مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة فصلت جزء5 لفضيلة ال

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 127 من 376 · 23 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. الاستعاذة بالله من نزغ الشيطان وشدة خطر الوسوسة في سورتي الفلق والناس
  2. آيات الآفاق في تعاقب الليل والنهار والنهي عن السجود للشمس والقمر
  3. دوام تسبيح الملائكة وموضع سجدة التلاوة في سورة فصلت
  4. إحياء الأرض الخاشعة بالماء برهان على بعث الموتى
  5. اهتزاز الأرض الخاشعة بنزول الغيث برهاناً ساطعاً على إحياء الموتى
  6. وعيد الملحدين في آيات الله والمقابلة بين ملقى الجحيم والآمن يوم الحساب
التفريغ النصي الكامل للدرس

الاستعاذة بالله من نزغ الشيطان وشدة خطر الوسوسة في سورتي الفلق والناس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

وحده لا شريك له وليّ الصالحين وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» وعلى آل. إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة فصلت وكنا قد توقفنا عند تفسير قوله سبحانه وتعالى

﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾2 (فصلت: 36) وتبين لنا، يا أيها الإخوة الكرام أن رب العباد سبحانه علَّمنا كيف نتعامل مع العدو الجني وهو الشيطان الرجيم كيف نتعامل معه أو كيف نستطيع الرد على عدوانه. وذلك يتأتى بالاستعاذة بالله سبحانه وتعالى ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾3 (المؤمنون: 97) ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾4 (المؤمنون: 98) فإنَّ نزغ للإنسان نزغ من الشيطان فعليه أن يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى وأن يحتمي به فإذا استعاذ بالله أعاذه الله

ربما ورد على. خاطره خاطر وهو أنه بذلك ضعيف. فالله يقول ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ﴾ (فصلت: 36)

أي: استعذ بربك من هذا النازغ. فالله سميع لك وعليم بقولك وقولهم يعلم من المصيب ومن المخطئ ومن المحق ومن المبطل وسيجازي كلا على عمله ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ5 هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ لذلك أوصى النبي ﷺ عليه وآله وسلم

أصحابه بهذه الوصية وهي الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم في غير ما موضع ولمَّا رأى الرجل. وقد احمرت عيناه وانتفخت أوداجه قال «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ بالله من الشيطان الرجيم»

﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (فصلت: 36)

وفي سنة رسول الله ﷺ أمور كثيرة من شأنها أن تقي العبد من الشيطان الرجيم ولأن وسوسة الشيطان. «ولأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»

أمر الله نبيه بالاستعاذة منه في سورة كاملة. فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ مَلِكِ ٱلنَّاسِ إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾6 (الناس: 1-6) فتقدم أن سورة الفلق

فيها استعاذة من. أربعة أشياء ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾7 (الفلق: 2) ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾8 (الفلق: 3) ﴿وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِى ٱلْعُقَدِ﴾9 (الفلق: 4) ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾10 (الفلق: 5) لكن سورة الناس فيها استعاذة من شيء واحد وهي وسوسة الشيطان الرجيم. كذلك ففي سورة الفلق اكتفي بقوله ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ﴾. وأما في سورة الناس ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾ ملك الناس إله الناس فيعدد الله أوصافه وتكون الاستعاذة من وسواس أو وسوسة الشيطان لشدتها. نسأل الله السلامة والعافية ثم تستمر معنا الآيات الكريمة

يقرر الله فيها وحدانيته وأنه الحقيق بالعبادة سبحانه. فقال عزَّ من قائلٍ: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا۟11 لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ (فصلت: 37)

﴿وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾12 (فصلت: 37) ﴿فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْـَٔمُونَ﴾13 (فصلت: 38) ومن آياته الليل والنهار من آياته الدالة على قدرته

ومن آياته الدالة على وحدانيته الليل والنهار والشمس والقمر

قد ذكر. الله سبحانه في الآيات السابقة في صدر السورة المباركة ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾14 (فصلت: 9) فَبَيَّنَ اللَّهُ أَنَّهُ الْخَالِقُ لِلسَّمَاوَاتِ. وَالْأَرْضِ. وفي هذه الآيات يذكر الله لنا بعض أحوال السماء والأرض

آيات الآفاق في تعاقب الليل والنهار والنهي عن السجود للشمس والقمر

ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر وهذه بعض الأحوال التي تجري وتكون في السماء وفي الأرض الليل. والنهار. والشمس والقمر ومن آياته الليل ﴿وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ﴾. فالله سبحانه في هذا الموضع يذكرنا ببعض الأحوال

التي تجري في السماء وبعض الأحوال التي تجري في الأرض أما يجري في الأرض فذكره الله بعد في. قوله ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾1516 (فصلت: 39). وأما المتعلق بالسماء

فالليل والنهار والشمس والقمر كلها آيات وأحوال تجري في السماء ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر نعم من آيات الله الليل الذي جعله من. أجل أن نسكن فيه فيكون الليل فيه السكن والسكن

وفيه. كذلك الاستراحة كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاسًا﴾17 (النبأ: 10) كما أنَّ النهار آية ففيه يسير الناس ويتحركون وفيه. كذلك يسعى الناس من أجل معاشهم ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشًا﴾18 (النبأ: 11)

ومن آياته الليل ﴿وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ هذا فيه رد على جماعة من الناس. كانوا يسجدون للشمس ويتقربون إلى الشمس وقال بعضهم: إنهم يسمون بالصابئة

فبين هذا القرآن العظيم أن أمة محمد ﷺ لا تسجد إلا للذي خلقها. ونحن إذ. نتذكر آيات الله ونؤمن بآيات الله فنعلم أن تلك الآيات ليست هي الله وإنَّما الله هو الذي خلق تلك الآيات الكونية من شمس وقمر وليل ونهار

بمثابة أسلوب الحصر فكأنَّه قيل ﴿لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ لا تسجدوا لشيء إلا لله عز وجل ﴿لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ﴾ أي: لا. تسجدوا إلا لله وذكر الدليل على أنه الحقيق بالسجود سبحانه. فقال: ﴿وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ﴾19 (فصلت: 37)

أي: لماذا يسجد للقمر ولماذا يسجد للشمس ﴿أَنَّمَا﴾ يسجد للذي خلق الشمس والقمر والليل والنهار ﴿وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾20

﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (فصلت: 37) تصرفون العبودية له سبحانه وتعالى قال الله. ﴿فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْـَٔمُونَ﴾ (فصلت: 38) فإنَّ استكبروا أي: تكبروا والألف والسين والتاء للمبالغة

إن تكبروا تكبُّرًا واضحًا جليًّا كبيرًا. فالله غني عنهم فإنَّ استكبروا فلا يضر الله عز وجل شيء والله غني عنه. فقال: فالذين عند ربك وهم الملائكة يسبحون له بالليل ﴿فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْـَٔمُونَ﴾ يسأمون

فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا كَأَنَّ جَوَابَ إِنْ مُقَدَّرُ فَإِنْ إِسْتَكْبَرُوا فَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُمْ أَوْ فَعَلَيْهِمُ الْإِثْمُ. وَاللَّهُ. لَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهِمْ فَالَّذِينَ ﴿عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ﴾ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ

فالذين عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ لا يترفعون عن أن يكونوا عابدين لله بل وكذلك لا يسأمون لا يملون ولا يتعبون من عبادة الله سبحانه وتعالى وكما قال أيضًا ولا يستحسرون فلا يلحقهم إعياء ولا يلحقهم تعب

لأن. الذي. قواهم على ذكره وتسبيحه هو الله سبحانه وتعالى. وقد اختلف أهل العلم في موضع السجود في هاتين الآيتين الكريمتين فمنهم من قال: إن السجود عند قوله ﴿وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فيسجدون بعد الآية الأولى

دوام تسبيح الملائكة وموضع سجدة التلاوة في سورة فصلت

وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمَعْنَى لَمْ يَتِمَّ إِلَّا بِالْآيَةِ. الَّتِي تَلِيهَا فَيَكُونُ السُّجُودُ بَعْدَ تَمَامِ الْآيَتَيْنِ وَبِكُلٍّ ذَهَبَ فَرِيقٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْضَ آيَاتٍ تَتَعَلَّقُ بِال

إحياء الأرض الخاشعة بالماء برهان على بعث الموتى

﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً﴾ ﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ إن الذي أحياها لمحي الموتى ومن آياته الدالة على عظمته وقدرته وعلى إلهيته ﴿أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً﴾

مطمئنة ذليلة لا. حركة فيها. وذلك إذا كانت قفرا ليس فيها زرع ولا ماء يقال لها: أرض خاشعة أي: أرض ليس فيها زرع

لا تُنبِتُ زرعًا ولا كلأً. فيقال لها: خاشعة خشع الشيء إذا ذلَّ واطمأنَّ وسكن أو صار ساكنًا ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً﴾ تنظر إلى أرضٍ فتراها أرضًا لا زرع فيها ولا. ماء تراها أرضًا بورًا فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ

فإذا أنزل الله جل وعلا على تلك الأرض التي خلت من الزرع ومن الماء. إذا أنزل عليها الغيث اهتزت وربت

اهتزت أي تحركت. وذلك لحصول الماء إليه أو لها فإذا تعلق بها الماء ووصل إليها جرى منها الاهتزاز عند الاختلاط

وكأنها بمثابة الإنسان الذي. إذا أصيب بأمر يسره أو إذا أُخبر بأمر يسره اهتز نشوةً واهتز فرحًا. فيقال فلان قد اهتز لأنَّه وجد ما يريده. كذلك الأرض تكون في حاجة إلى نقطة ماء

اهتزاز الأرض الخاشعة بنزول الغيث برهاناً ساطعاً على إحياء الموتى

فإذا نزل الماء على الأرض اهتزت تلك الأرض فرحةً مسرورةً بعطاء الله عز وجل لها اهتزت وربت أي: وارتفعت. بدأ الزرع يرتفع شيئًا فشيئًا وينمو شيئًا فشيئًا وقرأ بعضهم وهو أبو جعفر قرأ وربأت

فَمَنِ الَّذِي حَوَّلَ تِلْكَ الْأَرْضَ الْبُورَ إِلَى أَرْضٍ خِصْبَةٍ يَسِيرَةٍ مُبَارَكَةٍ مُيَسَّرَةٍ. سَهْلَةٍ. إِنَّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قال عز وجل إن الذي أحياها

لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّ الَّذِي أَحْيَى تِلْكَ الْأَرْضَ الَّتِي كَانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمُحْيِي الْمَوْتَى استدلالٌ على البعث تكرَّر في القرآن. كثيرًا وهو أن الذي أحيى الأرض بعد مماتها قادرٌ على أن يُحيي الموتى ﴿وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾

وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ. ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الحج: 6) ﴿وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ﴾21 (الحج: 7) قال: إن الذي أحياها لمحيي الموتى

وفي قوله إن الذي أحياها تعليل هو اسم موصول فيه إشارة إلى بيان العلة أي: هو محيي الموتى لأنه محيي تلك الأرض. فهو برهان ودليل إنه على كل شيء قدير سبحانه وتعالى. ثم قال

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ﴾ ءَايَٰتِنَا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ يلحدون أي: يميلون عن الحق يميلون عن الحق يقال فلان ألحد أي: مال مال عن. الصواب

الذين يلحدون في آيات الله يميلون في آيات الله فيتركون آيات الله ويقلبون فهمها ويقلبون تفسيرها أو يجحدونها أو يكذبونها ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ﴾ آيات الله

لا. يخفون علينا ليسوا بخافين على الله إن الذي يطعن في كتاب الله ليس بخاف على الله إن الذي يطعن في شرع الله ليس بخاف أمره على الله إن. ﴿ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ﴾. فالله عالم بقيلهم وعالم بمقالهم وبمقاصدهم. ثم قال أفمن يأتي يوم القيامة ﴿أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾

. إذا كان رب العباد سبحانه لا تخفى عليه خافية وهو مطلع على أقوالهم فلربما يمهلهم الله في الدنيا فيعيشون في الدنيا مرحين فرحين بطرين أشرين متكبرين متجبرين. ولكن بعد ذلك ما الجزاء

أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ يُلْقَى فِي النَّارِ ليس يدخل فقط وإنَّما يُلْقَى يُلْقَى فِي النَّارِ ﴿أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ﴾ ٱلْقِيَٰمَةِ يأتي وهو في سعادة غامرة يأتي وهو في سعادة وفي موكب طيب ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدًا22 وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ (مريم: 85)

أما ﴿يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾. وهنا أسلوب الاحتباك المعروف في البلاغة إذ تقدير الكلام والعلم عند الله ﴿أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ﴾ وهو خائف

خيرٌ أمن يأتي آمناً فيدخل الجنة لأنَّ يلقى في النار يقابلها دخول الجنة والأمن يقابله الخوف. فهذا ما يُسمَّى بـ أسلوب الاحتباك ﴿أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ﴾ وهو خائف ﴿خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ﴾ ٱلْقِيَٰمَةِ فيدخل الجنة

وعيد الملحدين في آيات الله والمقابلة بين ملقى الجحيم والآمن يوم الحساب

يذهب الله عن أهل الجنة الخوف والهم فلا. خوف عليهم ولا هم يحزنون أما أهل النار يدخلونها خائفين. نسأل الله السلامة والعافية ﴿أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ وفي ذكر النار هنا دليل على أن جزاء أولئك الملحدين

في آيات. ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ النار سلمنا الله وإياكم. ثم قال ﴿ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾23 (فصلت: 40)

اعملوا ما شئتم هذا أسلوب تهديد أي: ليعمل أولئك الملحدون ما يشاءون وليقولوا ما يشاءون. فالله لا تخفى عليه خافية اعملوا ما شئتم أي: في الدنيا وسيكون الجزاء من الله إما في العاجل وإما في الآجل اعملوا ما شئتم ليعمل الصالح من. يشاء

وليعمل الطالح ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾. فإنَّ الله يجزي هؤلاء على أعمالهم ويجزي هؤلاء على أعمالهم ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى﴾24 (النجم: 31)

وعلى. ذلك ففهم بعض الناس للآية الكريمة على أنها تخيير اعملوا ما شئتم. فيقول: أحدهم الله خيرنا فلا إشكال علينا ومن شاء آمن ومن شاء كفر ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾25 (الكهف: 29) والله قال اعملوا ما شئتم نقول هذا ليس. كذلك

إن الآية الكريمة تهديدٌ وليس تخييراً؛ وإلا فالله ذكر قبلها ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ولو كان المقصود بذلك التخيير. إذن لماذا يعاقب المخير أنت إذًا خيرت شخصًا هل لك بعد أن تخيره أن تنكر عليه مختار لو قلت: لشخصٍ كل تمرًا أو أشرب لبنًا

وَأَنْ يَدِينَ بِمَا يَشَاءُ وَأَنْ يَعْتَقِدَ مَا يَشَاءُ وَأَنْ يُلْحِدَ كَيْفَ يَشَاءُ لو كان الأمر. كذلك فلما الوعيد بالنار والله قال بعدها أيضًا إنه بما تعملون بصير أي: أنت ستعمل وأنت ستعتقد وأنت ستقول. والله بصيرٌ بذلك. والله بصيرٌ بذلك

لا تخفى عليه خافية ففي الآية الكريمة، يا أيها الإخوة الكرام، ذمٌ شديد ووعيدٌ أكيد للذين يلحدون في آيات الله ويحرفون الكلم عن مواضعه ويكذبون على الله وعلى رسول الله عز وجل

في الدرس المقبل. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى هذا والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 36 ↩
  3. آية: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 97 ↩
  4. آية: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 98 ↩
  5. آية: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 36 ↩
  6. آية: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ۝ مَلِكِ ٱلنَّاسِ ۝ إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ ۝ مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ ۝ ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ ۝ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾ — كما ورد في الدرس: الناس 1-6 ↩
  7. آية: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفلق 2 ↩
  8. آية: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفلق 3 ↩
  9. آية: ﴿وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِى ٱلْعُقَدِ﴾ — كما ورد في الدرس: الفلق 4 ↩
  10. آية: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفلق 5 ↩
  11. آية: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 37 ↩
  12. آية: ﴿وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 37 ↩
  13. آية: ﴿فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْـَٔمُونَ ۩﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 38 ↩
  14. آية: ﴿۞ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 9 ↩
  15. آية: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 39 ↩
  16. آية: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 6 ↩
  17. آية: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاسًا﴾ — كما ورد في الدرس: النبأ 10 ↩
  18. آية: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشًا﴾ — كما ورد في الدرس: النبأ 11 ↩
  19. آية: ﴿وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 37 ↩
  20. آية: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 37 ↩
  21. آية: ﴿وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 7 ↩
  22. آية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدًا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 85 ↩
  23. آية: ﴿ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 40 ↩
  24. آية: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 31 ↩
  25. آية: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 29 ↩

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة