المجلس الحادي عشر - شرح وتقريب تحفة الأريب - (بدءا من مادة أول إلى مادة أجل)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
التأويل رجوع إلى مراد المتكلم
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام الفضلاء، مع المجلس الحادي عشر من التعليق على كتاب تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب لأبي حيان الأندلسي وكنا قد توقفنا في اللقاء السابق عند كلمة أول قال أبو حيان آل فرعون قومه والألف بدل من الواو في الأصح لا من الياء بدليل تصغيره أوي وتكلمنا على هذا الذي ذكره أبو حيان وأضفنا إليه بعض الإضافات، وكان آخر ما تحدثنا عنه الإشارة إلى معنى التأويل وقلنا إن مادة التأويل تعود إلى الأول.
وقد ذكر ابن فارس أن «أول»، الهمزة والواو واللام، أصلان: ابتداء الأمر وانتهاؤه فتطلق المادة على أول الأمر وانتهاؤه. وقال الراغب التأويل من الأول، أي: الرجوع إلى الأصل. إذن التأويل معنى الرجوع إلى الأصل. إذن هذا تأويل الكلام، يعني: الرجوع به إلى أصله، ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه. وذلك هو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه علمًا كان أو فعلًا، يعني: التأويل رد الشيء إلى الغاية المرادة منه علمًا كان أو فعلاً.
وقد ذكر بعضهم في أصل المادة إنَّها حقيقة الشيء المتحصلة منه فالتأويل يدل على حقيقة الشيء المتحصلة منه أي: صلب مادته التي يوصل إليها بعد تنحية ما يشوبها أو يغطيها. ولذلك يقال عن الخشب المجرد فهو خشب أزيل قشره فهو على حقيقته. ولذلك قالوا تأويل الكلام المراد به الحقيقة التي يرجع إليها الكلام والتي يعود إليها الكلام ويمكننا أن نقول إن تأويل الكلام هو الرجوع به إلى مراد المتكلم وهو على قسمين: يعني: مادة التأويل التي تعني الرجوع بالكلام إلى مراد المتكلم على قسمين: .
التأويل تفسيرًا وحقيقة المآل
القسم الأول بيان مراد المتكلم وهو الذي نسميه بالتفسير. وهذا معنى أن مادة التأويل تأتي بمعنى التفسير تأتي بمعنى التفسير ويشهد لهذا ما جاء في قول النبي ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما، «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» في بعض روايات الحديث فمعنى علَّمه التأويل، أي: التفسير كما عليه الأكثرون.
ومن ذلك قول أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه «﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل»، يعني: تفسرونها هذا التفسير. وذلك في قوله سبحانه وتعالى، ﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾2. إذن التأويل يأتي بمعنى التفسير، ومن أشهر من أطلق عليه ذلك ابن جرير الطبري في كتابه جامع البيان عن تأويل آي القرآن فكثيرًا ما يقول القول في تأويل قوله تعالى ويقول أهل التأويل ونحو ذلك.
إذن التأويل بمعنى التفسير ويأتي التأويل بمعنى آخر وهو. المعنى الغالب في استعماله في القرآن الكريم والمعنى الغالب في استعماله، يعني: يأتي التأويل بمعنى التفسير ويأتي بالمعنى الآخر وهو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام فالمراد بالتأويل الموجود الذي يؤول إليه الكلام بمعنى ظهور المتكلَّم به في الواقع المحسوس.
فإنَّ كان الكلام خبرًا فتأويله وقوع المخبر به، يعني: ربنا سبحانه وتعالى، أخبرنا بخبر فما معنى تأويل الخبر معنى وقوع هذا الخبر. قال تعالى ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ﴾3 إلى آخر الآية الكريمة. ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ﴾4، يعني: إلا وقوعه.
هذا معنى التأويل. تقول جاء زيد. ما معنى، ما تأويل «جاء زيد»؟ مجيء زيد. يعني: إذا جاء زيد نفسه. فهذا تأويل قولنا جاء زيد وإذا كان الكلام طلبًا، أمرًا أو نهيًا، فتأويله أن يُمتثل هذا الطلب. ومن ذلك صنيع النبي ﷺ لما نزل قول الله جل ذكر ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا﴾5 قالت أمنا عائشة رضي الله عنها كما في الصحيحين «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن».
تأمَّل! يتأول القرآن، يعني: ينفذ الأمر الذي أمر الله به في قوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا﴾. إذن معنى التأويل إما معناه: التفسير أو معناه: تحقيق أو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام. فإنَّ كان خبرًا فبوقوعه وإن كان طلبًا فبتنفيذه، يعني: بامتثاله. إن كان أمرًا، أو باجتنابه إذا كان نهيًا هذان المعنيان مشهوران ولهما أمثلة في القرآن الكريم.
وربما ورد في موضع واحد النزاع فبعضهم يلحقه بهذا وبعضهم يلحق بهذا كما في قوله ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾6 فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: المراد بالتأويل التفسير ويختار العطف ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ والراسخون في العلم، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: التأويل الحقيقة التي يؤول إليها الكلام ويرى الوقف على الاسم الأحسن: الله سبحانه وتعالى، فيقول: ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ ويقف هذا يعني: فيه كلام طويل.
صرف الظاهر اصطلاح لا يفسّر القرآن
لكن لأن المادة تتعلق بما نحن بصدده من مادة أَوْل وأشير هنا إلى أن التأويل بالاصطلاح الحادث الذي ذكره الأصوليون وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح لقرينة تدل عليه فهناك التأويل عند الأصوليين وهو، أن نصرف اللفظ عن. المعنى الظاهر إلى معنى مرجوح لقرينة تدل عليه تكون هناك قرينة وحينئذ يكون التأويل صحيحًا.
فإنَّ لم تكن هناك قرينة فيكون التأويل فاسدًا. فهذا تعريف للتأويل الصحيح. لكن هذا تعريف الأصوليين هذا تقرر لاحقًا بمعنى أن آيات القرآن الكريم حينما تذكر كلمة التأويل لا يمكن أن نفسرها بهذا التفسير. لِمَ؟ لأن هذا تفسير حادث، ومن المعلوم، أن كلمات القرآن الكريم ﴿أَنَّمَا﴾ تفسر بما كان. المعنى معهودًا في لسان العرب في لسان الصحابة رضي الله عنهم حينما نزل هذا القرآن الكريم. يعني: لا يمكن أن نحاكم معاني ألفاظ القرآن الكريم إلى مصطلحات حادثة.
ولذلك لا يغتر أحد بما ذكره ابن منظور في لسان العرب وبما ذكره الزبيدي في تاج العروس حينما عرَّفوا التأويل بهذا التعريف المشهور عند الأصوليين بأنه صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح لقرينة تدل عليه فإننا نقول هم عرفوا باعتبار المصطلح الحادث. لكن ليس هو من حيث الإطلاق اللغوي، يعني: أهل العربية والذين تكلموا بالشعر لم يذكروا التأويل بهذا.
المعنى، وكذلك هو في القرآن ليس بهذا. المعنى لكن هذا اصطلاح أصولي يُراعى في قواعد الأصول، ولا مانع من الأخذ به. لكن لا نفسر التأويل في القرآن بها، يعني: كلمة التأويل في القرآن لا تفسر بهذا. لكن يبقى أن التأويل منه المحمود، ومنه المذموم بصفة عامة كما هو معروف في علم الأصول بعد ذلك ننتقل إلى الكلمة التي تليها وهي كلمة ألل قال الإل قيل الله عز وجل قيل الله والعهد والقرابة والحلف.
الإل بين الله والعهد والقرابة
إذن عندنا مادة ألل قال الإل وقوله: الإل هذا في قول الله سبحانه وتعالى، ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا7 وَلَا ذِمَّةً﴾8 ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا9 وَلَا ذِمَّةً﴾10. فقال: هنا قيل الله، يعني: هناك من فسر الإل بالله، ومنهم من قال العهد، ومنهم من قال القرابة، ومنهم من قال الحلف، يعني: يكون هناك حلف بينه وبين غيره فينبغي عليه أن يراعيه هذا عن مادة ألل، وبالفعل مادة ألل لم يأت منها في القرآن الكريم إلا هذه الكلمة «إلًّا».
وذلك في قوله سبحانه في سورة براءة في سورة التوبة ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾. لكن ذكر ابن فارس أن مادة أل في أصلها في اللغة العربية ثلاثة أصول، يعني: تأتي على ثلاثة أصول، معانٍ مختلفة أل لمعان في اهتزاز فيقال أل الشيء إذا لمع والصوت والسبب يحافظ عليه تقول «سمعت أليل الباب» صوته والمعنى الثالث الإل الربوبية.
إذن الإل في اللغة يأتي بمعنى اللمعان في اهتزاز والصوت والسبب يحافظ عليه ويأتي الإل بمعنى الربوبية فتكون وصفا لله سبحانه وتعالى. ونريد أن نفرق هنا. هنا قال أبو حيان قيل الله ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا﴾، يعني: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ﴾ الله. هذا هو المعنى. ويقولون: ولا ذمة، يعني: ولا عهدًا. إذًا لا يرقبون في مؤمن عهد الله، ولا عهدا.
ومنهم من فسر الإل بالعهد. لكن يشكل عليه أنه سيكون من عطف الشيء على نفسه لأن «لا يرقبون في مؤمن عهدًا ولا عهدًا» فلذلك ضعف بعضهم تفسير الإل هنا بالعهد، ومنهم من قال المراد بالإل القرابة، يعني: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ﴾ قرابة، ولا ذم، يعني:، ولا عهدا. وهذا القول مشهور. بل كما قال ابن كثير عن هذا القول أشهر وأظهر.
وعليه الأكثر يبقى القول الذي عليه الأكثر أن المراد بالإل القرابة وأن المراد بالذمة العهد يبقى لا يرقبون في مؤمن قرابة، ولا عهدا، يعني: هؤلاء لا يلتفتون إلى ما بينهم وبين الرسول ﷺ والمؤمنين من قرابة أو من عهد فهم في العهد ناقضون للعهود، ولا يصلون أرحامهم. بل يقطعونها ﴿قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾11 لكنهم لا يودون قرابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طيب هذا بالنسبة لمعنى الإل هنا ذكر أبو حيان أربعة معاني في معنى: الإل الله والعهد والقرابة والحلف.
لكن كما ترون، أن ابن فارس لما ذكر المعاني الثلاثة لكلمة الإل في أصل إطلاقها في اللغة ذكر معنى الربوبية وليس الله لأنه سيأتي الكلام هل الإل يمكن أن يقال إنه من أسماء الله على هذا القول سيأتي التعليق عليه بإذن الله - تبارك وتعالى. طيب هذا بالنسبة للإل.
وقال ابن الأعرابي «الإل كل سبب بين اثنين». فيطلق الإل على كل سبب بين اثنين.
وقال الراغب «الإل كل حالة ظاهرة من عهد حلف وقرابة». تئل، يعني: تلمع. فلا يمكن إنكاره. بمعنى ذكر هنا ابن فارس أن مادة ألة تدل على اللمعان وتدل على الصوت. وهذا فيه أن القرابة ظاهرة فلا يمكن إنكارها هذا ابن عمي هذا ابن خالي، وكذلك الحلف بيننا تحالف أو بيننا عهد فهو ظاهر يلمع لا يمكن إنكاره.
وهذا وجه مناسبة. ولذلك نحرص كثيرًا على الربط بين المعاني المختلفة وذكر. المعنى الجامع الذي يجمعها
إل ليس اسمًا توقيفيًا لله
﴿وَقِيلَ﴾ إل وإل اسم الله تعالى قال الراغب الأصفهاني و«ليس ذلك بصحيح»، يعني: هناك من قال الإل اسم لله وبعضهم يقول إل كما في إسرائيل يقول، يعني: عبد الله فهنا يقولون إل اسم لله. لكن قال الراغب «ليس ذلك بصحيح» فالآية ليست صريحة في ذلك حتى نثبت أنه اسم لله سبحانه وتعالى.
ولذلك عقب السمين الحلبي في عمدة الحفاظ على كلام الراغب الأصفهاني في تعليقه على أن إل ليس اسما لله في قول الراغب «ليس ذلك بصحيح» أي: دعوى أنه اسم لله قال السمين يمكن أن يقوي ما ذكر بأنه قد أضيف إلى الله، يعني: كلمة إل أضيفت إلى الله فيقال إل الله في إل الله في إل الله فطالما قال في إل الله فكيف يكون اللهُ اللهَ؟ ﴿أَنَّمَا﴾ يكون بمعنى في ربوبية الله وعظمة الله.
وذلك في حديث لقيط بن عامر «أنبئك بمثل ذلك في إل الله». ما معنى؟ في قدرته وإلهيته يقول السمين فلو كان اسما لله لما أضيف إليه لا سيما. وقد فسره العلماء بالقدرة والألوهية. لكن هذا الحديث الذي ذكره السمين الحلبي وهو في حديث لقيط: «في إل الله» وهو في قدرته وإلهيته مما اختلف أهل العلم في الصحة والأكثرون على عدم ثبوته.
وقد قال ابن كثير في البداية والنهاية عنه في وفد لقيط، ومن معه والحديث مطول يقول هذا حديث غريب جدًّا وألفاظه في بعضها نكارة. وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب عنه وهو حديث غريب جدًا. لكن ابن القيم قال «هذا حديث كبير جليل تنادي جلالته وفخامته وعظمته أنه قد خرج من مشكاة النبوة» إلى آخر كلامه والحديث من الناحية الحديثية، يعني: لا يخلو من ضعف ومقال.
لكن على كل حال إثبات إل الله معناه عظمة الله أو قدرة الله. إذن لا يقال إن الإل من أسماء الله لأنَّ القاعدة عندنا أسماء الله توقيفية، يعني: لا نستطيع، ولا يمكننا أن نسمي الله سبحانه وتعالى، بما نشاء وإنَّما أسماء الله جل ذكره توقيفية والآية الكريمة ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا﴾ ليست صريحة في أن الإل اسم لله سبحانه وتعالى، وحتى من فسرها بأنها تدل على ذلك فسروها بالربوبية فيكون.
المعنى لا يرقبون في مؤمن ربوبية لا يرقبون في مؤمن عظمة الله، وقدرة الله سبحانه ليس على سبيل التسمية.
ترجيح القرابة وعموم الطبري
لكن تقدم، أن القول المختار المراد بالإل القرابة يبقى لا يرقبون في مؤمن قرابة، ولا ذمة، يعني:، ولا عهد كما اختاره الحافظ ابن كثير في قوله أشهر وأظهر. وعليه الأكثر. وقال ابن عاشور والإل الحلف والعهد ويطلق الإل على النسب والقرابة.
وقد كانت بين المشركين وبين المسلمين أنساب وقرابات، فيصح أن يراد هنا كلا المعنيين. لكن الإمام الطبري رحمه الله تعالى اختار العموم فالإمام الطبري قال الإل اسم يشتمل على معاني ثلاثة وهي العهد والعقد والحلف والقرابة وهو أيضًا بمعنى الله. ثم قال فإذا كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة، ولم يكن الله قد خص من ذلك معنى دون معنى فالصواب أن يعم ذلك كما عم بها جل ثناؤه معانيها الثلاثة فيقال لا يرقبون في مؤمن الله، ولا قرابة، ولا عهدا، ولا ميثاقًا الطبري اختار العموم.
وهذه طريقة الإمام الطبري كثيرًا أنه إذا كان القول يحتمل أكثر من معنى وليس هناك ما يدفع هذا الاحتمال فإنَّه يرى بالعموم أو يقول بالعموم. لكن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ يعكر على أن المراد بالإل العهد أن الله قال بعدها، ولا ذمة فالذمة العهد فهل يكون المعنى لا يرقبون في مؤمن عهدا، ولا عهدا من المعروف أنَّ التأسيس أولى من التأكيد.
ولذلك عقب الدكتور جبل يقول والأصل يتمثل في القرابة يتكلم عن أصل كلمة الإل يقول الأصليتمثل في القرابة بصورة حسية أكثر من غيرها، يعني: أقرب معنى حسي للإل هو القرابة فهي امتداد وانبساط لأنه ذكر أن. المعنى المحوري لها الانبساط والامتداد دون كثافة أو انثناء قال. أما العهد فقد ذكرت الذمة في الآية فيكون تكرارا. وأما تفسير الإل بأنه من أسماء الله فلا أستريح إليه لغرابته في هذا المجال الجليل الذي يتطلب تمام التدقيق مع التنزيه.
ولذلك السمين الحلبي قال. «ومن هنا غلط من جعله اسما لله». إذن هنا كلام أبي حيان الإل الله والعهد والقرابة والحلف نقول أقواها أنها القرابة. لكن من أهل العلم من احتمل هذه المعاني كما هو صنيعه الإمام الطبري رحمه الله. وقال السجستاني الإل على خمسة أوجه الله وعهد قرابة حلف جوار، يعني: زاد أيضًا معنى الجوار، يعني: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ﴾ جوارا، ولا ذمة، والله تعالى أعلم. طيب بعد ذلك ننتقل إلى الكلمة التي بعدها وهي كلمة أجل قال أجل مدة أجل مدة أجلت أخرت.
إذن عندي مادة أجل ومادة أجل تكررت في القرآن الكريم كثيرًا، يعني: إذا كنا في كلمة إل ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ لم ترد إلا في موضع واحد في قوله سبحانه وتعالى، ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾. فإنَّ مادة أجل قد جاءت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة فتكرر في القرآن الكريم ذكر الأجل في مواضع كثيرة، وأيضًا لمعاني متعددة.
لكن يجمعها جامع واحد كما سيأتي بإذن الله تعالى فجاء في القرآن الكريم ﴿وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾12. وقال جل ذكر ﴿ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾13. وقال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾. وقال ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾14 هذا كثير في القرآن الكريم وجاء في القرآن الكريم مادة أجل في قوله ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ15 مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ﴾
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 195 ↩
- آية: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 53 ↩
- آية: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 53 ↩
- آية: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا﴾ — كما ورد في الدرس: النصر 3 ↩
- آية: ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 7 ↩
- آية: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا﴾ — التوبة: 10 ↩
- آية: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 10 ↩
- آية: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 10 ↩
- آية: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ — التوبة: 10 ↩
- آية: ﴿قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 23 ↩
- آية: ﴿وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 42 ↩
- آية: ﴿ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 2 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 231 ↩
- آية: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 32 ↩
من سلسلة: شرح وتقريب تحفة الأريب (21 درسًا)
موضوعات هذا الدرس
- تفسير سورة الأعراف
- تفسير سورة الأنعام
- تفسير سورة التوبة
- تفسير سورة الزمر
- تفسير سورة الشورى
- تفسير سورة النصر
دروس مشابهة
- الحديث الثامن عشر الخلق الحسن
- الحديث الخامس النهي عن الإبتداع في الدين
- (من أحدَثَ في أمرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَد) خطبة الجمعة للشيخ محمد بن حامد 29/11/2013
- الحديث الثالث والعشرون الجزء الثالث جوامع الخير
- الحديث الثالث والعشرون الجزء الأول جوامع الخير
- صفة التواضع جزء2 من سلسلة صفات عباد الرحمن خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد