مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

بين الإتقان والإحسان

الدروس والمنوعات · الدرس 67 من 167 · 25 دقيقة · الدروس والمنوعات

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. خطبة الحاجة والإتقان والإحسان ركيزة نهضة الفرد والأمة
  2. تجلي إتقان الخالق والأمر بالإحسان وإتقان العمل
  3. الإتقان في الصلاة وحديث المسيء وخطر السرقة من الركوع والسجود
  4. الإتقان في الزكاة والإنفاق والصيام والحج وسائر العبادات
  5. الإتقان في الوظيفة والصنائع وأداء الحقوق وعدم بخس الأجير
  6. سلعة الله الجنة ودعاء الختام
التفريغ النصي الكامل للدرس

خطبة الحاجة والإتقان والإحسان ركيزة نهضة الفرد والأمة

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له

وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ اللهم صلِّ على محمدٍ «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميدٌ مجيد يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله

اتقوا الله حق تقاته ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾2 (النساء: 1)

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾3 (الأحزاب: 70) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71) أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل

ما أحوجنا إلى الإتقان والإحسان نعم إتقان في عبادة الله وإتقان في أمورنا الدنيوية في معاملاتنا مع الناس مع العامة والخاصة ما أحوج الأمة. إذا أرادت أن تنهض

تجلي إتقان الخالق والأمر بالإحسان وإتقان العمل

وإذا أرادت أن تتقدم ما أحوجها إلى الإتقان بداية إن الذي يعلمنا الإتقان هو رب العباد جل وعلا. فإنَّ الله من أسمائه الحكيم

فهل عرفنا معنى الحكيم الحكيم في أسماء الله جل وعلا له معان منها أنه المحكم للأشياء المتقن لها سبحانه عز وجل قال الله سبحانه ﴿ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ﴾5 (السجدة: 7)

﴿ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ﴾ (السجدة: 7) وقال عز من قائل ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾6 (التين: 4) هذا هو الإتقان وقال الله ﴿وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ7 ۚ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ (النمل: 88)

فالذي يعلمنا الإتقان ويدعونا إليه ربنا عز وجل انظر إلى ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ انظر إلى هذه السماوات ﴿ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ ۖ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾8 (الملك: 3). ﴿ثُمَّ ٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ ٱلْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾9 (الملك: 4)

قلب نظرك وانظر إلى السماء من هنا ومن هناك وفي بلدك وفي غير بلدك وفي كل الأوقات هل ترى في السماء فتوقًا؟ هل ترى فيها تشققًا؟ هل ترى فيها تصدُّعًا؟ لا، لماذا؟ لأنَّ الذي خلقها هو ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ سبحانه عز وجل

ربنا يعلمنا هذا الأمر وكذا نبينا محمد عليه الصلاة والسلام حينما قال ﷺ كما ثبت في صحيح الإمام مسلم من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»

الإحسان الإتقان وإعطاء الشيء حقه دون بخس له وأن يتعامل مع الشيء على أفضل الوجوه وأحسنها وأجملها «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» «فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة»

«وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، فليُرِح ذبيحته» أمامك حيوان تريد أن تذبحه أو أن تنحره

ماذا تصنع حين ذبحه ماذا تصنع حين نحره يعلمنا الرسول عليه الصلاة والسلام وليحد أحدكم شفرته وليُرِح ذبيحته. إذا أمسكت بالسكين فلتكن سكينًا حادة حتى لا تقسو عليها وحتى لا يطول الأمر عليها

وكذلك علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿إِلَّا﴾ يُري الإنسان سكينه لمذبوحه أو لذبيحته لئلا يجمع عليها موتتين

لا تُرِها أنك تذبحها أو أنك تنحرها. لما هذا من الإتقان. هذا من الإحسان. والله قال ﴿وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾10 (البقرة: 195). وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه أبو يعلى من حديث عائشة رضي الله عنها وإن كان فيه بعض كلام لكن له طرقًا متعددة حتى

حسَّنها بعض العلماء أنَّ النبي ﷺ قال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» نحفظ جميعًا الحديث لكن أين إتقاننا

أين إتقاننا في العبادة أين إتقاننا في عملنا في وظائفنا أين إتقاننا في تعاملنا مع غيرنا أين إتقاننا في تعاملنا مع أزواجنا مع أولادنا مع آبائنا مع أمهاتنا نحتاج إلى وقفات. ثم وقفات مع الإتقان «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ»

كثير من الناس ربما عمل لكنه لا يعمل عملًا متقنًا وإن أتقن

فلمدة يسيرة ولظرف طارئ لا باستمرار وخوفًا من العبد لا من الرب أما أن يتقن عمله سواء علم الناس أم لم يعلموا وسواءٌ رآه الناس أم لم يَرَوْه. فإنَّ ذلك لا يصنعه إلا الأفاضل. نسأل الله أن نكون منهم بمنه وكرمه وربنا قال

﴿ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾11 (الملك: 2) أن يكون عملك هو أحسن الأعمال لم يقل ليبلوكم أيكم أكثر عمل كثير من الناس يُكثر من الأعمال لكنه لا يتقنها لذا. إذا سألت وقلت

﴿مَا لَنَا لَا نَرَىٰ﴾ البركة في كثير من أعمالنا نربح كثيرًا ونجمع كثيرًا نحن في غنى لم يكن فيه آباؤنا في أغلب الأمر ومعك ما لم يكن لدى والديك. وقد كان معهم ما هو أقل مما معك ومع ذلك تذهب البركة من أكثر الناس لما لترك الإتقان. نسأل الله السلامة والعافية

الإتقان يكون في العبادة ويكون في العمل في الوظيفة في التعامل مع الناس أما عن الإتقان في العبادة أتقن عبادتك، إذا صليت فأين إتقانك في صلاتك نحفظ جميعًا حديث المسيء في صلاته

ما الذي علَّمه الرسول ﷺ للمسيء في صلاته هذا الرجل الذي كان يصلي ولم يكن يعرف أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة. فكان يسرع في صلاته

الإتقان في الصلاة وحديث المسيء وخطر السرقة من الركوع والسجود

فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ السؤال الرجل صلى أم لم يصلِّ؟ هو يرى أنه صلى لكن الرسول قال ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ. لما

لم يطمئن في صلاته وكرر والرسول يقول «ارجع فصل فإنَّك لم تصل» صلاة صحيحة لأن ركنها وروحها، وهو الطمأنينة، قد افتُقد أو فُقد، غير موجود في الصلاة فما الفائدة وما الثمرة المرجوة من الصلاة إذن

«أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ ! قَالَ: «لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» (رواه أحمد والدارمي وصححه الحاكم) أسوأ الناس سرقةً بعض الناس يصلي وهو سارق سبحان الله. يعني: يصلي ولا يتم الركوع ولا يتم السجود فأين أنت من إتقان الصلاة؟ تجعل الصلاة أهون عليك من أمور عادية لا تزيدك ربما في أمور الدنيا فضلًا عن أمور الآخرة

ربما وقفت مع صاحبك في الطريق أو في الشارع لمدة ليست بالقصيرة دخلت المسجد أنهيت الصلاة في دقيقتين أو أقل لا تعرف كم صليت ولا تدري كم ركعت ولا سجدت

لذلك أخبرنا النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم عن حال كثيرين من الناس مع الصلاة إن أحدكم يخرج من صلاته وليس له منها إلا عشرها

تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها كذا جاء عن النبي ﷺ لذلك قد يصلي رجلان كتف هذا بجوار كتف ذاك أو منكب بمنكبه. وهذا صلاته في عليين والآخر صلاته. نسأل الله السلامة والعافية ما بينهما كما بين السماء والأرض هذا عن الإتقان في الصلاة تعالى إلى الإتقان في الزكاة

شكرًا.

أين هذا الإتقان بعض الناس يزرع ويحصد ويجيء وقت إخراج الزكاة لا يتقن زكاته المهم أنه يعطي لفلان صديقه ولفلان صاحبه وحبيبه لا ينظر إلى كون هذا مستحقًا أم لا لا منع أبدًا من أن تهدي لأحبابك وأن تعطي لأصدقائك وخلانك لكن الزكاة الواجب الواجب الفرض الفرض

أعطِها للمستحقين فهل علمت ماذا عليك من الزكاة حتى تؤديها للمستحقين من الفقراء والمساكين والأصناف التي بيّنها الله سبحانه ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ﴾12 (التوبة: 60) الآية الكريمة. ثم بعد ذلك إذا أردت أن تزيد فزد بارك الله لك ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾13 (سبأ: 39) بل اسمع

يبخل كثير من الناس على نفسه لا يضع في الأرض إلا اليسير ويريد منها أن تعطيه الكثير أعطِ لتُعطى وأنفق لا تجد هذا من الإتقان حينما تضع البذر الجيد في أرضك هذا من الإتقان حينما تزرع جيدًا هذا من الإتقان حينما تتفقد أرضك هذا من الإتقان

﴿إِلَّا﴾ تعرفون تلكم القصة الكريمة الجليلة لعلها معهودة لدى الأكثرين هذا المطر الذي أخرج هذه القصة الإمام مسلم في صحيحه حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - حينما جاء مطر من السماء وسمعه الرجل

الإتقان في الزكاة والإنفاق والصيام والحج وسائر العبادات

«اسق حديقة فلان» يسمع هذا السحاب أو يسمع صوتًا في هذا السحاب اسق حديقة فلان تعجب رأى هذا السحاب قد تجمع ونزل هذا المعنى في شَرْجة معينة وإذا برجل معه مِسحاته ينقل هذا المعنى إلى حديقته ويسقي زرعه والماء لا يتجاوز حديقته

لا يسقي إلا هذا الرجل والحديث صحيح في صحيح مسلم تعجب الرجل قال له: ما اسمك أنت اسمك إيه فقال اسمي فلان للاسم الذي سمع صوته في السماء اسقِ حديقة فلان قال ما تصنع في أرضك وماذا تصنع وأخبره بالذي جرى. فقال له «إني أنظر ما يخرج من أرضي فأتصدق بثلثه»

وآكل أنا وأهلي ثلثه، وأردُّ فيها ثلثه الآخر

يرد إلى الأرض ثلثها. يعني: يسمح بماذا إما بالزرع نفسه أو بثمنه حتى أنه يرد إليها سمادًا طيبًا أو يرد إليها بذرًا جيدًا فبإذن الله تؤتي بركة وينفق ثلث ما يخرج من الأرض فأين نحن من الإتقان إتقان في الزرع إتقان في المعاملة إتقان في العبادات في الزكاة. كذلك إتقان في الصيام

كثير من الناس إذا أتى رمضان، أساء صيامه، بماذا أساءه؟ بالمخالفات وبالقيل والقال. وقد جاء عن النبي ﷺ «رب صائم حظه من صومه الجوع والعطش»

يجوع ويعطش ولا ينتفع بالصوم لماذا؟ لأنه ما أتقن الصوم ولا راقب الله عز وجل في صومه «ورب قائم حظه من سهره التعب» يتعب ويكد ويسهر لكنه لا يستفيد شيئًا لأنه لا يقوم لله رب العالمين لذلك جاء عن النبي ﷺ «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»

وقال «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» إتقان في الحج

كثير من الناس ربما أنفق أموالًا طائلة من أجل أن يحج ورغب وتمنى وأنفق الأموال وقدم مرة ومرات فمن الله عز وجل عليه بالحج فهل أتقن حجه «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (متفق عليه) إتقان في الحج

يتقي الله في حجه، يعمل بطاعة الله يبتغي مرضاة الله لا ينتظر أن يقال الحاج فلان أو أن ترسم طائرة أو أن ترسم سيارة حج مرور وذنب مغفور أو يقال الحاج فلان أو علان لا ينتظر هذا إتقان في العبادة

إتقان في العمل، إتقان في الوظيفة حدث ولا حرج تعال إلى أكثر الناس في وظائفهم أين هم من الإتقان أحدهم يقول على قدر الفلوس التي يدفعونها. وهذا لا يجيز لك أبدًا لأنك ارتضيت هذا العمل بقليل أو بكثير وافقت عليه

لو أنَّك تأخذ جنيهًا واحدًا في عمل تعمل فيه عشر ساعات أو اثنتي عشرة ساعة، لا يجوز لك أن تفرط في عملك؛ لأنك ارتضيت هذا العقد ووافقت عليه، فالمسلمون على شروطهم! كثير من الناس لا يتقن هذا العمل لذلك تتعطل مصالح الناس. ويقول له انتظر حتى نفطر الإفطار داخل العمل ثم بعد ذلك إذا أتى إلى الظهر أنت الآن تأتي؟ تعال في الغد فإذا أتاهم في الصباح لم يجب إلى طلبه وإذا أتاهم عقب الظهر لا يجب إلى طلبه إلا من رحم الله سبحانه لا يجاب إلى طلبه ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ عز وجل

نعم. هناك الأفاضل الأتقياء الذين يتقنون في أعمالهم ويتقون الله عز وجل وقليل ما هم. نسأل الله أن يجعلنا من المخلصين أقول ما تسمعون وأستغفرُ اللهَ لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمد

«وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ: فيا عباد الله، الإتقان الإتقان ما أحوجنا إليه في أعمالنا في وظائفنا لا ننتظر رقابة من أحد

الإتقان في الوظيفة والصنائع وأداء الحقوق وعدم بخس الأجير

إذا أتانا المراقب، رئيس عمل أو تفتيش من هنا أو من هناك، انتظم سير العمل لا، اعمل لله وأتقن عملك رآك الناس أم لم يروك وإذا كان هذا في العمل المنتظم. فكذلك في من يعمل مستقلًا إذا استجلبت إليك صانعًا من الصانعين يصنع لك شيئًا نجار سباك كهربائي أنا أقول لأننا جميعًا بحاجة إلى الإتقان

. إذا لم تكن صاحب خبرة في العمل فإنَّه يصنع لك أي: شيء. ويقول لك: هذا عمل تمام، أو كما يقال: لوكس هكذا ينفع إذا كنت تضحك عليه فعلى من تضحك تضحك على نفسك أين الإتقان في عمله لذلك تستجلب شخصًا ليصنع لك شيئًا وبعد مدة يسيرة

يتعطل هذا الشيء فتستدعي غيره فيعيب على الأول وتستدعي. ثالثًا فيعيب على الثاني وهلم جرًّا لما أين الإتقان للأعمال أين مراقبة الكريم الرحمن سبحانه عز وجل

وَبَعْضُ النَّاسِ كَذَلِكَ يُقَصِّرُ فِي حَقِّ هَذَا الْعَامِلِ وقد قال رسول الله ﷺ: «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني)؛ فيجب عليك أن توفيه حقه كاملًا، فإنَّ رآك انتقصت من حقه قابلك بالغش وعدم الإتقان!

لذلك ترى كثيرًا من الأطعمة فيها ما فيها، وترى البركة متلاشية من أكثر الناس ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ عز وجل لماذا كذلك المدرس في عمله ينتظر الدرس الخصوصي ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ عز وجل هل يقوم في عمله وفي درسه ليعطي ما عليه من واجب؟ وكذلك كل في داره، الإمام في محرابه، وفي مسجده، والمدرس في مدرسته،

وكل في بابه تصور معي لو أتقن كل واحد منا عمله كم ستكون الثمرة سيرتفع أمر هذه الأمة نحن ركاب سفينة واحدة. إذا صلحت وأصلحت نفسك وصلح فلان وفلان كان المجتمع صالحًا مصلحًا مفلحًا بإذن الله عز وجل

إياك أن تتعامل من أجل الناس عامل ربك لا تقول فلان الناس يأتونه ويقتربون منه ويعطونه وأنا أطلب منهم اليسير ومع ذلك لا يرعونني اعمل لله ولو قال: الناس فيك ما. قالوا ولو ظلموك ولو أهدروا حقك فالله حافظ لك حقك ويكفيك أن الله سيبارك لك في أهلك ومالك وأولادك بفضل من الله وإنعام

فاعمل كذلك إذا تعاملت في أبواب الخير بعض الأفاضل الأكارم يرحمه الله جاء ذات مرة ليتصدق بصدقة فأعطى ثم بعد ذلك طلب طعامًا شهيًّا كان يرغب فيه ويريد أن يَطعمه فبينما هو بين يديه طرق الباب فقير لكنه مريض مجنون لا يعقل

. فقال لهم أعطوه هذا الطعام فقالوا له: سبحان الله! أنت تشتهيه وهو لا يميزه وربما ألقاه على الأرض! فقال كلمته الذهبية الخالدة: «إِنْ كَانَ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ قَدْرَهُ!»

أنت تتعامل مع الله لا تتعامل مع الخلق هب أنَّك عملت عملًا متقنًا والناس لا يشعرون هب أنَّ المدرس شرح أفضل شرح والطلاب لا يميزون هب أنَّ الصانع صنع أجود صنع والناس لا يدركون

لكن الله لا تخفى عليه خافية ما أحوجنا إلى الإتقان في كل شيء في زراعتنا، في معاملتنا، أتقن في التعامل مع الزوجة والأولاد هل المهم أن تأتي للأولاد بالأموال والفلوس آخر الليل وخلاص؟ دون أن تدرك وأن تعرف أين ولدك وماذا تعلم وهل صلى أم لم يصلِّ هل صلت الزوجة هل اتقت الله

هل فعلت وفعلت من أبواب البر أمك وأبوك، أين أنت من إتقان برهما والإحسان إليهما وتقديم الخير لهما حتى تنعم بالدعاء وحتى تنعم بفضلهما ورضاهما عليك. «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الوَالِدِ» كما أخبر النبي «صلى الله عليه وسلم»

في النفس كلام كثير عن هذا الموضوع الجليل لكن لعل فيما قلت كفاية أحسن وأتقن راقب ربك لا تنتظر من الناس جزاءً ولا شكورًا اعمل العمل الكامل. ثم أنت في الآخرة تريد جنة عرضها السماوات والأرض فاعمل لها

سلعة الله الجنة ودعاء الختام

سلعة الله غالية «﴿إِلَّا﴾ إن سلعة الله غالية، ﴿إِلَّا﴾ إن سلعة الله الجنة» فمن طلب السلعة الغالية فليعمل لها اللهم إنا نسألك جنات النعيم اللهم إنا نسألك جنات النعيم اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه

وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ وَلَا تَجْعَلْهُ مُلْتَبِسًا عَلَيْنَا فَنَضِلْ اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم آتنا في الدنيا حسنة

اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسلم والسلام وأصلح ولاةَ أمورنا وخُذ بنواصيهم للبِرّ والتقوى، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى

نسألك مُوجِباتِ رحمتك، وعزائمَ مغفرتك، والسلامةَ من كل إثمٍ، والغنيمةَ من كل بِرٍّ والفوز بالجنة والنجاة من النار سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: السجدة 7 ↩
  6. آية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: التين 4 ↩
  7. آية: ﴿وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ۚ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ ۚ إِنَّهُۥ خَبِيرٌۢ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 88 ↩
  8. آية: ﴿ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ ۖ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الملك 3 ↩
  9. آية: ﴿ثُمَّ ٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ ٱلْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الملك 4 ↩
  10. آية: ﴿وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 195 ↩
  11. آية: ﴿ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الملك 2 ↩
  12. آية: ﴿۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَـٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 60 ↩
  13. آية: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: سبأ 39 ↩

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة