من حقوق النبي علي امته كثرة السلام عليه صلى الله عليه وسلم
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار ونسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، تحدثت في الخطبة السابقة عن طرف من حقوق النبي صلوات الله وتسليماته عليه على أمته فذكرنا أن للنبي صلوات الله وتسليماته عليه حقوقًا ينبغي للأمة أن تراعيها من ذلك الإيمان برسول الله ﷺ وتصديقه فيما أخبر.
ومن ذلك طاعته ﷺ فيما أمر. ومن ذلك اتباعه والاقتداء به فإنه كما قال الله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. ومن ذلك أيضًا محبته ﷺ وأن تكون محبته أحب إلينا وأقرب إلينا من محبتنا لأنفسنا ووالدينا والناس أجمعين. ومن ذلك الثناء عليه والإكثار من الصلاة والسلام عليه ﷺ ونحن اليوم نعيش بإذن الله جل وعلا مع تفصيل القول بعض الشيء فيما يتعلق بهذا الحق وهو الإكثار من الصلاة والسلام عليه ﷺ.
إن رب العزة سبحانه وبحمده قد قال في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ تقدم، يا أيها الإخوة الكرام، إنَّ الله جل وعلا حينما يأمر المؤمنين بأمر أو ينهاهم عن نهي فإنَّه قد ناداهم بهذا النداء اللطيف المحبب إلى قلوبهم ونفوسهم ﴿إِلَّا﴾ وهو النداء بصفة الإيمان.
جعلنا الله من المؤمنين حقًّا وصدقًا وغالبًا ما تبتدئ الآيات الكريمة التي ورد فيها النداء بالإيمان، يرد في أول الآية إلا أن الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة صدَّرها ببيان عظيم وشرف كريم ﴿إِلَّا﴾ وهو أنه سبحانه وهو سبحانه جل وعلا المتصف بنعوت الجلال وجميل الخصال سبحانه وتعالى، تعالى شأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ فبدأ الله ببيان أنه يثني على رسوله ويصلي على رسوله ﷺ وأن الملائكة كذلك تتتابع على ذلك فتصلي على رسول الله محمد ﷺ ثم بعد ذلك جاء النداء.
فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ ولو لم يرد هذا النداء ولو لم يرد هذا الأمر واكتُفي بقوله جل ذكره. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ﴾ لكان حريًّا بالمؤمنين، أن يوافقوا الملائكة فيما تفعل حتى يجتمع للرسول عليه الصلاة والسلام. الثناء في الملأ الأعلى والثناء في الأسافل أو في الأرض السفلى فيثني عليه أهل السماء وأهل الأرض وأقصد بالسفلى، أي الأرض التي يسكنها الناس فيجتمع له الثناء من أهل السماء، ومن أهل الأرض صلوات الله وتسليماته عليه.
لكن الله جل وعلا لم يكتفِ بذلك وإنما صرَّح به فبعد أن قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ﴾ أمرنا بأن نصلي عليه وأن نسلم. فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ ﷺ ولعله لهذا السر والعلم عند الله لم تحتج الصلاة إلى تأكيد كما أكد السلام فالله لما ذكر السلام قال: ﴿وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾، ولم يقل: صلوا عليه صلاة لأننا إذا علمنا أن الله يصلِّي عليه وأن الملائكة تصلِّي عليه.
فهذا وحده كاف في امتثال ما أمرنا الله جل وعلا به تجاه نبينا محمد صلوات الله وتسليماته عليه، يا أيها الإخوة الكرام، أصل الصلاة يدل على معنى التحنُّن والتعطُّف فيقال صلى فلان أي: تحنن وعطف فصلاة الله جل وعلا تحنُّن وتعطُّف على رسوله ومصطفاه محمد ﷺ بأنواع الحنو المتعددة. فإنَّ من حنو الله على نبيه ومصطفاه ﷺ أن جعله الله رسولًا نبيًّا وأن جعله خاتم النبيين وأن جعل له الشفاعة العظمى فله اللواء المعقود والحوض المورود والشفاعة العظمى صلوات الله وتسليماته عليه هذا كله من حنو الله وتعطفه على رسوله ﷺ من حنوه عليه أن أنزل عليه أعظم الكتب المنزلة وهو القرآن الكريم من حنوه عليه أن جعل طاعته طاعة له عز وجل وأن جعله الباب الذي يدخل منه العباد الجنان وأن جعله أول من يستفتح الجنة فتُفتح له صلوات الله وتسليماته عليه وبعض العلماء يفسر الصلاة بالرحمة.
لكن الصلاة أخص من الرحمة. ولذلك عطف الله الرحمة عليها، فقال عزَّ من قائلٍ: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾ فدل ذلك على أن للصلاة معنًى أوسع، ومعنى آخر غير المعنى الذي تعنيه الرحمة فالرحمة داخلة في تحنن الله وتعطفه على عباد الله جل وعلا. وقد فسَّر أبو العالية الصلاة من الله جل وعلا على النبي ﷺ بأنها ثناء الله عليه في الملأ الأعلى بأن يثني الله على النبي ﷺ فيذكره بأجلِّ الأوصاف وبأفضل الأسماء وبأعظم النعوت.
وهذا جليل لأنه ثناء من الرب الكريم الجليل سبحانه وتعالى، وكذلك يا أيها الإخوة الكرام، صلاة الملائكة على رسول الله ﷺ يراد بها أيضًا التحنن والتعطف وإذا كانت الملائكة تدعو للمؤمنين قائلة اللهم اغفر لهم اللهم ارحمهم اللهم تب عليهم كما ذكر الله سبحانه وتعالى، ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ فإذا كان هذا من دعاء الملائكة للمؤمنين فكيف بثناء الملائكة على رسول ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فهو تحنن وتعطف من ذلك حفظ الملائكة لرسول الله ﷺ وتأييدهم للرسول ﷺ وحبهم للرسول عليه الصلاة والسلام.
وقد كان بين الرسول ﷺ وبين جبريل عليه السلام منزلة عظيمة وصلة قريبة حتى إن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، لما غاب عنه جبريل قال النبي ﷺ: «يا جبريل، ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» فأنزل الله قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ويدخل في ذلك أيضًا دعاء الملائكة للرسول ﷺ وأما صلاتنا نحن على رسول الله ﷺ فقد ذكر عدد من أهل العلم كالعز وغيره أن المقصود بتلك الصلاة، أن ننتفع نحن بها صحيح أنَّها تصل لرسول الله ﷺ لكنهم قالوا إن الرسول عليه الصلاة والسلام، هو سبب الخير الذي نعيش فيه فهو الذي دلنا على الله هو الذي دلنا على الله وأرشدنا إليه صلوات الله وتسليماته عليه وحقه علينا أن نكافئه وأن نشكره، ونحن لا نقدر على ذلك، فيسَّر الله لنا سبيل ذلك عن طريق الصلاة والسلام عليه الصلاة والسلام.
ثم إن من صلى عليه عادت الصلاة عليه وعاد النفع عليه لذلك قال النبي ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» كما عند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما وهذا فضل عظيم كبير أنك حينما تصلي على رسول الله ﷺ وأنت تريد أن ترد بعض المكافأة وبعض الجزاء وأن لك أن تحققه تقول وتُثني على رسول الله ﷺ فيكون العوض وتكون المكافأة لا أن يصلِّي عليك رسول الله مع أنَّه أجل منك وأعظم منك ولكن، أن يصلي عليك ربك وربه وهو ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، ﴿وَلَآ أَن﴾ يصلي عليك صلاة واحدة. بل أن يصلِّي عليك عشرًا فانظر إلى عظيم الأجر وكريم الثواب من الملك الوهاب سبحانه جل وعلا أنت تصلي على الرسول، والذي يصلي عليك هو رب الرسول ويصلي عليك عشر صلوات مقابل صلاة واحدة فما أعظم تلك الصلاة على رسول الله ﷺ كثير من الناس يغفل عن أن الصلاة على ﷺ لها فضل عظيم وأن لها أجرًا كبيرًا وأن لها منافع كثيرة في الدنيا، وفي الآخرة بفضل الله عز وجل.
فكم تنكشف الهموم وتزال الكروب وتنقشع بفضل الله سبحانه ثم بفضل تلك الصلاة على رسول الله ﷺ ولذلك لما قال أُبيُّ بن كعب رضي الله تعالى عنه وهو القارئ العارف بالله الذي له فضله، وقدره عند رسول الله ﷺ أخبر الرسول أنه يصلي عليه. فقال: يا رسول الله، أجعل لك ربع صلاتي؟ قال: «إن شئت، وإن زدت فهو خير» أي: أنني إذا دعوت الله بأربع دعوات أدعو لنفسي بثلاث دعوات وأجعل الرابعة سواء أكانت الأولى في الذكر أم الأخرى أجعلها صلاة على رسول الله ﷺ
فقال النبي ﷺ: «إن شئت، وإن زدت فهو خير» فقال: أجعل لك ثلث صلاتي؟ قال لك ذلك وإن زدت فهو خير أجعل لك نصف صلاتي؟ قال: إن زدت فهو خير وكذلك ذكر الثلثين إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ أي: أجعل دعائي كله متوجهًا للصلاة على رسول الله ﷺ فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ» تأمَّل! يكفيك الله الهموم ويغفر الله عز وجل لك الذنوب فكل الهموم الدنيوية ويغفر لك ذنبك وما من شك أن هلاك الهالكين في الآخرة، ما سببه؟ سببه الذنوب الذي يدخل النار، بمَ دخلها؟ الذي يُعذَّب فيها، بمَ يُعذَّب فيها؟؛ وإلا فإنَّ الله لا يظلم أحدًا فإذا غفر الله لك الذنوب وكفر عنك السيئات فلا شك أنك الرابح الفائز بالجنان.
نسأل الله الكريم من فضله، إذًا حريٌّ بنا، يا أيها الإخوة الكرام أن نكثر من الصلاة على نبينا ﷺ وهذه الصلاة لها صيغ ولها ألفاظ قد ثبتت عن نبينا ﷺ فخير ما يُصلَّى عليه به ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في تعليمه لأصحابه رضي الله عنهم. فقد قالوا للنبي ﷺ كما في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه المتفق عليه يا رسول الله، عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟
قال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد»، «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد. «اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ»، «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد، وفي بعض الروايات بزيادة إبراهيم، إذًا نقول اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد «اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ»، «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ»، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد ويجوز لك أن توجز وتختصر فتقول اللهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمد ﷺ ومما ثبت عنه في الصحيحين أيضًا: «اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته» «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد وبعض الناس ربما اصطنع بعض الصيغ في الصلاة على رسول الله ﷺ فربما أتى بزوائد من القول وربما أتى بإطراء لا يليق بجناب الرسول ﷺ والرسول الأكرم ﷺ قال: «لا تُطروني»، لا يريد المبالغة الحمد الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، ما أحوجنا إلى امتثال ما أمرنا الله به من الصلاة والسلام على رسولنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وقد جاء عن النبي ﷺ: «لا تجعلوا قبري عيدًا» وجاء لا تتخذوا قبر وثنى وصلوا علي حيث كنتم. «فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ» وصلوا علي. «فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ» هذا معنى أننا لا نغلو في ذلك وإنَّما نصلي على رسول الله ﷺ ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ مكان كنا فيه.
فإنَّ الصلاة تصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد جاء أيضًا عنه عليه الصلاة والسلام، «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» صلى الله عليه وآله وسلم، يا أيها الإخوة الكرام، وهناك مواضع ومواطن يستحب للمسلم أن يكثر فيها من الصلاة على النبي ﷺ هناك أزمنة وأوقات يستحب للمرء أن يكثر فيها من الصلاة على النبي ﷺ فمما يُشرع فيه الصلاة على النبي ﷺ أن يكون ذلك بعد الأذان.
فإنه ﷺ علَّمنا: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ» «فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾» فمن سأل لي الوسيلة بأن يجعلها كلمة مقترنة بالأذان لأنَّ الأذان كلمات معروفة تبتدئ بقول الله أكبر وتنتهي بقول لا إله إلا الله فإذا سمع الناس هذا الأذان من المؤذن رددوا خلفه ثم صلوا على نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن المواضع والمواطن والأوقات التي يُشرع للمرء أن يكثر فيها من الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة فقد جاء في حديث أوس بن أوس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال : «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ» صلى الله عليه وآله وسلم وتأمَّل أخي الكريم، إننا لم نؤمر في هذا الحديث، وفي أحاديث أخرى بالصلاة على ﷺ فحسب وإنَّما بالإكثار من الصلاة على ﷺ يعني: أن تكون صلاتك صلاة كثيرة بحيث يظهر منك أنك قد أكثرت من الصلاة على ﷺ فلو أنك جعلت جلَّ وقتك في نهار الجمعة صلاة وتسليمًا على رسول الله ﷺ ما كان ذلك كثيرًا، وكان لك بذلك الثواب الجسيم فقد جاء عن النبي ﷺ من صلى عليه صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، وحط عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر درجات كما عند النسائي وغيره أحاديث كثيرة ثبتت عن النبي ﷺ في فضل الصلاة والسلام عليه لذا ليس من عجب أن صنَّف عدد من العلماء من المتقدمين والمتأخرين كتبًا مستقلة في بيان فضل الصلاة على ﷺ وآدابها وأحكامها ثم اعلم أخي الكريم أن الصلاة على رسول الله لا ينبغي أن تكون كلمة باللسان دون أن يطابقها أو يوافقها الجنان وإنما أنت تعلن بقلبك وتعلن بجوارحك أنك تحب رسول الله ﷺ فمن أكثر من الصلاة على النبي ﷺ ينبغي له أن يكون أكثر الناس اتباعًا للنبي ﷺ يتبعه في كل ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، حتى تملأ عليه تلك السنة حياته فيكون في حياته كلها مقتفيًا أثر رسول الله ﷺ يلزم خطاه كأنه يرى رسول الله ﷺ أمامه ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾5 (الأحزاب: 21).
اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم إنا نسألك إيمانًا لا يرتد ونعيمًا لا ينفد ومرافقة نبيك محمد ﷺ في أعلى جنان الخلد اللهم إنا نسألك مرافقة نبيك محمد ﷺ في أعلى جنان الخلد اللهم اجعلنا متبعين اللهم إنا نعوذ بك من البدع والأهواء والضلالات يا ذا الجلال والإكرام اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم اغفر لنا ذنوبنا اللهم اغفر ﴿لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ﴾ اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)