مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

الرجاء في الله (الجزء الثاني)

أفلح من تزكى · الدرس 20 من 40 · 24 دقيقة · الآداب والأخلاق

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. وجوب اقتران الرجاء بالعمل وقاعدة الحسن البصري
  2. ضرب المثل للأرض الخصبة والسبخة لبيان حقيقة الرجاء
  3. محاربة الرجاء لداء القنوط وقاعدة استطالة الطريق
  4. تقوية الرجاء بالاعتبار بسوابق النعم وستر المعاصي
  5. تقوية الرجاء باستقراء أسماء الله الحسنى
  6. مذاهب العلماء في أرجى آية في القرآن الكريم
التفريغ النصي الكامل للدرس

وجوب اقتران الرجاء بالعمل وقاعدة الحسن البصري

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ﴾. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة أفلح من تزكى. وهذا هو اللقاء الثاني في الحديث عن الرجاء أن يرجو المسلم ربه سبحانه وتعالى، فيرجو الله والدار الآخرة. نسأل الله سبحانه وتعالى، أن يجعلنا ممن يرجون رحمته ويخافون عذابه ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾، يا أيها الإخوة الكرام أن العبد السالك إلى الله والقلب السائر إلى الله حري به أو حري بهما أن يكون لديهما حب وخوف ورجاء فالقلب مثله مثل الطائر يحتاج إلى رأس وإلى جناحين ورأسه محبة الله وجناحاه الخوف والرجاء فإذا كان العبد محبًّا راجيا خائفا فهو الفائز والله عز وجل قال ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَـٰشِعِينَ﴾ ويدعوننا رغبًا أي: طامعين في رحمه الله، ورهبًا خائفين من عذاب الله سبحانه وتعالى، عرفنا.

يا أيها الإخوة الكرام أنه لا يكون رجاء إلا بعمل فالإنسان إذا لم يعمل فهو في حقيقة الأمر مغرور لا يقال: إنَّه يرجو ﴿أَنَّمَا﴾ يتمنى على الله أماني وهو كاذب في دعواه لأنَّ الذي يرجو صدقًا عليه أن يعمل حقًا فإذا عمل. فهذا دليل صدقه ودليل رجائه. ولذلك قال الله ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا﴾2 (الكهف: 110) إذا كنت ترجو لقاء الله فأين أنت من العمل.

ولذلك قالوا الرجاء معناه: بذل المجهود والعمل وحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، أن تأخذ بالأسباب أن تأخذ بالأسباب المشروعة وأن تعمل صالحًا وأن تسأل الله القبول أن يغفر لك وأن يتجاوز عنك وأن يكفر سيئاتك وأن يرفع درجتك إلى غير ذلك مما يصنعه أهل الرجاء إذًا فرق كبير وبون شاسع بين من يحسن الظن بالله وهو يعمل وبين من يدعي أنه يحسن الظن بالله وهو لا يعمل وكما قال الحسن البصري رحمه الله، لو أحسنوا الظن بالله لأحسنوا العمل لو أحسنوا الظن بالله لاحسنوا العمل ورب العزة قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ﴾، إذًا مَنْ الذي يرجو رحمة الله، الذي آمن وهاجر وجاهد إذًا مؤمن يعمل الصالحات وهو يرجو رحمة الله، سبحانه وتعالى، ويمكن لنا أن نقرب المثال لبيان الفرق بين من يرجو رحمة الله، وهو أخذ بالأسباب المشروعة وبين من يتمنى على الله أماني وهو متواكل متقاعس تارك للطاعة مقترف للمعصية.

ضرب المثل للأرض الخصبة والسبخة لبيان حقيقة الرجاء

نسأل الله السلامة. مثلهما كمثل رجلين لكل واحد منهما أرض هذه الأرض التي هي للصالح أرض صالحة خصبة فيها خير كثير ومعه البذر الصالح الحسن الذي سيضعه في هذه الأرض فتنتج وتثمر بفضل الله سبحانه وتعالى، فالأرض صالحة للزراعة مهيئة ومعدة ومعه البذر الجيد ومعه الماء الوفير فعنده وفرة ماء وعنده بذر جيد وعنده أرض صالحة هذا الشخص ما يكون منه إلا أن يبذر وأن يتعهد وينتظر العطاء من الله سبحانه وتعالى، هذا هو الراجي عمل وأحسن وهو ينتظر الثواب من الكريم الوهاب سبحانه وتعالى، هل ترون هذا الراجي يتقاعس عن تعهده لارضه الجواب لا.

بل إنه لا يزال متعهدًا لأرضه حتى تثمر أعلى ثمر وحتى تنتج أفضل الإنتاج لأنه حريص كل الحرص على هذه الأرض فتراه يتعهدها ويزيل عنها كل ما يمنع من وجود الثمرة الجيدة ما يؤذي الأرض كل ذلك لأنه يرجو، أن تنتج إنتاجًا جميلًا وحسنًا، وكذلك العبد الصالح يرجو رحمة الله، فهو يحسن صلاته ويخشع فيها ويحافظ عليها ويسأل الله عز وجل أن يتقبلها منه وهكذا في سائر أعماله. وأما الآخر الذي يتمنى على الله أماني فرجل عنده أرض سبخة لا تقبل الزرع، ولا تنتج ثمرا ثم ليس معه ماء وبذره غير جيد لا ينبت، ولا ينتج ترون هذا الرجل يقول لنفسه يمنيه لعل أرضي تنبت كما ستنبت أرض فلان وما الذي يمنع أن يكون عندي من الزرع كما عند فلان وأن يكون لديَّ من الثمر كما لفلان ما أنتم قائلون له تقولون أنه سفيه لم يأخذ بالأسباب.

ولذلك. فإنَّ طمعه في غير محله، ولن تنتج الأرض، ولن تثمر هذا هو الأصل وربي على كل شيء قدير لكنه سبحانه هيأ لكل شيء سببًا ثم ما ترون هذا الرجل صانعا ترونه يتعهد أرضه؟ لن يتعهدها لأنه لا فائدة من تعهدها فهي سبخة غير صالحة فيعرض ويزداد في ابتعاده عن النظر في ارضه، وكذلك هذا الإنسان الذي يتمنى على الله أماني لا يفكر في طاعة الله سبحانه وتعالى، مشتغل بالمعصية مداوم عليها تارك لطاعة الله جل وعلا ثم هو مغرور ونسأل الله السلامة والعافية.

فإذا أردت أن تكون ممن يرجون رحمة الله، فقدم العمل الصالح والله قال ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾3 (الأحزاب: 21). فإذا كنت ممن يرجو الله واليوم الآخر فاقتدِ ﷺ في أقوالك، وفي أفعالك، وفي أحوالك فإذا أردت أن تفعل شيئًا أو أن تقول شيئًا ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ماذا قال الرسول فيه ماذا فعل الرسول فيه ﷺ حينئذ تكون من الراجين بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

محاربة الرجاء لداء القنوط وقاعدة استطالة الطريق

هذا هو الرجاء الذي ينبغي للمسلم، أن يعيه وأن يحققه هو حسن ظن بالله مع عمل وجد واجتهاد ويسأل الله القبول والثبات ثم ما تعجز عنه فإنَّك تفوض أمرك إلى ربك جهدك قليل أنت بذرت وأخذت بالأسباب ثم تقول: يا رب هذا جهدي، وعندك المزيد وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ثم ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾، يا أيها الإخوة الكرام أن الرجاء يضاد اليأس لكنه لا يضاد الخوف لأنَّ الرجاء والخوف قرينان.

تأمَّل! هذا الرجاء ضد اليأس الذي يئس من رحمة الله، يقنط من رحمة الله، لا يعمل الصالحات الذي يحكم على نفسه بأنه من أهل النار وأنه من العصاة وأنه من الضالين لن تقوى عزيمته على فعل الطاعة يقول لك: أنا لست من هؤلاء يقول عن نفسه ليس من هؤلاء الذين يصلون والذين يفعلون الطاعات ما جرب هذا ولا يعرف للطاعة طريقًا.

نسأل الله السلامة فعنده يأس وعنده قنوط من رحمة الله، والله حذرنا من ذلك ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ﴾4 (الحجر: 56، يوسف: 87). وقال لا ﴿تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾، ﴿وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (الحجر: 56، يوسف: 87) أما الراجي فإنَّه لا يقنط من رحمة الله، سبحانه وتعالى، مهما وقع في معصية ومهما صدر منه من تقصير إلا أنه يحاول يتوب كلما وقع حاول أن يقوم كهذا الإنسان الذي يسير ثم يتعثر في الطريق ثم يتعثر في الطريق ماذا يصنع يقاوم حتى يقوم ويواصل، وكذلك الذي يرجو رحمة ربه كلما تعثر بسبب الوقوع في المعصية قام من وحل التراب، ومن الطين سائلًا الله المدد والتوفيق فيمضي على بركة الله عز وجل ولا يستطيل الطريق لأن.

الأمر كما قال ابن القيم «من استطال الطريق ضعف مشيه»، يعني: لا يستطيل الطريق ما يقول الطريق طويل كهؤلاء الشباب الذين يقولون نحن ما زلنا شبابا بيننا وبين الموت مفاوز هكذا يزعمون فلنلعب ونلهو كيف شئنا والموت يأتي بغتة ويأتي للشاب وللكبير وللصغير ما تعلمون لأنه يرى أنَّ بينه وبين الموت مدة طويلة.

وهذا خطأ لذلك قال ربنا من كان يرجو لقاء الله. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ﴾ وهو السميع العليم5 (العنكبوت: 5) مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ إذا كنت ترجو لقاء الله فأبشر. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ﴾ سيأتي ويأتي قريبًا وهو متحقق فامض على بركة الله فعما قريب ستلقى ربك لتتمتع بالنظر إلى وجهه الكريم ولتسعد برضوان ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾.

نسأل الله الكريم من واسع فضله إذًا فرق بين هذا وذاك بين اليائس الآيس القانط من رحمة الله، جل وعلا وبين من يرجو رحمة الله، الرجاء باعث. كما أن الخوف باعث أنت ترجو فتعمل زيادة وترجو الزيادة تعمل أكثر وترجو الأكثر تعمل الأحسن وترجو أكثر وأفضل وتعلم، أن عطاء الله أعظم وأجل وأن الله يعطيك بالفضل والكرم والجود والإحسان سبحانه وتعالى، وكذلك الخوف الخوف من الله يحجز عن المعصية يمنعك من المعصية ويدفعك إلى الطاعة كما سيأتي بيانه بإذن الله في الحديث عن الخوف من ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ كذلك.

يا أيها الإخوة الكرام،

تقوية الرجاء بالاعتبار بسوابق النعم وستر المعاصي

طريق الرجاء من أين يحقق الإنسان الرجاء من جهتين من جهة الاعتبار، ومن جهة استقراء الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة الاعتبار اعتبر بحالك. انظر إلى حالك أنت كم لله عليك من نعمة نعم لا تعد ولا تحصى. فهذا يذكرك بالرجاء لأنك تعلم، أن الله أعطاك وهو غني عنك فتقرب إليه يا من أعطيتني دون حاجة منك إليَّ لا تحرمني عطاءك.

بل زدني وأعطني وأكرمني فتجد فيه رجاءً ورغبة تتذكر نعم الله عليك التي لا تعد ولا تحصى مع كونك عاصيا مع كونك مفرطًا في جنب الله ما حرمك الله وتعلمون، أن الخليل إبراهيم عليه السلام لما قال لربه ﴿وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾ قال ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾، يعني: لن أرزق المؤمن فقط وإنما سأرزق المؤمن والكافر فأنت يا مؤمن يا من آمنت بربك سبحانه وتعالى، تذكر نعم الله عز وجل عليك وتذكر كذلك مواقف كثيرة تمر بك سألت الله في شدة ففرج الله عنك شدتك كم مرت بك من كربة كنت تظن أنها لن تفرج ففرجها الله ويسرها عليك فكن راجيًا في ربك.

ولذلك ماذا قال زكريا عليه السلام ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (مريم: 4)، ولم اكن بدعائك ربي شقيا لم أشقَ يومًا بدعائك نعم تذكر أنك لم تشقى يومًا بدعاء الله ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ دعوت الله فردك ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ دعوت الله فخيب رجاءك كم له عليك من نعم سابقة لا تعد ولا تحصى. انظر إلى نفسك وإلى نفسك إذا ضاق نَفَسُك ماذا تصنع إذا حُبس البول فيك ماذا تصنع.

انظر إلى ضعفك. انظر إلى هوانك وإلى غنى ربك عنك هذا كله يجعلك ترجو الله سبحانه وتعالى، تعلم أنك شيء وأن رحمة الله وسعت كل شيء وأن الله كريم فتعتبر بحالك أم حينما تتذكر نعم الله عز وجل عليك. وقد ذكرت لكم، يا أيها الإخوة الكرام أن الاعتبار يتم حتى بالنظر يتم أيضًا بالنظر في آيات الله المنزلة حينما تقرأ أن رب العزة سبحانه وتعالى، يحافظ لك على حقوقك وهو الغني سبحانه وتعالى، فتأتي آية المداينة أو آية الدين في سورة البقرة وهي أطول آية في القرآن ليحفظ الله أموال الناس يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ﴾ إلى آخر الآية هذه الآية التي هي أطول آية من أجل من اجلك أنت من أجل أن يحفظ مالك الذي تعبت في تحصيله الله عز وجل يحفظ عليك هذا المال يقول وثقوا الديون واكتبوها حتى لا تضيع على أصحابها فالذي حفظ عليك مالك يحفظ عليك دينك ويغفر لك ذنبك ويستر عيبك وهو الكريم سبحانه وتعالى.

انظر إلى نفسك حينما ترتكب معصية ويسترك الله عز وجل عليها محمد بن واسع رحمه الله، وهو الذي كان إذا رُئي ذُكر الله جل وعلا وكان بعضهم يقول إذا نظرت إلى وجهه عملت لذلك أسبوعًا كاملًا يقول «لو كانت للذنوب ريح ما جالسنا أحد» تذنب وتعصي ويسترك ربك هذه نعمة ترجو رحمة الله، كما سترك في الدنيا أن يغفر لك في الآخرة سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم كما مضى معنا في الحديث القدسي فانظر يا رعاك الله إلى هذا الكلام لتعرف أن نعمة الله أو أن نعم الله لا تُعدُّ ولا تُحصى الجانب الآخر جانب الاستقراء في آيات الله، وفي أحاديث رسول الله ﷺ فأنت إذا قرأت القرآن وجدت آيات كثيرة يحدثنا الله عز وجل عن رحمته سبحانه وتعالى، ﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ قال ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾.

تقوية الرجاء باستقراء أسماء الله الحسنى

بل إذا تأمَّلت في أسماء الله الحسنى وجدت من ذلك الكثير والكثير حينما تتأمَّل في بسم الله الرحمن الرحيم أنت تقرؤها قبل قراءتك لكل سورة من سور القرآن باستثناء سورة براءة ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ الرحيم ليس اسمًا واحدًا وإنَّما الرحمن والرحيم أيضًا من أسمائه الغفور من أسمائه الكريم من أسمائه اللطيف من أسمائه الحليم من أسمائه الشكور من أسمائه المحسن عند من صحح رواية، أن الله محسن.

وقد حسنها عدد من أهل العلم كل هذا من أسماء الله من أسمائه البر الرب البر سبحانه وتعالى، فهو الرب الذي يربيك وهو البر الذي يحسن إليك وهو اللطيف سبحانه وتعالى، وهو الحليم وهو الكريم وهو الرؤوف وهو العفو حينما تتذكر هذا كله فإنَّك ترجو رحمة الله، سبحانه وتعالى، والعلماء لهم مذاهب في أرجى آية في القرآن لهم أقوال كثيرة ما أرجى آية في القرآن أي: آية في كتاب الله أرجى آيات القرآن اختلفوا في ذلك ووردت في ذلك آثار.

مذاهب العلماء في أرجى آية في القرآن الكريم

بل الروايات مرفوعة لا تخلو من مقال، ومن أشهر ما قيل في ذلك قول الله ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ﴾ ﴿لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ﴾، لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ، إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴿۞ قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ أنه هو الغفور الرحيم ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ أضاف العباد إليه سبحانه وتعالى، فما أكرم هذه الياء وما أجل تلك الياء أضافها إليه، أضافك إليه وأنت عبده وهو ربك أنت عبده وهو سيدك ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟﴾ هم أسرفوا.

ومع ذلك نسبهم إليه إضافة إليه مع إنهم مع إنهم أسرفوا مع إنهم هتكوا الحرمات مع أنَّهم وقعوا في المعاصي والذنوب لكنه الكريم الذي رحمته وسعت كل شيء ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ﴾ ﴿لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ﴾، إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا قال المحققون المراد بقوله: إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا هذا في حق التائبين لذلك لا تعارض بين هذه الآية لا تعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ ففي سورة النساء في موضعين قال إِنَّ ﴿ٱللَّهَ لَا﴾ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ لِمَن يَشَآءُ كيف لا يغفر للمشرك وهنا قال إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا.

المعنى يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب المشرك إذا تاب تاب الله عليه ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام يجب ما قبله. أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله فهي في حق التائبين. ولذلك قال بعدها ﴿وَأَنِيبُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا۟ لَهُۥ﴾. وقال بعضهم: بل أرجى آية في كتاب الله قوله سبحانه في سورة الفرقان بعد أن قال ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ﴾ ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، ﴿وَمَن يَفْعَلْ﴾ ذلك يلقى اثامه ﴿يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِۦ﴾ مهانه ﴿إلا من تاب وامن وعمل عملًا صالحا فأولئك يبدل الله يبدل الله سيئاتهم﴾ (الفرقان: 70) حسنات، وكان الله غفورًا رحيمًا.

فقالوا: هذا يدل على كريم فضله سبحانه وتعالى، أن يبدل سيئات العاصي وتصير حسنات. فهذا من كرمه ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ﴾ فقد هي أرجى آية في كتاب الله. وقال آخرون: بل أرجى آية في كتاب الله قول الله ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فقالوا العذاب على المكذب المتولي إذًا المؤمن يعفو الله عز وجل ويغفر له ويمكن أن تحمل الآية، أن العذاب، أي: الخلود في النار على من كذب وتولولى. وأما عصاة الموحدين فقد يغفر الله لهم وأن عذب منهم من عذب فإنَّهم لا يخلدون في نار جهنم.

وقال بعضهم: بل أرجى آية في كتاب الله. وهذا عجيب. لكن ذكره بعض العلماء، ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُو۟لُوا۟ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوٓا۟ أُو۟لِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ ﴿وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟﴾ إلا تحبون، أن يغفر الله لكم ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ الآية كما تعرفون نزلت في شأن أبي بكر الصديق رضي الله عن حينما حلف ﴿إِلَّا﴾ ينفق على مِسطح بن أُثاثة لأنه وقع في عرض عائشة رضي الله عنها تكلم في حق عائشة أم المؤمنين الحَصَان الرَّزَان العفيفة زوج رسول الله ﷺ ابنه الصديق وقع في عرضها فأبو بكر رضي الله عنه امتنع عن الإنفاق عليه وحلف على ذلك فالله ينهاه يقول، ولا يأتل، يعني: ولا يحلف ﴿أُو۟لُوا۟ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوٓا۟ أُو۟لِى﴾ القرب ﴿وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟﴾.

فقالوا: ما أكرم الله! هذا قاذف. ومع ذلك يأمر الله المؤمن بأن يعفو عن القاذف أن يعفو عنه. بل وأن يحسن إليه. فهذا يدل على عظيم فضله سبحانه وأنه الغفور الرحيم وأنه الغفور الرحيم سبحانه وتعالى، وللحديث بقية بإذن الله. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
  2. آية: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 110 ↩
  3. آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩
  4. آية: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 56، يوسف: 87 ↩
  5. آية: ﴿مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 5 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿ولا تيأسوا من روح الله أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 56، يوسف: 87

من سلسلة: أفلح من تزكى (40 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة