مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

أسباب المغفرة (الجزء الثاني)

الدروس والمنوعات · الدرس 31 من 167 · 29 دقيقة · الدروس والمنوعات

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآ3ءً﴾ (النساء: 1)

﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾4 (النساء: 1) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5 (الأحزاب: 70-71). أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، هذا هو اللقاء الثاني بفضل الله جل وعلا في الحديث عن مكفِّرات الذنوب. نسأل الله جل وعلا أن يغفر لنا ذنوبنا وأن يكفر عنا سيئاتنا عباد الله

«وكل ابن آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوَّابون» فمن رحمة الله جل وعلا أن شرع لنا التوبة وأن جعل. هناك أسبابًا لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات

ذلكم أن العبد مهما كان مطيعًا لله فإنَّه لا يسلم من ارتكاب بعض المعاصي والذنوب بل إنَّ الله جل وعلا قد شاء وقدر أن يقع بعض أو أن يقع الأنبياء والمرسلون في شيء من الصغائر ليتوبوا إلى الله جل وعلا وليقتدي بهم الناس من بعدهم

لذلك قال الله جل وعلا ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾6 (الفتح: 1-2) فقد يقع النبي في ذنب صغير حتى يتعلم الناس إذا وقع الكبير في الذنب ماذا يصنع. فكذلك عليه هو أيضًا أن يبادر بالتوبة النصوح إلى الله جل وعلا

والذنوب كما تقدم، يا أيها الإخوة الكرام، تنقسم إلى صغائر وكبائر وإلى كبيرة هي أكبر الكبائر ﴿إِلَّا﴾ وهي الشرك بالله. نسأل الله السلامة والنجاة من الشرك

والشرك هو الذنب الذي لا يغفر إلا بالتوبة منه بأن يعلن العبد التوحيد لله جل وعلا وأن ينقض ما كان عليه من شرك. فإنَّ فعل ذلك تاب الله سبحانه وتعالى عليه ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾7 (الأنفال: 38)

وقال ﷺ: «الإسلام يَجُبُّ ما قبله» بل لأنَّ الإسلام عظيم وليفتح المجال للناس ليقبلوا على دين الله وهو الدين الحق

. فإنَّ العبد المشرك إذا فعل في شركه أو وقت شركه أفعال بر وطاعة كصدقة وصلة رحم وفعل خيرات لكنه كان على الشرك. إذا أسلم فإنَّ الله يكافئه على ما سبق منه في الشرك من خير. وأما المعاصي كلها فإنَّ الله يغفرها له. ولذلك لما سأل حكيم بن حزام رضي الله عنه رسول الله ﷺ كما في الصحيحين يا رسول الله أرأيت أمورًا «كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا» في الجاهلية أمور كنت أفعلها في الجاهلية من صلة وصدقة وعتاقة فهل لي فيها من أجر؟ فقال صلى الله عليه وسلم

«أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ» فقال كثير من أهل العلم الذي يفعله المشرك من الحسنات. إذا أسلم فإنَّ الله يثيبه عليه. وأما الشرك كله والمعاصي كلها فإنَّ الله يغفرها لصاحبها إذا وحَّد الله جل وعلا

لذلك كان من أعظم بل أعظم الأمور التي بها يغفر للعبد ذنبه أن يموت على التوحيد نعم أن يعيش عليه وأن يموت عليه كما قال ربنا سبحانه ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾8 (آل عمران: 102) لذلك عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو من هو

في الفضل والمكان وهو صاحب رسول الله ﷺ بل هو فاتح هذا البلد العظيم أعني مصر حرسها الله من كل مكروه فكل مصري مسلم في ميزان عمرو بن العاص رضي الله عنه ومع ذلك يقول

أفضل ما نعد العمل الذي نتقرب به إلى الله ونجعله عدة لنا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله. فهذا أعظم الأمور شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأن تلقى الله عز وجل على ذلك «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»

والصغائر من رحمة الله جل وعلا بنا لأننا ضعفاء هو أعلم بكم وقال ﴿وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾9 (النساء: 28) فجعل الرب الكريم سبحانه وتعالى مكفِّرات كثيرة لهذه الذنوب الصغائر التي تقع من العبد

بل إنَّ العبد إذا اجتنب الكبائر كلها وحافظ على طاعة الله اجتنب الكبائر كفر الله عنه الصغائر كما تقدم في قوله ﴿إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾10 (النساء: 31)

أما الكبائر فإنَّها تحتاج إلى توبة. وقد شرع الله جل وعلا لبعض الكبائر حدودًا فمن أقيم عليه الحد فهو كفارة له كما بيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام فمن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له

ومع ذلك. فإنَّ الإسلام يتشوف إلى الستر على عباد الله فلا يأمر المذنب بأن يذهب من أجل أن يقام عليه الحد بل يأمره بأن يستر على نفسه وأن يصدق في التوبة. فإنَّ الله جل وعلا هو التواب الرحيم

لكن يا ترى هل هناك أعمال صالحة تكفر هذه الكبائر؟ لأهل العلم في ذلك أقوال وآراء فمن ذلك مثلًا ما يتعلق بشأن الحج رزقنا الله الحج المبرور

فالنبي ﷺ قد قال كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» فهذا ظاهر أنه يغفر له بحجه الصغائر والكبائر لأنَّ قوله كما ولدته أمه والأم قد ولدت ولدها دون أن يكون مرتكبًا لذنب بفضل الله جل وعلا

الشهادة في سبيل الله. فإنَّ النبي ﷺ كما في صحيح مسلم قال «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين»

كل ذنب إلا الدَّين، والاستثناء معيار العموم فمعنى ذلك أن ما سوى الدَّين من ذنوب. فإنَّ الله جل وعلا يغفرها للشهيد بل كما جاء للشهيد عند الله ست خصال ومنها أن يغفر له ذنبه عند أول دفعةٍ تخرج من دمه. نسأل الله أن يرزقنا الشهادة في سبيله. كذلك الإكثار من فعل الحسنات لأن هناك كفتين: كفة للحسنات وكفة للسيئات فإذا رجحت، ونسأل الله ذلك، كفة الحسنات كان العبد من أهل الجنة. نسأل الله أن نكون من أهلها بمنِّه وكرمه

فمن ذلك أن تكثر حسنات المرء حتى تغمر السيئات فحينئذ يكون العبد من الناجين من عذاب الله الداخلين في رحمة الله سبحانه وتعالى. وقد قال الحق سبحانه

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  5. آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70-71 ↩
  6. آية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ۝ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفتح 1-2 ↩
  7. آية: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 38 ↩
  8. آية: ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  9. آية: ﴿وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 28 ↩
  10. آية: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 31 ↩

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة