مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

عبر وفوائد قصة الخليل إبراهيم عليه السلام - الجزء الثامن - الخليل إبراهيم وإبطال عبادة الكواكب

في قصصهم عبرة · الدرس 16 من 64 · 23 دقيقة · قصص الأنبياء

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

مقدمة الدرس والوقفة مع قصة الخليل في سورة الأنعام

﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ: فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة: «في قصصهم عبرة»، وما زلنا بفضل الله وتوفيقه مع قصة الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وننتقل الليلة — بفضل الله سبحانه وتعالى — إلى موقف آخر من مواقف الخليل إبراهيم عليه السلام مع قومه، وهو موقفه في بيان بطلان عبادة الكواكب.

وهذا الموقف جاء ذكره في سورة الأنعام. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾1 (الأنعام: 74-79).

إلى آخر الآيات الكريمة. إلى أن قال الله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾2 (الأنعام: 83).

هذا الموقف الجليل يبين الله سبحانه وتعالى لنا كيف احتج الخليل إبراهيم عليه السلام على قومه، وكيف بين لهم أن الكواكب لا تصلح لتكون رباً تدبر شؤون الكون، كما كان يزعم المشركون. لكن الله صدر ذلك بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾3 (الأنعام: 74). وتقدم معنا في لقاءات سابقة أن آزر هو أبو إبراهيم عليه الصلاة والسلام على القول المعتمد عند أهل العلم. وذلك لأنَّ هذا هو صريح القرآن الكريم. وما ورد في التاريخ من أن والد إبراهيم عليه الصلاة والسلام له اسم آخر، لا يعكر على هذا؛ لأنَّ القرآن أصدق وأعظم وأجل.

لا ينفع النسب مع الكفر ولا تغني القرابة عن الإيمان. ثم إن الطبري رحمه الله تعالى أجاب عن ذلك أيضًا، فقال: لعل والد إبراهيم كان له اسمان، فالاسم الذي ذكر في التاريخ هو أحد اسمين. وذكر الله عز وجل الاسم الآخر، وهو آزر. أو أن يكون أحدهما اسماً، والآخر لقباً. وعلى أنني ذكرت بعض الأدلة أيضًا التي تشهد لكون والد إبراهيم عليه السلام هو آزر. ومن ذلك ما جاء في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النبي ﷺ قال: «يلقى إبراهيم أباه آزر»4 «رواه البخاري». فهذا أيضًا يشهد لهذا المعنى. والعلم عند الله تبارك وتعالى.

وطرحت في هذا قضية، وهي أن نوحاً عليه السلام ابتلي في ابنه، ابتلي في ولده. وأيما أشدّ: الإنسان يبتلى في ولد، أم يبتلى في أبيه؟ الابتلاء في الابن قد يكون مظنة التقصير من الوالد؛ لأنَّ الابن لم يكن موجودًا، ثم وجد في حياة أبيه. صح وبناءً عليه، هذا كان طفلًا ثم ترعرع، كان تحت رعاية أبيه. فربما قيل: وأين دعوة الأب للابن ومع ذلك، لما ذكر الله لنا قصة ابن نوح، ليبين لنا أن نوحاً عليه السلام — وهو الذي بذل ما بذل في التضحية والدعوة إلى الله — فإذا بولده لا يؤمن بالله رب العالمين، يعني: من أقرب الناس إليه. مع أنَّ نوحاً عليه السلام لم يقصر فيه في الدعوة. فالابتلاء أشدّ.

أما بالنسبة للأب، فالإنسان لا يملك له شيئًا؛ لأنَّ الأب يكون أسبق من ابنه. فأبو إبراهيم كان على الكفر ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يجيء الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ولا يضر الخليل إبراهيم أن أباه بقي على ما بقي عليه. والخليل فعل ما استطاع، ولم يقصر عليه الصلاة والسلام. بل إنه بذل كل ما في وسعه داعيًا إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. لأنَّ بعض الناس الذين تشككوا في هذا قالوا: كيف ينسب إلى والد إبراهيم عليه السلام الشرك هذا لا يضر. ثم إن الرسول ﷺ قال: «من بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه»5 (رواه مسلم). «من بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه». ولذلك عندنا سورة في القرآن، وهي سورة المسد. وفي صدرها قال الله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾6 (المسد: 1). ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ﴾7 (المسد: 2). وأبو لهب هو عم رسول الله ﷺ. هذا يدلك على أن الدين ليس فيه محاباة، وليس فيه مجاملات.

