مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

لمحة في سورة (سورة السجدة)

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 171 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعدُ:

فمرحبًا بكم يا أيها الإخوة الكرام في مجلسٍ جديد من مجالس هذه السلسلة: "لمحة في سورة"، ونحن الليلة بفضل الله وتوفيقه على موعد مع سورة السجدة.

هذه السورة المباركة تسمى بسورة السجدة، وفيها سجدة، قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـَٔايَـٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِهَا خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَسَبَّحُوا۟ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾1، بيد أنها ليست السورة الوحيدة التي فيها سجدة، لكن لكل سورة اسمًا خاصًا يخصها يقال له اسم توقيفي، واسم هذه السورة التوقيفي سورة السجدة.

ومن مقاصد هذه السورة؛ دعوة الخلق إلى الخضوع للحق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وهذا معنى السجود، كما أن السورة تُسمى بسورة الم تنزيل، وأيضًا الم تنزيل السجدة، وهناك اسم آخر اجتهادي وهو اسم المضاجع؛ فيقال لها سورة المضاجع؛ لأن فيها قوله سبحانه:﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾2.

هذه السورة المباركة سورة مكية باتفاق كما نقل ذلك ابن الجوزي وغيره من المفسرين، فالسورة نزلت قبل هجرة النبي الكريم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد عرفنا مرارًا أن السور المكية تتحدث عن أصول الاعتقاد، فتتحدث عن الإيمان بالله رب العالمين عن التوحيد، وتتحدث أيضًا عن الرسالة والنبوة والوحي وهذا موجود في السورة، كما تتحدث أيضًا السور المكية عن الإيمان باليوم الآخر؛ الحديث عن البعث.

والمتأمل في سورة السجدة يجد أنها تدور حول هذه المعاني الثلاث؛ فحديثها عن التوحيد وبيان أن الله جَلَّ وَعَلَا هو الخالق الرازق المدبر فهو المستحق لئن يعبد عبادة عَزَّ وَجَلَّ.

وتحدثت عن القرآن الكريم وبينت بعض مقاصده وحكم إنزاله.

وحدثتنا كذلك عن الآخرة وأحوال الناس فيها.

ومن أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إن مقصود هذه السورة المباركة الحديث عن الخلق؛ خلق الإنسان، والحديث عن أحوال الناس في الآخرة وكذلك عن أحوالهم في الدنيا، فالناس في الدنيا منهم المؤمن ومنهم الكافر منهم البر ومنهم الفاجر، وفي الآخرة منهم الفائز ومنهم الخاسر.

فالسورة حدثتنا عن أحوال الناس في الدنيا والآخرة؛ ولذلك جاء فيها قوله جل ذكره:﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ﴾3 ﴿أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾4 ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُوا۟ فَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَآ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾5.

ولعله والعلم عند الله من أجل هذا شُرع لنا أن نقرأها في فجر الجمعة كما سن لنا ذلك رسولنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد ثبت في الصحيح عنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أنه كان يقرأ في فجر يوم الجمعة بسورة الم تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان.

فقال بعض أهل العلم من حكم ذلك وأسراره أن هاتين السورتين الكريمتين -أعني سورتي السجدة والإنسان- تتحدثان عن خلق الإنسان وعن يوم القيامة وما يؤول إليه أمر الإنسان، وخلق آدم كان في يوم الجمعة، وكذلك تقوم القيامة في يوم الجمعة، فعُلم من ذلك أن هذا له سر والعلم عند الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فقراءة السورتين في يوم الجمعة يذكرنا ببدء الخلق ونهاية الخلق.

هذه السورة المباركة إحدى السور التي افتتحها الله عَزَّ وَجَلَّ بالحروف المقطعة، فأول السورة، وتقدم أن هناك تسعًا وعشرين سورة افتتحها الله عَزَّ وَجَلَّ بهذا الافتتاح، وكثيرًا ما يذكر الله عَزَّ وَجَلَّ بعد هذه الحروف الحديث عن القرآن الكريم، وهكذا جاء في السورة:﴿الٓمٓ﴾ ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾6حديث عن القرآن.

فأنتم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس تعرفون هذه الحروف لكنكم تعجزون عن الإتيان بمثل هذا القرآن، فهذا القرآن ليس مفترىً وإنما هو تنزيل رب العالمين؛ لذلك جاء في صدر السورة:﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۚ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾7.

ومن المناسبات الواضحة بين سورة السجدة والسورة التي سبقتها بحسب الترتيب المصحفي وهي سورة لقمان، أن السورتين افتتحهما الله عَزَّ وَجَلَّ بالحروف المقطعة، فأول لقمان:﴿الٓمٓ﴾ ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ﴾8 ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾9، وأول السجدة ما سمعتموه:﴿الٓمٓ﴾ ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

فهذا الكتاب هو القرآن الكريم، المراد بالكتاب القرآن، هو لا ريب فيه؛ لا شك في أنه من عند الله عَزَّ وَجَلَّ، كما قال الله في صدر سورة البقرة:﴿الٓمٓ﴾ ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾10، لا ريب فيه، والريب الشك مع القلق، فالقرآن لا شك فيه، وإن شك فيه أناس فالخلل فيهم لا في القرآن الكريم.

فقوله: إن قال قائل: وبعض الناس قد ارتاب في القرآن، يقال: الريبة منهم هم، وأما القرآن من حيث هو فلا وجه للارتياب فيه: أم يقولون: أي بل أيقولون افتراه؟ أي اختلقه، أم يقولون افتراه: أي هؤلاء يرددون هذا الكلام ويدعون أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ افترى القرآن.

، عرفنا من ذلك أنه من مقاصد القرآن الكريم الإنذار والهداية، فالقرآن الكريم أنزل لمقاصد كثيرة عظيمة جليلة، من أعظمها الإنذار، القرآن أنزله الله لينذر الناس، أن أنذر الناس﴿هَـٰذَا بَلَـٰغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا۟ بِهِۦ وَلِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾11، ومن مقاصد القرآن الكريم الهداية:﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾12.

وهنا قال:، إذًا أول السورة حديث عن ماذا؟ عن القرآن الكريم، وهذا هو الوحي وهذه هي الرسالة، والحديث عن القرآن يتضمن حديثًا عن المرسل بالقرآن وهو من؟ وهو الرسول محمد عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ففيه تبرئة ساحته وأنه ليس مفتريًا على الله كما يزعم أهل الشرك.

ثم انتقلت بنا السورة الكريمة إلى الحديث عن منزل القرآن وهو الله الرحمن سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إذًا انتقال من الحديث عن القرآن إلى الحديث عن منزل القرآن:﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾13 ﴿يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُۥٓ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾14 ﴿ذَٰلِكَ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾15 ﴿ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَـٰنِ مِن طِينٍ﴾16 ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾17 ﴿ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾18.

كل هذه الآيات حديث عن من؟ عن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فالله هو الخالق وهو المدبر وهو القادر على كل شيء، ذكر الله أنه ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾، وأنه خلق الإنسان،﴿ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَـٰنِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾، فالله يمتن علينا بأنه الخالق وأنه المدبر وأنه خالقنا جَلَّ وَعَلَا، ومع ذلك فما حال الإنسان؟، فأكثر الناس لا يشكرون ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

وقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:، ذهب كثير من أهل التفسير إلى أن المراد بذلك نزول الملك وصعوده، فالملك ينزل في مدة تستغرق في حساب الناس تستغرق خمسمائة سنة، قالوا: لأن ما بين السماء والأرض يبلغ هذا المقدار فهذا في نزوله، وكذلك في صعوده، فإذا ضمنا الصعود إلى العروج أو إذا ضمنا النزول إلى الصعود أو العروج اجتمع من ذلك ألف سنة، فهذا معنى قوله سبحانه: أي عند صعود الملك ونزوله، قال بهذا عدد من العلماء.

ومنهم من قال: بل المراد بهذا قوله أي يعرج إليه أمره سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أو أن الحديث عن يوم القيامة، والأول أظهر والعلم عند الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

قال الله عَزَّ وَجَلَّ: هذه القاعدة العامة ﴿ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ﴾ كما قال الله:﴿وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ۚ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ ۚ إِنَّهُۥ خَبِيرٌۢ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾19.

قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:، عرفنا أن معنى قوله: أن المراد بالإنسان هنا من؟ آدم عليه السلام؛ لأن آدم هو مخلوق من طين، وهذه نفخة من روح الله جَلَّ وَعَلَا وهذا من فضل الله وإحسانه على العباد،ولذلك الإنسان المخلوق من طين له جانبان؛ جانب يتعلق بجسده وجانب يتعلق بروحه، وغذاء روحه ﴿أَنَّمَا﴾ يكون من الروح من الوحي الذي أرسله الله وأنزله الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

ثم انتقلت بنا السورة بعد الحديث عن القرآن والحديث عن منزل القرآن وخلق الإنسان إلى الحديث عن قضية البعث، فقال: -يعني غبنا في الأرض ضللنا في الأرض يعني صرنا في باطن الأرض-﴿وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍۭ ۚ بَلْ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ كَـٰفِرُونَ﴾20 ﴿قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾21 ﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا۟ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾22 ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَـَٔاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَىٰهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿فَذُوقُوا۟ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَـٰكُمْ ۖ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾23، حديث عن الآخرة، حديث عن البعث والنشور.

فقال:، فالذي يتوفانا ملك الموت، ولا تعارض بين الآية الكريمة وبين قوله جل ذكره:﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقوله:﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾24، فالمتوفي حقيقة هو الله سبحانه، لأن ملك الموت لا يتوفى الإنسان أو لا يقدر على ذلك ولا يباشره إلا بتمكين الله عَزَّ وَجَلَّ له، وقوله: ؛ لأن ملك الموت يباشر هذا، وقوله:؛ لأن لملك الموت أعوانًا يعينونه في قبض الأرواح، ثم يأخذ هذه الروح ويجري أو يقع لها ما يقع مما جاء في حديث البراء رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ، وتقدم بيانه في مناسبات كثيرة.

قال الله: تأمل، هذا خضوع لكنه خضوع مذموم، خضوع المجرمين يوم القيامة يكونون في ذلة ومهانة، وأما أهل الإيمان الذين خضعوا في الدنيا وانكسروا لله واستكانوا لربهم سبحانه وتعالى وتواضعوا فإنَّ الله يرفع ذكرهم يوم القيامة ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ماذا يقولون؟ يقولون:، لكن بعد فوات الأوان.

، ما معنى إنا نسيناكم؟ يعني تركناكم وأهملناكم في العذاب، عاملناكم معاملة الناسي، فليس المراد بالنسيان هنا الذهول لأنه محال على الله، وإنما المراد بنسيان الله لهم تركه إياهم في العذاب كقوله:﴿ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾25.

ثم ذكر الله عَزَّ وَجَلَّ الجانب الآخر وهم أهل الإيمان جعلنا الله منهم بمنه وكرمه، فقال: هذا في مقابلة المجرمين،﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـَٔايَـٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِهَا خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَسَبَّحُوا۟ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، ولذا سميت السورة بسورة السجدة.

﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾، من صفات هؤلاء المؤمنين أنه تتباعد جنوبهم عن المضاجع، فيأتون ليناموا بالليل ثم إذا بهم بعد مدة يسيرة ووجيزة من نومهم يفزعون ويقومون ليصلوا لله رب العالمين، تتجافى: تتباعد جنوبهم عن المضاجع فلا تلتصق بالمضاجع بل تبتعد عنها لأنهم يصلون لله رب العالمين، كما جاء في وصف الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ

إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ

صلوات الله وتسليماته عليه.

قالوا: المراد بذلك قيام الليل، وقال بعضهم: الصلاة بين المغرب والعشاء،، ولذلك إذا قلت: ما الذي يعين الإنسان على قيام الليل؟ الناس نيام وهو يصلي والناس نيام، ما الذي يعين الإنسان على ذلك؟

الخوف

والطمع.

الخوف: أن يكون خائفًا من الله، يخاف من نار تلظى، يخاف أن يكون من المرائين، فهو يريد أن يصلي بالليل ليحقق بذلك الإخلاص حيث لا يراه أحد ولا يطلع عليه أحد، فهو يناجي ربه،ولذلك قالوا: قلما ساهر الليل منافق، فأهل الليل هم أهل الإخلاص جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.

وطمعًا: يرجو رحمة الله، يناجي ربه، يريد أن يتمتع ويتلذذ بالأنس بربه سبحانه يخلو بربه، وهذا من أسباب محبة الله جَلَّ وَعَلَا، وقد تقدم معنا في إحدى الخطب أن العلماء ذكروا أن لمحبة الله أو لتحصيل محبة الله أسبابًا بلغ بها ابن القيم عشرة أسباب، ومن أجلها وأمتعها وأنفسها الخلوة بالله جَلَّ وَعَلَا وقت النزول الإلهي وذلك في ثلث الليل الآخر حينما يناجي العبد ربه وينكسر لربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

قال:، فعملهم لا يتوقف على الصلاة فحسب، وإنما هم أيضًا يحسنون إلى الخلق: ومما رزقناهم ينفقون، فجاءهم الجزاء والجزاء من جنس العمل:﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾26، قالوا: لما أخفوا أعمالهم أخفى الله جزاءهم،﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾.

هل يستوي الفريقان؟ جعلنا الله منهم بمنه وكرمه، والمراد بالفسوق هنا الكفر، فقوله: وأما الذين فسقوا أي أجرموا وأشركوا، بدليل الجزاء وبدليل المقابلة للإيمان، فالله قال:، فالفاسق هنا في مقابلة المجرم؛ لأن الفسوق يأتي بمعنيين؛ هناك الفسوق المراد به الشرك، وهناك الفسوق وهو فسوق أصغر أو دون الفسوق الأكبر والمراد به المعاصي دون الشرك، ومنه قوله تعالى:﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾27، فقال بعضهم: المراد بالفسوق الكبائر، لأن الله جعلها بين الكفر والعصيان، والعلم عند الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

وإذا يدل على كفرهم؛ لأن المسلمين عصاة الموحدين لا يخلدون في النار، وإنما الذي يخلد في النار هم الكفار:﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُوا۟ فَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَآ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾.

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾28، قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ﴾، العذاب الأدنى في الدنيا، والعذاب الأكبر في الآخرة، فقالوا: من العذاب الأدنى بالقحط والجدب وبالفقر وبالآلام والأمراض والمصائب والهلاك الدنيوي إلى غير ذلك مما يقع للكفار ﴿مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ﴾.

وهنا لفتة استنبطها بعض العلماء، ذلكم أن الله قال: ولم يقل: "ولنذيقنهم العذاب الأدنى"، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: من، إذًا معناه أن ما يذوقونه في الدنيا هو من العذاب الأدنى. قالوا: وأين بقية العذاب الأدنى؟ قالوا: في القبر، فاستدلوا بالآية على وجود عذاب القبر؛ لأنه لما قال: هذا معناه أن هناك عذابًا أدنى أيضًا قبل العذاب في الآخرة، ما العذاب الذي يعذبونه وليس في الدنيا وليس في الآخرة؟ إذًا هو في مرحلة وسطى وهي مرحلة القبر، وهذا استنباطٌ بديع، وتدل على هذا أدلة أخرى أيضًا والعلم عند الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، ثم جاءت سنة النبي المتواترة تدل على أن هناك عذابًا للقبر ونعيمًا كما لا يخفى.

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ ۚ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾29 ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَلَا تَكُن فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِۦ ۖ وَجَعَلْنَـٰهُ هُدًى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾30، تجد في القرآن الكريم حينما يذكر الله الرسالة، يذكر الله القرآن، يُتبع ذلك بالحديث عن التوراة، أو يذكر نبينا محمدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيتبع ذلك بالحديث عن موسى عليه السلام أو العكس، لبيان أن الرسول ليس بدعًا من الرسل، هو رسول وقبله رسل وأنزل الله عليه القرآن وأنزل كتبًا أخرى على من قبله، فلذلك قال: والمراد بالكتاب هنا التوراة، إذًا الكتاب في أول السورة القرآن، والمراد بالكتاب هنا التوراة.

قال بعضهم: يعني لا تكن يا رسول الله في شك من لقائه؛ من أنك تلقى موسى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وقد لقي الرسول موسى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في المعراج ولقيه وصلى بهم في بيت المقدس كما دلت على ذلك الأخبار عنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

أو أن المعنى: أي في الآخرة، أو من أن ستلقى ما لقي موسى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ من قومه، أو ﴿فَلَا تَكُن فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِۦ﴾ أي من لقاء ربه عَزَّ وَجَلَّ.

﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَلَا تَكُن فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِۦ ۖ وَجَعَلْنَـٰهُ هُدًى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾31، قالوا: لما صبروا وأيقنوا ماذا كانوا؟ صاروا أئمة، قال سفيان: لما أخذوا برأس الأمر جعلهم الله رؤساء، من أراد أن يكون ذا شأن، أن يكون من أئمة التقوى يأخذ برأس الأمر، وما رأس أمر؟ الصبر واليقين، ولذلك قالوا: إذا تزوج الصبر باليقين تحققت الإمامة في الدين، فالإمامة بالدين تنال بالصبر واليقين.

قال الله:﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾32.

ثم ذكرنا الله في آخر السورة ببعض دلائل قدرته:﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾، إذًا القرآن كتاب هاد، والكون يهدينا أيضًا لذلك ننظر في الكون فنهتدي ونعلم أن هذا الكون الفسيح ﴿أَنَّمَا﴾ خلقه ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يعبد وحده لا شريك له.

فقال:، وقال بعضهم: أَوَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾، انظر إلى الأمم السابقة كيف أهلكها الله وقضى عليها مع ما كانت عليه من قوة ومع ما كانت فيه من جبروت، قال:﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾، وقال هنا: أفلا يسمعون، فذكر السماع لأن الأمم السابقة تبلغنا أخبارهم عن طريق السماع.

ثم قال:﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَـٰمُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾33، وهذا نراه بأعيننا، فأول الآية: أولم يروا، وآخرها: أفلا يبصرون، فنرى أرضًا جرداء لا زرع فيها ولا ماء ثم بعد ذلك ينبتها الله جَلَّ وَعَلَا ويصير فيها الزرع والخير الكثير، فمن الذي مَنَّ بذلك وأنعم به؟ إنه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾34.

ثم قال الله في ختام السورة:﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾35، هكذا يقول المشركون يستعجلون بالعذاب، يستعجلون ويقولون: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ هذا الوعد؟ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ هذا الفتح؟ والمراد بالفتح هنا الوعد، والمراد به الآخرة على القول المرجح، لأن بعض المفسرين قالوا: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ هذا الفتح؟ قالوا: المراد به الفتح في الدنيا بأن يهلكهم الله في الدنيا وقد تحقق ذلك بفتح مكة، لكن الأقرب أن المراد بالفتح ما جاء في الآيات الأخرى وهو الوعد والمراد به الآخرة؛ لذلك قال:﴿قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِيمَـٰنُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾36، وهذا ﴿أَنَّمَا﴾ يكون يوم القيامة في الآخرة لأنه فات أوان الإيمان.

﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ﴾37، أعرض عنهم يا رسول الله ولا تشتغل بهم فإنما عليك البلاغ، فإنَّ أعرضوا عنك ولم يستجيبوا لك فليس هذا بضائرك، فأنتم ستقفون ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ جَلَّ وَعَلَا، وحينئذٍ يتبين المحق من المبطل، ولذلك قال الله في شأن يوم القيامة:﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَـٰتًا﴾38، وقال:﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾39. قال:.

هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـَٔايَـٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِهَا خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَسَبَّحُوا۟ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ — السجدة: 15 ↩
  2. آية: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ — السجدة: 16 ↩
  3. آية: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ﴾ — السجدة: 18 ↩
  4. آية: ﴿أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ — السجدة: 19 ↩
  5. آية: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُوا۟ فَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَآ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾ — السجدة: 20 ↩
  6. آية: ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — السجدة: 2 ↩
  7. آية: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۚ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ — السجدة: 3 ↩
  8. آية: ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ﴾ — لقمان: 2 ↩
  9. آية: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾ — لقمان: 3 ↩
  10. آية: ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ — البقرة: 2 ↩
  11. آية: ﴿هَـٰذَا بَلَـٰغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا۟ بِهِۦ وَلِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — إبراهيم: 52 ↩
  12. آية: ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ — الإسراء: 9 ↩
  13. آية: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ — السجدة: 4 ↩
  14. آية: ﴿يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُۥٓ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ — السجدة: 5 ↩
  15. آية: ﴿ذَٰلِكَ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ — السجدة: 6 ↩
  16. آية: ﴿ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَـٰنِ مِن طِينٍ﴾ — السجدة: 7 ↩
  17. آية: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ — السجدة: 8 ↩
  18. آية: ﴿ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ — السجدة: 9 ↩
  19. آية: ﴿وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ۚ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ ۚ إِنَّهُۥ خَبِيرٌۢ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ — النمل: 88 ↩
  20. آية: ﴿وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍۭ ۚ بَلْ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ كَـٰفِرُونَ﴾ — السجدة: 10 ↩
  21. آية: ﴿قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ — السجدة: 11 ↩
  22. آية: ﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا۟ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ — السجدة: 12 ↩
  23. آية: ﴿فَذُوقُوا۟ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَـٰكُمْ ۖ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ — السجدة: 14 ↩
  24. آية: ﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ — الأنعام: 61 ↩
  25. آية: ﴿ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ — التوبة: 67 ↩
  26. آية: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ — السجدة: 17 ↩
  27. آية: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ — الحجرات: 7 ↩
  28. آية: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ — السجدة: 21 ↩
  29. آية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ ۚ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ — السجدة: 22 ↩
  30. آية: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَلَا تَكُن فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِۦ ۖ وَجَعَلْنَـٰهُ هُدًى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ — السجدة: 23 ↩
  31. آية: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾ — السجدة: 24 ↩
  32. آية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ — السجدة: 25 ↩
  33. آية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَـٰمُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ — السجدة: 27 ↩
  34. آية: ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ — الواقعة: 64 ↩
  35. آية: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ — السجدة: 28 ↩
  36. آية: ﴿قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِيمَـٰنُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ — السجدة: 29 ↩
  37. آية: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ﴾ — السجدة: 30 ↩
  38. آية: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَـٰتًا﴾ — النبأ: 17 ↩
  39. آية: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ — الدخان: 40 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿الٓمٓ﴾ — السجدة: 1

دروس مشابهة