سورة العلق
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
تعليق الشيخ حفظه الله:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعدُ: فنواصل القراءة في كتاب المختصر في التفسير وننتقل الليلة بفضل الله سبحانه وتعالى إلى تفسير سورة العلق.
التعريف بالسورة
سورة العلق سورة مكية، وهذا أمر واضح فقد اتفق أهل العلم على أن سورة العلق سورة مكية بل هي على قول جمهور المفسرين أول سور القرآن نزولاً، أو إن شئت فقل إن الآيات الخمس الأولى من هذه السورة هي أول ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن الكريم، ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ويدل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها المتفق على صحته (أَوَّلُ ما بُدِئَ به رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصالحة وفي لفظ الصَّادِقَةُ في النَّوْمِ؛ فَكانَ لا يَرَى رُؤْيَا إلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، فَكانَ يَأْتي حِرَاءً فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وهو التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ- ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ينزع إلى أهله ويتزود لمثله، حتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ وهو في غَارِ حِرَاءٍ، فجاءه الملك فيه، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ له النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فَقُلتُ: ما أنَا بقَارِئٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلتُ: ما أنَا بقَارِئٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلتُ: ما أنَا بقَارِئٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5) حتَّى بَلَغَ ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5) [العلق: 1 - 5]. )
فالشاهد من ذلك: أن هذه الآيات الأولى هي أول ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما عليه جمهور أهل التفسير وإن كان قد ورد بعض الروايات التي تدل على أن سورة المدثر هي أول ما نزل وقد تقدم الجواب عن ذلك وأنه يمكن أن يقال إنه أول ما نزل من القرآن بعد انقطاع الوحي، وهنا لفتة حينما نعلم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام أن هذه الآيات الكريمة هي أول ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ قلب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن العظيم فأولى الآيات وأولى الإشراقات وأولى الأنوار وأولى المنن والمنح والعطايا كان بنزول هذه الآيات المباركة فأعظِم بها من آيات كريمة وجليلة، قالوا هنا (في المختصر) (سورة مكية ) وهذا واضح ثم قالوا من مقاصد السورة (الإنسان بين هدايته بالوحي وضلالته بالاستكبار والجهل ) نعم. هذه السورة الكريمة تتحدث عن الإنسان لكن تتحدث عن الإنسان ﴿مِنْ أَىِّ﴾ جهة، من جهة هدايته بالوحي من جهة ومن جهة ضلال الإنسان بالاستكبار والجهل، ولذلك ضربت لنا مثلين :: ذكرت لنا حال الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم الذي خاطبه الله عز وجل بقوله ( ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ.........ما لم يعلم) وذكرت لنا حال الإنسان الآخر (كل إن الإنسان...استغنى ) وسيأتينا بإذن الله تعالى أن السورة الجليلة قد قسمت الناس، إلى فاسد ومفسد وصالح ومصلح وهذه الأقسام الأربعة موجودة في هذه السورة الكريمة، فالناس على أحوال هناك شخص ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ وآخر مصلح لا يكتفي بصلاح نفسه وإنما يمد يد العون لغيره فيكون مصلحاً وعلى الجانب الآخر هناك فاسد : الضال البعيد عن الحق وهناك المضل الذي يمنع غيره من سبل الهداية ويصد عن سبيل الله هذه الأصناف كلها موجودة في هذه السورة الكريمة فهي تبين لنا مكانة الوحي،وأهمية الوحي للإنسان وأنت إذا تأملت صدر السورة الكريمة ( اقرأ....الإنسان) فذكر ﴿ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ﴾...........الإنسان........الإنسان ليطغى) فتأملوا رحمكم الله وهذا أيضًا مما أنبه عليه أن الإنسان قد يعرف مقصد السورة من الكلمات التي تكررت فيها فمقصود السورة كما تقدم مراراً له علامات وإشارات وضوابط وقواعد منها أن تتكرر كلمة بعينها في السورة لاسيما مع قصر السورة فهذا يدل على أن هذه الكلمة لها صلة وثيقة بمقصود السورة الأكبر، وبمحورها الأساس، هذه السورة الجليلة افتتحها الله عز وجل بفعل الأمر ﴿اقْرَأْ﴾ (اقرأ ﴿بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ ) فإلى تفسيرها ونسأل الله الإعانة والتوفيق :
تعليق الشيخ حفظه الله :
افتتح الله سبحانه وتعالى هذه السورة الكريمة بفعل الأمر ﴿اقْرَأْ﴾ اقرأ باسم ربك..خلق ) وفي هذا دلالة على مكانة القراءة لأن الأمر بها هو أول الأوامر التي نزلت على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فكما تقدم منذ قليل أن هذه الآيات هي أولى الآيات نزولاً من الوحي وأول الأوامر الأمر بالقراءة – وهذا يدل على أن ديننا يدعو إلى القراءة ويدعو إلى العلم وفي السورة (﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾...) وقوله (﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾.) حينما قال لجبريل عليه السلام: ما أنا بقارئ فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾،فقال له ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ أي لا تقرأ بقوتك ولا تقرأ بعلمك فأنت أمي لا تقرأ ولا تكتب في الأصل ولكن اقرأ باسم ربك لذلك بعض العلماء فسر قوله ( اقرأ باسم ربك) أي كن قارئًا باسم ربك تصير قارئًا باسم ربك، ولا يلزم حينئذ أن تكون القراءة من كتاب أمامك، وإنما اقرأ ردد ما يقال لك فإذا رددت ما يقال لك فأنت تقرأ حينئذ، اقرأ باسم ربك :: مستعيناً باسم ربك فسله الإعانة والمدد فهو الذي يجعلك قارئًا متعلمًا ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾ وقال ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ﴾ (أقرأ ﴿بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ ) ثم قال ( خلق الإنسان من علق) خلق الأولى ::حذف معمولها ليفيد العموم ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ أي خلق كل شيء ثم خصص فقال ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ﴾ خلق الإنسان من علق من قطعة دم بعد أن كانت نطفة، فالله قادر سبحانه على تغيير حالك من جهل إلى علم من عدم دراية إلى دراية، ثم كرر الأمر فقال ( اقرأ وربك الأكرم) فربك سبحانه وتعالى هو الأكرم الذي يكرمك ويعطيك ويتفضل عليك، (﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوٓا۟ أَن﴾ يلقى....من ربك ) ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ) علم بالقلم ﴿عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ::: علم الكتابة بالقلم أو الخط بالقلم ثم عمم أيضًا فقال ( عَلَّمَ ٱلْإِنسَٰنَ ﴿عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ) فعلَّم بالقلم وبغير القلم، فقوله علم بالقلم : فيه أيضًا دلالة على فضل الكتابة، ثم قال (علم الإنسان ما لم يعلم ) للدلالة على أن وسائل العلم كثيرة وليست موقوفة على القراءة وحدها أو على الكتابة وحدها وإنما وسائل التعلم كثيرة ومن أجلِّها وأعظمها القراءة والكتابة.
(علم الإنسان ما لم يعلم ) وتقدم أن كلمة الإنسان تكررت (خلق الإنسان ) (علم الإنسان) ثم قال ( كلا إن الإنسان ليطغى ) لذلك أحسنوا هنا في المختصر حينما قالوا من مقاصد السورة :: الإنسان بين هدايته بالوحي وضلاله بالاستكبار والجهل..إلى قوله (علم الإنسان ما لم يعلم ) حديث عن هداية الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالوحي ثم قال ( كلا إن الإنسان ليطغى ﴿أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾ ) فمن أسباب الطغيان الترف والغنى ليس معنى هذا أن كل غنيٍّ طاغٍ ليس هذا ولكن هذا كثير فيه – وإلا فإنه يوجد في الأغنياء الأتقياء – ونعم المال الصالح للعبد الصالح – ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰٓ﴾ المرجع والمآب كما قال (وأن إلى ربك المنتهى ) (أرءيت الذي ينهىى...صلى ) أخبرني وحدثني عن هذا ﴿ٱلَّذِى يَنْهَىٰ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰٓ﴾ لماذا ينهاه؟ عبدٌ يصلِّي لله هل مِثل هذا يُنهى؟ إذا لم تكن مثله ولم تكن متابعاً له فلا تكن خصماً له، (أرءيت الذي ينهى عبداً....الهدى..التقوى...وتولى ) تأمَّل كلمة ﴿أَرَأَيْتَ ﴾ فيها أيضًا أن الوقوف على حاله مما يثير في الذهن الكوامن ويقف به المرء على كثير من دقيق العلم ولطيفه، وهذا أوسع دائرة من أن يقال إن ﴿ أَرَأَيْتَ﴾ بمعنى أخبِرني كما عليه جمهور المفسرين، وقد أشرنا إلى هذا من قبلُ في بعض المواضع، تأمل أحوال الناس هنا ﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰٓ﴾ هذا الذي ينهى ما نوعه؟ مفسد وهذا موجود بين الناس (إنسان مفسد يصد عن سبيل الله ) ﴿أَرَءَيْتَ إِن كَانَ عَلَى ٱلْهُدَىٰٓ﴾ : هذا ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ إنسان على الهدى ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ في نفسه أو أمر ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ هذا مصلح فهو ليس على الهدى فحسب وإنما يأمر غيره ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ ( أرءيت إن كذب...) هذا فاسد، كذب وأعرض إذن السورة الكريمة قسمت الناس إلى هذه الأقسام الأربعة :: فهناك الذي ينهى غيره عن الخير وهو المفسد وهناك الصالح في نفسه الذي هو على الهدى وهناك المصلح الذي يأمر ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ وهناك الفاسد الذي كذب وتولى ثم قال ذاكراً الجامع ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ هذا الذي تجرأ ما الذي جرأه أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ؟ فمن كان موقنًا بأنَّ الله يراه لن يجترئ على محارم الله، ولذلك من أعظم ما يزجر الإنسان عن المعاصي مراقبة الله سبحانه وتعالى، وتذكر العبد أن الله يراه، ( الذي يراك...السميع العليم ) (كلا لئن لم....خاطئة ) قد ورد لهذه الآيات سبب نزول وأصل الرواية قصة أبي جهل التي أخرجها مسلم وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بأن النبي ﷺ كان يصلي في الكعبة أو بالكعبة في مكة، فقال أبو جهل لئن رأيت محمدًا يعفِّر وجهه لأطأنَّ على رقبته، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم، فهمَّ أن يفعل ذلك، فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه وقال إن بيني وبينه لخندقاً وأهوالاً وأجنحة، لخندقاً من نار وأهوالاً وأجنحة وH0..الناصية ) ورد في بعض الروايات وبعض طرق الحديث فنزلت هذه الآية ( كلا لئن الناصية..) لئن لم يكف عن إيذائه عبدنا وتكذيبه له لنأخذناه مجذوبا إلى النار بمقدم رأسه بعنف فهذا معنى (لنسعفاً بالناصية ) فالناصية: مقدَّم الرأس وقوله ﴿لَنَسْفَعًۢا﴾: لنأخذنَّه وقوله (لنسفعن ) النون هذه نون التوكيد الخفيفة (لنسفعاً ) وإن كانت رسمت ألفاً كما ترون كقوله (وليكونا من الصاغرين) قال ( لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًۢا...خاطئة ) هي نفس الناصية نفسها، ناصية كاذبة قالوا (صاحب تلك الناصية كاذب في القول خاطئ في الفعل ) وصفها الله بالكذب وبالخطأ لأنَّها خاطئة يعني تتعمد الخطأ (ناصية...خاطئة) يعني صاحبها كاذب وخاطئ، وقد قال بعضهم إن التعبير عن الناصية بذلك دلالة على أن الناصية محل لهذا، ولذلك مقدم الرأس فيه هذا : فيه ما ينبئ عن صدق المرء أو عن كذب المرء وقد أثبتوا أيضًا في العلم الحديث ما يتصل بالناصية من أسرار تتعلق بمعرفة الصدق والكذب والأحوال والأخبار وما إلى ذلك، ثم قال ( فليدع ناديه ) أي فليدع أصحابه وأهل مجلسه يستعين بهم لينقذوه من العذاب (سندع الزبانية ) يعني سندع خزنة جهنم، والتعبير عنهم بالزبانية أصل المادة زبن يدل على الدفع الشديد أي سندع خزنة جهنم الذين يدفعونه إلى النار دفعاً ( ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ﴾ جَهَنَّمَ..دعا) (كلا لا تطعه..اقترب) لا تلتفت إليه واسجد واقترب فيه دلالة على أن السجود لله من أعظم القربات وأنه يقرب العبد من الله ويشهد لهذا قول النبي (أقر ب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ) فقوله واسجد واقترب يعني واقترب من ربك بهذا السجود هناك قول قيل في تفسير الآية واسجد يا رسول الله، واقترب منه يا أبا جهل وسترى يعني واسجد واقترب ليقترب هذا وسيرى ما يحل به بالنظر إلى الرواية التي وردت في سبب النزول وتقدم ذكرها هنا يا أيها الإخوة الكرام لفتة عظيمة في السورة الجليلة :: وهي أن الله في صدر السورة بدأ بـ اقرأ وذلك العلم الذي علم بالقلم فبدأ بالعلم، وختم بالسجود ففيه أن العبد لكي يصل إلى الله عليه أن يجمع بين العلم والعمل فأول السورة علم وآخرها عمل، أولها قراءة وآخرها سجود، وفيه أيضًا أن من أعظم القربات إلى الله سبحانه وتعالى الصلاة، فلا ينبغي للداعي إلى الله ولا ينبغي للعالم أن يغفل عن الصلاة وعن القرب إلى الله عز وجل بها (كلا لا تطعه...)
من فوائد الآيات:
1-أهمية القراءة والكتابة في الإسلام: قال ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ وقال (الذي علم بالقلم)
2-خطر الغنى إذا جرَّ إلى الكبر والبعد عن الحق وذلك في قوله (كلا إن الإنسان ليطغى...)
3-النهي عن المعروف صفة من صفات الكفار ﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰٓ﴾ بهذا نكون قد انتهينا من التعليق على تفسير سورة العلق لننتقل إلى تفسير سورة القدر.
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)