مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

فوائدُ وعِبَرٌ من قصة عيسى ومريم عليهما السلام (الجزء السادس)

في قصصهم عبرة · الدرس 42 من 64 · 16 دقيقة · قصص الأنبياء

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

رفع عيسى عليه السلام إلى السماء

﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (يوسف: 111)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة في قصصهم عبرةٌ، وما زلنا بفضل الله وتوفيقه مع قصة رسول الله عيسى عليه السلام.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام، بلغ عيسى عليه السلام رسالة ربه ونصح لهم، فآمن به الحواريون وكذب به أكثر بني إسرائيل، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل حاولوا قتله واغتياله والقضاء على دعوته. مع أنَّهم يذكرون أن عيسى عليه السلام كان كثير السياحة في الأرض بعيدًا عن تلك الخصومات، يدعو إلى الله جل وعلا في سلمٍ وسلامٍ، لكنهم لم يتركوه وشأنه، بل أوعزوا إلى بعض الأمراء -قيل: كان هذا في دمشق أو في بيت المقدس- فقالوا لأميرهم -وقد كانوا يدينون بالوثنية- قالوا له: إن هاهنا رجلًا يدعو إلى خلاف دينك، وسيكون سببًا في شق عصاك، فمر به حتى يُقتل. فأمر به حتى يُقتل، لكن الله سلّم. ﴿وَقِيلَ﴾ غير ذلك من الروايات. أيًّا ما كان الأمر، فإنَّ الله جل وعلا ذكر من أسباب لعنه لهؤلاء كفرهم ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰنًا عَظِيمًا﴾.

قولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾2 (النساء: 157-159).

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾3 (النساء: 157)، وقولهم في هذه الآية -أو قول ربنا في هذه الآية- وقولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾4 (النساء: 157)، هم لا يعترفون برسالته، فما وجه ذكر قوله: «رسول الله» يحتمل احتمالين:

1- أن يكونوا قالوا ذلك على سبيل التوهم، على سبيل التهكم، يعني: الذي يدعي أنه رسول الله، الذي يقول إنه رسول الله. كقوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾5 (الحجر: 6)، يعني: يا من يدعي أن الذكر قد نُزِل إليه، ما أنت إلا مجنونٌ. وكما قالوا لشعيب عليه السلام: ﴿إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾6 (هود: 87)، وهم قالوها على سبيل التهكم، وهم يقصدون بقولهم: ﴿إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ (هود: 87) أي: السفيه الضال.

2- أو أن قوله «رسول الله» قاله الله تشريفًا لعيسى عليه السلام.

نجاة عيسى عليه السلام من كيد بني إسرائيل ورفعه إلى السماء

﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾7 (النساء: 157)، اجتمع هؤلاء لقتل عيسى عليه السلام، وقد جاءت الروايات تبين ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ بين مجموعةٍ من أصحابه أو من الحواريين معه، فأرادوا القبض على عيسى عليه السلام من بينهم. جاء في هذه الروايات الإسرائيلية -والله أعلم بصحتها- لكنَّها مما لا يُستنكر. والآية الكريمة بيّنت أن عيسى عليه السلام ما قُتل وما صُلب، وهذا يكفينا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾. لكن مما ذُكر في ذلك أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال لبعض أصحابه: «من منكم يُلقى شبهه يُلقى شبهي عليه ويكون رفيقي في الجنة من منكم يُلقى شبهي عليه» يعني: يصير شبهي. فحينئذٍ سيأخذونه ويقتلونه، يكون رفيقي في الجنة. فقام شابٌّ، ثم أعاد الكلام مرةً أخرى، فقام الشاب نفسه، ثم في المرة الثالثة، فما كان من ذلك إلا أن أُلقي شبه عيسى عليه السلام على هذا الشاب، فأخذوا الشاب على أنه عيسى وقتلوه. وفي الحقيقة ما قتلوا عيسى عليه السلام. وهناك رواياتٌ أخرى تدل على أن أحد هؤلاء الذين دخلوا من أجل أن يقبضوا على عيسى عليه السلام، ألقى الله الشبه عليه، ألقى الله شبه عيسى عليه. وقد قال بعضهم: رأسه كرأس عيسى، وجهه كوجه عيسى، وأما بقية جسده فيختلف عن جسد عيسى. فوقع تشككٌ: هذا عيسى أو ليس ﴿بِعِيسَى﴾؟ الجسد مختلف، والوجه متفق. إلى غير ذلك مما ذُكر في هذا الأمر. على كلٍّ قال الله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾8 (النساء: 157)، شُبِّه لهم، اشتبه عليهم الأمر.

وعجيب أمرهم بعد ذلك، حينما زعم من زعم من النصارى أن عيسى هو الله أو أن عيسى ابن الله، فلماذا لم يدفع عن نفسه العذاب ولماذا لم يدفع عن نفسه الصلب ومن عجبٍ أيضًا أن يُقدّسوا الصليب، مع أنَّهم يقولون إنه صُلب على هذا الصليب. فإذا كان قد صُلب عليه، فهذا طريقٌ لتعذيب عيسى كما يدّعون، فلماذا يُقدّس بهذه الطريقة التي يُصرفونها إلى هذا الذي لا ينبغي أن يكون

قال الله: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾9 (النساء: 157-158). ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا﴾10 (النساء: 157)، أي: وما قتلوه متيقنين، أو وما قتلوه قتلًا يقينًا، أو أنه تأكيدٌ للنفي. أوجهٌ للمفسرين في معنى: قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا﴾ (النساء: 157)، يعني: ما قتلوه قتلًا يقينًا، أو ما قتلوه متيقنين. ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾11 (النساء: 158)، إذن الله جل وعلا قدّر أن يرفع عيسى إلى السماء، ورُفع بروحه وجسده، ولم يتسلّط عليه أحدٌ من هؤلاء. فمكث عيسى عليه السلام في الأرض ما مكث، رفعه الله عز وجل إليه، ثم يعود في آخر الزمان.

نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان وإيمان أهل الكتاب به

قال الله عز وجل: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾12 (النساء: 159). جاء عن النبي «صلى الله عليه وسلم» فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية»13 (رواه أبو داود)، يعني: يأتي عيسى عليه السلام وينزل في آخر الزمان، فإذا نزل في آخر الزمان كسر الصليب وقَتَل الخنزير ووضع الجزية، يعني: لم يقبل من أحدٍ إلا الإسلام. ولذلك ينزل عيسى عليه السلام حكمًا مقسطًا بشريعة النبي «صلى الله عليه وسلم». قال الرسول «صلى الله عليه وسلم»: «ويفيض المال حتى لا يقبله أحد»، أو: «لا يقبله أحدٌ، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها». ثم قال: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ14 قَبْلَ مَوْتِهِۦ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (النساء: 159).

فلذلك اختار عددٌ من المفسرين -كابن جرير وابن كثير وغيرهم- أن معنى قوله: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ﴾ (النساء: 159) أي: ليؤمنن ﴿بِعِيسَى﴾ قبل موته، أي: قبل موت عيسى في آخر الزمان، لأنَّ عيسى رفعه الله إليه، فإذا نزل في آخر الزمان حكم بشريعة محمد «صلى الله عليه وسلم». ولذلك إن تتعجّبوا فاعجبوا من أن بعض أهل السيرة والتاريخ ذكروا عيسى عليه السلام في الصحابة، وجعلوه أفضلهم. يعني: نحن من المعروف نقول: أفضل الصحابة أبو بكر الصديق، بعضهم قال: إن الرسول «صلى الله عليه وسلم» رأى عيسى في المعراج، ثم إن عيسى ينزل في آخر الزمان، يحكم بشريعة محمد «صلى الله عليه وسلم» فيُعد من أصحابه. لكن ما من شكٍّ أن رتبة عيسى أعلى من الصحابة، لأنه رسول الله وكلّمه الله. لكن أقصد بهذا: يدلّك على أن عيسى عليه السلام لا يترك شريعة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وقد أخذ الله العهد والميثاق على الأنبياء والمرسلين: ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ ۚ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى ۖ قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَٱشْهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾15 (آل عمران: 81)، إن أدركوا هذا النبي -أعني محمدًا صلى الله عليه وسلم- آمنوا به وأقروا له، صلوات الله وتسليماته عليه. ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ﴾ (النساء: 159) أي: ﴿بِعِيسَى﴾ عليه السلام قبل موته، أي: قبل موت عيسى في آخر الزمان. هذا قول كثيرٍ من أهل العلم، وتشهد له الرواية التي سمعتموها. ومنهم من يفسر الآية: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ﴾ (النساء: 159) أي: ﴿بِعِيسَى﴾ قبل موته، أي: قبل موت الكتابي، فقالوا: كل كتابيٍّ إذا حضره الموت وعاين الموت، أيقن أن عيسى عبدٌ وليس ربًّا. يعني: أهل الكتاب في السكرات، في النزع الأخير قبل موتهم، ماذا يدينون يعرفون الحق، ولكن بعد فوات الأوان. واختار بعض العلماء هذا القول، قالوا: لأنَّها ستكون الآية عامةً، ليست خاصةً ببعض أهل الكتاب، لأنه على القول الأول هي خاصةٌ ببعض أهل الكتاب الذين سيشهدون عيسى عليه السلام في آخر الزمان. وإن كانت الرواية تؤيده، فهما قولان مشهوران. وهناك قولٌ آخر: قبل موته، ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ﴾ (النساء: 159) أي: برسول الله محمد «صلى الله عليه وسلم» قبل موته، يعني: قبل موت الكتابي، يعلم أن محمدًا رسول الله حقًّا وصدقًا، صلوات الله وتسليماته عليه.

معنى قوله تعالى: ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾16 (آل عمران: 55) في شأن عيسى عليه السلام. وقد قال الله في سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾17 (آل عمران: 55). ﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ﴾18 (آل عمران: 55)، ما معنى «مُتَوَفِّيكَ» هنا قد يسأل سائلٌ هذا السؤال، يقول: ما معنى: ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ﴾ والله قد رفعه إليه. «مُتَوَفِّيكَ» يعني: مستوفي وجودك في الحياة، يعني: أنت أخذت حقك في الحياة في هذه المدة. فـ«التوفي» هنا معناه الاستيفاء، وليس معناه: الإماتة، وليس معناه: الإماتة. ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ﴾، لذلك ربنا قال: ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ19 فِى مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الزمر: 42). فقول الله: ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾20 (الزمر: 42)، فالتوفي معناه الاستيفاء. أو أن معنى: ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ (آل عمران: 55)، «مُتَوَفِّيكَ» في آخر الزمان، لأنَّ وأو العطف لا تدل على الترتيب. يعني: أنا قد أقول: جاء محمد وعلي، ربما جاء علي قبل محمد أو العكس. فقوله: ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ (آل عمران: 55)، الأول: هو رافعك إليَّ. كقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَـٰقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَـٰقًا غَلِيظًا﴾21 (الأحزاب: 7)، والرسول «صلى الله عليه وسلم» متأخرٌ في الزمان، لكنه قُدّم في الذكر. فواو العطف لا تدل على الترتيب. إذن: إني رافعك أولًا، ثم مُتَوَفِّيكَ آخرًا، كما قال في سورة المائدة: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾22 (المائدة: 117).

والوجه الثالث: أن معنى ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ﴾ يعني: إني مُنَوِّمك، مُنَوِّمك. فـ«الوفاة» تُطلق على النوم، والمعنى: أنه أنامه ثم رفعه وهو نائمٌ حتى لا يصاب بشيءٍ من الخوف أو الفزع أو الهلع. ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾23 (آل عمران: 55).

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 111 ↩
  2. آية: ﴿إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا * بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا * وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 157-159 ↩
  3. آية: وَقَوْلِهِمْ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ — كما ورد في الدرس: النساء 157 ↩
  4. آية: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ — كما ورد في الدرس: النساء 157 ↩
  5. آية: ﴿وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 6 ↩
  6. آية: ﴿إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 87 ↩
  7. آية: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 157 ↩
  8. آية: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 157 ↩
  9. آية: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا * بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 157-158 ↩
  10. آية: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 157 ↩
  11. آية: ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 158 ↩
  12. آية: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 159 ↩
  13. حديث: «ليُوشِكنَّ أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية» — نسبة الشيخ: الشيخان ↩
  14. آية: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 159 ↩
  15. آية: وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ ۚ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى ۖ قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَٱشْهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ — كما ورد في الدرس: آل عمران 81 ↩
  16. آية: ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 55 ↩
  17. آية: ﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 55 ↩
  18. آية: ﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 55 ↩
  19. آية: ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ ﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ — كما ورد في الدرس: الزمر 42 ↩
  20. آية: ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 42 ↩
  21. آية: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَـٰقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَـٰقًا غَلِيظًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 7 ↩
  22. آية: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 117 ↩
  23. آية: ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 55 ↩

من سلسلة: في قصصهم عبرة (64 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة