مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة البلد جزء2 لفضيلة الشيخ

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 53 من 376 · 19 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. استئناف تفسير سورة البلد عند اقتحام العقبة
  2. دلالة الترتيب والترقي في ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟
  3. ثواب أعمال البر في الجاهلية بعد الإسلام وحبوط عمل الكافر
  4. فريضة التواصي بالصبر والمرحمة وفضل الحديث المسلسل بالأولية
  5. المقابلة بين كرامة أصحاب الميمنة وشؤم أصحاب المشأمة وملازمة الدارين
  6. عذاب النار المؤصدة المطبقة وتوجيه القراءات المتواترة وخاتمة السورة
التفريغ النصي الكامل للدرس

استئناف تفسير سورة البلد عند اقتحام العقبة

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بدروس التفسير وما زلنا مع سورة البلد. وقد توقف بنا الحديث في الدرس الماضي عند قول الله سبحانه وتعالى

﴿فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَـٰمٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾2 (البلد: 11-17)

وقفنا عند قوله سبحانه. ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾3 (البلد: 17) بعض أهل العلم يقولون: إن ثم هنا بمعنى الواو أي: وهو مع ذلك ﴿كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾

دلالة الترتيب والترقي في ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟

فقوله: سبحانه ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ أي: وكان من الذين آمنوا فهو الذي تصدق وأطعم المسكين وأعطى اليتيم. وكان من الذين آمنوا وأحيانًا تأتي ثم بمعنى الواو كما في قوله ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾4 (يونس: 46)

وهل ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ (يونس: 46) تفهم على أن شهادة الله تكون بعد أم المعنى ﴿وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا﴾ يفعلون قالوا: إن ثم. أيضًا هنا بمعنى الواو

فقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ أي: وكان من الذين آمنوا وقوله: سبحانه كان ثم كان تدل على أن الإيمان سابق. ولذلك لا يرد اعتراض، وهو: هل معنى ذلك أنهم قدموا الأعمال الصالحة قبل الإيمان؟ الجَوَابُ: لَا بل الإيمان هو المتقدم

لأن شرط قبول العمل أن يكون مسبوقا بإيمان كما قال الله سبحانه ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾5 (النحل: 97) يعني: والحال أنه مؤمن وكما قال ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾6 (النساء: 124) إذن في قوله كان دليل على أن إيمانهم سابق فهم قد سبقوا بالإيمان

ثم هم يعملون الصالحات وقال بعضهم: إن ثم هنا تفيد معنى الترقي أي: هم بذلوا وأعطوا. ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ أي: وهم أعلى من ذلك من أهل الإيمان. فهذا من باب التدرج في المراتب وأعلاها الإيمان فيفيد هذا أن الإيمان أعظم مما يتبعه من الأعمال الصالحة ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟

وقال بعضهم: إن المراد بقوله. ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ أي: واستمر على الإيمان فإنَّ كان تأتي أحيانًا وتفيد معنى الاستمرارية فعلى ذلك المراد أنهم داوموا على الإيمان أي: لم يركنوا إلى أعمالهم

ولم يتكبروا بها وإنَّما استمروا على طاعة الله وعلى الإيمان بالله إلى أن لقوا الله عز وجل إلى أن لقوا ربهم سبحانه وتعالى ثابتين على الإيمان. ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ومن فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته أن العبد الكافر

إذا كان على كفره أو وقت كفره يعمل بعض الصالحات بعض الأعمال الطيبة من العتاقة، أو أعني من العتق ومن صلة الأرحام ومن الصدقات. ثم أسلم فإنَّ الله سبحانه وتعالى يعطيه أجر تلك القربات مع أنَّه لم يكن وقت فعلها من المؤمنين. وهذا لأنَّ الإسلام يفتح للناس باب الخير ويشجعهم على ما كانوا عليه

ثواب أعمال البر في الجاهلية بعد الإسلام وحبوط عمل الكافر

«فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام فالذي يكون في جاهليته على خير ويسلم ويبقى على الخير. فهذا من أحاسن أو من أفضل الناس بفضل الله - تبارك وتعالى. ولذلك جاء عنه عليه الصلاة والسلام لما سأله حكيم بن حزام أرأيت يا رسول الله أعمالًا «كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا» أي: أتعبد بها في الجاهلية من عتاقة وصدقة وصلة رحم فهل لي فيها من أجر

. فقال ﷺ: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ». فهذا فيه ترغيب لمثل هؤلاء أن يقبلوا على الإسلام. وأما إذا بقي على الكفر ولو عمل ما عمل فإنَّ عمله مردود عليه لا يتقبل الله منه شيئًا. ومن ذلك ما جاء في صحيح الإمام مسلم

من حديث عائشة رضي الله عنها حينما قالت: يا رسول الله، ابن جدعان كان «يَصِلُ الرَّحِمَ» / يُطْعِمُ ويعتق ويفعل فهل ذلك ينفعه فقال النبي ﷺ أو فهل ذلك ينفعه يوم القيامة. فقال ﷺ: «إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» إنه لم يقل يومًا

وربنا سبحانه وتعالى قال ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾7 (النور: 39)

وقال سبحانه ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَـٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾8 (إبراهيم: 18) فأعمال الكفار تذهب سدى ولا يتقبلها الله لكن من أسلم منهم

. فالله سبحانه يكرمه ويعطيه بسابق فضله وعظيم فضله سبحانه على تلك القربات التي كان يصنعها في جاهليته ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وقال بعضهم: إنها دعوة لهؤلاء إلى الإيمان كأنه يقال هؤلاء أعتقوا وفعلوا وفعلوا فكما اقتحموا العقبة بالصدقات اقتحموا عقبة الجاهلية بالإيمان

فيها دعوة لمن كان منهم على الخير أن يدخل في أعظم ما يكون وهو أن يقتحم العقبة الكؤود وهي التي تودي به إلى جهنم بل إلى الخلود في النار ﴿إِلَّا﴾ وهي عقبة الشرك بل أن يقتحمها بمعنى أن يزيلها عن نفسه وأن يقتحم أو أن يدخل في توحيد ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فيكون المعنى ترقى

أعتق الرقاب وتصدق وفعل. ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فبذا تتم له السعادة بفضل الله سبحانه وتعالى ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وبعضهم قال بل المراد بآمنوا أي: آمنوا بالرسول ﷺ لكن الأولى التعميم كما لا يخفى. ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ (البلد: 17)

وتواصوا بالصبر أي: أوصى بعضهم بعضًا بالصبر والأصل أن يبدأ الإنسان بنفسه. ثم يدعو غيره الأصل أن يبدأ الإنسان بغيره. ثم يُقوِّم بدعوة غيره فالله قال وتواصوا بالصبر. إذن المعنى وصبروا وأوصوا غيرهم بالصبر ففيه أن من صفات أولئك الصبر. وذلك أنَّ الصبر يحتاج إلى جهد فنقتحم العقبة فمن اقتحام العقبة أن تصبر نفسك وأن تكون من الصابرين الذين جمعوا بين أنواع الصبر الثلاثة

فإذا بك صابر على طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله سبحانه وتعالى وتتواصى بالصبر، تكون صابرًا وتدعو غيرك إلى الصبر أيضًا يصبِّر بعضنا بعضًا

فريضة التواصي بالصبر والمرحمة وفضل الحديث المسلسل بالأولية

هكذا يصنع المسلمون هكذا يصنع أهل الإيمان وكما قال الله ﴿وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾9 (العصر: 1-3) يوصي بعضنا بعضًا بالصبر وللأسف الشديد قد عزَّت هذه الوصية في هذا الزمان وندر من يصنع ذلك أو ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ من يصنع ذلك

فلا ترى الواحد يسمع من أخيه كلمة تصبير مع أنَّ هذه من الوصية المهمة التي أمر الله جل وعلا عباده أن يوصي بعضهم بعضًا بها أن تقول لأخيك: اصبر، اصبر، اثبت، استقم على طاعة الله اصبر عن معصية الله لا تلتفت ﴿وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟﴾10 (هود: 113) إلى الذين ظلموا لا تركن إلى هؤلاء الذين يتبعون الشهوات

﴿وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ أي: أوصى بعضهم بعضًا بأن يقوم بواجب الرحمة

فإذا به رحيمٌ على عباد الله سبحانه وتعالى رحيمٌ على خلق الله رحيمٌ أيضًا على عموم المخلوقات فيرحم بني آدم ويرحم. كذلك عموم المخلوقات فيرحم الحيوان أيضًا

﴿وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾. وقد كان بعض أهل العلم إذا جلسوا ليحدثوا طلابهم بدأوا بقول النبي ﷺ «الراحمون يرحمهم الرحمن - تبارك وتعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» حتى صار هذا الحديث يعرف بين المحدثين بالحديث المسلسل بالأولية. يعني: يكون أول حديث يسمعه التلميذ من شيخه ليتعلم التلميذ من الشيخ أن العلاقة تقوم على الرحمة وتتواصى بالصبر وتتواصى بالمرحمة، تدعو غيرك إلى الرحمة تقول له كن رحيماً

كن رحيمًا بالناس، كن رحيمًا بأصحابك ورفقائك، كن رحيمًا بالمسلمين، كن رحيمًا بالحيوانات، هكذا علمنا ربنا سبحانه وتعالى، ﴿وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾، وبعض الناس ﴿أَنَّمَا﴾ يوصي إخوانه، يوصي أصحابه بالشدة، وبالقسوة، وبالفظاظة.

والله قال لنبيه ﷺ ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159) قال الله وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ هكذا باسم الإشارة. وهذا فيه تنويه بقدرهم وفيه استحضارهم في الأذهان أُولَئِكَ أي: المشار إليهم

في المكانة ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ وقوله: أصحاب الميمنة إمَّا أنها مأخوذة من اليمين وإمَّا أنها مأخوذة من اليُمْنِ

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ أي: أصحاب اليمين فهم الذين يأخذون كتابهم باليمين وهم الذين يُسلَّم عليهم. ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ﴾ ﴿فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ﴾ فعلى ذلك ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ أي: أصحاب اليمين وهم من أهل الجنة. يعني: أولئك أصحاب الجنة

والميمنة تأتي. أيضًا من اليُمن الذي هو بمعنى الذي هو بمعنى البركة. أولئك أصحاب البركات. أصحاب الخيرات. أن يمنَّ الله سبحانه وتعالى عليهم. فتراهم أصحاب خير في الدنيا والآخرة بفضل الله سبحانه وتعالى. وقد قال عدد من أهل العلم ﴿أَنَّمَا﴾ أطلق ذلك على

اليمين باعتبار أو قيل لليمن ذلك فقالوا اليمن. وذلك أنَّ الداخل إلى الكعبة يجد اليمن على يمينه أو إذا استقبل الكعبة يجد اليمن على يمينه وكانت اليمن معروفة بالبركات ومعروفة بسعة الأرزاق فقيل لها يمين وإذا التفت عن شماله وجد عن شماله الشام. وكان فيها بعض ما يشير إلى الشؤم فسموها بالمشأمة أو الشأمة لكن النبي ﷺ دعا بالبركة لهذا ولذاك فالشام فيه خير واليمن فيه خير بفضل الله سبحانه وتعالى لكن درجت العادة على أن اليمين يقال له: ميمنة وعلى أن الشمال يقال له: مشأمة

المقابلة بين كرامة أصحاب الميمنة وشؤم أصحاب المشأمة وملازمة الدارين

وفيه تيسير قال الله سبحانه ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ أي: أصحاب اليمين أو أصحاب اليُمن ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌۢ﴾ والذين كفروا بآياتنا. إذن في قوله ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ نعرف بهذا أنهم ﴿كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ بآياتنا أيضًا

هنا قالوا والذين كفروا بآياتنا. إذن في مقابلها ما سبق ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ أي: آمنوا بآياتنا فآمنوا بالله وبرسول الله وبآيات الله سبحانه وتعالى ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ﴾

وهم هنا لتأكيد الحكم وتقريره؛ وإلا فالحصر مستفاد بغيره كما قال عدد من أهل العلم ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ﴾ أي: أصحاب الشمال الذين يأخذون كتابهم بالشمال هم أهل النار من أهل النار أو هم أهل النار أو المراد أصحاب المشأمة من الشؤم

لأن عاقبتهم مشؤومة عاقبتهم مشينة. نسأل الله السلامة والعافية قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ﴾ والتعبير بقوله أصحاب وأصحاب لأنَّ الصحبة بمعنى ملازمة فأهل الجنة حينما ﴿يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ﴾ يلزمونها لا يفرِّطون فيها «خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ»

وكذلك أهل الكفر والطغيان. إذا دخلوا النار فإنَّهم يخلدون في النار «خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ». نسأل الله السلامة والعافية ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌۢ﴾

﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌۢ﴾ عليهم تعلوهم وتغطيهم فالنار تغشاهم كما قال الله ﴿يَوْمَ يَغْشَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ11 غَوَاشٍ﴾ (الأعراف: 41). نسأل الله السلامة فيفترشون النار وتعلوهم النار ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌۢ﴾ ومؤصدة بمعنى مطبقة

عليهم نارٌ مطبقة مغلقة

تغلق عليهم النار فلا يتمكنون من الهروب ولا يتمكنون من الخروج وإنَّما هم مقيمون فيها سلمنا الله وإياكم ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌۢ﴾ وهكذا قرأ حمزة وحفص عن عاصم وكذا أَبُو عَمْرٍو البَصْرِيُّ قَرَأَ البصري قرأوا ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌۢ﴾؛ وإلا فغيرهم يقرأوا بدون الهمز ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌۢ﴾

والسوسي وإن كان يبدل مثل ذلك إلا أنه في هذا الموضع لا يبدل لأنه يرى تبعاً لشيخه أن مؤصدة من آصد

وليست من أوصد. ولذلك يقول الشاطبي ومؤصدة أوصدت يشبه «ومؤصدة أوسط يشبه كله تخيره أهل الأداء معللة» ومؤصدة أوسط يشبه أي: مؤصدة من آصَدَ / أَوْصَدَ وليس من أوصد فلو همزها لجعلها شبيهة بالكلمة الأخرى؛ وإلا فهما لغتان فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: من آصد. ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: من أوصد وهي بمعنى أطبق

عذاب النار المؤصدة المطبقة وتوجيه القراءات المتواترة وخاتمة السورة

عليهم نار مطبقة لا يخرجون منها وقال بعضهم: المراد بمؤصدة أي: مبهمة أي: عليهم نار مبهمة لا يعرفون ما فيها. يعني: لا يعرف الخارج عنها ما في داخلها عليهم نار مبهمة

لا يدري الخارج عنها ماذا يكون فيها أو المراد مغلقة وهو الأقرب، والله تعالى أعلم. ففي ذلك أنهم مسجونون قابعون في هذه النار يتلظون من عذابها ومن حميمها ومن سعيرها. نسأل الله السلامة. وأما أهل الجنة فهم متنعمون في الجنان في البركات والخيرات

وهكذا، يا أيها الإخوة الكرام، خُتمت هذه السورة المباركة بهذا الختام الذي فيه تقسيم الناس إلى المؤمنين وإلى الكفار إلى مؤمنين وكفار فأهل الإيمان أهل الجنة وأهل الكفر أهل النار وفي هذا تهديد لهؤلاء الذين يؤذون رسول الله ﷺ ويجحدون نعم الله ولا يشكرون نعم الله سبحانه وتعالى عساهم أن يَرْعَوُوا

وأن يتوبوا إلى ربهم وأن يعودوا إلى رشدهم. نسأل الله أن يوفقنا لمرضاته وأن يجعلنا من أهل الجنة

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ۝ فَكُّ رَقَبَةٍ ۝ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ۝ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ۝ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ۝ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: البلد 11-17 ↩
  3. آية: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: البلد 17 ↩
  4. آية: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 46 ↩
  5. آية: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 97 ↩
  6. آية: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 124 ↩
  7. آية: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 39 ↩
  8. آية: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَـٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 18 ↩
  9. آية: ﴿وَٱلْعَصْرِ ۝ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ ۝ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾ — كما ورد في الدرس: العصر 1-3 ↩
  10. آية: ﴿وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟﴾ — كما ورد في الدرس: هود 113 ↩
  11. آية: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 41 ↩

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة