مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

العام الهجري

خطب · الدرس 88 من 342 · 35 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. مقدمة الخطبة وانقضاء العام الهجري وسرعة تصرم الأعمار
  2. مثل تساقط أوراق التقويم ومحاورة التوبة بغير تسويف
  3. ميزانية العام الجديد ورأس المال في التوحيد والفرائض
  4. عبرة الاستيقاظ للخبز والتفريط في الفجر ومحاسبة الجوارح
  5. أبواب الربح الإيماني في النوافل والسنن الرواتب وصيام البيض
  6. النجاة من الخسران وحسن استقبال العام بالتوبة النصوح
التفريغ النصي الكامل للدرس

مقدمة الخطبة وانقضاء العام الهجري وسرعة تصرم الأعمار

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ3 وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ﴾ (النساء: 1)

﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾4 (النساء: ١) (النساء: 1) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، نهاية عام وبداية عام آخر، هذا هو عنوان لقائنا في هذه الخطبة بإذن الله جل وعلا وأسأل الله تبارك وتعالى أن يشرح صدورنا وأن يجعل حياتنا حياةً سعيدةً ممتلئةً بطاعته عز وجل عباد الله، عمَّا قريبٍ سينتهي هذا العام الذي نحن فيه وهو العام الهجري كما لا يخفى عليكم ويأتي عامٌ هجريٌّ آخر.

نسأل الله أن يعيننا فيه على طاعته، ولا يخفى عليكم أن المعتبر في التاريخ هو التاريخ الهجري فهو تاريخ الإسلام والمسلمين، فيه عزُّهم وفيه مجدهم يتذكرون فيه فضائل تلك الأيام المباركات ويتذكَّرون فيه العِظات والعِبَر والانتصارات التي مَنَّ الله عز وجل بها عليهم في هذه الأيام هذا العام الذي أوشك أن ينقضي هذا العام الذي عمَّا قريبٍ سيُقبل علينا ماذا صنعنا؟ وماذا نحن صانعون؟

هذان سؤالان مهمَّان لنا، يا أيها الإخوة الكرام، إن كثيرًا من الناس تمر بهم الأوقات دون أن يشعروا بها، ودون أن يعرفوا قدرها والعمر كما قال أهل العلم سريع التقضِّي، بطيء التأَتِّي وقتك الذي يمرُّ عليك سريع الانقضاء، بطيء التأَتِّي والعودة لا يرجع مرة أخرى الذي ينقضي قد انقضى، ولا يعود مرةً أخرى وإنما تُحاسَب عليه يوم القيامة فجديرٌ بنا، عباد الله، أن نُحاسب أنفسنا على تلك الأيام التي مضت، وأن نستعدَّ للأيام المقبلة وأن نتَّقي الله عز وجل فيها وصدق ربي إذ قال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾5 (الحشر: 18)

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾6 (الحشر: 18)

مثل تساقط أوراق التقويم ومحاورة التوبة بغير تسويف

عباد الله في بداية العام يضع كثير من الناس ما يُسمَّى بـ التقويم هذا التقويم الذي يُوضع في مكانٍ ظاهرٍ بادٍ كما يوضع في المساجد كما ترونه الآن كان في بدايته ممتلئًا بالأوراق، وكانت فيه أوراقٌ عديدة فمضى يومٌ فانتُزعت ورقة ثم مضى يومٌ ثانٍ فانتُزعت ورقةٌ ثانية، وكذلك الثالثة والرابعة.

وقد أوشك هذا على الانقضاء ليأتي تقويمٌ آخر في موضعه كذلك أنت، كلما مضى يومٌ مضت صحيفةٌ من صحائفك كلما مضى يومٌ مضى وقتٌ من عمرك، ومضى شيءٌ من عملك ستُحاسَب عليه وكأني بذلك الجلد الذي يكون خلف أوراق التقويم، والذي وُضع عليه التقويم كأنه جسده تنتهي تلك الأوراق ويبقى هذا الجلد كأنه جلده وكأن جسده هو الذي سيُعرَض وهو الذي سيُحاسَب على تلك الأيام التي انقضت فهل كلُّ واحدٍ منا، عباد الله، مستعدٌّ لذلك؟

لقي رجلٌ رجلًا، وقد تقدَّم ذكر هذا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾. فقال له: هل ترضى بحالتك التي أنت عليها إذا جاءك الموت؟ هل ترضى أن تموت الآن؟ هل قدَّمت الطاعات وتركت المعاصي والمنكرات؟ فليس عليك حقٌّ من الحقوق إلا وقد أدَّيته أم تريد أن تؤخر بعض الشيء حتى تُسدِّد ما عليك وحتى تتوب إلى الله من ذنوب جسيمة قد ﴿فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ﴾ عز وجل بسببها

هل ترضى حالتك التي أنت عليها الآن للموت قال لا لا أرضى حالتي هذه. فقال له فهل قدَّمت قبل الموت توبةً بغير تسويف؟، يعني: هل إذا مُتَّ فجأةً تكون قد تُبت بلا تسويف؟ قال لا قال فهل هناك دارٌ أخرى إذا فاتتك إحداهما عملت في الأخرى؟ إذا فاتتك هذه الدار التي نحن فيها، وهي ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ هل هناك دار ستعمل فيها

قال: لا. قال: فهل لك نفسٌ أخرى إذا ذهبت إحداهما عملت بالأخرى؟ إذا ذهبت نفسك، فهل لك نفسٌ أخرى تستعيدها؟ وتستطيع أن تقوم بها بطاعة الله؟. فقال لا قال فهل تأمن هجوم الموت عليك؟ وإذا هجم الموت عليك هل تستطيع أن تدفعه؟ هل تستطيع أن تمنعه؟ هل تستطيع أن تُؤخِّره أو تُؤجِّله؟ قال لا قال فما أقام على ما أنت عليه عاقلٌ إذا كانت لك نفس واحدة وإذا كانت دارك التي تعمل فيها واحدة وإذا كنت لا تأمن هجوم الموت وإذا كنت لا ترضى بحالتك التي أنت عليها الآن فلِمَ لا تُقدِّم توبةً بلا تسويفٍ قبل الموت؟ وصدق بعضهم وهو سهل بن عبد الله رحمه الله، حينما سُئل عن التوبة: ما التوبة؟

قال: ترك التسويف؛ فالتوبة ترك التسويف، ألَّا تُسوِّف، وألَّا تُؤخِّر، وألَّا تُؤجِّل، لأن الموت حينما يأتي يأتي بغتةً. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لطاعته. عامٌ بأكمله مضى، ربح فيه مَن ربح، وخسر فيه مَن خسر فاز فيه مَن فاز، وخاب فيه مَن خاب وُلِد فيه مَن وُلِد، ومات فيه مَن مات وأنت عن ذلك مسؤول ورحم الله مَن قال أيضًا: إن العمر يُبسَط أعوامًا وإن الأعوام تُبسَط أيامًا وإن الأيام تُبسَط ساعات وإن الساعات تُبسَط أنفاسًا وكلُّ نَفَسٍ خزانة كل نفس من أنفاسك بمثابة الخزانة هذه الخزينة أو الخزانة التي تملؤها فاملأها بطاعة الله، ولا تجعلها فارغة فتندم كل خزانة كلُّ نَفَسٍ من أنفاسك ما هو إلا خزانةٌ أو خزينة تدخر فيها ما تدخر فهل ادَّخرت الخيرات أم ادَّخرت أمورًا أخرى؟.

نسأل الله السلامة قال الله ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ7 هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾ (المزمل: 20) عباد الله. إن العمر يمضي سريعًا والإنسان في جهلٍ وسُباتٍ وغفلة وسيفيق عند الموت. نسأل الله ﴿إِلَّا﴾ يجعلنا من الغافلين قال سبحانه ﴿ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾8 (الأنبياء: 1) إياك أن تكون منهم، يا عبد الله.

ميزانية العام الجديد ورأس المال في التوحيد والفرائض

يا أيها الإخوة الكرام، عامٌ مضى وعامٌ سيأتي، ماذا نحن صانعون؟ إن كل إنسانٍ عاقلٍ يضع ميزانيةً لكل ما يُقدِم عليه أو لكل ما يريده فهل وضعت ميزانيةً لأمور الآخرة، بالأسلوب الذي نعرفه ونعهده؟ ما ترتيبك للسنة القادمة؟ وما ترتيب حساباتك؟ هل وضعت الخطة التي ستسير عليها في هذا العام؟ هل عرفت ما فاتك من تقصيرٍ لتستدركه؟

هل عرفت ما فاتك من خيراتٍ لتأتي بها؟ هل عرفت الأخطاء التي وقعت فيها لتتلافاها وتتجنَّبها؟ هل درست ذلك، أم أن هذا العام سيمرُّ عليك كما مرَّ غيره؟ وما تدري، هل سينقضي العام المقبل وأنت حيٌّ، أم تكون قد انقضيت قبله؟ وقد قال الحسن رحمه الله: «يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ، كُلَّمَا ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُكَ»9 وصدق الله إذ قال ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾10 (آل عمران: 30) ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا﴾ حينما ترى السيئات يوم القيامة سلمنا الله وإياكم تودُّ أن يكون بينك وبينها حاجزٌ تودُّ لو كان بينك وبينها حاجزٌ منيعٌ يحول بينك وبينها لئلا تصاب بسببها وتدخل بها نار جهنم أجارنا الله منها بمنه وكرمه فاستعدَّ يا عبد الله، وتُبْ إلى الله مما فات وتُبْ إلى الله عز وجل، واستعن به، وأقبل على طاعته وترك معصيته ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يفوت الأوان، وقبل أن يأتيك الموت.

أنت، والحمد لله، ما زلت على قيد الحياة بإمكانك أن تتعبد لله وأن تشكره وأن تطيعه وأن تترك معصيته فلا تُفوِّت تلك الفرصة السانحة على نفسك فعساها ألَّا تعود إليك. عباد الله جديرٌ بنا أن نُحاسب أنفسنا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ نُحاسَب كما قال عمر رضي الله عنه حاسبوا أنفسكم ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تُحاسَبوا حاسب نفسك ضع لنفسك الخطة الناجعة التي بها تنجو بإذن الله سبحانه وتعالى، ومدار ذلك، أخي الكريم، على ثلاثة أمور رأس المال، وهو أداء الفرائض وترك المحرَّمات والأمر الثاني: النظر إلى الربح، والأمر الثالث: النظر إلى الخسارة هذه أمور ثلاثة دائمًا ضعها أمام عينيك لا تغِبْ عنك ولا تَغِبْ عنها رأس مالك في هذه الحياة تقوى الله عز وجل: طاعته، وترك معصيته، وامتثال أمره، واجتناب نهيه، والوقوف عند حدوده فانظر إلى نفسك.

انظر إلى فرائض الله، هل أنت لها مُؤدٍّ؟ هل أنت لها ممتثل؟ هل تُطيع الله جل وعلا قدر استطاعتك؟ ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: ١٦) وضَعِ المعاصي في جانب هل أنت مُجتنِبٌ لها؟ هل أنت تاركٌ لها؟ هل بينك وبينها حاجز منيع لا تصل إليها ولا تصل إليك بفضل الله عز وجل هذا هو رأس المال، وأعظمه توحيد الله جل وعلا أن تكون لله مُوحِّدًا لا تشرك بالله شيئًا لا في قليلٍ ولا في كثير، ولا في صغيرٍ ولا في كبير فهل أنت ممن يحلف بغير الله

إن كنت كذلك فأنت على خطر. «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ»  هل يتعلَّق قلبك بغير الله، فتتوكَّل على غير الله؟ فإنَّ كان كذلك فارجع. فإنَّ التوكل لا يكون إلا على الله. ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾11 (المائدة: 23). انظر إلى إيمانك، إلى توحيدك هل أنت مؤمن بقدر الله جل وعلا هل تعلم أن كلَّ شيءٍ يقع في الكون بقدر؟ ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ﴾12 (القمر: 49) هل عندك شك في

هل عندك شكٌّ في ذلك، أم أنك واثقٌ به؟ فكل ما يقع في الكون بقدر الله سبحانه؛ النعمة والمصيبة، والبلاء والبليَّة كل شيء بقدر فأنت تؤمن بالقدر خيره وشرِّه هل هذا في قلبك توحد الله عز وجل فلا تصرف العبادة لغير الله عز وجل تستعين به وتتوكل عليه وتذبح له، وفي كل عباداتك لا تصرف شيئًا منها إلا لله عز وجل هل أنت كذلك

إن كنت كذلك فالحمد لله، فهذه بداية رأس المال

عبرة الاستيقاظ للخبز والتفريط في الفجر ومحاسبة الجوارح

ثم الأمر الثاني: الصلاة. انظر إلى حال كثير من الناس حينما جرى ما جرى في أمر الخبز وليس بخافٍ عليكم ما جرى قبل الفجر بوقتٍ مديدٍ ترى الصفوف الطويلة من أجل الحصول على هذا الكوبون الذي يأخذ به الخبز (تُراجع كلمة «الكوبون» في التسجيل)، ولا حرج عليهم في ذلك فطلبُه لا بأس به وأن يُطعِم الإنسان نفسه وأهله، لا شيء في ذلك.

لكن أين هؤلاء من قبلُ عن صلاة الفجر؟ لا أقول الجميع، فلا شك أن منهم مَن كان محافظًا على صلاة الفجر. بل وقيام الليل قبل ذلك بفضل الله سبحانه وتعالى. لكن انظر إلى الأكثرين في أول يومٍ جرى فيه ذلك دخلت المسجد لأُصلِّي الفجر فتعجَّبت من كثرة العدد حتى قلت: سبحان الله! أفي المسجد جنازة؟ ماذا جرى؟ وأنا لا أدري السبب فلما انتهت الصلاة عرفت.

الأمر فقلت سبحان الله العظيم أين نحن من صلاة الفجر؟ أنستيقظ من أجل الخبز، ولا نستيقظ من أجل الصلاة التي أمرنا الله جل وعلا بها؟ أين تلك القلوب الواعية التي تعلم أن الله بيده أَزِمَّة الأمور؟ وأن الله مالك الملك، ذو الجلال والإكرام يأمر وينهى، ونحن نسمع ونطيع ليس لنا من أنفسنا شيء ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ نحن ملك لله يأمرنا ونحن نطيع جل وعلا أين أنت من الصلوات الخمس

أين أنت من صلاة الفجر أين أنت من صلاة الجماعة؟ أين أنت من الصلاة في وقتها؟ هذا من رأس المال هذا ليس شيئًا زائدًا ﴿أَنَّمَا﴾ هو من رأس المال لا تفرط في الصلاة ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾13 (الماعون: 4-5) نسأل الله أن ينجينا من ذلك ثم أين أنت من أداء الزكاة أأنت مُؤدٍّ لها على الوجه الأتم؟ لا تنتقص منها شيئًا أم أنك ممَّن يُعطي حفنةً أو بعض حفنات ويظن بذلك أنه أدَّى تلك الزكاة التي افترضها الله عز وجل عليه أين أنت من قول الله؟ أين أنت من الفرائض عمومًا؟

أين أنت منها أين أنت من بر الوالدين هل أنت بار بوالديك أم أنك لا تعرف لهما قدرًا ولا مكانةً؟ أم أنك لا تُوقِّرهما؟ أين أنت من بر الوالدين هل تضع أبويك فوق رأسك، وتسمع لهما وتُطيع؟ ما داما لا يأمرانك بمعصية الله جل وعلا أين أنت من صلة الأرحام؟ أين أنت من حقوق الناس؟ أين أنت من حق أختك

أين أنت من حق أخيك أين أنت من تربية أولادك؟ أين أنت من أداء وظيفتك؟ على الوجه الأتم هذا رأس المال، هذا أمرٌ لا بد أن تحسب له حسابًا، إذا كنت ممن يذهب إلى العمل فيحاول جاهدًا أن يُضيِّع العمل بأي صورة وألَّا يقضي للناس حوائجهم فاتق الله فأنت مسؤول عن ذلك وستحاسب عليه فاسأل نفسك وارجع إلى ربك عز وجل الأوامر كثيرة، والنواهي عديدة كذلك هل أنت ممن يغض بصره

أأنت ممَّن يغضُّ بصره عن الحرام؟ أم أنك ممَّن يُطلق بصره إلى الحرام؟ أأنت ممَّن يمتنع عن سماع الحرام؟ أم أنك ممن يستمع إلى الحرام أأنت ممَّن يتكلَّم بغيبةٍ ونميمةٍ وكذبٍ ولغو؟ أم أنك ممَّن يترك ذلك؟ هذه حسابات، فضع دفترًا أمامك، وسجِّل على نفسك فأنت أعلم بنفسك وما حكَّ جلدَك مثلُ ظفرك وصدق الله إذ قال. ﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾14 (القيامة: 14-15)، وعندك تلك الأعضاء: اليدان، والرجلان، والبطن، والفرج، والعين، والأذن، واللسان، وقبل ذلك القلب حاسب نفسك عليها، حاسب نفسك على لسانك حاسب نفسك على عينك حاسب نفسك على أذنك حاسب نفسك على يدك حاسب نفسك على رجلك حاسب نفسك على بطنك «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمد، «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمد، «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد.

أبواب الربح الإيماني في النوافل والسنن الرواتب وصيام البيض

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، ما تقدَّم هو رأس مالك: الحفاظ على الواجبات وترك المحرَّمات. وأما الربح، فأين أنت منه؟

أما تريد أن تكون من الرابحين؟

أما تريد أن تزيد من حسناتك؟ ﴿إِلَّا﴾ تحب أن تكون صحائف عملك ممتلئةً بالخيرات والحسنات والبركات؟ فأين أنت من فعل المستحبَّات وترك المكروهات؟ هل لك نصيب من صلاة النوافل هل لك نصيبٌ من صلاة السنن؟ هل لك نصيب من السنن الرواتب هل تُصلِّي لله جل وعلا اثنتي عشرة ركعةً؟ إذا حافظت عليها كان لك بيتٌ في الجنة كما أخبر النبي «صلى الله عليه وسلم»،

هل أنت ممن يحافظ على صلاة الوتر هل أنت ممن يحافظ على صلاة الضحى هل لك نصيبٌ من قيام الليل ولو كان يسيرًا؟ لتكون في زمرة المتَّقين والمحسنين والمُتَّبعين للنبي الكريم ﷺ أين أنت من الأذكار أين أنت من الأذكار التي تكون عقب الصلوات أين أنت من أذكار الصباح والمساء؟

أين أنت من استغفار الله جل وعلا أين أنت من ذلك كله ألك منه نصيب؟ إذا كان لك من هذا نصيبٌ فالحمد لله فازدد، وأنت على خيرٍ إن شاء الله وإن كانت الأخرى، فراجع نفسك وحاسبها فليكن لك نصيبٌ من النوافل، وليكن لك نصيبٌ من الصلاة النافلة، ليكن لك نصيب من الأذكار، ليكن لك نصيب من الاستغفار، هل لك نصيب من الصيام

أوصى النبي ﷺ عليه وآله وسلم أبا هريرة وأبا الدرداء وأبا ذر رضي الله عنهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وبصلاة الضحى، وبالوتر قبل النوم فهل لك نصيبٌ من صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهر والحسنة بعشر أمثالها، فيعدل صيامُ هذه الأيام صيامَ الشهر بفضل الله سبحانه وتعالى، فهل لك نصيب من صيام ثلاثة أيام

إن كانت الأيام البيض: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. فهذا أفضل وإن لم تكن فلا بأس عليك إذا أحببت أن تصومها متفرِّقةً فلا حرج عليك، كأن تصوم الاثنين والخميس والاثنين مثلًا لا إشكال عليك في ذلك. إن شاء الله تعالى فهل لك نصيب من ذلك هل لك نصيب من المستحبات هل تجعل لك وردًا من كتاب الله سبحانه وتعالى؟،

كم تقرأ من القرآن في اليوم والليلة؟ الحرف بعشر حسنات فكم تكون الحسنات التي يحصل عليها العبد من كلمةٍ، من آيةٍ، من سورة؟ من سور بفضل الله عز وجل الله أكبر! حسناتٌ كثيرةٌ لمن يريدها فإذا أردت أن تكون من الرابحين فتلكم الصفقة أمامكم، والوقت معكم. وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ في الشتاء كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ»15 قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾ (التغابن: ٩) إياك أن تكون مغبونًا أن تكون خاسرًا في وقتٍ يربح فيه غيرك مع أنَّ ما لديه لديك ومع أنَّ ما معه معك فلانٌ كان له لسانٌ فلك لسان، ولئن كانت له يدان فلك يدان، ولئن كانت له عينان فلك عينان فالحمد لله الذي أنعم عليك بذلك كله هذا هو الربح: فعل الطاعات والمستحبَّات، وترك المكروهات كذلك.

النجاة من الخسران وحسن استقبال العام بالتوبة النصوح

أما الأمر الثالث فهو الخسران. نسأل الله السلامة تجنَّب الخسران، ويتم ذلك بأمرين بفعل الواجبات وترك المحرَّمات. فإنَّ كنت مُقترِفًا للمحرَّمات فأنت خاسر وإن كنت تاركًا للواجبات أو لبعضها فأنت خاسر والنجاة من الخسران بفعل الواجبات وترك المحرمات. وقد قال الله ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾16 (آل عمران: 185) فالذي يُفرِّط في الصلاة هو خاسرٌ من الخاسرين والذي يترك الزكاة أو يُضيِّعها هو كذلك خاسر والذي يعقُّ والديه، والذي لا يُربِّي أولاده الذي لا يراعي أولاده، ولا يتقي الله جل وعلا فيهم الذي لا يتقي الله في عمله كل هؤلاء من الخاسرين.

إن لم تتداركهم رحمةُ الله ربِّ العالمين فزِنْ نفسك يا عبد الله بميزانٍ واضحٍ جليل حساباتٌ ثلاثية: رأس المال، والربح، والخسران فإذا نقص الميزان في وقتٍ فاجتهد في أن ترفعه ليعلو الميزان وتكثر الحسنات في وقتٍ تحتاج فيه إلى كل حسنة لماذا لا نسبق إلى الله؟ لماذا يسبقنا غيرنا؟ لماذا لا نكون في أول الركب؟

كما أنَّك تقف في الدنيا في أول الصف، فاحرص على أن تكون في المقدِّمة في الآخرة، ﴿وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾17 (آل عمران: 133) ﴿إِلَّا﴾ تتذكَّر قول الله عز وجل؟ ﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَـٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾18 (الكهف: 49) ﴿إِلَّا﴾ تتذكر قول الله ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْـًٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ﴾19 (الأنبياء: 47) ﴿إِلَّا﴾ تتذكر قول ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾20 (الزلزلة: 7-8) ﴿إِلَّا﴾ تتذكَّر قول الله عز وجل؟ ﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُۥ﴾ أي: عمله ﴿فِى عُنُقِهِۦ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾21 (الإسراء: 13-14) ﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ﴿إِلَّا﴾ تتذكَّر قول النبي ﷺ، كما عند الترمذي وغيره من حديث أبي برزة رضي الله عنه: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» وعن علمه فيمَ فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه ﴿إِلَّا﴾ تتذكر

ذلك كله ﴿إِلَّا﴾ تتذكَّر وقتًا ستموت فيه وتدخل التراب؟ وستُقبَر فيه، وتُسأل عمَّا عملت؟ ﴿إِلَّا﴾ تتذكَّر يوم تقف فيه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عز وجل؟ تذكَّر وقوفك يوم العرض عريانًا مُستوحشًا قَلِقَ الأحشاء حيرانًا والنار تلهب من غيظٍ ومن حَنَقٍ على العُصاة وربُّ العرش غضبانُ اقْرَأْ كِتَابَكَ يَا عَبْدِي عَلَى مَهَلٍ، فَهَلْ تَرَى فِيهِ حَرْفًا غَيْرَ مَا كَانَا؟ فلمَّا قرأتَ ولم تُنكر قراءته وأقررتَ إقرارَ مَن عرف الأشياءَ عِرفانًا.

يا أيها الإخوة الكرام، شيءٌ فات، وشيءٌ سيأتي، وشيءٌ حاضر أمور ثلاثة هناك شيءٌ مضى، فماذا نصنع فيما مضى؟ نستغفر الله مما مضى فما مضى وفات نستغفر الله عز وجل مما وقع منا فيه ونسأل الله القبول فيما أحسنَّا فيه. إذًا العام الذي مضى، أو الذي كاد ينقضي، ماذا نصنع فيه؟ نستغفر الله مما وقعنا فيه من أخطاء.

وقد وقعنا، كما لا يخفى «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» فإننا نعزم على أن نكون فيه من الصالحين وأن نستعين بالله جل وعلا فيه على فعل الطاعات وترك المعاصي والمنكرات. وأما في الوقت الحاضر، فنحن نتوب إلى الله من كل ذنب هكذا علينا أن نكون، أن نتوب إلى الله من ذنوبنا، صغيرها وكبيرها، قليلها وكثيرها ما يتعلَّق بحق الله، وما يتعلَّق بحقوق الناس فمن الآن، أخي الكريم، لا تُسوِّف وإنما تُبْ ﴿إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ كما أمرنا ربنا ﴿وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾22 (النور: 31) اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا في أمنٍ وأمانٍ وسِلْمٍ وسلامٍ يا ذا الجلال والإكرام اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، ومِنَ اليقين ما تُهوِّن به علينا مصيبات الدنيا ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا تذكَّروا، عباد الله، ﴿وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟﴾ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ ۚ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  5. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍۢ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحشر 18 ↩
  6. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحشر 18 ↩
  7. آية: وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ — كما ورد في الدرس: المزمل 20 ↩
  8. آية: ﴿ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍۢ مُّعْرِضُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 1 ↩
  9. تعليق: الحسن رحمه الله: «يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ، كُلَّمَا ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُكَ» — قول: «يا ابن آدم ﴿أَنَّمَا﴾ أنت أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضك». الذكر في الدرس: الحسن. ↩
  10. آية: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍۢ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍۢ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 30 ↩
  11. آية: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 23 ↩
  12. آية: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍۢ — كما ورد في الدرس: القمر 49 ↩
  13. آية: ﴿فَوَيْلٌۭ لِّلْمُصَلِّينَ ۝ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الماعون 4-5 ↩
  14. آية: ﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌۭ ۝ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: القيامة 14-15 ↩
  15. حديث: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» — نسبة الشيخ: البخاري ↩
  16. آية: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 185 ↩
  17. آية: وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ ﴿۞ وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 133 ↩
  18. آية: ﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَـٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 49 ↩
  19. آية: ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 47 ↩
  20. آية: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: الزلزلة 7-8 ↩
  21. آية: ﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُۥ فِى عُنُقِهِۦ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا﴾ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا ۝ ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا — كما ورد في الدرس: الإسراء 13-14 ↩
  22. آية: ﴿وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 31 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة