مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

أداب بين طالب العلم وزميله

سلسلة دروس الآداب الإسلامية · الدرس 20 من 25 · 18 دقيقة · الآداب والأخلاق

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾1 (القلم: 4)

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ:

فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بالحديث عن الآداب الإسلامية، وكان آخر ما تحدثنا عنه في الدرس الماضي بعض الآداب التي تتعلق بطالب العلم في نفسه فقد تقدم في الدرس قبل الماضي طرف مما يجب على المعلم تجاه التلاميذ فالمعلم يحمل رسالة وهو يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، فجدير به أن يكون رفيقًا رحيمًا حليمًا وأن يكون ذا خبرة بما يدعو الناس إليه ويدلهم عليه، وكذلك فطالب العلم يحسن به أن يتحلى بأمور، ومن أعظمها كما تقدم إخلاص النية لله سبحانه وتعالى، فيقصد بعلمه وجه الله عز وجل فالذي يجلس مجلسًا ويطلب العلم ﴿أَنَّمَا﴾ يتعلَّمه من أجل الله عز وجل حينئذ يبارك الله عز وجل في جهده، وفي سعيه ويأجره عليه ويثيبه، ومن أعظم هذه الأمور أيضًا وأجلها أن يكون علمه علمًا نافعًا، وأن يتعلم العلم النافع الذي ينفعه في أمر دينه ودنياه والذي ينفعه في أمر آخرته.

وقد كان النبي صلوات ربي وتسليماته عليه يستعيذ بالله من علم لا ينفع وأعوذ بك من علم لا ينفع، وكذلك كان يدعو ربه اللهم إني أسألك علمًا نافعًا ورزقًا طيبًا وعملًا متقبلًا، ومن هذه الأمور أيضًا ﴿إِلَّا﴾ يشتغل بالجدال والمراء ﴿أَنَّمَا﴾ يحافظ على وقته فوقته رأس ماله فيكون شحيحًا بوقته لا ينفقه إلا في طاعة الله سبحانه وتعالى، إلى غير ذلك من الآداب التي تقدم ذكرها في الدرس الماضي ويزاد على ذلك العمل بالعلم، وهو من أجل الأمور وأهمها، أن يعمل بعلمه، إذا تعلمت علمًا فاعمل به.

فإنَّ العلم إمَّا أن يكون حجة لصاحبه وإمَّا أن يكون حجة عليه؛ يكون حجة لك إذا عملت به ويكون حجة عليك إذا لم تعمل به. وقد قال النبي ﷺ: «والقرآن حجة لك أو عليك». فإذا حفظت آية أو تعلمت حديثًا من أحاديث النبي ﷺ فبادر بالعمل فبادر بالعمل وكما قال بعضهم يا أصحاب الحديث أدوا زكاة حديثكم يا من تتعلمون سنة النبي ﷺ أدوا الزكاة ما الزكاة أن تعمل بهذا العلم الذي تعلمته وقد قال الله جل وعلا: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا۟ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ فطالب العلم جدير به أن يكون عاملا بما يعلم فلا يتعلم مسألة إلا ويعمل بها.

وقد كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى لا يذكر حديثًا أو لا يحفظ حديثًا إلا ويعمل به رحمه الله، حتى أنه روى حديثًا عن النبي ﷺ في أنه احتجم عند أبي طيبة، وأعطى الحجام دينارًا فما كان منه رحمة الله تعالى إلا أن احتجم من أجل أن يطبق سنة النبي ﷺ وكانت أم سفيان الثوري رحمه الله تعالى تقول له يا بني إذا كتبت عشرة أحرف فانظر إلى مشيك وإلى سيرك وسلوكك.

فإنَّ هذا العلم. إن لم ينفعك ضرك «أَوْ كَمَا قَالَتْ»: إن هذا العلم. إن لم ينفعك ضرك فالإنسان كلما ازداد علمًا عليه أن يظهر هذا العلم في وجهه، وفي مشيته، وفي كلمته، وفي أفعاله، وفي سلوكياته وما إلى ذلك ولذلك قالوا أيضًا من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم من عمل بالعلم القليل الذي عنده يبارك الله عز وجل له فيما علم وييسر له تعلم ما لم يعلم.

ولذلك كم يفتح الله للعبد من كنوز في العلم بسبب عمله بالعلم لما عمل. فإنَّه لما عمل بما علم علَّمه الله عز وجل ما لم يعلم. وقد كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم، لا يتجاوز أحدهم عشر آيات حتى يعمل بما فيها يحفظ العشر آيات ويفهم معانيها ويقوم بالعمل بها فلا يتجاوز أحدهم العشر آيات حتى يكون مطبقًا لمقتضاها لذلك بعضهم ربما مكث في سورة البقرة ما يقارب ثماني سنوات.

وقد ذم الله عز وجل من يتعلم العلم ولا يعمل به وضرب له في القرآن مثالًا بالحمار وضرب له مثالًا آخر بالكلب. فقال: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ﴾ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ﴾ ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾.

وقال الله: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًۢا﴾ فطالب العلم جدير به أن يعمل بما تعلم والحمد لله فكل منا يحفظ آيات من القرآن الكريم وبعض أحاديث النبي ﷺ ولديه من العلم شيء فجدير به أن يعمل بذلك، فإذا عرف فضل عبادة عليه ﴿إِلَّا﴾ يحرم نفسه من هذا الفضل الذي عرف لتلك العبادة التي أناط الشرع بها فضلًا أو ثوابًا تقدم.

يا أيها الإخوة الكرام أن هذه بعض الآداب التي تتعلق بطالب العلم في خاصة نفسه وهناك آداب تتعلق به مع شيخه وهناك آداب تتعلق به مع زملائه وأخرى تتعلق به مع كتبه ووقته. وذلك لخطورة الزمالة وخطورة الصداقة وكم جرى من فساد بسبب أصحاب السوء. نسأل الله السلامة والعافية. وقت أن يصادقهم ويصاحبهم، فاعلم أنه يسقط حتمًا.

فإنَّ الطباع نقالة وهي أيضًا سراقة فالطبع يسرق من الطبع الطبع يسرق من الطبع وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام، المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل لا تسأل عن المرء، واسأل عن قرينه فالمرء بالمرء يقتدي أو كل إنسان بقرينه يقتدي فكل واحد يقتدي بقرينه وبصاحبه. وقد قال عليه الصلاة والسلام، مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير والأصدقاء كما قسمهم أهل العلم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام إلى صديق لذة، وإلى صديق منفعة، وإلى صديق فضيلة، إلى صديق منفعة، هذا الذي يصادقك لا من أجل شيء إلا من أجل المنفعة، فإنَّه ينتظر من ورائك منفعة عاجلة دنيوية يجالسك، ووقت أن تنقطع المنفعة منك يتركك.

ولذلك تراه يجالسك ويظهر لك المحبة والمودة وإذا حدث بينك وبينه شيء وامتنعت عن أن تعطيه ما يريد هجرك كأنه لا يعرفك، ولا يذكر لك فضلًا، ولا جميلًا، ولا حبًّا ولا ودًّا. فهذا صديق منفعة ما جمعه بك إلا المنفعة ووقت أن تذهب المنفعة تذهب صداقته فمثل ذلك لا يحرص عليه وهناك صديق لذة وهو الذي يجالسك من أجل السماع، ومن أجل السهر، ومن أجل حديثك يرى عذوبة كلامك ويراك تذكر هنا أو تتكلم هنا وهناك وربما كنت تغتاب الناس أو تَنِمُّ.

نسأل الله السلامة فهو يفرح بذلك ويُسَرُّ بالأخبار المتعددة وبالجلسات المختلفة. ولذلك تراه يجلس مع أشكال شتى ومع ألوان عديدة فيجلس مع المشرقين ومع المغربين ومع هؤلاء ومع هؤلاء وهو لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء ﴿أَنَّمَا﴾ يريد أن يتلذذ بالمجالسة وأن يأنس بالحديث فمثل ذلك لا يحرص عليه فلا خير فيه فلا خير في صحبته وأما.

القسم الثالث فهو صديق الفضيلة صديق الفضيلة التي جمعتك به والتي جمعته بك الفضائل بينكما فهو يحرص على أن تكون فاضلًا وأنت تحرص على أن يكون فاضلًا فهو بفضل الله سبحانه وتعالى، يدعوك إلى ما يزين ويصدك عما يشين فمثل ذلك يحرص عليه وهو نادر الوجود وهو كما يقال عملة صعبة وهو عملة صعبة، أن يكون صديق فضيلة لا يدعوك إلا إلى الخير، ولا يحذرك إلا من الشر ما جمعك به ولا اجتمع بك من أجل دنيا زائلة وإنَّما من أجل الله ورجلان تحابَّا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه فجدير بك، أن تبحث عن هذا الصديق الذي إذا وجدك غبت عن درس قال لك أين أنت

لِمَ لم تحضر الدرس؟ لقد أخذنا كذا وكذا خذ وتعلم لا يكتم عنك علمًا. بل يبين لك العلم ويدعوك إلى التعلم ويحب لك التقدم، ولا يحسدك، ولا يحقد عليك، ولا يكره لك خيرًا وإنَّما يحب لك الخير ويحب لك التقدم بفضل الله سبحانه وتعالى. فهذا أمره طيب فإذا وجده الإنسان عليه أن يحرص عليه فهؤلاء مفاتيح للخير مغاليق للشر كما قال ﷺ: «إنَّ من الناس ناسًا مفاتيح للخير مغاليق للشر». نسأل الله أن نكون منهم بمنه وكرمه فالإنسان يحرص على صديقه وعلى صاحبه وهذا في واقعنا العملي ليس خاصًا بطلبة العلم بل عموم الناس ولكن يتأكد هذا في حق الطالب ولذلك طالب العلم ينتقي أصحابه ينتقي أصحابه وينتقي من يصادقه ومَنْ يبدي له أسراره ومَنْ يذكر له أموره فإنَّ هذه أمور لا تُنشر لكل الناس، ولا لعمومهم وإنَّما للخاصة منهم ممن يؤتمنون والمجالس بالأمانة كما قال النبي ﷺ عليه وآله وسلم فعلى طالب العلم، أن يحذر قرين السوء وأن يحرص أيضًا على الصحبة.

وذلك لأنَّ العزلة صعبة وإنَّما يصار إليها عند الضرورة وكما قال بعضهم: العزلة بدون عين العلم زلة العزلة إذا تركنا العين تصير زلة زلة العزلة إذا حذفنا العين تكون زلة، يعني: العزلة بدون عين العلم تصير زلة فالإنسان يحتاج إلى مَن يخالطه ويدعوه إلى الخير ويزجره عن الشر بفضل الله سبحانه وتعالى، هذه بعض الآداب التي تتعلق بالطالب مع أصدقائه أو مع مراعاته حقوق الصديق وأما.

الأمر الآخر فيتعلق بحقوق الشيخ على طالبه والآداب التي على الطالب أن يراعيها مع الشيخ ونذكر منها الآن ثم بعد ذلك نكمل إن شاء الله تعالى في الدرس المقبل أن يعلم طالب العلم، أن رأس ماله من شيخه هذا هو الأصل وإنَّما تأتيه الزيادة بعد؛ وإلا فبداية رأس المال ﴿أَنَّمَا﴾ تكون من الشيخ.

وذلك أنَّ العلم كما ذكر الشاطبي رحمه الله، له طريقان الطريق الأول طريق الشيوخ والعلماء والأساتذة والطريق الثاني طريق الكتب طريق مطالعة الكتب والكتب لها مفاتيح ومفتاح الكتب مع الشيخ فرجع الأمران إلى أمر واحد وهو الجلوس بين يدي المعلمين والأساتذة لذلك عني أئمتنا الأعلام بمثل ذلك وحذروا من أن ينفرد الإنسان بطلب العلم وأن يغض الطرف عن أشياخه.

وقد قالوا لا تأخذ العلم من صُحُفيٍّ، ولا القرآن من مُصحفيٍّ لا تأخذ العلم ممن تلقاه من الصحف، ولا تأخذ القرآن ممن تلقاه من المصحف لأنَّ الذي تعلم القرآن من المصحف سيقرأ خطأ ولن يجيد تجويد القرآن، ولن يحسن قراءته والذي تعلم من الصحف يزل في الفهم. وذلك أنَّ العالم يسدد لطالبه الفهم يقول له أخطأت فهم هذه المسألة هذه المسألة تفهم بهذه الطريقة، ولا تفهم بالطريقة التي قلتها أو التي فهمتها فيسدد له فهمه بفضل الله - تبارك وتعالى فلذلك جاءتنا الأدلة الكثيرة في بيان تقدير العلماء ومراعاة حرمتهم وهكذا درج الخلف في أخذهم عن السلف درج عملهم، أن يأخذ الصغير عن الكبير والتلميذ عن الشيخ.

ولذلك يستند بعضهم إلى بعض. فهذا له شيخه. وهذا له شيخه ويكون مذمة لأحدهم إذا قيل: ليس له شيخ يُعرَف فهذه تكون مذلة وتكون مذمة في حقه. ولذلك عيب على علي بن رضوان وهو طبيب حينما قال إننا لسنا بحاجة إلى الأساتذة، ولا إلى الأطباء، ولا إلى العلماء وإنَّما نأخذ من الكتب فهجم عليه العلماء هجمة شديدة في عصره، وبعد عصره، ولم يرتضِ أحدٌ منه هذا الكلام لأنَّ هذه سنة ماضية.

ولذلك أوصى النبي ﷺ أهل العلم بطلبة العلم لأن طلاب العلم لا يستغنون عن أهل العلم. وقال وصية أو أخبر بأن الوصية بطالب العلم «مرحبًا بطالب العلم» فإذا جاء طالب العلم قال له شيخه «مرحبًا بطالب العلم» هناك آداب كثيرة وهناك مسألة تتعلق بالفوائد المترتبة على أخذ العلم من الشيوخ هذا مع قولنا إن العلماء ليسوا معصومين.

إن العالم ليس معصومًا ﴿أَنَّمَا﴾ العصمة في الإجماع وليست في قول عالم فالعالم ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ ويخطئ لكنه يفتح لنا الطريق وينير لنا الطريق فإذا استقام الإنسان واستوى عوده وقوي على إدراك المسائل فإنَّه يوقر مشايخه وأساتذته، ولا مانع أن يخالفهم فيما ذهب إليه نتيجة وصوله إلى العلوم المقررة وإلى الأصول والقواعد المرعية والأصول الشرعية فحينئذ يحبون له ذلك ويحبون موافقته للحق فيقول: شيخنا حبيب إلى قلوبنا.

لكن الحق أحب إلينا منه شيوخنا أحباء إلى قلوبنا إلا أن الحق أحب إلينا من الجميع إذ الحق بغيتنا والهدى مرادنا. نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل وأن يرينا الحق حقًا وأن يرزقنا اتِّباعه وأن يرينا الباطل باطلًا وأن يرزقنا اجتنابه وأن يصلح أحوالنا وأن يحفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ هذا والله أعلم. سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. نكمل إن شاء الله في الدرس المقبل والسلام عليكم

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القلم 4 ↩

من سلسلة: سلسلة دروس الآداب الإسلامية (25 درسًا)

دروس مشابهة