مَن يحبهم الله ومَن لا يحبهم
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- أصل المحبة وقاعدة «الشأن أن تُحَب» ودلالات اسم الله «الودود»
- علامات محبة الله للعبد: إلقاء القبول وحمايته من الدنيا وحسن الختام
- الأصناف الذين يحبهم الله: المحسنون والصابرون والمتقون والمتوكلون والمقسطون والمتطهرون
- صفات قوم «يحبهم ويحبونه» واتباع الرسول علامة صدق المحبة
- الأصناف الذين لا يحبهم الله: الظالمون والمعتدون والمفسدون
- ثمرات محبة الله في حديث الولي وتسديد الجوارح وإجابة المسألة
التفريغ النصي الكامل للدرس
أصل المحبة وقاعدة «الشأن أن تُحَب» ودلالات اسم الله «الودود»
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم تسليمًا كثيرًا يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام أن رب العزة سبحانه وبحمده يكرم أولياءه بمنن عظيمة وبدرجات كبيرة وكثيرة، ومن أعظمها هذه الدرجات والمنازل التي يكرم الله بها عباده الصالحين، أن يحبهم.
نسأل الله جل وعلا أن يحبنا فإذا أحب الله عبدًا أعطاه وزاده وأنعم عليه بالخير في الدنيا والآخرة. وهذه درجة سامقة عالية ينبغي لكل مسلم، أن يعيها وأن يدركها وأن يسعى في تحصيلها أن يحبك الله جل وعلا ولذا قالوا ليس الشأن، أن تحب الله ولكن الشأن، أن يحبك الله جل وعلا فأنت قد تدعي أنك تحب الله جل وعلا.
لكن الجليل والعظيم، أن يحبك الله فإذا أحبك الله ورضي عنك فأنت في الدنيا في سعادة ثم في الآخرة في السعادة والجنات. نسأل الله الكريم من واسع فضله وأن الله سبحانه وتعالى، قد سمى نفسه بالودود فمن أسمائه جل وعلا الودود قال الله سبحانه ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾ والودود كما قال كثير من أهل العلم هو الواد المودود فالود فيه معنيان.
علامات محبة الله للعبد: إلقاء القبول وحمايته من الدنيا وحسن الختام
المعنى الأول أن الله هو الواد الذي يود عباده ويحبهم وهو المودود يحبه عباده. وقد قال الله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ فقدم يحبهم على قوله ويحبونه لأنَّ هذا أجل وأعظم فنسأل الله سبحانه وتعالى، أن يحبنا وأن يرضى عنا إذا أحبك الله لم يعذبك.
ولذلك قال الله سبحانه. ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾ إذا أحبك الله لم يعذبك وإذا احبك الله جل وعلا وضع لك القبول في الأرض فأحبك الخلق بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ قال الله سبحانه، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدًّا﴾ أي: محبة في قلوب عباده.
ولذلك جاء في حديث ﷺ المتفق عليه إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل إني أحب فلانًا فيحبه جبريل ثم ينادي جبريل في أهل السماء أن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء «ثم يوضع له القبول في الأرض» لأنَّ الله جل وعلا أحب هذا العبد إذًا احبك الله فكما أخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث قتادة بن النعمان رضي الله عنه عند ترمذي وغيره إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء إذا كان لديك في البيت سقيم إذا كان ولدك مريضًا فإنَّك تحميه تمنع عنه بعض ما يرغب فيه فيريد أن يأكل أكلة شهية أو أن يشرب شرابًا معينا فتقول له يا بني يا فلذة كبدي إنني أمنعك من هذا خوفًا عليك ولله المثل الأعلى «إن ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ أحب عبدًا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء» فالله إذا منع من يحبه شيئًا من الدنيا فإنَّه ما منعه من هذا الشيء إلا لأنه يحبه ليحفظه من أن يقع في المحرم والنواهي.
نسأل الله أن يثبتنا على دينه إذًا أحب الله عبدًا استعمله، وفي لفظ عسله ما معنى استعمله يوفقه لعمل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ثم يقبضه عليه كما جاء بذلك الخبر عنه عليه الصلاة والسلام، فمن محبة الله للعبد أن يوفق الله هذا العبد للعمل الصالح وأن يقبض العبد على فعل الصالحات. نسأل الله الكريم من واسع فضله، يا أيها الإخوة الكرام، إذا نظرنا في المصحف إذا قرأنا آيات القرآن الكريم نجد أن رب العزة سبحانه وتعالى، أخبرنا عن قوم أنه يحبهم وأخبرنا عن آخرين أنه لا يحبهم فحقيق بنا إذا أردنا أن يحبنا الله.
نسأل الله ألَّا يحرمنا ذلك فما أحوجك إلى أن تتأمَّل! هذه الصفات التي يحبها الله وأن تسعى في أن تكون من أهلها وأن تنظر إلى تلك الصفات التي لا يحبها الله لتبتعد عنها وتنأى بنفسك عنها إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه، فليس على الجود والمكرمات حاجب يحجبك إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه، يكن منك ما يعجبك فَلَيْسَ عَلَى الْجُودِ وَالْمَكْرُمَاتِ … إِذَا جِئْتَهَا حَاجِبٌ يَحْجُبُكَ.
الأصناف الذين يحبهم الله: المحسنون والصابرون والمتقون والمتوكلون والمقسطون والمتطهرون
يا أيها الإخوة الكرام، قد أخبرنا الله في القرآن أنه يحب المحسنين. فقال والله يحب المحسنين. وقال أن الله يحب المحسنين وتكرر هذا المعنى يحب المحسنين في خمس مرات من القرآن الكريم بعضها بأن المؤكدة وبعضها بدونها والله يحب المحسنين، إن الله يحب المحسنين فإذا أردت أن يحبك الله فكن محسنًا ما معنى أن تكون «محسنا أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك،» أن تعلم، أن الله مطلع عليك لا تخفى عليه خافية، أن تحسن في عبادة الله وأن تحسن إلى خلق الله جل وعلا قد أخبرنا الله أيضًا أنه يحب الصابرين. فقال والله يحب الصابرين والله يبتلي عبادة وإذا أحب الله عبدًا أو قومًا ابتلاهم فالله يبتلي المؤمنين ليصبروا فإذا صبروا حققوا بذلك المنازل العظيمة ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ والله يحب الصابرين فإذا ابتليت فاصبر ليحبك الله عز وجل.
نسأل الله أن يحبنا كذلك أخبرنا الله سبحانه وتعالى، أنه يحب المتقين. فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ تكرر هذا المعنى في ثلاثة مواضع من القرآن صريحة فالله يحب المتقين فإذا أردت أن تكون ممن يحبهم الله فكن من عباده المتقين. جعلنا الله عز وجل منهم بمنه وكرمه وممن يحبهم الله أيضًا المتوكلون قال ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾، أن الله يحب المتوكلين فأنت حينما تتوكل على الله يحبك الله فاعتمد على الله وثق في الله وفوض أمرك إلى الله جل وعلا كذلك.
فإنَّ الله أخبرنا أنه يحب المقسطين ﴿وَأَقْسِطُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ هذا المقسط العادل الذي لا يظلم الناس وإنَّما يؤدي حق الله ويؤدي إلى الناس حقوقهم لا يظلمهم فالله جل وعلا يحبه كذلك، يا أيها الإخوة الكرام، حدثنا الله سبحانه وتعالى، أنه ﴿يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أو المتطهرين. فقال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
وقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ﴾ فاحب الطهارة الحسية والمعنوية كن متطهرًا متوضئا على طهارة وليكن قلبك كذلك في طهارة، وعلى طهارة لتكون من أصحاب القلوب السليمة رزقنا الله سلامة القلوب أمين وتب إلى ربك. فإنَّ الله عز وجل يحب التوابين ويفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه كما تعلمون، ولا يخفى عليكم هذا.
صفات قوم «يحبهم ويحبونه» واتباع الرسول علامة صدق المحبة
الأمر كذلك حدثنا الله عن بعض صفات من يحبهم. فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ ما صفاتهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أذلة على المؤمنين لم يقل أذلة للمؤمنين ﴿أَنَّمَا﴾ قال أذلة على المؤمنين فالإنسان قد يكون ذليلًا لفلان لأنه مهين ضعيف ليس هذا هو المراد ﴿أَنَّمَا﴾ قال أذلة على المؤمنين فمع علو المؤمن إلا أنه يذل.
فهذا ذل التواضع ذل العطف وذل الحنو معه القدرة. لكن الله قال أذلة على المؤمنين فهذه الذلة لا تزيده إلا رفعة عند الله جل وعلا أعزة على الكافرين هو عزيز على الكفر لا يرضى بالهوان، ولا بالذلة وإنَّما هو معتز بدينه راض بهذا الدين العظيم قال الله ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ﴾ ﴿فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍ﴾ فمن صفاتهم الجهاد في سبيل الله وأنهم لا يخافون لومة لائم، إنهم يسعون في إرضاء الله، ومن أرضى الله فلا يضره من يرضى ومن يسخط من صفات هؤلاء أيضًا ما ذكر الله في قوله، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِۦ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ إنهم المتعاونون المتفقون غير المتخاذلين هكذا وصف الله جل وعلا عباده الذين يحبهم.
نسأل الله الكريم ألَّا يحرمنا فضله وأن يرزقنا هذه المحبة ثم أن الله قال ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. وهذه الآية تسمى بآية المحنة بآية الابتلاء حينما ادعى ناس محبة الله فابتلاهم الله بتلك الآية، أن كنتم ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ﴾ فما دليل محبتكم لله فاتبعوني يحببكم الله وتأمَّل! لم يقل فاتبعوني تكونوا محبين لله فالاتباع دليل أنك محب لله لم يقل الله فاتبعوني تكونوا محبين لله ﴿أَنَّمَا﴾ ذكر الأعظم.
الأصناف الذين لا يحبهم الله: الظالمون والمعتدون والمفسدون
فقال فاتبعوني يحببكم الله لأنَّ هذا هو الأشرف، ولأن هذا هو الأكرم، أن يحبك ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ثم إذا نظرنا إلى الجانب الآخر إلى هؤلاء الذين لا يحبهم الله نعوذ بالله من حالهم فالله ذكر لنا هؤلاء الذين لا يحبهم فذكر سبحانه أنه لا يحب الظالمين وذكر أنه لا يحب المعتدين وذكر أنه لا يحب المفسدين، ولا الفساد ذكر أنه لا يحب الظالمين في ثلاثة مواضع أنه لا يحب الظالمين ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾.
وقال أنه لا يحب المعتدين. وقال إِنَّ ﴿ٱللَّهَ لَا﴾ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ فالله لا يحب من العبد أن يكون ظالما أو أن يكون معتديا لا تعتدي على خلق الله ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ فالمسلم لا يعتدي على أحد ﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ كذلك نهانا عن الظلم وأخبرنا ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ فلا تظلم نفسك، ولا تظلم غيرك، ولا تفرط في جنب الله سبحانه وتعالى، كذلك حدثنا الله سبحانه أنه لا يحب المفسدين.
فقال في شأن اليهود قال ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾. وقال سبحانه، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ سبحانه جل وعلا فإذا أردت أن تكون ممن يحبهم الله فلا تكن مفسدًا في الأرض والفساد في الأرض بارتكاب المعاصي والاعتداء على خلق الله ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، حدثنا الله سبحانه أنه لا يحب الفرحين. ولذلك ذكر الله قول أولئك المؤمنين لقارون ﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ قَوْمُهُۥ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ﴾ والمراد بقوله لا يحب الفرحين هذا الفرح الذي هو البطر والأشر. أما من يفرح بنعمه الله فلا حرج في ذلك ﴿قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ حدثنا الله سبحانه وتعالى، أنه لا يحب المعتدين، ولا يحب المفسدين، وكذلك لا يحب المسرفين.
فقال: ﴿إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ كذلك حدثنا الله أنه لا يحب المستكبرين. فقال ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ﴾. وقال ﴿لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ فهو سبحانه لا يحب المستكبرين، ولا يحب الكافرين، ولا يحب الخائنين قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ﴾.
وقال الله سبحانه، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ إلى غير ذلك مما ذكره الله جل وعلا في القرآن قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ أن ﴿ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. وقال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ هذه آيات جليلة عظيمة بحسبك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلم الكريم، أن تفتح المصحف وأن تقرأ آيات الله فكلما مرت عليك آية فيها أن الله يحب كذا فكن من هؤلاء الذين وصفهم الله وإذا قرأت أن الله لا يحب هؤلاء فتجنب واجتنب هذه الصفات وربك لا يظلم أحدًا سبحانه وتعالى، إذًا احبك الله كما أخبرنا في الحديث القدسي.
ثمرات محبة الله في حديث الولي وتسديد الجوارح وإجابة المسألة
وقد جاء عند البخاري «مَنْ عَادَىٰ لِى وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا ٱفْتَرَضْتُ عَلَيْهِ»، «وَلَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِٱلنَّوَافِلِ حَتَّىٰ أُحِبَّهُ» «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ» «وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ» «وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا» ورجله التي يمشي عليها إذًا احبك الله وفقك وسددك فلا تسمع إلا ما يرضي الله، ولا تبصر إلا ما يرضي الله لا تبطش إلا فيما يرضي الله لا تتحرك إلا إلى ما يرضي الله لأنَّ الله قد احبك وصرت في معيته.
نسأل الله الكريم من فضله اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا اللَّهُمَّ بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم أحبِبْنا وارضَ عنا اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم فرِّج كرب عبادك المسلمين من أهل غزة اللهم احقن دماءهم اللهم ارحم ضعفهم وتولَّ أمرهم ويسر لهم أمرهم يا ذا الجلال والإكرام سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)
دروس مشابهة
- داء إحباط العمل (الجزء الثاني)
- الرسول صلى الله عليه وسلم زاهدًا
- الرسول صلى الله عليه وسلم وتعامله مع الأوبئة خطبة الجمعة للشيخ الدكتور محمد حامد
- سلسلة وصايا لقمان الحكيم لابنه
- وصايا لقمان الحكيم لإبنه والنهي عن الشرك بالله خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
- داء التفكك الأسري وكثرة الطلاق جزء1 من سلسلة الداء والدواء لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد