مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

لمحة في سورة (سورة القلم)

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 177 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمرحبًا بكم يا أيها الإخوة الكرام مع مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة «لمحةٌ في سورة»، ونحن الليلة بتوفيق الله وفضله، على موعد مع «سورة القلم»، سورة القلم، هذه السورة الجليلة تسمى بـ «سورة القلم»؛ وذلك أنه في صدرها:﴿نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾1.

وهذه السورة الكريمة من أوائل سور القرآن نزولًا فهي سورة مكية نزلت قبل هجرة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مكة إلى المدينة، افتتحها الله جل وعلا بحرف من الحروف المقطعة وهو﴿نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، وهذه الحروف المقطعة افتتح الله عَزَّ وَجَلَّ بها تسعًا وعشرين سورة من سور القرآن الكريم.

في بعض الأحوال يفتتح الله عَزَّ وَجَلَّ سورة من هذه السور بحرف واحد كـ﴿قٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ﴾2و﴿صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ﴾3و﴿نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، وفي بعضها بحرفين كـ﴿طه﴾و﴿يسٓ﴾، وفي بعضها بثلاثة أحرف كقوله:﴿طسٓمٓ﴾، وفي بعضها بأربعة أحرف كـ﴿الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾4وكـ﴿الٓمٓصٓ﴾، وفي بعضها بخمسة أحرف كقوله:﴿كٓهيعٓصٓ﴾، وكما في صدر سورة الشورى﴿حمٓ﴾ ﴿عٓسٓقٓ﴾.

وقد تقدم معنا في بعض المناسبات ما يتعلق بالحديث عن الحروف المقطعة، فإنَّ للعلماء فيها ما يقارب عشرين قولًا، بَيْدَ أن أشهر الأقوال في ذلك وأجودها أن يُقال: إن هذه الحروف قُصد بها التحدي، فالحرف من حيث هو لا معنى له (ص)، (ق)، (ن) حرف لا يلتمس له معنى خاص، لكنه جاء لمغزى وجاء لحكمة.

ومن مقاصد مجيئه أن هذا القرآن الكريم الذي نعرفه والذي نقرؤه والذي نسمعه مكون من هذه الحروف، فهل تقدرون ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ العرب، هل تقدرون ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس على الإتيان بمثل هذا القرآن؟ فالحروف حروفكم والكلام تتكلمون به وتعرفونه، ولكنكم لا تستطيعون أن تأتوا بمثل هذا القرآن الكريم.

فالمراد بها التحدي، ولذلك في أكثر السور التي جاءت فيها هذه الحروف المقطعة، أتبع الله عَزَّ وَجَلَّ هذه الحروف بالحديث عن القرآن، يُتحدث عن القرآن بعدها﴿الٓمٓ﴾ ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾5،﴿حمٓ﴾ ﴿وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾.

وهنا قال﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾6، قال عدد من المفسرين: المراد بنعمة ربك القرآن الكريم، فقد أنعم الله عَزَّ وَجَلَّ به عليك يا رسول الله،﴿نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، والقلم قَسَمٌ من الله عَزَّ وَجَلَّ بالقلم، قال بعضهم: المراد به الأقلام التي يكتب بها، وهذا فيه تشريف للأقلام وتشريف للكتابة وأن لها شأنًا عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

أو أن المراد به قلم مخصوص الله أعلم به، قيل إنه القلم الذي قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه: «إنَّ أوَّلَ ما خلق اللهُ القلمَ، فقال لهُ: اكتُبْ، قال: ربِّ وماذا أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ مقاديرَ كلِّ شيءٍ حتى تقومَ السَّاعةُ» [أخرجه أبو داود والترمذي]؛ فقالوا: إنه القلم الذي كتبت به مقادير الخلائق،﴿نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾قالوا: مما تسطره الملائكة وتكتبه من أعمال العباد أو ما يكون في اللوح المحفوظ أو ما يكتبه كتبة الوحي للدلالة على شرف هذه الكتابة للقرآن الكريم.

﴿نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾هذا هو المقسم عليه، يقسم الله عَزَّ وَجَلَّ على ماذا؟ يا رسول الله﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾، فقد اتهموا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجنون، وهذا عجيب وغريب، ولكنه ليس ببدعٍ عن هؤلاء المشركين الذين اتبعوا غيرهم﴿كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا۟ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾7 ﴿أَتَوَاصَوْا۟ بِهِۦ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾8؛ فكانت هذه تهمة يوجهونها إلى الأنبياء والمرسلين عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌۢ بِهِۦ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا۟ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٍ﴾9هكذا يتهمون أنبياء الله ورسله، ولذلك قال الله:﴿وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾10. فنفى الله عن الرسول الجنون، ووصفه بالخلق العظيم﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾11صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وأنت حينما تتأمل آخر السورة الكريمة﴿وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَـٰرِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجْنُونٌ﴾12 ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾13. فتأمل -رحمك الله- وجه الصلة والرابط بين أول السورة وآخر السورة، فأول السورة ينفي الله عنه الجنون وآخر السورة يُبيّن الله أنهم قد وصفوه بالجنون.

وتقدم معنا أيضًا في بعض المناسبات أنك إذا تأملت القرآن كله سورةً سورة وجدته على هذا النحو؛ اتساق عجيب بين البداية والنهاية، وبين المقاطع في داخل كل سورة والمقصود الأعظم الذي يشملها ويعمها، وقد قيل في المقصود الأعظم لهذه السورة: تبرئة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما وصفه به المشركون من الجنون ونحوه، ووصف الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالأوصاف العظيمة، وبيان أن الله ناصره وحافظه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قال﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾14-يعني- غير مقطوع،﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾وهي آية جليلة في بيان خلق الرسول الكريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾15بالأسلوب المؤكد، والجملة الاسمية، ودخول اللام في قوله ووصف الخُلق بالعظمة، ومجيء حرف الجر، وكل هذه معضدات تدل على عظمة خُلق الرسول الأكرم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾-يعني- هو على الخلق وكأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعلي الخُلق حين يتصف به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكأن الخلق يشرف بوصف الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ولما سئلت أمنا عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا عن خلق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: «فإنَّ خلقَ نبيِّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كان خُلُقهُ القرآنَ» [أخرجه مسلم].

﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾16 ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾17، قال عدد من المفسرين: بأييكم الجنون، من المجنون؟ سيتضح الأمر، وأن الجنون أليق بالمشركين لا بالرسول الكريم عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فالذي يترك الحق مع وضوحه وجلائه وظهوره وبيانه سفيه، وأما الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فهو أرشد الناس وأعقل الناس صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾18، ثم ذكر الله عَزَّ وَجَلَّ حال بعض هؤلاء المشركين ونهاه عن طاعتهم﴿فَلَا تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾19 ﴿وَدُّوا۟ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾20 ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾21 ﴿هَمَّازٍ مَّشَّآءٍۭ بِنَمِيمٍ﴾22يمشي كثيرًا بالنميمة.

﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾23 ﴿عُتُلٍّۭ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾24فعنده جفاء وهو جاف وغليظ في الخلق،﴿عُتُلٍّۭ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾-يعني- دعي لصيق ليس ذا أصل، -يعني- هو -كما قال بعض المفسرين- ابن زنا، وليس أصيلًا، والمعنى أنه ليس من أهل الشرف حقًا وإن ادعى ذلك، فليس أصيلًا وليس دينًا وليس مستقيمًا، فكيف يُطاع؟ وهكذا كان يدعي كثير من المشركين ذلك.

قال الله سبحانه:﴿عُتُلٍّۭ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾25 ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾26 ﴿سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ﴾27، قال كثيرون: المراد به الوليد بن المغيرة، وهذا دلالة على أن الله سيهلكه وسيعذبه، وقد كان يفتخر بأولاده ويفتخر بماله كما قال الله أيضًا في سورة المدثر:﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾28 ﴿وَجَعَلْتُ لَهُۥ مَالًا مَّمْدُودًا﴾29 ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾30 ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمْهِيدًا﴾31 ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾32 ﴿كَلَّآ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِـَٔايَـٰتِنَا عَنِيدًا﴾.

وقد وقفنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ مع هذه الأوصاف التي وصف الله عَزَّ وَجَلَّ بها هذا المكذب في دروس التفسير، كما ذكرت مرارًا أن المقصود من الدرس هنا المرور على السورة مرورًا سريعًا والوقوف مع بعض المقاصد واللطائف والفوائد، وأما التفسير التفصيلي فهذا له مقام آخر.

قال الله بعد ذلك:﴿إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا۟ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾33 ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾34 ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾35 ﴿فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ﴾36إلى آخر الآيات الكريمة، تُبيّن لنا هذه الآيات الكريمة﴿إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا۟ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾-يعني- إنا اختبرناهم، تُبيَن أنه سُبْحَانَهُ قد أنعم على المشركين بمجيء الرسول الكريم عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فمجيء الرسول نعمة كان على المشركين أن يشكروا الله عليها فيؤمنوا بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكنهم لم يفعلوا ذلك، فابتلاهم الله بالقحط والجدب والجوع ونقص من الثمرات وحاجة إلى الأمطار وما إلى ذلك لعلهم يرجعون ويرتدعون.

ثم ضرب لهم مثلًا بأصحاب الجنة، والمراد بأصحاب الجنة أصحاب البستان، أنعم الله عَزَّ وَجَلَّ عليهم بالثمرات والخيرات والبركات وكان الواجب عليهم أن يشكروا الله وأن يؤدوا حق المساكين لكنهم لم يفعلوا ذلك،﴿إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا۟ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾، ما المراد بأصحاب الجنة؟

أصحاب البستان، مع أنَّ هذا التركيب في القرآن الكريم كله يُراد به أهل الجنة الذين يدخلون جنة الآخرة، إلا في هذا الموضع، فالموضع الوحيد الذي فيه هذا التركيب المراد بالجنة البستان هو هذا، نعم، هناك صاحب الجنتين في سورة الكهف أيضًا يراد به البستانين، لكن أقصد بهذا التعبير.

﴿إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا۟ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾؛ اتفق ملاك هذا البستان قالوا: البستان قد حان وقت حصاده وجني ثماره، فنحن نريد أن نجني الثمار، لكن نريد ﴿إِلَّا﴾ يطلع أحد من المساكين على هذا الصنيع، نريد أن نجُز الثمار ونقطع الثمار في الصباح الباكر والناس نيام فلا يرانا أحد، ثم بعد ذلك لن نعطي المساكين شيئًا، هكذا أرادوا، قال الله سبحانه:﴿إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا۟ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾-يعني- ليقطعنها﴿إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا۟ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾-يعني- لا يبقون شيئًا ولو قليلًا للمساكين، أو معنى ولا يستثنون -يعني- لا يقولون «إن شاء الله»، ما قالوا إن شاء الله.

﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ ﴿فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ﴾. قال بعضهم: الصريم الليل المظلم، انظر إلى الثمار وفيها الفواكه وفيها ما فيها من الخيرات والبركات صارت كأنها مجذوذة، ليل مظلم، لا فاكهة ولا زرع ولا حرث ولا شيء،﴿فَتَنَادَوْا۟ مُصْبِحِينَ﴾37في بداية الصباح،﴿أَنِ ٱغْدُوا۟ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰرِمِينَ﴾38إن كنتم عازمين مجدين تريدون قطع الثمار هيا، لا تتأخروا ولا تتلكؤوا،﴿فَٱنطَلَقُوا۟ وَهُمْ يَتَخَـٰفَتُونَ﴾39 ﴿أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ﴾40 ﴿وَغَدَوْا۟ عَلَىٰ حَرْدٍ قَـٰدِرِينَ﴾41قصد وعمد وعلى حنق.

﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوٓا۟ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾42 ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾43، لما رأوا هذه الجنة وهذا البستان أين الثمار؟ كنا في الليل نراه، رأيناه في الليل، اطمأننا عليه، عرفنا كميته وعرفنا كثرته، أين هو؟ ذهب، سبحان الله! الجزاء من جنس العمل، تأمل﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوٓا۟ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ضللنا الطريق، أخطأنا، وكأنهم وضعوا أيديهم على أعينهم، أنحن في حلم أم في يقظة؟ أهذا بستاننا؟ أهذا زرعنا؟ أهذا حرثنا؟

قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوٓا۟ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾44، قال أوسطهم معناها أعدلهم، -يعني- الأرجح عقلًا؛ ولذلك تجد أصحاب السوء أو تجد أهل المعاصي ربما يوجد بينهم من هو أفضل أحسن، لكنه يتأثر بالكثرة، الكثرة تغلبه، تجعله يتجه إلى المعصية معهم، مع أنَّ في نفسه ما هو أفضل منهم، وفي عقله ما هو أرجح من أفكارهم.

﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾؛ قلت لكم سبحوا الله، أو أعطوا المساكين حقوقهم، أو قولوا إن شاء الله،﴿قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ﴾45لكن ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ قالوها؟﴿قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ﴾ ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَـٰوَمُونَ﴾46 ﴿قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَـٰغِينَ﴾47 ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ﴾48 ﴿كَذَٰلِكَ ٱلْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾.

هذه القصة فيها عبرة وعظة والكلام فيها يطول، لكن المقام لا يتسع لذلك، الشاهد أن من العظات فيها أن من وفقه الله أو من رزقه الله بنعمة حقيق به أن يشكر الله على تلك النعمة، والنعمة الجليلة العظيمة التي أنعم الله بها على قريش مجيء الرسول الأكرم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل التي أنعم بها على الأمة جمعاء مجيء الرسول محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونزول هذا القرآن الكريم، فلله الحمد والمنة أن جعلنا الله من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن أنزل علينا هذا الكتاب العزيز القرآن الكريم، فنسأل الله سُبْحَانَهُ أن يجعلنا من الشاكرين، وأن يجعلنا من المحبين لكتابه ولسنة رسوله محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ثم قال:﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾49 ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾50هل يتساوى المسلم مع المجرم؟ هل يتساوى البَر مع الفاجر؟ هل يتساوى المؤمن مع الكافر؟ لا يمكن؛﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ﴾51، وقال:﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ﴾52لا، لا يتساوى هذا وذاك،﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾53.

ثم بين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بدلائل فيها خطاب للعقل، ودلائل من النقل، يُبيّن أن هؤلاء المشركين لا حجة لهم فيما ذهبوا إليه لا من نقل ولا من عقل،﴿أَمْ لَكُمْ كِتَـٰبٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾54 ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾55 ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَـٰنٌ عَلَيْنَا بَـٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾56، أين هذا؟ هل لَكُمْ كِتَٰبٌ ﴿فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾؟ ليس لهم كتاب عندهم كتاب فيه يتخيرون ما يشاءون، يريدون الإيمان يأخذونه، يريدون رفض الإيمان يرفضونه، ليس هناك شيء، هل عندهم أيمان مؤكدة من الله سُبْحَانَهُ إن لكم لما تحكمون؟﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ﴾57 ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأْتُوا۟ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُوا۟ صَـٰدِقِينَ﴾58. أين هؤلاء الشركاء؟ فليس معهم عقل ولا نقل ولا وحي ولا دليل ولا برهان على ما ادعوا من الشرك والكفر بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

ثم حذرهم الله من يوم القيامة﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾59وتكلمنا بالتفصيل عن المراد بالساق، قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:﴿خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا۟ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَـٰلِمُونَ﴾60 ﴿فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾61،﴿فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾وهذا تهديد شديد،﴿فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾دعني اتركني وهو قادر على كل شيء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

﴿فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾62 ﴿أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾63، الرسول ما طلب أجرًا، ما طلب من أحد أجرًا، ما طلب من أحد أجرة، ﴿أَنَّمَا﴾ ابتغى بدعوته وجه الله سُبْحَانَهُ وكذلك الأنبياء والمرسلون يبتغون بدعوتهم ابتغاء مرضاة الله لا يريدون من أحد جزاء ولا شكورًا.

﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾64 ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾65، ما المراد بصاحب الحوت؟ من المراد به؟ يونس عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، نهاه الله عن أن يكون مثله في هذا المقام، مع أنه إمام يقتدى به، فيونس أحد الأنبياء والمرسلين الذين ذكرهم الله في سورة الأنعام وقال:﴿وَإِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾66ثم قال الله﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ﴾67؛ فالرسول مأمور بالاقتداء بيونس إلا في هذا المقام.

وقد أثنى الله على يونس، فقال:﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾68 ﴿فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾69، والرسول الأكرم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أنْ يقولَ: أنا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بنِ مَتَّى» [أخرجه البخاري].

لا يتوهم إنسان ويقول: أنا أفضل من يونس أو أنا أصبر من يونس، من أنت في مقام يونس عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ بل بعض العلماء يرى أن الحديث المراد به: لا ينبغي لأحد أن يقول إن الرسول أفضل أو خير من يونس بن ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ إذا قصد بذلك تنقيص يونس عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وإلا فإنَّ الرسول محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل الأنبياء والمرسلين كما هو معروف.

قال﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾مملوء غيظًا وكمدًا من صنيع قومه حينما أعرضوا عن دعوته ولم يستجيبوا له، فتعجل يونس عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ظنًا أن الله لن يضيق عليه، وهذا معنى﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾، ليس معنى﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾أن يونس يشك في قدرة الله -معاذ الله- لكن معنى﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾-يعني- ظن يونس أن الله لن يعاقبه، وأن الله لن يضيق عليه، وأنه حينما لم يستجب له قومه رأى أن المصلحة تقتضي أن يتركهم لا يبقى بين ظهرانيهم، لكن الله عتب عليه كيف يخرج دون إذنٍ من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

قال الله:﴿لَّوْلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾70. لكن لما تداركته نعمة الله نبذ بالعراء دون أن يكون مذمومًا، ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله:﴿فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾71؛ فربنا هناك قال﴿فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾، وهنا قال﴿لَّوْلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾، إذًا معناه أنه لم ينبذ. نعم، نقول: النبذ نبذان، الطرح رميان؛ أن الله لما نبذه نبذه وهو سقيم لكن غير مذموم، كان -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ-وغفر الله له؛ إذًا لما طرحه وخرج من بطن الحوت خرج وقد رضي الله عَزَّ وَجَلَّ عنه وغفر له، أما النبذ الذي نفاه الله أن ينبذه الله وهو يذمه، فهو لم يذمه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حين نبذه، بل إنه غفر له ورضي عنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

ثم قال الله:﴿وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَـٰرِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجْنُونٌ﴾. يلاحقونك بأبصارهم ويكادون يصرعونك، وهذا فيه إثبات العين. ولذلك إذا قال قائل: هل هناك دليل على أن العين تؤثر بإذن الله؟ هل هناك دليل على ذلك من القرآن؟ هذه الآية﴿وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَـٰرِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجْنُونٌ﴾.

قال: كان بعض المشركين مشهورًا بالعين فكان الواحد منهم ينظر إلى الرسول يريد أن يصيبه بعينه وأن يصرعه، لكن الله حافظ لرسوله محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد قال الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «العينُ حقٌّ، ولو كان شيءٌ سابقَ القدَرِ لسبقتْه العينُ» [أخرجه مسلم]؛ فهذا يدل على أن العين حق لكن مع ذلك لا تؤثر إلا بإذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

قال﴿وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَـٰرِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجْنُونٌ﴾وقد نفاه الله عنه في أول السورة،﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾؛ فالقرآن ذكر وتذكير للعالمين بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ — القلم: 1 ↩
  2. آية: ﴿قٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ﴾ — ق: 1 ↩
  3. آية: ﴿صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ﴾ — ص: 1 ↩
  4. آية: ﴿الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ — الرعد: 1 ↩
  5. آية: ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ — البقرة: 2 ↩
  6. آية: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ — القلم: 2 ↩
  7. آية: ﴿كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا۟ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ — الذاريات: 52 ↩
  8. آية: ﴿أَتَوَاصَوْا۟ بِهِۦ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ — الذاريات: 53 ↩
  9. آية: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌۢ بِهِۦ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا۟ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ — المؤمنون: 25 ↩
  10. آية: ﴿وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ — الحجر: 6 ↩
  11. آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ — القلم: 4 ↩
  12. آية: ﴿وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَـٰرِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجْنُونٌ﴾ — القلم: 51 ↩
  13. آية: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ — القلم: 52 ↩
  14. آية: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ — القلم: 3 ↩
  15. آية: ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ — البقرة: 252 ↩
  16. آية: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ — القلم: 5 ↩
  17. آية: ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾ — القلم: 6 ↩
  18. آية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ — القلم: 7 ↩
  19. آية: ﴿فَلَا تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ — القلم: 8 ↩
  20. آية: ﴿وَدُّوا۟ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ — القلم: 9 ↩
  21. آية: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾ — القلم: 10 ↩
  22. آية: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّآءٍۭ بِنَمِيمٍ﴾ — القلم: 11 ↩
  23. آية: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ — القلم: 12 ↩
  24. آية: ﴿عُتُلٍّۭ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾ — القلم: 13 ↩
  25. آية: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ — القلم: 14 ↩
  26. آية: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ — القلم: 15 ↩
  27. آية: ﴿سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ﴾ — القلم: 16 ↩
  28. آية: ﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ — المدثر: 11 ↩
  29. آية: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُۥ مَالًا مَّمْدُودًا﴾ — المدثر: 12 ↩
  30. آية: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ — المدثر: 13 ↩
  31. آية: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمْهِيدًا﴾ — المدثر: 14 ↩
  32. آية: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ — المدثر: 15 ↩
  33. آية: ﴿إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا۟ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ — القلم: 17 ↩
  34. آية: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ — القلم: 18 ↩
  35. آية: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ — القلم: 19 ↩
  36. آية: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ﴾ — القلم: 20 ↩
  37. آية: ﴿فَتَنَادَوْا۟ مُصْبِحِينَ﴾ — القلم: 21 ↩
  38. آية: ﴿أَنِ ٱغْدُوا۟ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰرِمِينَ﴾ — القلم: 22 ↩
  39. آية: ﴿فَٱنطَلَقُوا۟ وَهُمْ يَتَخَـٰفَتُونَ﴾ — القلم: 23 ↩
  40. آية: ﴿أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ﴾ — القلم: 24 ↩
  41. آية: ﴿وَغَدَوْا۟ عَلَىٰ حَرْدٍ قَـٰدِرِينَ﴾ — القلم: 25 ↩
  42. آية: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوٓا۟ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ — القلم: 26 ↩
  43. آية: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ — القلم: 27 ↩
  44. آية: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ — القلم: 28 ↩
  45. آية: ﴿قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ﴾ — القلم: 29 ↩
  46. آية: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَـٰوَمُونَ﴾ — القلم: 30 ↩
  47. آية: ﴿قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَـٰغِينَ﴾ — القلم: 31 ↩
  48. آية: ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ﴾ — القلم: 32 ↩
  49. آية: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ — القلم: 34 ↩
  50. آية: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾ — القلم: 35 ↩
  51. آية: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ﴾ — السجدة: 18 ↩
  52. آية: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ﴾ — ص: 28 ↩
  53. آية: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ — القلم: 36 ↩
  54. آية: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَـٰبٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ — القلم: 37 ↩
  55. آية: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ — القلم: 38 ↩
  56. آية: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَـٰنٌ عَلَيْنَا بَـٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ — القلم: 39 ↩
  57. آية: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ﴾ — القلم: 40 ↩
  58. آية: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأْتُوا۟ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُوا۟ صَـٰدِقِينَ﴾ — القلم: 41 ↩
  59. آية: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ — القلم: 42 ↩
  60. آية: ﴿خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا۟ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَـٰلِمُونَ﴾ — القلم: 43 ↩
  61. آية: ﴿فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ — القلم: 44 ↩
  62. آية: ﴿وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ — القلم: 45 ↩
  63. آية: ﴿أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ — القلم: 46 ↩
  64. آية: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ — القلم: 47 ↩
  65. آية: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ — القلم: 48 ↩
  66. آية: ﴿وَإِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — الأنعام: 86 ↩
  67. آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ﴾ — الأنعام: 90 ↩
  68. آية: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — الأنبياء: 87 ↩
  69. آية: ﴿فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — الأنبياء: 88 ↩
  70. آية: ﴿لَّوْلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ — القلم: 49 ↩
  71. آية: ﴿فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ — الصافات: 145 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿طه﴾ — طه: 1
  • آية: ﴿يسٓ﴾ — يس: 1
  • آية: ﴿الٓمٓصٓ﴾ — الأعراف: 1
  • آية: ﴿كٓهيعٓصٓ﴾ — مريم: 1
  • آية: ﴿عٓسٓقٓ﴾ — الشورى: 2

دروس مشابهة