مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

آداب متعلقة بهبوب الريح ونزول المطر

سلسلة دروس الآداب الإسلامية · الدرس 19 من 25 · 15 دقيقة · الآداب والأخلاق

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾1 (القلم: 4)

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ:

فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بالحديث عن الآداب الإسلامية وأحدثكم الليلة، إن شاء الله تعالى، عن بعض الآداب المتعلقة بهبوب الريح ونزول المطر. فإنَّ ديننا بفضل الله دين شامل كامل وكما مضى في دروس سابقة واتضح لنا بوضوح وجلاء أن دين الله جل وعلا ما ترك خيرًا إلا دلنا عليه، ولا شرًّا إلا حذرنا منه فهبوب الريح آية من آيات الله.

كما أنَّ نزول المطر آية من آيات الله سبحانه وتعالى، والمسلم العاقل عليه أن يراعي ذلك وأن يؤدي حق الله عز وجل تجاه تلك الآيات. وقد قال الله ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ وكان النبي ﷺ إذا رأى ريحًا أو غيمًا ظهر أثر ذلك في وجهه.

وقد قال الله عز وجل ﴿وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِن شَىْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ﴾2 (الذاريات: 41-42). ولذلك ثبت في البخاري في الأدب المفرد أن النبي ﷺ كان إذا رأى ريحًا شديدة أو هبَّت ريح شديدة قال: اللهم لَقَحًا لا عقيمًا اللهم لَقَحًا لا عقيمًا. فهذا مما يسأل الله إياه.

نسأل الله جل وعلا إياه إذا وجدنا ريحًا أن نقول: اللهم لَقَحًا، يعني: هذه ريح تُنزل الأمطار والغيث لا عقيمًا تقضي على الأرض، وعلى الزرع ﴿مَا تَذَرُ مِن شَىْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ﴾. وقد قال الله سبحانه ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُۥ فِى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُۥ كِسَفًا فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَـٰلِهِۦ ۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِۦ لَمُبْلِسِينَ فَٱنظُرْ إِلَىٰٓ ءَاثَـٰرِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ﴾ فهي من آثار رحمة الله،

هذه الريح حيث يسوقها رب العباد سبحانه وتنشأ السحب وتتراكم ثم بعد ذلك تتساقط الأمطار وينزل الغيث فيعمُّ الخيرُ العبادَ والبلادَ بفضل الله سبحانه وتعالى، فعلى ذلك إذا هبَّت ريح فبدايةً علينا أن نخاف من أن تكون هذه الريح ريحًا عقيمة، ومن أن تكون سببًا في هلاكنا فنسأل الله حينئذ السلامة.

وقد كان بعض السلف إذا رأى ريحًا قال: يا رب لا تهلك الناس بذنبي لو متُّ لاستراح الناس يرى أنه سبب نزول النقم بالناس. نسأل الله السلامة والعافية. وكذلك ثبت عن النبي ﷺ أنه قال في شأن الريح: «الريح من رَوْحِ الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها» إذن من الآداب التي تتعلق بالرياح أو بالريح ﴿إِلَّا﴾ تُسَبَّ، يعني: بعض الناس تمر ريح فيلعنها فيلعن هذه الريح أو يسبها فهذا خطأ لا تسبوا الريح ولكن سلوا الله من خيرها واستعيذوا بالله من شرها وجاء عنه عليه الصلاة والسلام في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي ﷺ كان إذا هبَّت ريح شديدة قال: اللهم إني أسألك من خير ما أرسلت به وأعوذ بك من شر ما أرسلت به وجاء عنه عليه الصلاة والسلام ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقول: «اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أُرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أُرسلت به». إذن ماذا نقول إذا وجدنا ريحًا نقول اللهم إنا

نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أرسلت به أو أن نقول مباشرةً كما جاء في الرواية الأخرى اللهم إنا نسألك من خير ما أرسلت به ونعوذ بك من شر ما أرسلت به. فهذا مما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، وكذلك، يا أيها الإخوة الكرام، هذه الريح آية من آيات الله فعلينا أن

نسأل الله جل وعلا ما فيها من خير وأن نستعيذ بالله - تبارك وتعالى مما فيها من شر كذلك مما يتعلق بذلك إذا سمعنا صوت الرعد أو رأينا البرق. فإنَّ هذه آيات من آيات الله سبحانه وتعالى. وقد كان ابن عباس رضي الله عنهما، كما صح عنه كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له أيضًا في الأدب المفرد كان إذا سمع صوت الرعد قال سبحان الذي سبحت له أو سبحان من سبحت له سبحان من سبحت له وكان عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، إذا كان في حديثه فسمع صوت الرعد سكت سكت ثم قرأ قول الله ﴿وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِۦ﴾ ويقول إن هذه لآية شديدة من آيات الله عز وجل يعني: هذا الرعد، وكذلك في رواية ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: إنَّ الملك يسوق الرعد كما يسوق الغنم أو كما يسوق الراعي غنمه.

إن الملك يسوق هذا الرعد بالغيث كما يسوق الراعي غنمه. فهذا الملك الذي سخره الله جل وعلا يسوق هذا الرعد حتى ينزل بالغيث كما يسوق الراعي الغنم. وقد كانت لبعض السلف، رحمهم الله، كعمر بن عبد العزيز، وقفات في ذلك فكان في إحدى المرات مع أمير المؤمنين وقتها، وكانوا بالمدينة النبوية فهبَّت ريح شديدة وسمع صوت الرعد، وكذلك رؤي ضوء البرق فهناك آداب أخرى فمما يتعلق بذلك أننا

نسأل الله أن تكون سقيا رحمة فقد جاء عن النبي ﷺ إذا نزل الغيث أن يقول رحمة أو يقول اللهم سقيا رحمة فتسأل الله جل وعلا أن تكون هذه السقيا سقيا رحمة وألَّا تكون عذابًا كذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه ﷺ كان إذا نزل المطر حسر عن بعض ثوبه حتى ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ المطر بعض جسده فلما سُئل النبي ﷺ عن ذلك قال لأنه حديث عهد بربه عز وجل يعني: كان من سنته ﷺ أنه إذا نزل المطر كشف جزءًا من جسده ليصيبه المطر ويقول هذا حديث عهد بربه عز وجل هكذا كان يصنع ﷺ ومما يشرع أيضًا عند نزول الأمطار الدعاء فقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام فيما رواه الحاكم في المستدرك وصححه الألباني من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «ثنتان ما تُردَّان: الدعاء عند النداء، وتحت المطر». فهذه إحدى الأوقات التي يُستجاب فيها الدعاء إذا نزلت الأمطار. فماذا نقول حينئذ؟.

نسأل الله من فضله ونسأل الله جل وعلا من خيرَي الدنيا والآخرة ونسأل الله أن تكون رحمة لا أن تكون عذابًا فعلى ذلك لا نقول مطرنا بكوكب كذا أو كذا أو بنوء كذا أو كذا وإنَّما مطرنا بفضل الله ورحمته فالأولى ألَّا يقال: نزل المطر بنوء كذا أو كذا، بل يقال: مُطرنا بفضل الله ورحمته ومعروف حديث النبي ﷺ عليه وآله وسلم أصبح من ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ مؤمن بي وكافر، يعني: عن الله عز وجل يقول أتدرون ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ قال أصبح من ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ مؤمن بي وكافر. فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وفي لفظ بالكواكب، ومن قال مُطرنا بنوء كذا وكذا. فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب إذن نقول: مُطرنا بفضل الله ورحمته كذلك، يا أيها الإخوة الكرام، لنعلم فضل هذه الأمطار. وهذه المياه فالماء كما يقول أهل العلم هو أعز مفقود وأرخص موجود فالماء حينما يكون موجودًا وميسورًا لدينا لا يهتم الناس به.

بل ربما يسكبون كثيرًا من المياه على الأرض في الوقت الذي لو وقعت فيه من أحدنا لقمة عيش، ولو كانت صغيرة، لقيل له: يا أخي، حرام عليك، هذه نعمة. لكن المياه يسكبونها طب وإذا انقطعت المياه ماذا يحدث في البيت يضطرب البيت الذي يريد الطعام يحتاج إلى المياه الذي يريد الاغتسال أو الوضوء يحتاج إلى المياه الذي يريد الشراب يحتاج إلى المياه تتعطل كثير من مصالح البيت حينما يُفقَد الماء فهو عند وجوده ينسى الناس فضله ومكانته، وعند غيابه تتعطل كثير من مصالحهم فجدير بهم أن يشكروا الله سبحانه وتعالى، على هذا المعنى، وكذلك ﴿إِلَّا﴾ يقع فيه إسراف وإنَّما يستعمل على قدر الحاجة فكل ذلك مما يتعلق

يا أيها الإخوة الكرام، بآداب هبوب الريح وبآداب نزول المطر ويتعلق بذلك فقه كبير وهو ما يتعلق بصلاة الاستسقاء فإذا قحط الناس وأصابهم الجدب وانحبس عنهم المطر شرع لهم أن يصلوا صلاة الاستسقاء فهي صلاة من أجل السقيا من أجل أن ينزل الله عز وجل عليهم الأمطار، وأيضًا لهم أن يدعوا الله جل وعلا كما لو كان الخطيب في يوم الجمعة فيدعو في آخر خطبته اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا، وكذلك إذا نزلت الأمطار بكثرة وخافوا على أنفسهم من التلف، وعلى أموالهم، وعلى مواشيهم فإنَّهم يدعون الله بالاستصحاء طلب الصَّحْوِ، أي أن يصحو الجو وتظهر الشمس، فيقولون اللهم حوالينا، ولا علينا، يعني:

إذن هناك فقه لنزول المطر، وهناك فقه إذا زادت الأمطار، ولنعلم، يا أيها الإخوة الكرام أن الماء سبب الحياة قال الله ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾. ومع ذلك فالماء سلاح ذو حدين فقد أغرق الله فرعون بالماء فقد يكون الماء سبب الهلاك. وقد يكون الماء سبب النجاة هو جند من جنود ربك سبحانه وتعالى، وكذلك الرياح تتبعها الأمطار.

وقد تكون الريح سببًا في الهلاك. وقد ذكر بعض العلماء أن كثيرًا من هذه الأمم أهلكهم الله جل وعلا بالصيحة وبالرياح وما إلى ذلك قالوا: لأنَّ قلوبهم لأنَّ أفئدتهم امتلأت بالأهواء فلما اغتروا وصاروا أصحاب أهواء أهلكهم الله جل وعلا بالرياح التي تمزقهم وتفرقهم. كما أنهم لم يجتمعوا على طاعة الله سبحانه وتعالى، فنسأل الله، أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علَّمنا وأن يرزقنا الإخلاص والقبول ونسأله سبحانه، أن يغيثنا غيثًا مريئًا وأن يبارك لنا فيما يرزقنا إياه هذا، والله تعالى أعلم. سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القلم 4 ↩
  2. آية: ﴿وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ ۝ مَا تَذَرُ مِن شَىْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 41-42 ↩

من سلسلة: سلسلة دروس الآداب الإسلامية (25 درسًا)

دروس مشابهة