مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة التكاثر

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 156 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29). السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس التفسير وموعدنا الليلة بفضل الله تعالى مع تفسير سورة التكاثر هذه السورة المباركة تسمى بسورة التكاثر وهناك أسماء أخرى لهذه السورة فيقال لها: سورة ألهاكم. وذلك لأنَّ أولها ألهاكم التكاثر وتسمى بسورة المقبرة لأنَّ الله قال: فيها ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾2 (التكاثر: 2).

والاسم الأشهر، وعليه الأكثر ويقال: إنَّه التوقيفي سورة التكاثر، وفي أولها: ألهاكم التكاثر ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 2). هذه السورة المباركة. يا أيها الإخوة الكرام، فيها التحذير من الاشتغال بالدنيا عن الدين وأنه ينبغي للمرء أن يجعل الدنيا مطيّة له إلى الآخرة لا أن تكون الدنيا أكبر همّه ومبلغ علمه وإذا كانت سورة القارعة وهي سورة الأسبق لهذه السورة بحسب الترتيب المصحفي حدثنا الله فيها عن الآخرة وحدثنا فيها عن القيامة وأحوالها وأهوالها.

فإنَّ سورة التكاثر قد جاءت ليحذر الله فيها من الانهماك في الدنيا والتكاثر فيها بالأموال والأولاد. فإنَّ الإنسان إذا لَهَا بدنياه عن آخرته خاب وخسر. نسأل الله السلامة ألهاكم التكاثر ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 2). فالسورة الكريمة كلها تقوم على هذا المقصد وهو التحذير من التكاثر بالأموال والأولاد التحذير من الخلود إلى دار الفناء والزوال وإلى الاغترار بجمع المال فالإنسان لا ينبغي له أن يغتر بماله، ﴿وَلَآ أَن﴾ يركن إلى دار زوال وإنَّما ليكن همه الآخرة وليجعل دنياه مطيّة إلى آخرته.

فقال الله: ألهاكم التكاثر ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 2). ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾3 (التكاثر: 3-4). ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾4 (التكاثر: 5). لترون الجحيم ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ﴾5 (التكاثر: 7). ﴿ثُمَّ لَتُسْـَٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾6 (التكاثر: 8). هذه السورة المباركة على قول أكثر المفسرين سورة مكية فالحديث فيها كما رأيتم عن التحذير من الركون إلى الدنيا. فقالوا جو السورة وموضوع السورة مكي. وقد وردت الآثار في تعداد السورة ضمن السور المكية أي: نزلت قبل هجرة رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، ونقله بعضهم اتفاقًا فقد ذكر ابن عطية أنه لا خلاف في أنها مكية ونقل ابن الجوزي والقرطبي وأبو حيان إجماع أهل التفسير أو المفسرين على أنها مكية.

ومع ذلك فهناك قلة من أهل العلم قالوا. بل هي مدنية نزلت بعد هجرة رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، مستندين في هذا إلى حديث أبيّ بن كعب رضي الله عنه عند البخاري، وفيه أنه قال ما كنا نرى هذا إلا من القرآن ويقصد بذلك ما جاء عن النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم لو أنَّ لابن آدم واديًا من ذهب لأحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب قال ما كنا نرى إلا أن هذا أي: هذا الكلام من القرآن حتى أنزل الله ألهاكم التكاثر أي: كانوا يعدون المرويّة عن النبي «صلى الله عليه وسلم»، لو أنَّ لابن آدم واديًا من ذهب لأحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب كانوا يعدون هذا قرآنًا.

وقالوا كان قرآنا ثم نسخ حتى أنزل الله قوله ألهاكم التكاثر ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 2). وأبيّ بن كعب رضي الله عنه مدني بالمدينة. وهذا معناه: أن السورة نزلت بعد في مدينة رسول الله بعد الهجرة النبوية فرجح بهذا فريق من العلماء أن السورة مدنية. لكن تأول ابن عاشور هذه الرواية بأن قول أبي كنا نرى أن يرى المسلمون، ولا يلزم، أن يكون أبي رضي الله عنه أحدهم في هذا الوقت وإنَّما هو يخبر عن المسلمين سابقًا والعلم عند الله تبارك وتعالى قال الله جل وعلا: ألهاكم التكاثر لمن الخطاب قال بعضهم: الخطاب للكفار فهم المعنيون بقوله ألهاكم التكاثر فهم الذين ألهاهم التكاثر عن العمل الصالح.

وقال آخرون: بل المعنى ألهاكم التكاثر أي: ألهاكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس عموم الناس ألهاهم التكاثر إلا من رحم الله من المؤمنين الصالحين الموفقين فغالب الناس قد ألهاهم التكاثر كما قال الله في سورة العاديات ﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٌ﴾7 (العاديات: 6). فهذا حال كثير من الناس أو حال الإنسان في غالب الأمر ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ عز وجل ألهاكم التكاثر ما معنى ألهاكم ألهاكم، يعني: شغلكم اللهو نفسه ما يشغل به الإنسان عما يهمه وعما ينفعه إذا كان هناك شيء ينفعك عليك أن تحرص عليه وتحافظ عليه فاشتغلت بغيره عنه قيل هذا لهو إذًا اللهو الإعراض عن المفيد عندك شيء يفيدك عليك أن تُقبل عليه فتلهو عنه واللهو موضعه ومكمنه في القلب.

ولذلك قال الله عز وجل لاهية قلوبهم فاللهو يسري على القلب. نسأل الله السلامة والعافية. ألهاكم التكاثر أي: شغلكم عما ينفعكم شغلكم عما يفيد شغلكم عن الآخرة كما حذرنا الله. فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾8 (المنافقون: 9). قال الله سبحانه وتعالى ألهاكم التكاثر ألهاكم التكاثر التكاثر بماذا لم يبين ربنا سبحانه وتعالى المتكاثر به ليفيد معنى العموم ألهاكم التكاثر بالأموال نعم يدخل في الآية ألهاكم التكاثر بالجاه يدخل في الآية التكاثر بالأولاد يدخل في الآية كل تكاثر يتكاثر به الإنسان ما معنى يتكاثر، يعني: يتقوى ويتعزز به كما قال قائلهم وإنَّما العزّة للكاثر وإنَّما العزّة للكاثر أي: يرى أنَّ المتكاثر الذي لديه كثرة هو العزيز وهو الأقوى.

فهذا يتكاثر على غيره يقول أنا عندي أموال أكثر عندي أطيان أكثر عندي قصور عندي عقارات عندي تجارات أو عندي أولاد أو عندي أصحاب أو عندي أتباع ألهاكم التكاثر أي: تعداد ما عندكم من الدنيا كل منكم إلا من رحم الله يعدد ما عنده يقول أنا عندي بدلًا من شيء عدّة أشياء عندي بدل من هذا الهاتف عدّة هواتف بدلًا من هذه السيارة عندي عدّة سيارات عندي من هذا الشيء أنواع وأشكال وألوان وما إلى ذلك ألهاكم التكاثر ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 2).

والله قال ﴿ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌۢ بَيْنَكُمْ﴾ ﴿وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ﴾ فالناس يتكاثرون بالأموال ويتكاثرون بالأولاد. فقال: ﴿أَلْهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾9 (التكاثر: 1-2). ما معنى ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 2). قال كثيرون، يعني: حتى دخلتم في القبور أي: لم يزل كثير منكم يتقوى ويتعزز بما أوتي من مال وأولاد وجاه وسلطان إلى أن أُدخل في القبر وهو في أحلك الظروف يقول عندي، وعندي وعندي مشتغل بعقارات وبالموت والقبر إلى أن صار ترابًا ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 2).

أي: دخلتم في القبور أي: حتى متم. وقال عدد آخر من المفسرين. بل المعنى وصل الحال ببعضكم إلى أن يتكاثر بالمقابر لا يتكاثر بالأحياء فقط وإنَّما يتكاثر بالمقابر أي: بالأموات في المقابر فإذا ذهبوا إلى القبور يقول قائلهم فلان من عائلتي وفلان من قبيلتي وفلان من بلدتي وفلان من عشيرتي فيتكاثر حتى بالأموات أو يتفاخرون بما يصنعون تجاه الأموات ويدخل في هذا الصدد في هذه الأيام التكاثر بالبناء للقبور.

فهذا يريد أن يبني بناء يتفاخر به على غيره فحتى في المقابر يجري شيء من التكاثر والتفاخر ألهاكم التكاثر ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 2). وعلى القول الأول وهو الأشهر أن معنى قوله تعالى ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 2)، يعني: إلى أن دخلتم المقابر ويجمع مقبرة التي تجمع بضعة أو عددًا من القبور المقبرة التي تجمع عددًا من القبور ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 2)، يعني: إلى أن متم إلى أن دخلتم في القبور استفيد من ذلك أمر وهو أن القبر مرحلة من المراحل بعدها مرحلة الآخرة وأنها ليست المطاف الأخير لأنَّ الله سمى المقابر بالزيارة سمى المقابر بالزيارة.

ولذلك قال بعضهم: ما الزائر بمقيم ما الزائر بمقيم الذي يزور مكانا هل يقيم فيه لا يقيم فيه فالله جعل القبر زيارة وهذا معناه: أن القبر ليس نهاية المطاف. ولذلك يخطئ من يعبر فيقول: عن القبر انتهى إلى مثواه الأخير فالقبر ليس المثوى الأخير. بل هناك بعده جنة أو نار هناك الآخرة هناك البعث والنشور هناك الحساب الميزان والصراط إلى غير ذلك.

فقال: ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 2). هذه زيارة ما يجري لك في القبر زيارة وهناك ما بعد الزيارة ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 2). ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ10 ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾11 (التكاثر: 3-4). كلا كما تقدم كلمة ردع وزجر كلا زجر وردع لذلك الأصل أن تذكر في السور المكية. وقد قالوا إنها من ضوابط المكي وإن استثنينا فيمكن أن تستثنى سورة المطففين عند القائلين بمدنية السورة والعلم عند الله وإلا.

فإنَّ كلا ذكرت في القرآن في خمس عشرة سورة والأصل فيها أنها مكية وذكرت 33 مرة ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (التكاثر: 3). هذا اسمه أسلوب تهديد ووعيد ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (التكاثر: 3). تعلمون العذاب تعلمون ما ستلاقون، وما تؤولون إليه وتصيرون إليه ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (التكاثر: 4). ثم تفيد التراخي تقول جاء محمد ثم عليّ، فإذا عليّ جاء بعده بمرحلة فهنا قال ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (التكاثر: 3-4). فمنهم من قال ذكر الله مرحلتين ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (التكاثر: 3).

في القبور ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (التكاثر: 4). في الآخرة إذا كان المصير النار ونسأل الله السلامة إذًا ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (التكاثر: 3). في مرحلة ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (التكاثر: 4). في مرحلة أو ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (التكاثر: 3). بنوع من أنواع العذاب ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (التكاثر: 4). بنوع آخر من العذاب أو أن ثم للتراخي الرتبي، يعني: في الرتبة وتفيد أيضًا زيادة في التهديد والتأكيد وإن قالوا إنها للتأكيد فإنَّه لا ينفي أيضًا زيادة في معنى: التهويل والتشديد والعلم عند الله أي: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (التكاثر: 3-4).

يقولون هذا تأكيد لما قبله. لكن بدخول ثم يكون فيه زيادة في هذا التأكيد لأنَّ هذا التراخي في الرتبة أو في الذكر يدل أيضًا على زيادة في هذا الوعيد الذي ذكره الله في الآية الكريمة ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (التكاثر: 4). ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ (التكاثر: 5). تأمَّل! كلا ثم كلا كلا ردع وزجر تقدم، أن كلا تأتي بمعنى حقًا أو بمعنى لكنَّها في الغالب تأتي للردع والزجر.

وهذا مناسب للمقام لأنَّ الله ذكر في أول السورة ما يقتضي هذا الزجر وهو ألهاكم التكاثر فالذي يلهو بالأموال حقيق بأن يزجر بأن يزجر عساه، أن يتذكر ويعتبر ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ (التكاثر: 5). لو تعلمون علم اليقين أين جواب لو لو تعلمون علم اليقين جواب لو محذوف مقدر لتذهب النفس فيه كل مذهب لو تعلمون علم اليقين لعلمتم أهوالًا شديدة لو تعلمون علم اليقين لتراجعتم عن لهوكم وعنادكم.

لو تعلمون علم اليقين لعلمتم، أن العذاب شديد وأن الهول أكيد إلى غير ذلك لو تعلمون علم اليقين لعلمتم أن الأمر فظيع وشديد جواب لو يأتي غالبًا مقدرًا، وبعد لولا — غالبًا حذف الخبر، يعني: غالبًا ما يأتي الخبر محذوفًا مقدرًا باعتبار أن لها جواب شرط وأنها إذا كانت جملة اسمية فيكون لها مبتدأ ويكون لها خبر.

لكن هنا في قوله لو تعلمون علم اليقين الكلام عن لو وليس عن لولا فلو أيضًا جواب شرط يكون محذوفا. فقال الله سبحانه ﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ فَزِعُوا۟ فَلَا فَوْتَ﴾ أي: ﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ فَزِعُوا۟﴾ لرأيت أمرًا منكرًا وعظيمًا. فقال: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ (التكاثر: 5). لترون الجحيم ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ﴾ (التكاثر: 7). قوله لترون الجحيم ليس هو جواب لو لأنه قد يتوقع متوقع أو إنسان، أن الآية هكذا ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ﴾ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ.

وهذا غير صحيح لأنَّ جواب لو يكون ممتنعا، ولا يكون مؤكدا وهنا جاء التأكيد لترون أي: والله لترون إذًا هي جملة جديدة لذلك. المعنى لو تعلمون علم اليقين لرأيتم أو لعلمتم أن الأمر فظيع وشديد ثم انتهى الكلام وحينئذ يسأل سائل فيقول: وماذا لو علموا يا ربنا ماذا سيعلمون وماذا سيرون. فقال: لترون الجحيم إذًا لترون الجحيم أي: والله لترون الجحيم، ولا تكون جوابًا للو لأنَّها مؤكدة.

وهذا ينافي الجواب المعروف للو. ولذلك يحسن بالقارئ إذا قرأ الآية الكريمة، أن يقف عند قوله علم اليقين لا يقرأ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ لا يصل وإنَّما يقف حتى لا يتوهم، أن قوله سبحانه لترون الجحيم جواب لو ﴿أَنَّمَا﴾ هي جملة جديدة أي: والله لترون الجحيم لترون الجحيم. والمراد بالجحيم النار هذه النار المستعرة المتأججة التي هي ذات لهب فالجحيم قيل له جحيم بسبب لهبه والنار ذات لهب.

فقال: لترون الجحيم أي: لترون النار. نسأل الله السلامة كما قال الله: ﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ﴾12 (النازعات: 36). وقال وبرزت الجحيم للغاوين برزت ظهرت الجحيم للغاوين قال الله سبحانه وتعالى ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ (التكاثر: 5). لترون الجحيم أي: والله لترون النار وهناك من يرى النار ويدخل نارًا ويقاسي حرها ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ﴾ (التكاثر: 7). تأكيد آخر ثم لترونها لترون ثم لترونها أي: هذه رؤية حقيقية لا تظن أنها رؤية مجازية أو أن الرؤية كناية عن العلم ﴿أَنَّمَا﴾ هي رؤية بصرية حقيقية لا تأويل فيها، ولا مجاز قال الله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ﴾ (التكاثر: 7).

عين اليقين أي: رأي العين المستيقن، لا شك فيه ولا مرية لذلك قالوا هي مراتب؛ هناك مرتبة علم اليقين، ومنهم من قال إن قوله علم اليقين، أي: العلم اليقين فيكون من إضافة الموصوف إلى صفته قال الله علم اليقين الشيء المتيقن الذي لا مجال فيه للشك، ولا للريبة يقال له: علم اليقين فإذا رأيته قيل له: إنه عين اليقين فإذا ذقته قيل له حق اليقين فأنت إذا قيل لك، أن فلانًا اشترى كذا وصفه الذي اشتراه كذا وكذا فلان عنده عسل.

وهذا العسل طيب وجميل ووصفه لك أناس كثيرون وصار عندك يقين، أن فلانًا لديه عسل هذا اسمه علم اليقين عندك يقين ما عندك شك لأنه تواردت الأخبار وتواترت فإذا رأيته بعينيك قيل هذا عين اليقين فإذا ذقته بلسانك قيل هذا حق اليقين كما قال الله، ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ فحق اليقين مرتبة أعلى مرتبة أعلى.

فقال: هنا ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ﴾ (التكاثر: 7). أي: لترون النار أمام أعينكم لا تخفى عليكم قال ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ﴾ (التكاثر: 7). ﴿ثُمَّ لَتُسْـَٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (التكاثر: 8). ثم يوم القيامة لتسألن يومئذ في هذا اليوم الشديد عن النعيم أي: عما نعمتم به في الدنيا تسألون عن هذا النعيم أي: عن نعيم الدنيا ماذا صنعتم فيه تسألون عن نعيم الدنيا هل شكرتم الله عليه هل أطعتم الله فيه أعطاكم الله الأموال وأعطاكم الأولاد وأعطاكم العقارات وأعطاكم ما تريدون وزيادة فهل شكرتم الله على ذلك واستعملتم نعم الله في طاعة الله عز وجل ومنهم من قال النعيم نعيم الآخرة تسألن عن نعيم الآخرة هل لكم فيه نصيب أم إنكم حُرمتم منه والأول عليه الأكثر ويشهد له حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم حينما خرج النبي «صلى الله عليه وسلم»، ذات يوم أو ذات ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

فقال: لهما أخرجكما في تلك الساعة. فقال: يا رسول الله الجوع الذي أخرجنا في هذه الساعة الجوع أخرجنا من بيوتنا الجوع. فقال النبي «صلى الله عليه وسلم»، وإنا «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» لأخرجني الذي أخرجكما. ثم قال قوموا فقاموا إلى رجل من الأنصار فلم يجدوه فسألوا عنه امرأته. فقالت لهم مرحبًا وأهلًا فبينما هي كذلك إذ جاء زوجها، وكان يستعذب الماء.

فقال: ما أحد اليوم أكرم أضيافًا مني أي: برسول الله «صلى الله عليه وسلم»، وصاحبي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فجاء بعذق فيه تمر وبسر ورطب. فقال: كلوا ثم أخذ المدية، يعني: أخذ السكين من أجل أن يذبح لهم شاة. فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: إياك والحلوب فذبح لهم شاة فأكلوا منها فلما أكلوا وشربوا ورووا قال لهم الرسول «صلى الله عليه وسلم»، «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» لتُسألنَّ عن هذا النعيم يوم القيامة «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» لتُسألنَّ عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم من هذا النعيم أي: بعد أن كنتم في حالة جوع ترجعون.

وقد طعمتم. وقد شربتم فسيسألكم الله عز وجل عن هذا النعيم لذلك قالوا إن النعيم كل ما يتمتع به الإنسان في هذه الحياة. فإنَّ شكر الله كان خيرًا له وإن كفر نعمة الله فإنَّه الحساب ثم العذاب إلا من تداركته رحمه الله، الملك الوهاب سبحانه جل وعلا ﴿ثُمَّ لَتُسْـَٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (التكاثر: 8). بعضهم فسر النعيم بالماء البارد في اليوم الصائف أن نقول: كلما يتنعم به الإنسان داخل في معنى النعيم هذه السورة المباركة تحذرنا من اللهو والانهماك في الدنيا والاشتغال بها عن أمر الآخرة تذكرنا بأن نشكر الله وأن نطيع الله وأن نعمل الصالحات وأن نحمد الله جل وعلا على ما أنعم به علينا وأن نعلم أننا مسؤولون عن النعم التي أعطانا الله عز وجل إياها.

ولذلك كما جاء في حديث عبد الله بن الشِّخِّير رضي الله عنه أنه دخل على النبي «صلى الله عليه وسلم»، أو بلغ الرسول وهو يقرأ ألهاكم التكاثر. ثم قال: يقول ابن آدم: مالي، مالي مالي الإنسان يقول عندي مال وعندي مال وعندي مال وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه الناس كما جاء في رواية أبي هريرة الأخرى أيضًا عند مسلم رحمه الله تعالى أو قال أو تصدقت فأمضيت هل لك من مالك إلا ما لبست فأبليت أو أكلت فأفنيت أو تصدقت فأمضيت أي: بقي لك ذلك فالذي تتصدق به هو الذي يثبت لك والله قال ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾13 (النحل: 96). وقال ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (سبأ: 39) فنسأل الله سبحانه وتعالى ﴿إِلَّا﴾ يجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا وأن لا يجعل إلى النار مصيرنا وأن يجعل الجنة هي دارنا وأن يوفقنا لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ — كما ورد في الدرس: التكاثر 2 ↩
  3. آية: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: التكاثر 3-4 ↩
  4. آية: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: التكاثر 5 ↩
  5. آية: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: التكاثر 7 ↩
  6. آية: ﴿ثُمَّ لَتُسْـَٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾ — كما ورد في الدرس: التكاثر 8 ↩
  7. آية: ﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٌ﴾ — كما ورد في الدرس: العاديات 6 ↩
  8. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المنافقون 9 ↩
  9. آية: ﴿أَلْهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾ — كما ورد في الدرس: التكاثر 1-2 ↩
  10. آية: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: التكاثر 3 ↩
  11. آية: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: التكاثر 4 ↩
  12. آية: ﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: النازعات 36 ↩
  13. آية: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 96 ↩

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة