا صلى، فلا هو من المصدقين ولا هو من المصلين،﴿وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾53، هذا يدل على أهمية الصلاة ومقام الصلاة؛ فالصلاة لها ما لها من الشأن والمكانة.

﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ﴾ ﴿وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ﴾54أي: هذا الإنسان﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ﴾يتمايل ويتبختر، لا يلوي على شيءٍ ولا يلتفت إلى الآخرة، كان في الدنيا يترك الصلاة ويكذب ويتولى ويُعرض عن الآخرة ولا يفكر فيها.

﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾55 ﴿ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰٓ﴾56أي: تهديدٌ بعد تهديدٍ، ووعيدٌ بعد وعيدٍ، أو أن العذاب قد وليك أي قد اقترب منك:﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ ﴿ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰٓ﴾ ﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾.

أيظن الإنسان أن الله سيتركه بلا حسابٍ يفعل ما يشاء؟

أيظن الإنسان أن الله يتركه بلا أمرٍ ولا نهيٍ وبلا أحكامٍ تشريعيةٍ؟

إن الله ما خلقنا عبثًا، إن الله ما خلقنا هملًا؛ خلقنا وشرع لنا، وعلمنا وبين لنا الطريق:﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾57، وقال:﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾58فبين لنا الطريق الذي علينا أن نسلكه؛ ولذلك أمرنا الله عَزَّ وَجَلَّ بسلوكه واتباعه.

قال:﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾، كما قال:﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾59، وكما قال:﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ﴾60.

قال:﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَىٰ﴾، أنسي الإنسان أصله؟ ألم يكن ﴿نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَىٰ﴾ -والقراءة الأخرى «تُمنى»- تراق في الرحم؟

﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾تحول من النطفة إلى العلقة، إلى هذا الدم الجامد،﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾خلقك وسواك سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وركبك في أحسن صورةٍ،﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰٓ﴾من جنسه﴿فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰٓ﴾، هذا يرزق بذكورٍ أو بإناثٍ، وذلك هبةٌ من الله سُبْحَانَهُ.

﴿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾الذي خلقك من نطفةٍ، الذي سواك، الذي جعلك في أحسن تقويمٍ،﴿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾على أن يبعث الإنسان، على أن يحييه، والأمر كما قال الله:﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾61؛ بلى سُبْحَانَهُ قادرٌ، ونحن على ذلك من الشاهدين.

وهكذا يا أيها الإخوة الكرام حدثتنا سورة القيامة عن يوم القيامة، وبيّنت أن يوم القيامة حقٌ، وأن البعث حقٌ، وردت على المنكرين، وبينت أحوال الناس في هذا اليوم.

فنسأل الله سُبْحَانَهُ أن يجعلنا من أصحاب الوجوه الناضرة التي تكون إلى ربها ناظرة، ونسأل الله سُبْحَانَهُ أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم، وأن يرزقنا الشوق إلى لقائه في غير ضراء مضرة ولا فتنةٍ مضلةٍ، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ — القيامة: 1 ↩
  2. آية: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُۥ﴾ — القيامة: 3 ↩
  3. آية: ﴿بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ﴾ — القيامة: 4 ↩
  4. آية: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ — القيامة: 36 ↩
  5. آية: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَىٰ﴾ — القيامة: 37 ↩
  6. آية: ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾ — القيامة: 38 ↩
  7. آية: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰٓ﴾ — القيامة: 39 ↩
  8. آية: ﴿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ — القيامة: 40 ↩
  9. آية: ﴿وَلَآ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾ — القيامة: 2 ↩
  10. آية: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ — البروج: 2 ↩
  11. آية: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ — البروج: 3 ↩
  12. آية: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — المطففين: 6 ↩
  13. آية: ﴿۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — يوسف: 53 ↩
  14. آية: ﴿يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ﴾ — الفجر: 27 ↩
  15. آية: ﴿ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ — الفجر: 28 ↩
  16. آية: ﴿فَٱدْخُلِى فِى عِبَـٰدِى﴾ — الفجر: 29 ↩
  17. آية: ﴿وَٱدْخُلِى جَنَّتِى﴾ — الفجر: 30 ↩
  18. آية: ﴿بَلْ يُرِيدُ ٱلْإِنسَـٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُۥ﴾ — القيامة: 5 ↩
  19. آية: ﴿يَسْـَٔلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ — القيامة: 6 ↩
  20. آية: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ — الملك: 25 ↩
  21. آية: ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ﴾ — القيامة: 7 ↩
  22. آية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ — إبراهيم: 42 ↩
  23. آية: ﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ﴾ — القيامة: 8 ↩
  24. آية: ﴿وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ﴾ — القيامة: 9 ↩
  25. آية: ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ — التكوير: 1 ↩
  26. آية: ﴿وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ﴾ — التكوير: 2 ↩
  27. آية: ﴿يَقُولُ ٱلْإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ﴾ — القيامة: 10 ↩
  28. آية: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ — القيامة: 11 ↩
  29. آية: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ﴾ — القيامة: 12 ↩
  30. آية: ﴿يُنَبَّؤُا۟ ٱلْإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ — القيامة: 13 ↩
  31. آية: ﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ﴾ — القيامة: 14 ↩
  32. آية: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾ — القيامة: 15 ↩
  33. آية: ﴿يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾ — الطارق: 9 ↩
  34. آية: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ — ق: 22 ↩
  35. آية: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ﴾ — القيامة: 16 ↩
  36. آية: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ﴾ — القيامة: 17 ↩
  37. آية: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ﴾ — القيامة: 18 ↩
  38. آية: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُۥ﴾ — القيامة: 19 ↩
  39. آية: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ﴾ — القيامة: 20 ↩
  40. آية: ﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ — الإسراء: 14 ↩
  41. آية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ — القيامة: 22 ↩
  42. آية: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ — القيامة: 23 ↩
  43. آية: ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾ — المطففين: 24 ↩
  44. آية: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍۭ بَاسِرَةٌ﴾ — القيامة: 24 ↩
  45. آية: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ — القيامة: 25 ↩
  46. آية: ﴿كَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ﴾ — القيامة: 26 ↩
  47. آية: ﴿وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ﴾ — القيامة: 27 ↩
  48. آية: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ﴾ — القيامة: 28 ↩
  49. آية: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾ — القيامة: 29 ↩
  50. آية: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ﴾ — القيامة: 30 ↩
  51. آية: ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ — النجم: 42 ↩
  52. آية: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ﴾ — القيامة: 31 ↩
  53. آية: ﴿وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ — القيامة: 32 ↩
  54. آية: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ﴾ — القيامة: 33 ↩
  55. آية: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ — القيامة: 34 ↩
  56. آية: ﴿ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰٓ﴾ — القيامة: 35 ↩
  57. آية: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ — النحل: 9 ↩
  58. آية: ﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ — البلد: 10 ↩
  59. آية: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ — المؤمنون: 115 ↩
  60. آية: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ — ص: 27 ↩
  61. آية: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ — لقمان: 28 ↩

دروس مشابهة