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً8 ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام: 74). وهناك قراءة متواترة: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام: 74)؛ فيكون هذا على سبيل النداء: «يا آزر»، وعلى سبيل النداء. وهذا جعل بعضهم يقول: لعله لقب له. والعلم عند الله. ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً﴾ (الأنعام: 74). كيف تتخذ الأصنام آلهةً من دون ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وهذا الاستفهام إنكاري. ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام: 74). فبعد الإنكار بهذا الأسلوب، حكم وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام: 74). بعد استمرارهم، وبعد عدوانهم وطغيانهم، وعدم استجابتهم للخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

ولا ينافي ذلك ما تقدم ذكره ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في آيات سورة مريم، من أن الخليل إبراهيم عليه السلام سلك في دعوته لأبيه طريق اللطف، فكان لطيفًا أيما لطف عليه الصلاة والسلام. وهذا يدلك على أن الخليل إبراهيم عليه السلام اتخذ جميع الأساليب التي ينبغي، أو التي من شأنها أن تجدي، ومن شأنها أن تنفع.

الرشد المبكر للخليل إبراهيم وبطلان الشرك في فطرته

قال الله: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾9 (الأنعام: 75). قال بعضهم: أي: مثل تلك الآراء، يري الله إبراهيم عليه السلام ملكوت السماوات والأرض. أو كما أنَّ الخليل إبراهيم عليه السلام دعا قومه إلى التوحيد، وبين بطلان عبادة الأصنام، كذلك يري الله الخليل إبراهيم عليه السلام ملكوت السماوات والأرض، ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾10 (الأنعام: 75)؛ لأنَّ المفسرين لهم كلام طويل في هذه الآية. فبعضهم يقول: التقديم، أو الآية الأولى حقها التأخير؛ لأنَّ قوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام: 75). قالوا: أراه ﴿إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾، وجعله من الموقنين، هذا يكون أسبق من حكمه على أبيه وعلى قومه بالضلال المبين.

وقال بعضهم: بل إن الخليل إبراهيم جمع الله له بين الأمرين: بين الفطرة السليمة، وبين الوحي والرسالة. لذلك قال الله: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَـٰلِمِينَ﴾11 (الأنبياء: 51). ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: بعض المفسرين قال: «﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾» وهو صغير، يعني: إبراهيم أوتي الرشد وهو صغير، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يكون نبيًّا. ما صدق بهذا الذي يصنعه قومه. كيف يعبدون الكواكب كيف يعبدون الأصنام ما كان عنده قناعة بذلك. إذًا رفض ذلك عقلاً، ورفض ذلك بفطرته، ورفض ذلك بالرسالة والنبوة. ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام: 75). والكلام في تفصيل ذلك يطول.

وهناك أحد العلماء، وهو الشيخ صادق عرجون رحمه الله، له قول جيد في النظر في ترتيب هذه الآيات المباركة. قال الله: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام: 75). قالوا: أطلع الله الخليل إبراهيم على بعض ما في السماوات والأرض، على ملكوت السماوات والأرض. ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام: 75). قال بعضهم: أي: ليستدل بذلك على وحدانية الله. ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام: 75). فالإنسان إذا نظر في الآفاق، إذا نظر في الكون، إذا نظر في العلو وفي السفل، إذا نظر حوله، أيقن أن خالق هذا كله هو الله، وأن المستحق للعبادة هو الله وحده لا شريك له.

مناظرة الخليل إبراهيم لقومه وإبطال شرك الكواكب

والذي يتأمَّل! الآيات المباركة يجد أن الخليل إبراهيم عليه السلام ذكر أن قومه مشركون. ومعنى أنهم مشركون: أنهم يعرفون الله. ولذلك قال بعد ذلك: ﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾12 (الأنعام: 78-79). قال: وهذا معناه: أن قوم إبراهيم كانوا يعرفون الله. هم كانوا يعرفون الله، لكن كان عندهم قضية الشرك؛ أنهم نظروا إلى الكواكب على أن الكواكب تدبر الكون بإذن الله عز وجل. لما وجدوا الكواكب موجودة في السماء، ومعناه أنها أعلى من بقية الكائنات، فظنوا أن الكواكب هي التي تتصرف في الكون، وأن الله أسند إليها الأمر. فأبطل الخليل عليه السلام هذا الأمر، وأن الله لم يجعل بينه وبين خلقه واسطة، وأن الذي يتوجه إليه وتصرف إليه العبادة هو الله سبحانه وتعالى، وهو فاطر السماوات والأرض عز وجل.

فقال بعضهم: كانت القضية في دعواهم أنهم يشاركون في تدبير الكون، أو أن الله أوكل إليهم ذلك. قال الله سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام: 75). ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ﴾13 (الأنعام: 76). دخل الليل بظلامه؛ لأنَّ أصل مادة الجُنَّ تدل على الاستتار. ومنه قيل للجنين: جنين؛ لأنه مستتر في بطن أمه. ﴿وَقِيلَ﴾ للمجنون: مجنون؛ لأنه مغلوب على عقله. ﴿وَقِيلَ﴾ للجنة: جنّة؛ لأنَّها تستر من يدخلها. ﴿وَقِيلَ﴾ للقلب: جنان؛ لأنه مستتر. فقال: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ﴾ (الأنعام: 76).

الذي عليه كثير من المحققين: إن الخليل إبراهيم قال هذا الكلام على سبيل المناظرة، على سبيل إرخاء العنان لقومه، وليس على سبيل الإقرار بأنه ربه. يعني: الخليل لما قال: «هذا ربي»، هو يعرف أنه ليس ربه. ما قال «هذا ربي»؛ إنه ما كان عنده علم، ثم بدأ يطالع المسألة حتى وصل إلى معرفة الله. لا، الذي عليه الأكثرون من المحققين قالوا: لا، الخليل كان يعلم ذلك سابقاً. بدليل الآية التي قبلها: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام: 75). ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ﴾ (الأنعام: 76)؛ فهذا من الإيقان. فكأنَّه لما رزق اليقين، أُعطي القدرة والملكة على المناظرة. لذلك أقوى الناس على المناظرات، من أكثر الناس يقيناً. لو واحد عنده ذبذبة، عنده تشكك، وجاء ليناظر، ممكن يتقاعس عن المضي قدمًا في مناظرته. بل ولربما انقلب على عقبيه. لكن أثبت الناس في المجادلات، في المناظرات، هم أكثر الناس يقينًا وثباتاً على المبدأ الذي يسيرون عليه.

ومما يشهد لذلك أن الخليل إبراهيم ذكر الله عنه في آخر الآيات: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: 83)؛ إذًا هي حجة. أعطاها الله عز وجل للخليل إبراهيم. ويكون هذا من باب إرخاء العنان؛ يعني: يقول: «هذا ربي»، يعني: اجعلوني معكم، أعتقد أنه ربنا. يبقى هذا على سبيل التنزّل، على سبيل التنزّل مع الخصم. وبعض العلماء قدّر استفهامًا: أي: «أهذا ربي؟» كأنه يقول: أهذا ربي وتقدم معنا آيات في سورة الأنبياء حينما قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾14 (الأنبياء: 63)، وبعضهم قدّر إضمارًا، إلى غير ذلك مما قيل هناك في الدرس الماضي.

الحب والخضوع: حقيقة العلاقة بين العابد وربه

فقال الخليل إبراهيم: ﴿هَـٰذَا رَبِّى﴾. وجماعة من المفسرين يقولون: بل كانت هذه بداية وصول إبراهيم إلى معرفة الله جل وعلا حق المعرفة. لكن القول الأول أوجه. والعلم عند الله. ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ﴾15 (الأنعام: 76).

﴿فَلَمَّآ أَفَلَ﴾؛ ما معنى «فلما أفل» يعني: لما غاب، خلاص. ذهب. حدث له أفول، غياب. لأنَّ الكوكب يظهر في الليل، فإذا جاء النهار، ذهب. لم يعد ظاهرًا بادياً. قال: ﴿لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ﴾16 (الأنعام: 76). كان المتوقع أن يقول الخليل إبراهيم: «لا أعبد الآفلين». صح الكلام عن الرب، والرب ماذا يصنع يعبد. لكن قال: ﴿لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ﴾ (الأنعام: 76). كان المعنى: «لا أحب الآفلين»؛ أي: ولا أعبده. أنا لا أعبده. وهذا يدل على أن علاقة العابد بالمعبود ينبغي أن تكون علاقة حب. يعني: أنت لما بتعبد ربك، تعبده حباً. إذا قال: ﴿لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ﴾ (الأنعام: 76)؛ إذًا نحن نعبد الله، ونحن نحب الله سبحانه وتعالى.

فقال: ﴿قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ﴾ (الأنعام: 76). ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ﴾ (الأنعام: 76). قالوا: لأنَّ غياب هذا الرب المزعوم يدل على نقصه. لما يكون في ربي، بيجي أحيانًا ويغيب أحيانًا. ليس حاضراً. ثم إنَّ النهار إذا جاء، أزاله وغيَّبه. فمعنى ذلك أنه ليس ذا قوة، ليست عنده قوة. فحينئذ كيف يكون إلهاً، إذا كان بعض الآفاق إذا ظهرت ولمعت، غيَّبته ولم يعد له ظهور ولا وجود. قال: ﴿لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ﴾ (الأنعام: 76).

﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ﴾17 (الأنعام: 77). هذا تدرج. في المرة الأولى قال: ﴿لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ﴾ (الأنعام: 76). كانوا يقولون: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ﴾ (الأنعام: 76) أيضًا. في المرة الثانية تدرج مرة أعلى. قال: ﴿لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ﴾18 (الأنعام: 77). وكأنه يقول: «إياك أعني واسمعي يا جارة»، كأنه يقول: وإنكم إن لم ترجعوا عما أنتم عليه، فإنكم من الضالين. وهو: ﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ﴾ (الأنعام: 77)، وإن لم يهدكم ربكم، فإنكم من الضالين. ﴿لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ﴾ (الأنعام: 77)؛ يعني: يدخل في عداد الضالين.

﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾19 (الأنعام: 78). قال جماعة من المفسرين: لم يقل: ﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ20 ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: 78)؛ مع أنَّ الشمس مؤنثة. صح ﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: 78)؛ لم يقل: «بازغاً»، قال: ﴿بَازِغَةً﴾. بخلاف القمر. لكن قال: ﴿هَـٰذَا رَبِّى﴾؛ ما قالش «هذه ربي». ليه لأنه بيتعامل مع رب، ما يقولش «هذه». هي الآن مش قضية شمس، ده قضية ربوبية.

فقال: ﴿هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ﴾ (الأنعام: 78). لو القضية قضية أكبر، يبقى الشمس أولى. لكن القضية مش قضية قمر ولا شمس ولا شيء من ذلك. ﴿فَلَمَّآ أَفَلَتْ﴾؛ الشمس أيضًا تغيب، تظهر نهارًا، ثم تغيب بعد ذلك. فكيف يغيب الإله كيف يضعف الإله كيف إذا جاء الظلام، غيَّب الشمس. إذًا هذا يدل على نقصه، على قصوره. ﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: 78).

إعلان إبراهيم التوحيد ومجادلة قومه في معنى: الأمن الحقيقي

إذًا هو تدرج معهم حتى يصل إلى المقصود: ﴿إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾21 (الأنعام: 79). أي: مائلًا عن الشرك إلى التوحيد. ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِىَ﴾؛ أنا أصرف وجهي لمن ﴿لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾. اللي ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ وما فيهن، أو ومن فيهن. هو الحقيق بأن يُعبد، وأن يكون هو الإله، وأن يكون هو الرب سبحانه وتعالى.

قال الله عز وجل: ﴿وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ﴾؛ يناظرونه، يجادلون. ﴿وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾22 (الأنعام: 80). لا وجه لمجادلة الأصنام. ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرًا﴾ له. ﴿وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: 80). لكن ربي، لو قُدِّر أن أُصاب بضرر، يبقى من الذي قدَّر؟ الله. مش الصنم ولا الكوكب. صح زي السحر: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾23 (البقرة: 102). ﴿وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: 80). فالأمر لله، هو الذي بيده الحول والقوة، وبيده كل شيء سبحانه وتعالى. ﴿وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: 80).

وكيف أخاف ما أشركتم ما أنا اللي أخاف منه. الأولى بالخوف: المشرك يخاف، ولا الموحد يخاف؟ ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًا﴾ ليس معكم برهان ولا دليل على شرك. ليس معكم ولا مع غيركم؛ لأنه لا دليل على الشرك أصلًا. ﴿وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: 80). ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطَ كَانُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ ۗ قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَـٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾24 (البقرة: 140). ﴿فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾25 (الأنعام: 81). من الذي يخاف الذي يغضب الله، أم الذي يغضب الأصنام من الذي حقيق بأن يخاف الذي يعبد الله، أم الذي يعبد الأصنام هكذا يقول. ﴿فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام: 81).

ثم أجاب ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَٰنَهُم بِظُلْمٍ. يعني: لم يخلطوا إيمانهم بظلم. وقد فسرها الرسول ﷺ بالشرك؛ لأنَّ الصحابة لما نزلت هذه الآية: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾26 (الأنعام: 82)؛ من الذين لهم الأمن، ومن المهتدون ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَٰنَهُم بِظُلْمٍ. لما نزلت الآية، الصحابة شق عليهم الأمر. كما جاء في حديث ابن مسعود في الصحيح: حيث شق ذلك على المسلمين، وقالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه

رب العزة يقول: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: 82). الآمنون، المهتدون، هم المؤمنون الذين لم يظلموا. طب ما كل واحد فينا وقع في ظلم. انظر إلى الصحابة كيف كانوا يتعاملون مع القرآن. قالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه ما إحنا كده مش داخلين في الآية، ملناش أمن ولا لنا هدى.

فقال الرسول ﷺ: «ليس ذلك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه27؟» وفي لفظ: «العبد الصالح لابنه، ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَـٰنُ لِٱبْنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَـٰبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾: يا بني لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم» (رواه الترمذي وابن ماجه). يبقى معنى الآية: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾28 (الأنعام: 82)؛ يعني: ولم يلبسوا إيمانهم بشرك. يعني: على التوحيد. ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: 82). هذا فيه أن أهل التوحيد يؤمنهم الله سبحانه وتعالى، فهم آمنون. وإن خاف الناس. وهم مهتدون؛ يهديهم ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

مناظرة الخليل إبراهيم عليه السلام لقومه وإبطال عبادة الكواكب

ثم قال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: 83). وقدم الحكمة على العلم؛ لأنَّ هذا مناسب لقصة الخليل إبراهيم. لأنَّ الشخص قد يُعطى علمًا، لكنه ليس حكيماً. ممكن واحد تجد عنده علم، بس يأتي للمناظرة، يأتي لدعوة الناس، لا يحسن دعوتهم. لكن الخليل وُفِّق ورزقه الله الحكمة والعلم. وإذا كان ربي قد رزقه ذلك، فكيف بالرزاق سبحانه هو الحكيم العليم عز وجل.

هذا طرف يسير من هذه القصة المباركة التي ذكرها الله عز وجل لنا في سورة الأنعام. وختامًا: العجيب أن هذه القصة لم ترد في موضع آخر إلا في سورة الأنعام. وقلت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾: إن القصة تأتي في السورة لمناسبة مقصود السورة. سورة الأنعام، كما ذكر القرطبي، أصل في محاجة المشركين والمبتدعة، وغير ذلك من سائر أهل الملل. يعني: سورة الأنعام حينما تقرؤها، تجد أن رب العزة يرد على شبهات المشركين. فناسب ذلك أن يأتي — أن تأتي قصة الخليل إبراهيم في المناظرة والرد على شبهات المشركين، أيضًا في عبادة الكواكب.

وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وسلم تسليمًا كثيرًا

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ * وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْـَٔافِلِينَ * فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ * فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 74-79 ↩
  2. آية: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 83 ↩
  3. آية: ﴿۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 74 ↩
  4. حديث: «يلقى إبراهيم أباه آزر» — نسبة الشيخ: البخاري ↩
  5. حديث: «من بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه» — نسبة الشيخ: مسلم ↩
  6. آية: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ — كما ورد في الدرس: المسد 1 ↩
  7. آية: ﴿مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ — كما ورد في الدرس: المسد 2 ↩
  8. آية: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 74 ↩
  9. آية: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 75 ↩
  10. آية: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 75 ↩
  11. آية: ﴿۞ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 51 ↩
  12. آية: ﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 78-79 ↩
  13. آية: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْـَٔافِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 76 ↩
  14. آية: ﴿بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 63 ↩
  15. آية: ﴿لَآ أُحِبُّ ٱلْـَٔافِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 76 ↩
  16. آية: ﴿قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْـَٔافِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 76 ↩
  17. آية: ﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 77 ↩
  18. آية: ﴿لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 77 ↩
  19. آية: ﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 78 ↩
  20. آية: ﴿هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 78 ↩
  21. آية: ﴿إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 79 ↩
  22. آية: ﴿وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 80 ↩
  23. آية: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 102 ↩
  24. آية: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطَ كَانُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ ۗ قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَـٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 140 ↩
  25. آية: ﴿فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 81 ↩
  26. آية: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 82 ↩
  27. حديث: «ليس ذلك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه؟» — نسبة الشيخ: الترمذي ↩
  28. آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 82 ↩

من سلسلة: في قصصهم عبرة (64 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة