مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

صور من سماحة الإسلام والمسلمين

خطب · الدرس 180 من 342 · 22 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. الحنيفية السمحة أحب الأديان إلى الله وقواعد رفع الآصار
  2. السماحة خُلق المؤمن بين اللين والصبر والرحمة
  3. دعوة النبي للسمح في البيع والشراء والتقاضي وطبائع الناس
  4. إنظار المعسر والتجاوز عنه وفضل التيسير في الديون
  5. سماحة العفو في المهر وقاعدة ﴿وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾
  6. سماحة النبي كالبحر وجود ابن عباس مع زوجه والتحذير
التفريغ النصي الكامل للدرس

الحنيفية السمحة أحب الأديان إلى الله وقواعد رفع الآصار

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾4 (النساء: 1) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، صور من سماحة الإسلام والمسلمين من الصفات الجليلة والخصال الحميدة التي يتسم بها ديننا دين الإسلام السماحة فهو دين السماحة ودين سمح.

وقد جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ سُئل، أي: الأديان أحب إلى الله عز وجل. فقال «الحنيفية السمحًاء»، ومن معاني أن الإسلام سمح أي: أنه يسير. وقد جاء عن النبي ﷺ «أن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» فدين الإسلام دين التيسير ودين رفع الحرج، ومن قواعد هذه الشريعة رفع الحرج عن الأمة، وفي القرآن الكريم وسنة النبي المعصوم ﷺ أدلة متظافرة تشهد لهذا ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾6 (الحج: 78) قال ربنا ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾7 (البقرة: 185) وفي أوصاف الرسول ﷺ ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾8 (الأعراف: 157) فمن رحمة الله، بنا أن وضع عنا الآصار فالتكاليف الشاقة مرفوعة عن هذه الأمة.

وقد استجاب الله دعاءك أصحاب نبيه ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين حينما دعوا ربهم ربنا، ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا﴾ أي: تكاليف وأحمالًا شاقة ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ﴾9 (البقرة: 286) قال الله نعم قال الله قد فعلت فلا تجد حكمًا في هذه الشريعة إلا وهو ميسور إلا وهو سهل سمح بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فإذا كان الإنسان قد أُصيب بما يقعده عن القدرة.

فإنَّ الإسلام يرفع عنه الحرج فمن لا يقدر على عبادة يتجاوز الله عز وجل عنه أو يؤخره إلى أن يقدر عليها ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾10 (البقرة: 184) «صلِّ قائمًا، فإنَّ لم تستطع فقاعدًا، فإنَّ لم تستطع فعلى جنب» قاله الرسول الكريم ﷺ كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له وهكذا فدينكم دين سمح يسير فدع عنك أقوال القائلين وتشغيب المشغبين حين يدعون، أن في الدين قسوة وشدة أي: شده هذه وأنت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان لا تجد سعادة، ولا راحة إلا في ظلاله الوارثة ووفق تعاليمه السامية فنسأل الله، أن يرزقنا طاعته والاستقامة على منهاجه سماحة الإسلام في تعليماته، وفي إرشاداته، وفي توجيهاته فيما يكون بين الإنسان ونفسه فيما يكون بين الإنسان وغيره ممن هو على ملته، وكذلك في التعامل مع عموم الناس وإن كانوا على غير الإسلام هكذا يُعلِّمنا ديننا سماحة مع المخالفين.

السماحة خُلق المؤمن بين اللين والصبر والرحمة

كما أنَّ هناك سماحة مع الموافقين لأنَّ هذا دين الرب الكريم سبحانه جل وعلا الذي من أسمائه اللطيف، ومن أسمائه العفو الرحيم سبحانه عز وجل وحقيق بالمسلم، أن يكون كذلك سمحًا من الصفات العزيزة بين الناس يوفق لها من هداه الله صفة السماحه، ومعنى السماحة، يا أيها الإخوة الكرام، السهولة والليونة بأن يكون الإنسان في معاملاته سهلًا ليس شديدًا لا يشق على نفسه، ولا على غيره وإنَّما هو معروف بالسهولة والسماحة والمسامحة أيضًا.

وقد جاء عن النبي ﷺ في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ورواه الترمذي وحسنه وابن حبان وصححه أنه ﷺ قال «إلا أخبركم بمن يحرم على النار أو تحرم عليه النار على كل قريب هين لين وفي» لفظ سهل على كل قريب هين سهل عنده سهولة عنده تيسير.

فهذا تحرم عليه النار بفضل العزيز الغفار سبحانه جل وعلا أن يكون الإنسان سهلًا في معاملاته بإمكان الناس أن يعاملوه لا يجدون حرجًا، ولا عن التعامل معه هكذا ينبغي أن يكون المؤمن بالله رب العالمين. بل قد جاء عن النبي ﷺ من عدة طرق أنه سُئل صلوات ربي وتسليماته عليه عن أفضل الإيمان.

فقال الصبر والسماحة الصبر والسماحة، أن يتصف الإنسان بهاتين الصفتين الصبر والسماحة يصبر فيتجاوز عن أخطاء الناس، وعنده سماحة فيتجاوز ويعطي ما لا يجب عليه ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال ربنا ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾11 (البلد: 17)، أن ينبغي لنا معشر أهل الإسلام أن يوصي بعضنا بعضًا بالصبر دومًا وأن يوصي بعضنا بعضًا بالمرحمة فالراحمون يرحمهم الرحمن - تبارك وتعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ما أحوج الناس إلى تعلم هذه الأخلاق الحميدة إلى تعلم السماحة في وقت صار الإنسان يشق على نفسه فضلًا عن غيره فلا ترى سماحة بين الأب وابنه، ولا بين الزوج وزوجه، ولا بين الرئيس ومرؤوسه، ولا بين العامل وصاحبه، ولا بين الصديق وصديقه إلا من رحم ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

دعوة النبي للسمح في البيع والشراء والتقاضي وطبائع الناس

وقد علمنا الرسول «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم اللهم فارفق به ومن شق عليهم اللهم فاشقق عليه» فالرفق مطلوب والسماحة مطلوبة وهي من الخصال الجليلة العظيمة. وقد قال ﷺ في حديث جابر رضي الله عنه عند البخاري رحم الله رجلًا الرسول يدعو لهذا الرجل «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع سمحًا» إذًا اشترى سمحًا إذًا اقتضى وفي لفظ إذًا قضى وإذا اقتضى تأمَّل! «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع تأتي» معه في المعاملة لا تجدوه غليظًا شديدًا مُتعنِّتًا يريد أن يستوفي ماله بل ويزيد مما ليس له وتراه كذلك سمحًا في الشراء وسمحًا في الاقتضاء إذا طلب غيره طلبه بسماحة لا يشتد عليه وإنَّما يرفق به هكذا ينبغي أن يكون المؤمن.

وقد جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ﷺ خلق الله آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأسود والأبيض وبين ذلك وجاء منهم هم السهل والحزن والطيب والخبيث وبين ذلك قال عدد من شراح الحديث معنى فجاء منهم السهل والحزن أي: جاء ﴿مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن﴾ طبعه السهوله، ومنهم الحزن الغليظ الشديد منهم الطيب منهم الخبيث.

نسأل الله أن يجعلنا من الطيبين بمنه وكرمه الناس كالأرض، منهم من خشن الطبع ومنهم من لان، منهم الخشن ومنهم اللين. نسأل الله أن يجعلنا من اللينين فترى منهم كحجرٍ تُدمى به أرجلٌ، وكإثمدٍ يُجعل في الأعين، أي: الناس على قسمين: منهم من مثله مثل الحجر لا تراه إلا حجر عثره في كل مصلحة يقف للناس يتصدر المشهد فترى المستقيم يعوج والسهل يصعب لما كحجر تدمى به ارجل والآخر كالإثمد مثل الكحل الذي يجعل في الاعين كل الناس يفرحون به ويودون وجوده في كل مشهد لأنه بوابة للتيسير والسماحة.

إنظار المعسر والتجاوز عنه وفضل التيسير في الديون

جعلنا الله منهم بمنه وكرمه، أن نبينا ﷺ ذكر لنا هذا الحديث الشريف. وقد رواه لنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وهو في الصحيحين وله طرق متعددة، أن الله عز وجل قال أو قال ﷺ جاء الله عز وجل بعبد أتاه الله مالًا فقال الله عز وجل له ماذا عملت في الدنيا ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًا﴾ فقال: يا ربي اتيتني مالًا وكنت اتبايع الناس أو ابايع الناس فكان من خلق الجواب واز كان من خلقي الجواز فكنت أتيسر على الموسر وأنظر المعسر وتأمَّل! قول الرجل يقول لربه كنت اتيسر على الموسر لأنَّ بعض الناس يقول ما دام أن هذا موسر اقطع رقبته غني معاه أقضي عليه لا يقول اتيسر مع الموسر مع أنَّه موسر ييسر عليه أيضًا وانظروا المعسر.

فقال الله عز وجل نحن أولى بذاوا عنه نحن أولى بذاتجاوزوا عنه فتجاوز الله عز وجل عنه قال عقبه بن عامر الجهني وأبو مسعود الأنصاري ونحن سمعنا ذلك من فيه أي: من فم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. بل جاء في بعض الروايات أن هذا الرجل ما عمل خيرًا قط قيل له ما عملت خيرًا قط نعم ما عمل خيرًا قط إلا ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ في المعاملة بين الناس ينظر المعسر ويتجاوز عن الموسر وييسر له فتجاوز الله عز وجل عنه وثبت عن النبي ﷺ عليه وآله وسلم، أن الله عز وجل يجعل في ظله يوم لا ظل إلا ظله من.

أنظر مُعسِرًا أو وضع عنه كذا جاء عن نبينا ﷺ التيسير والسماحة، أن الله جل وعلا علمنا في أبواب كثيرة، أن تكون السماحة قائده لنا دافعه لنا إلى الخير. فقال سبحانه ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾12 (البقرة: 280) إذًا أعطيت شخصًا دينًا وحان أجله، وكان لك، أن تأخذ فوجدته مُعسِرًا فأنظره إلى ميسرة إلى أن ييسر الله عز وجل له وأن تجاوزت فتصدقت.

سماحة العفو في المهر وقاعدة ﴿وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾

فهذا أفضل وأن تتصدقوا خير لكم، إن كنتم تعلمون. وقال سبحانه في شأن الطلاق ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّآ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوٓا۟ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾13 (البقرة: 237) تأمَّل! وأن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تمسهن رجل طلق امرأة بعدما عقد عليها، وقبل أن يدخل أو يبني بها فماذا لها

قال الله وأن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تمسهن. وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً أي: حددتم المهر الواجب لها فنصف ما فرضتم لها النصف إذا طلقت قبل الدخول، وكان قد فرض لها مهر. ثم قال ﴿إِلَّآ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾ يقول وليها لا أريد نصفا، ولا ربعا خذ لا أريد شيئًا أو يقول زوجها. بل خذ المهر كاملًا لا أخذ منك شيئًا سبحان الله.

ثم قال وأن تعفو أقرب للتقوى أن المتمسك بحقه ليس بظالم، أن المتمسك بحقه من المتقين. لكن من عفا أقرب إلى التقوى فالإنسان قد يتمسك بحقه. وهذا جائز له بيد أنه إذًا سمح وإذا رفق وإذا كان الين وأيسر وأسهل كان أقرب للتقوى. بل قد جاء عن النبي ﷺ اسمح يسمح لك أي: من سمح سمح الله عز وجل له فمن يسر يسر الله عز وجل عليه، ومن كان سمحًا مع الناس تجاوز الله عز وجل عنه ومن يسلم من التقصير والتفريط؟؟ وكلنا ذلك الرجل الذي يريد العفو من الله الملك القدير الرحيم سبحانه أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، يعرف بعض العلماء السماحة بأنها تعني ترك أو إعطاء ما لا يجب يقولون أنها إعطاء ما لا يجب ما معنى هذا أنت لا يجب عليك، أن تصنع هذا لكنك تصنعه تفضلا فتزيد شيئًا ليس عليك، أن تعطيه لكنك تفعله على سبيل التفضل ترجو ثواب سبحانه وتعالى، وفرق بعضهم بين السماحة والمسامحة. فقالوا المسامحة، أن يخطئ بعض الناس في الواجب عليهم تجاهك فتعفو عنهم، ولا تؤاخذهم وربك علمنا.

سماحة النبي كالبحر وجود ابن عباس مع زوجه والتحذير

فقال خذ ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾14 (الأعراف: 199) ما معنى خذ العفو خذ ما عفى وسهل من أخلاق الناس لا تنتظر من الناس أن يستوفوا لك ما تريد فإنَّك لا ﴿تَكَادُ﴾ تجد من يصنع ذلك معك فخذ ما سمحت به نفوسهم واعف عنهم وتجاوز إذا قال كلمة طيبة فاخطا معها فتجاوز عن خطاه وأقبل منه الطيب ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾15 (الأعراف: 199) هذه من أفضل أو من أجل الآيات في مكارم الأخلاق كما قال كثير من الأئمة والرسول قال «الناس كإبل مئة لا ﴿تَكَادُ﴾ تجد فيها راحلة» وربنا وصف رسوله محمدًا ﷺ

فقال ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ16 فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159) فالرسول ﷺ من أخلاقه السماحة كان سمحًا يسيرًا ميسرا. بل كان ﷺ يفرح بمن يطلب منه شيئًا ويقدم الشيء ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يطلب منه ولا يقول لا وإنَّما يقول نعم صلوات الله وتسليماته عليه «تعود بسط الكف حتى أنه لو ثناها لقبض لم تجبه انامله تراه إذا ما جئت متهللا كأنَّك تعطيه الذي أنت سائله هو البحر من، أي النواحي اتيته فلجته المعروف والجود ساحله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد به فليتقي الله سائله» صلوات الله وتسليماته عليه.

انظر إلى التعامل بين الأزواج الزوج والزوجة تريد منه شيئًا فلا بد أن يستوفيه لها ولا يقصر في حقها؛ وإلا لم تسامح، وكذلك العكس يريد الزوج من زوجته فلا يتسامح في حق من حقوقه ورضي الله عن ابن عباس إذ قال أني لا استنظف حقي من امرأتي أنا لا أريد أن أخذ حقي كاملًا من امرأتي لأنني، ولا شك ساقصر في حقها فلذلك لا أريد أن أخذ الحق كاملًا حتى لا يكون الحق علي كاملًا هكذا يعي المسلم لو كان بين الزوج وزوجته سماحة ويسر وسهولة يتجاوز عنها وتتجاوز عنه لعاشوا حياة كريمة هنيئه مرضية بفضل الله عز وجل ثم.

انظر إلى معاملات الناس إلى التخفيف في المكاييل والموازين ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾17 (المطففين: 1-6) شتان بين المطفف وبين آخر يأتي ليزن له فيتزن الميزان ثم يقول خذ هذه زيادة يقول هذه زيادة يقول لا حرج لا إشكال.

الأمر يسير ويبتسم في وجه أخيه والله سيعوضك الله خيرًا وسيؤتيك رزقًا ورزق الله خير وأبقى فتسامحوا فيما بينكم، وفي معاملاتكم. فهذا دينكم دين السماحة دين سمح لأنه دين ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم اغفر لنا ﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ اللهم فرج كرب المسلمين من أهل غزة اللهم ارحم ضعفهم وتولَّ أمرهم واحقن دماءهم يا أرحم الراحمين اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك أَقِمِ الصلاة

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  5. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  6. آية: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 78 ↩
  7. آية: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 185 ↩
  8. آية: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 157 ↩
  9. آية: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 286 ↩
  10. آية: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 184 ↩
  11. آية: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: البلد 17 ↩
  12. آية: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 280 ↩
  13. آية: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّآ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوٓا۟ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 237 ↩
  14. آية: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 199 ↩
  15. آية: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 199 ↩
  16. آية: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 159 ↩
  17. آية: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ۝ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۝ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ۝ أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ۝ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ۝ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المطففين 1-6 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة