مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

صفات المؤمنين في سورة الأنفال

الدروس والمنوعات · الدرس 163 من 167 · 35 دقيقة · الدروس والمنوعات

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، [يُراجع التسجيل؛ بداية مقدمة الخطبة ناقصة]، من يهده الله فلا مضل له «وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله

اتقوا الله حق تقاته ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ ﴿ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فوزًا عظيمًا أما بعدُ، فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم

وإياكم ومحدثات الأمور فإنَّ كل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة يا أيها الإخوة الكرام نحن اليوم على موعدٍ

مع صفاتِ المؤمنينَ كُمَّلِ الإِيمَانِ جعلنا الله منهم بمنه وكرمه كما وصفهم الله بذلك في صدر سورة الأنفال، وفيها حديث عن تلك الغزوة المباركة غزوة بدر التي فرق الله فيها بين الحق والباطل

فأعلى الله كلمة الإسلام وأعز جند الإسلام وأذل الشرك والمشركين قال عز من قائل: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾2 (الأنفال: 2-4)

الصحب الكرام رضي الله عنهم لما نصرهم الله عز وجل على المشركين في غزوة بدر وقع بينهم شيء من التنازع وشيء من الاختلاف وهم من هم هم من هم في الفضل والمكانة وفي الخير والتقوى

وفي زكاة النفوس والإيمان نسأل الله عز وجل أن يلحقنا بهم ﴿فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ وقع بينهم تنازع ذلكم أن المسلمين لما نصرهم الله على المشركين هَمَّتْ مجموعةٌ من الصحابةِ بجَمْعِ الغنائمِ فحووا تلك الغنائم وجمعوها

وانطلق بعض المسلمين وراء المشركين حتى لا يعودوا مرة ثانية لقتال المسلمين وأحدق مجموعة من الصحابة برسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم خشية أن يأتيه عدو من هنا أو هناك إذن انقسموا إلى ثلاثة أقسام

قسمٌ سار خلف المشركين لئلا يعود المشركون لقتال النبي «صلى الله عليه وسلم» وأصحابه ومجموعةٌ منهم يجمعون الغنائم والمجموعة الثالثة تحيط برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتُحفظه من أيدي الأعداء إذًا من عادوا، فقال الذين جمعوا الغنائم

نحن أحق بها منكم نحن أحق الناس بتلك الغنائم لأننا الذين جمعناها، وما دمنا قد جمعناها فهي لنا فمن جمع شيئًا فهو له وقال الآخرون لستم بأولى منا فنحن ﴿أَنَّمَا﴾ انطلقنا خلف العدو لئلا يعود مرة ثانية ولولا ذلك لعاد إليكم

وقالت الطائفة الثالثة: ولستم بأحق منا فنحن أحدقنا برسول الله «صلى الله عليه وسلم» وأحطنا به لئلا يأتي إليه عدو من هنا أو هناك فوقع شيء من التنازع في هذا الأمر فأنزل الله قوله: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ﴾، يسألونك عن الغنائم

﴿قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ ليس الحكم إليكم ولستم أنتم الذين تقومون بتقسيمها ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ والذي يلزمكم ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، اتقوا الله

اتقوا الله فامتثلوا أمره اتقوا اللهَ فاجتنبوا نَهْيَهُ وقِفُوا عندَ حَدِّهِ ولا تتجاوزوا ما يشرع الله عز وجل لكم فاتقوا الله

وأصلحوا ذات بينكم لا يقع بينكم شقاق أو تنازع فأنتم تركتم الشرك مع أنَّكم كنتم وقتَ أن كنتم على الشِّرْكِ أغنيّاءَ

لكنكم تركتم الأموال وتركتم ما لديكم من ديار وهاجرتم إلى الله وإلى رسوله فلا تعودوا عما كنتم عليه فأنتم ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ المبين ﴿وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم﴾

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وهنا قد يرد سؤال وهو أليسوا مؤمنين فلفت الله أنظارهم إلى المؤمن حقًا فقال ﴿أَنَّمَا﴾ المؤمنون وذكر أوصافهم

أو أن يكون والله تعالى أعلم أن يكون قوله جل ذكره ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ﴾ من قبيل التعليل لهذه الأوامر أي: لما أمرهم الله ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ وأمرهم بإصلاح ذات البين وبطاعة الله ورسوله إن كانوا مؤمنين بين لهم لماذا يجب عليهم ذلك

لماذا يجب علينا أن نتقي الله لماذا يجب علينا أن نطيع الله ورسوله لماذا يجب علينا أن نصلح ذات بيننا يجب علينا ذلك لأننا يجب أن نكون مؤمنين وصفات المؤمنين تدعوكم إلى ذلك وعليه فالشقاق الذي يقع بين المسلمين

والصراعات الدنيوية حلها في صدر سورة الأنفال الشقاق والتنازع والمخالفات والابتعاد عن طاعة الله وطاعة رسول الله «صلى الله عليه وسلم» حلها وجوابها وعلاجها في صدر سورة الأنفال بتحقيق أوصاف المؤمنين حقًا جعلنا الله منهم بمنه وكرمه فمن هم؟

أول صفة، أولى تلك الصفات الخمس

عند ذكر الله سبحانه وتعالى والصفة الثانية ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا﴾ زيادة الإيمان عند تلاوة الآيات وسماعها والصفة الثالثة وعلى ربهم يتوكلون التوكل على الله وحده

والصفة الرابعة الذين يقيمون الصلاة إقام الصلاة والصفة الخامسة ومما رزقناهم ينفقون الإنفاق وعدم منع المال للمستحقين فيعطون الزكاة وما إلى ذلك من الواجبات فانظر أخي الكريم إلى تلك الصفات الخمس

وانظر أين أنت منها فإذا كانت الصفات الخمس فيك فأبشر وإن كان بعضها فيك وبعضها ليس فيك فراجع نفسك فيما ينقصك

فاليوم تستطيع وغدا لا تستطيع اليوم تقدر على أن تصلح من نفسك وأن تحقق تلك الصفات وأما بعد الآن فلا تضمن لنفسك شيئًا إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه، تكن مثل ما يعجبك «فليس على الجود والمكرمات .. إذا جئتها حاجب يحجبك» ﴿أَنَّمَا﴾ المؤمنون

المقصود بقوله ﴿أَنَّمَا﴾ المؤمنون؟ أي: ﴿أَنَّمَا﴾ المؤمنون كاملو الإيمان لئلا يقول قائل إذًا فاتتني صفة من الصفات وأنا موحد بالله هل معنى ذلك أنه خرج من الإيمان كلية؟ لا، ﴿أَنَّمَا﴾ هذه صفاتُ المؤمنينَ كُمَّلِ الإِيمَانِ

وما يمنعك أن تسعى إلى ذلك؟ والواحد فينا، يا أيها الإخوة، لا يحب أن يتقدمه غيره في أمر من أمور الدنيا أفيحب أن يتقدمه غيره في أمر الآخرة؟ وعطاءُ اللهِ لا يَنْفَدُ، ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْءَاخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾3 (الإسراء: 21) ﴿وَلَلْءَاخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ على أنه ينبغي لكل مؤمن

أن يكون له حظ من تلك الصفات قد يكثر وقد يقل قد يكبر وقد يصغر لكن كل له حظ أو نصيب من تلك الصفات ﴿أَنَّمَا﴾ المؤمنون أولى تلك الصفات ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ حينما يذكر الله

يسمعون كلمة عن الله أو يسمعون كلمة الله أو يسمعون ذكر الله توجل تلك القلوب ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ومعنى وجلت قلوبهم فزعت وخافت لماذا؟ استشعارًا لعَظَمَةِ ذِي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ

إذا سمع كلمة ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ سمع كلمة الله أكبر إذا سمع كلمة اتق ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ سمع كلمة خف من الله ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ توجل القلوب

تَسْتَشْعِرُ العَظَمَةَ، تَهَابُ اللَّهَ وَتُجِلُّهُ، قال بعضهم: إذا ذُكر الله، أي: إذا ذُكرت آيات الوعيد، إذا ذُكرت النار، إذا ذُكر عقاب الله توجل القلوب وتخاف من ذلك وقال آخرون: بل الآية أعم وهذا أصوب فالعبد المؤمن إذا ذُكر الوعيد خاف

إذا قرأ الآيات التي حدثنا الله فيها عن نار تلظى عن نار جهنم نسأل الله السلامة توجل القلوب تخاف لأننا على يقين أن عذاب الله شديد

وأن عذاب الله عظيم وأن عذاب الله كبير وأن عذاب الله أليم وأن عذاب الله غليظ كل ذلك من أوصاف عذابه نسأل الله أن ينجينا من عذابه توجل القلوب تضطرب تقلق تهتز المشاعر وكذلك مما يدخل في معنى: الآية

إذا ذُكر الله، كأن يُذكر اسم من أسماء الله الحسنى وصفاتِهِ العُلَى؛ كأنْ تُذْكَرَ آية من آيات القرآن فيها تعريف للعباد برب العباد توجل القلوب ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟﴾4 فمن كان بالله أعرف ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟﴾ (فاطر: 28)، «فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف»

يقرأ آيات فيها الحديث عن الله، ويقرأ قول الله: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ۖ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْمَلِكُ﴾

﴿ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَـٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَـٰلِقُ ٱلْبَارِئُ ٱلْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ يدخل في ذلك إذا ذُكر الله استشعر عظمة الله

إذا ذُكر الله تذكر أن الله هو الحي حينما لا يكون هناك حي فهو ﴿ٱلْحَىِّ ٱلَّذِى لَا يَمُوتُ﴾ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾5 (الرحمن: 26-27) حينما يتذكر الله يتذكر أن الله هو الملك حينما يقال: ﴿يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ ۚ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾6 اليوم؟ فيجيب: لله الواحد القهار ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ (غافر: 16) يتذكر عظمة الله

يعرف نعم الله التي لا تعد ولا تحصى يعلم أن كل نعمة فمنه وأن كل نعمة فالله هو الذي يسديها وأن كل نقمة فالله قادر على أن يمنعها ويصرفها عن عباده ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾7 (الأنعام: 17)

يتذكرُ اللهَ وعَظَمَتَهُ، فَيَوْجَلُ قلبُهُ وَيَضْطَرِبُ، يخاف من عذاب الله يخاف من سوء الخاتمة يخاف من ألّا يكون الله راضياً عنه يخاف من ألّا يكون الله راضياً عنه يخاف من أن يكون يعيش بين الناس والله ساخط عليه

يوجل قلبه ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ8 مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ (الزمر: 23) ولذلك لا تعارض

بين هذه الآية ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وبين قوله ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾9 (الرعد: 28) فقد يسألُ سَائِلٌ: اللهُ قالَ في آيةٍ: وجلت قلوبهم القلوب خائفة

وقال في آية: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ فهل القلوب خائفة أم أن القلوب مطمئنة نقول إن قلوب المؤمنين خائفة ومطمئنة مطمئنة بانشراح الصدر بالتوحيد وَحَّدَ اللَّهَ وَآمَنَ بِهِ، فَانْشَرَحَ صَدْرُهُ وَاطْمَأَنَّ فُؤَادُهُ وَوَثِقَ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ، وعلم أن كل شيء في الكون بأمر الله فقلبه مطمئن بذلك

وقلبه قلق وخائف من عذاب الله فهو في باب مطمئن وفي باب خائف وقلق لذلك جمع الله بين المعنيين في الآية السابق ذكرها في سورة الزمر قال تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴿ثُمَّ تَلِينُ﴾، القلب خاف واضطرب ثم يجد السكينة والطمأنينة واللين الذي يخاف يؤمنه الله

والذي يوجل يشرح الله صدره وينير قلبه فيحبب له الإيمان ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾10 (الحجرات: 7) جعلنا الله منهم بمنه وكرمه إذا كنت ممن

يسمع شيئًا من كتاب الله أو من سنة رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فيتعرف على طاعة لم يكن يعرفها ينشرح صدره لذلك ويحب أن يقوم بهذا الأمر الذي أمر الله به أو أمر به رسوله «صلى الله عليه وسلم» فأنت على خير كبير

حديث سمعته لم تسمعه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ آية سمعتها لم تكن تتفهم معانيها أو لم تكن تفهم معناها فعلمت معناها تقول يا رب أعني على تطبيقها وينشرح صدرك هذا طيب

أما إذا كنت حينما تعلم حكمًا من الأحكام ينغلق فؤادك ويضيق صدرك وتقول تكليف شاق وحكم صعب ولا أقدر عليه فهذا أمر مشين نسأل الله السلامة منه إذا كنت حينما تُذكر المعصية أمامك أو حينما يُفتح أمامك باب من أبواب الشر تكرهه وتبغضه

وتقول يا رب اصرفه عني واصرفني عنه فأنت على خير

وإذا كنت ممن إذا سمع بابًا من أبواب المعصية ينشرح صدره لتلك المعصية ويقول لماذا لم أعلم بها ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ سأجتهد في فعل تلك المعصية فأنت على خطر نسأل الله السلامة، مقاييس مهمة يجب أن تُدرى وأن يعلمها العبد حتى يدري أين هو من الله وأين منزلته عند الله

﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، قال بعضهم: إذا ذُكر الأمر والنهي وجل القلب حينما تسمع أمرًا من أوامر الله نهيًا نهى الله عنه، خاف ﴿إِلَّا﴾ توفق لفعله وألا تُعان على فعله كذلك ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، قال بعض المفسرين: أي: قَبِلَتْ قُلُوبُهُمْ، لم تَخَفْ فحسب،

وإنَّما خافت وفزعت وقبلت قالت يا رب سلمت لك واستسلمت لحكمك لا أخالفك في صغير ولا كبير وهذا من الفوارق الكبيرة بين الصحابة رضي الله عنهم ومن جاء بعدهم فإنَّ الصحب الكرام رضي الله عنهم حققوا ذلك في أعلى المراتب وأسمى المنازل

فكان الواحدُ منهم ما إن يُذْكَرُ اللهُ إلا ويوجل قلبه ويهتز فؤاده ويهرول مستجيبًا لله ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

وحدثنا الله كذلك حدثنا رسول الله «صلى الله عليه وسلم» كذلك عن نفر طيب مبارك تتحقق فيه تلك الخصال ففي السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله نسأل الله أن نكون معهم ومنهم قال صلى الله عليه وسلم: «وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ»

رجل ذكر الله خلياً ففاضت عيناه بإمكانك أن تكون كذلك أن تخلو بنفسك وأنت تذكر عجزك وفقرك وأنت تذكر تقصيرك وتفريطك وأنت تذكرُ إِنْعَامَ اللَّهِ عليكَ،

فكم من نعمة لله عليك وكم من معصية تقع منك فما يكون منك إلا أن تدمع عيناك وأن تهتز مشاعرك وتقول يا ﴿رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾

ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه وقال «صلى الله عليه وسلم» «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قال عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله

وحدثنا الرسول عليه الصلاة والسلام عن الثلاثة الذين أطبقت عليهم الصخرة وكيفَ أَنْجَاهُمُ اللَّهُ تبارك وتعالى من تلك الصخرة التي كانت منطبقة عليهم وكان من بينهم رجل يعشق فتاة بل يعشق ابنة عمه وهي حبيبته يريدها وراودها عن نفسها وامتنعت منه

حتى احتاجت إليه وقدم لها المال وجلس منها كما يجلس الرجل من امرأته وتمكن منها غاية التمكن فقالت له: اتق الله، «ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقه» فقام عنها وهي أحب الناس إليه

اتق الله كم تهز من مشاعر إني سائلك اليوم حينما ترتكب محرما إذا قيل لك اتق الله، ماذا تصنع؟

حينما يقال لك اتق الله أنت ظلمت أختك في مِيرَاثِهَا اتق الله أنت أطلقت بصرك إلى الحرام اتق الله أنت أكلت بعض الحقوق اتقِ اللهَ أنتَ فَرَّطْتَ في الصَّلَاةِ، اتق الله أنت منعت الزكاة اتق الله أنت تعق والديك اتق الله أنت قطعت رحمك اتق الله

ماذا تصنع فيك كلمة اتق الله؟ ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ لا تحتاج إلى تخويف من أحد

ولا تحتاج إلى سجن ولا تحتاج إلى قضاء أو محكمة ترفع عليك ولا تحتاج إلى جلسة عرفية تعقد لك ولا تحتاج أن يسبك الناس لأنك قبل ذلك تخاف من رب الناس ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ وليس هذا فحسب

﴿أَنَّمَا﴾ توجل قلوبهم مع الطاعة فكيف مع المعصي ألم يقل الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ﴾11 (المؤمنون: 60) يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قالت عائشة رضي الله عنها كما عند الترمذي يا رسول الله

أهذا الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ فهو يخاف، من هذا الذي يؤتي ما يؤتي وقلبه وجل؟؛ مَنْ هذا الذي قلبُهُ خائفٌ؟ الذي يزني ويشرب الخمر ويفعل قال لها لا يا ابنة الصديق

﴿أَنَّمَا﴾ هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف ﴿إِلَّا﴾ يُقبل منه ويخاف أن لا يقبل منه قلبه وجل ما يدريك لعلك مُرَاءٍ وأنتَ لا تَشْعُرُ لعلك تفعل الخير من أجل الناس فيكون عملك حابطًا غير مقبول نسأل الله السلامة. ما يدريك أنك تثبت على ما أنت عليه؟

﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ وقال ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾12 (الحج: 34-35) مخبت مطمئن ساكن راض بقضاء الله عز وجل ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ الله الله في آياته

الله الله في عظمته خافوا الله وعرفوا عظمته وقدروا الله حق قدره فهو العظيم وهو الكريم وهو القوي وهو المتين سبحانه عز وجل

﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ والصفة الثانية، أنا أحب أن أعرج عليها على سبيل السرعة وإلا فكل صفة تحتاج إلى لقاءات لا إلى لقاء واحد ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا﴾؛ حينما تَتْلُو القُرْآنَ يَزْدَادُ إِيمَانُكَ،

يزداد يقينك لأنك تعلم أن هذا القرآن لا يصدر إلا من رب العالمين وأنه كلام ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فهو كلام معجز تحدى الله به الأولين والآخرين والإنس والجن ﴿قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾13 (الإسراء: 88)

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ إمامُ المتقينَ،

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد أما بعد فيا عباد الله قال الله ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا﴾ حينما تسمع القرآن يزداد إيمانك يزداد إيمانك لأنك

تعلم أن هذا كلام الله ويزداد إيمانك لأنك تتعلم علمًا جديدًا تستفيد منه ومعرفة جديدة تستفيد منها ولأنك تسعى لتطبيق ما تسمع فإذا سمعت القرآن ولم يزدد إيمانك فَاتَّهِمِ النَّفْسَ

بعضنا يسمع القرآن لا يتحرك منه ساكن أو بعضنا يستغني بسماعه ذلكم القارئ الذي قد أعجب بصوته دون أن يدرك ما يقول قد من الله على قوم بصوت حسن يخشون به الله جل وعلا لتؤثر قراءتهم في الأسماع والقلوب

لا أن تكون مجرد قراءة عابرة تمر دون أن يتذكر الإنسان أو يعتبر ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا﴾ أم أيمن بركة التي حضنت النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم

ولها ما لها من الفضل كان يصلها رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فلما توفي الرسول «صلى الله عليه وسلم» كما في مسلم أراد أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يزور أم أيمن لأنَّ أم أيمن لها فضل ومكانة فقال لعمر هيا بنا نزور أم أيمن فدخل على أم أيمن رضي الله عنها فلما رأتهما أم أيمن بكت

وهيَّجتهما على البكاء فظنوا أنها تبكي لأنَّها تذكرت الرسول عليه الصلاة والسلام وحق لها أن تبكي عند تذكره فقالت لهما: ﴿أَنَّمَا﴾ أبكي على انقطاع الوحي أبكي لأنَّ القرآن انتهى كانت تحب أن تسمع آيات من الرسول الرسول مات وانتهى القرآن فتقول أبكي على انقطاع الوحي

كانت ترغب في أن تسمع آية لتتأثر بها سبحان ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ عرفوا قدر القرآن وعظموه حق التعظيم ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا﴾ أقرأوا القرآن

وتفهموه وتدبروه وازدأدوا إيمانًا عند تلأُوتي وقد قال الحسن وغيره ما قرأ أحد للقرآن إلا قامَ عنه بزيادةٍ أو نُقْصَانٍ؛

كل من يقرأ القرآن وكذا من يسمعه يقوم إما بزيادة ازداد أجره وثوابه وإما بنقصان لأنَّ القرآن قد يلعنه لأنَّ القرآن فيه كذا وكذا وهو يخالف ما في القرآن فلا تخالف ما في كتاب الله عز وجل ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا﴾ وفيه دليل على زيادة الإيمان فجدير بنا أن نعرف كيف يزيد إيماننا

وما الذي ينقص به الإيمان حتى نسعى إلى زيادة الإيمان اللهم زد إيماننا وقوِّ الإيمان في قلوبنا والصفة الثالثة: ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ نعم وجلت القلوب وازدادت إيمانًا وكذلك على ربهم يتوكلون وقوله: على ربهم بتقديم على ربهم ليفيدَ معنى الاخْتِصَاصِ؛ أي: على ربِّهِمْ وَحْدَهُ يتوكلونَ،

وما لهم لا يتوكلون على الله وحده وهم يعلمون أنه مالك الملك ذو الجلال والإكرام يعتمدون عليه في كل شؤونهم ويعلمون أن الذي يقضي الحاجات وأن الذي يزيل تلك الملمات وأن الذي يدفع الشدائد والمصيبات وأن الذي يرزق العباد ويرزق من في الأرض والسماوات ﴿أَنَّمَا﴾ هو الله جل جلاله

وعلى ربهم يتوكلون، هذا عن بواطنهم: توكل وتفويض الأمر لله بقلوبهم وخشية في قلوبهم فماذا عن ظاهرهم هل هم في الظاهر معرضون واحد يقول يقول: «قلبي قلبٌ أبيض، وقلبٌ نظيف!»

أين علامة ذلك قال ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ فهناك أمور باطنة وأمور ظاهرة صلاح باطن يقتضي صلاح الظاهر يقيمون الصلاة يؤدونها بخشوع يؤدونها كما ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ﴾ كما يرضى الله يؤدونها في أوقاتها كاملة مستوفاة

يؤدون الفرائض لا يقصرون في الصلاة والحديث عنها يطول ومما رزقناهم ينفقون لا يبخلون لأنهم يعلمون أن الله هو الغني ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ﴾14 (النحل: 96) ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (سبأ: 39) يا أيها الإخوة الكرام تلك صفات خمس ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ

﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ جزاؤهم ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أما تريد الدرجات عند الله درجات في الجنة درجات منازل رفيعة ومغفرة

لأنك مهما كنت ستقع في معصية الله سيغفرها لك لكن أنت تحرص على الطاعة ورزق كريم رزق لا نكد فيه لا غم فيه لا يشاركك فيه أحد لا يحسدك عليه أحد لا يصرفك عنه أحد لا يأخذه منك أحد لا يكدر بالمَصَائِبِ لا يكدر بالموت

لأنه في جنة من يدخلها ينعم فلا يبأس ويسعد ولا يشقى ويخلد ولا يموت بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ نسأل الله أن يجعلنا من المؤمنين حقًا وممن يرزقون الرزق الكريم وممن تُغفر لهم الزلات اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا

اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم أصلح ولاة أمرنا وخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ

وسائر بلاد المسلمين سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» أستغفرك وأتوب إليك وأقم الصلاة.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
  2. آية: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَـٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ۝ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ يُنفِقُونَ ۝ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 2-4 ↩
  3. آية: ﴿ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَـٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 21 ↩
  4. آية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 28 ↩
  5. آية: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍۢ ۝ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 26-27 ↩
  6. آية: ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ — كما ورد في الدرس: غافر 16 ↩
  7. آية: ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 17 ↩
  8. آية: ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَـٰبٗا مُّتَشَـٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشﮯَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 23 ↩
  9. آية: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ — كما ورد في الدرس: الرعد 28 ↩
  10. آية: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 7 ↩
  11. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 60 ↩
  12. آية: ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ۝ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 34-35 ↩
  13. آية: ﴿قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 88 ↩
  14. آية: ﴿مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 96 ↩

فوائد من هذا الدرس

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة