داء الانتكاس
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
التحذير من داء التراجع بعد انقضاء شهر رمضان
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومَنْ يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»، «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، وبارك على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»، «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، في العالمين إنك حميد مجيد.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3. أمَّا بعدُ:
يا أيها الإخوة الكرام، هذا شهر رمضان قد انقضى كما لا يخفى عليكم؛ فمن فاز فقد فاز، ومن خسر فقد خسر بترك طاعة الله ومعصيته. نسأل الله أن يجعلنا من الفائزين لا من الخاسرين. وفي ختام هذا الشهر المبارك قلّ عدد المصلين في المساجد، وهذا مما ينبغي أن يُتنبَّه له.
تقلب القلوب وأصناف الناس بين الجهل والعناد والانتكاس
وقد خاطب الله أهل الإيمان وأمرهم بالإيمان؛ فالمعنى: يا من آمنتم، دوموا على إيمانكم، وأثبتوه، وزيدوا فيه. فكل هذه معانٍ صحيحة في أمر الله لأهل الإيمان بالاستمرار والثبات.
وقد بيَّن النبي ﷺ أن هذه القلوب تتقلَّب؛ وإنَّما سُمِّي القلب من تقلُّبه. و«﴿أَنَّمَا﴾ مثل القلب كريشة في أصل شجرة تقلّبها الريح ظهرًا لبطن». فقد تكون اليوم طائعًا، فهل تُحفظ طاعتك؟ فإنَّ حفظ الترقي لا يقلّ خطرًا عن الترقي نفسه؛ فقد يرتقي العبد ثم يهبط وينزل حتى يكون في أسفل الدرج.
ومن الناس من يعرض عن الهدى ولا يتبع الحق لأنه جاهل به؛ فهذا ترك الطاعة والهدى عن جهل، وهذا صنف. وصنفٌ ثانٍ عرف الحق والهدى لكنه أعرض عامدًا، فهو معاند أو مستكبر ونحو ذلك؛ عرف الحق ولم يتبعه. وأما الصنف الثالث: من عرف الحق، وعرف الهدى، وذاق حلاوة الإيمان، وعبد الله على بصيرة، لكنه لم يثبت فانتكس.
وكيف علاجه؟ أقول قبل ذلك: الوقاية خير من العلاج، والدفع أسهل من الرفع؛ تدفع الشيء ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقع، خير من أن تحاول رفعه بعد وقوعه. فكيف يقي الإنسان نفسه من هذا الداء أصلًا؟ كيف تقي نفسك من التخاذل؟ كيف تقي نفسك من الانتكاس؟ كيف تسلم من ذلك؟ كيف تكون ثابتًا على دين الله جل وعلا؟ هذه نقطة. والمحور الثاني: ما أسباب الانتكاس؟ والمحور الثالث: ما العلاج إذا وقع الإنسان في الانتكاس؟ أما الأمر الأول — وهو أعظمها — فكيف أثبت على دين الله جل وعلا؟
كيف أثبت على الإيمان؟ كيف أثبت على اليقين بالبعث؟ كيف أستمر على الطاعة حتى يأتيني أمر الله؟ أقول في البداية يا أيها الإخوة:
وسائل الثبات والوقاية من الانتكاس
من أعظم ما يعين العبد على الثبات ويدفع عنه الانتكاس — بفضل رب الأرض والسماوات — التمسك بكتاب الله: قراءةً، وتدبرًا، وعملًا، وتحاكمًا، واستشفاءً. اجعل كتاب الله حكمًا على نفسك.
وكذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ﴾4؛ لم يقل «يمسكُون» فحسب، وإنَّما قال «يمسِّكون»؛ فالكتاب يحتاج إلى أخذ بقوة: ﴿يَـٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ﴾5. ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ﴾6. فاعتصم بالقرآن، اعتصم بكتاب الله.
ومن وسائل الثبات — بفضل الله — الافتقار إلى الدعاء؛ اقرع الباب، ولا تسأم، ولا تفتر عن الدعاء؛ فالله قريب يسمع دعاءك إذا دعوته. وإذا تركت نافلة أوشكت أن تترك أخرى، وإذا تركت فريضة أوشكت أن تترك أخرى، وإذا وقعت في محرَّم أوشكت أن تقع في آخر؛ إنها سلسلة يتصل بعضها ببعض. «ومن عاش على شيء مات عليه» بإذن الله. ومما أعان على الثبات قراءة قصص الأنبياء والمرسلين، والاقتداء بهديهم، وقراءة سيرة النبي الكريم ﷺ وسير أهل الثبات والصبر.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه ﴿إِنَّهُۥ هُوَ﴾ الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»، وبارك على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ».
المحافظة على صلاة الجماعة والحذر من إيثار الدنيا
إن دين الله ليس فيه غلو، وإن دين الله ليس فيه تشدد — وإن زعم الزاعمون —؛ فكل التكاليف الشرعية التي أمرنا بها رب البرية في مقدورنا بفضل الله، وهي علينا ميسورة وليست بعسيرة.
لماذا تفرّط في تلك الصلوات مع الجماعة؟ لا تفرّط فيها. إن أردت ﴿إِلَّا﴾ تضيع: كنت تدخل المسجد في رمضان، وربما جلست فيه ساعات؛ فكذلك في غير رمضان ادخل المسجد، وإذا سمعت المؤذن يقول: حي على الصلاة، فأتِ المسجد.
وبعد رمضان ينشغل كثير من الناس بالدنيا. وقد قال الله: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا﴾7، وقال: ﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ﴾8. ولا بأس أن يجمع الإنسان مالًا كثيرًا بشرط أن يكون من حلال، وأن يؤدي فيه حق الملك العظيم. لكن المحذور أن تُقدَّم الدنيا على الآخرة. نسأل الله السلامة والعافية.
اللهم أعذنا من الانتكاس بعد الثبات، وثبّتنا على دينك حتى نلقاك، واجعلنا من ﴿ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ﴾. عباد الله: اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾9.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 170 ↩
- آية: ﴿يَـٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 12 ↩
- آية: ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ﴾ — كما ورد في الدرس: الطارق 13-14 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 77 ↩
- آية: ﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 77 ↩
- آية: ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 45 ↩
من سلسلة: سلسلة خطب الداء والدواء (96 درسًا)
موضوعات هذا الدرس
دروس مشابهة
- الحديث الثامن عشر الخلق الحسن
- الحديث الخامس النهي عن الإبتداع في الدين
- (من أحدَثَ في أمرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَد) خطبة الجمعة للشيخ محمد بن حامد 29/11/2013
- الحديث الثالث والعشرون الجزء الثالث جوامع الخير
- الحديث الثالث والعشرون الجزء الأول جوامع الخير
- صفة التواضع جزء2 من سلسلة صفات عباد الرحمن خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد