مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سلسلة آية ورسالة 26 لفضيلة الش

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 36 من 376 · 8 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. آية الحجرات وخلق الناس من ذكر وأنثى
  2. الشعوب والقبائل للتعارف لا للتفاخر
  3. ميزان التقوى في القلب وأمثلة النبي
  4. اصبر نفسك مع الضعفاء ولا تطردهم
  5. إنزال الناس منازلهم وغاية الصيام التقوى
التفريغ النصي الكامل للدرس

آية الحجرات وخلق الناس من ذكر وأنثى

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

ومع آية ورسالة فما زال حديثنا موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بهذه السلسلة آية ورسالة

وآية الليلة من سورة الحجرات قال الله فيها وهو أصدق القائلين ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾2 (الحجرات: 13)

هذه آية عظيمة يبين الله سبحانه وتعالى فيها ميزان التفاضل بين الناس وأنه عز وجل خلقنا جميعًا من ذكر وأنثى والذكر هو آدم عليه السلام والأنثى هي حواء عليها السلام

فَمِنْ خِلَالِهِمَا وَعَنْ طَرِيقِهِمَا نَشَأَ بَنُو آدَمَ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ﴾3 (الحجرات: 13)

شعوبا كبيرة تنتسبون إليها وقبائل صغيرة تنتسبون إليها فمثلًا أنت مصري هذا حكم عام. ثم تقول إنك من المنصورة. فهذا أخص ثم تقول إنك من المنيل. فهذا أخص ثم تقول إنك من عائلة كذا أو قبيلة كذا. فهذا أخص ﴿وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟﴾4

الشعوب والقبائل للتعارف لا للتفاخر

لماذا هذه المسميات ﴿أَنَّمَا﴾ هي من أجل التعارف فأنت حينما تنتسب فتقول أنا فلان ابن فلان ابن فلان من عائلة كذا وقبيلة كذا يعرف نسبك ويعرف الناس مكانك وبلدك وقبيلتك فيتعارفون ويتوادون ويتآلفون. إذن الأعراق

والأنساب والقبائل والشعوب قصد منها التعارف والمحبة ولم يقصد منها التفاخر ولم يقصد منها التعالي لا أن يقول فلان نسبي أفضل من نسبك ولا يقول فلان قبيلتي أفضل من قبيلتك ولا بلدتي أفضل من بلدتك. فإنَّ هذا ليس مقصودًا ولا مرادًا في الإسلام

لأن الإسلام لم يلتفت إلى هذا الأمر فجمع الإسلام بين بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي جمع بين الأنصاري من الأوس أو الخزرج وبين المهاجري إلى غير ذلك جمعهم الإسلام

﴿وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟﴾ (الحجرات: 13). إذن ما المقياس يا ربنا وما المعيار كيف نتفاضل كيف يعرف فضل فلان كيف يعرف أن فلانًا له مكانة أعلى من فلان ما الميزان ما معيار التفاضل والتقدم والتفاوت قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣)،

هذا هو المقياس أكرم الناس عند الله أتقاهم لله سبحانه وتعالى. فهذا أكرم الناس وأجل الناس وأعظم الناس. وقد سُئل النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن أكرم الناس قال: «أَتْقَاهُمْ» «أكرم الناس أتقاهم»

والتقوى كما قال النبي ﷺ «ها هنا ها هنا وأشار إلى صدره» فالتقوى في الصدور والتقوى في القلب ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾5 (الحج: 32) وهذه التقوى الموجودة في القلب تظهر على الجوارح وتظهر في سلوكيات العبد وفي أخلاقه وفي عبادته وفي معاملته فمن كان لله أتقى فهو أعلى

ميزان التقوى في القلب وأمثلة النبي

فَمَنْ كَانَ لِلَّهِ أَتْقَى فَهُوَ أَجَلُّ وَأَعْلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ فَاللَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ يَعْلَمُ الْمُتَّقِي وَيَعْلَمُ غَيْرَ الْمُتَّقِي يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ وَيَعْلَمُ الْمُصْلِحَ يَعْلَمُ الَّذِي يَتَّقِيهُ وَالَّذِي لَا يَتَّقِيهُ سبحانه عز وجل

إن نبينا صلوات الله وتسليماته عليه قد ضرب لنا أروع الأمثلة في هذا الأمر. العظيم فالنبي ﷺ دخل مكة فاتحًا ومكة وما أدراك ما مكة

مكانتها وشرفها وسؤددها بين القبائل كلها لا تخفى على أحد وفيها من فيها من أصحاب القيادات ومن أصحاب الوجاهات، والذي يرفع الأذان أمام الناس كلهم بلال الحبشي ليرفع الأذان وهو ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ كان عبدًا مسترقا

النبي ﷺ لما حج حجة الوداع أردف بعض أصحابه. فكان ممن أردفهم أردف أسامة بن زيد وزيد أبوه كان مولى من الموالي وما ذلك إلا لأنَّ الإسلام لا ينظر إلى أن فلانًا من قبيلة كذا أو من قبيلة تلك

هكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام بل إن ربنا سبحانه ذكره وقال له واصبر نفسك أي: ﴿وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾6 (الكهف: 28)

وقال ﴿وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ﴾7 (الأنعام: 52) فأمره ربنا سبحانه وتعالى أن يثبت مع هؤلاء وألا يطردهم بل يقربهم ويدنيهم. لماذا؟ لأنهم موحدون لله يتقون الله يعظمون شعائر الله عز وجل

الرسالة الليلة رسالة إلينا جميعًا لا تتعالى على الخلق بنسبك ولا تتعالى على الخلق بوجاهتك فمن أنت أنت مخلوق من نطفة وتصير إلى القبر وإلى التراب

اصبر نفسك مع الضعفاء ولا تطردهم

فلا تتكبر بمثل ذلك ﴿أَنَّمَا﴾. إذا أردت أن تكون ذا شأن فاتق الله فإنَّ تقوى الله بها الرفعة بفضل الله في الدنيا والآخرة فلا تتعالى على الخلق ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾8 (الحجرات: 13)

الرسالة الثانية أنزلوا الناس منازلهم فإذا رأينا رجلًا من أهل الصلاة ومن الفضل فعلينا أن ننزله منزلته وأن ننزله المكانة اللائقة به لأنه يتقي الله سبحانه فيما يظهر لنا؛ وإلا فإنَّ أمور الضمائر والقلوب والسرائر إلى الله سبحانه وتعالى لا يطلع عليها أحد

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣) فالآية تعلمنا رسالة إلينا جميعًا لنتواضع لخلق الله ولنكون من المتقين الرسالة الثالثة هل سألت نفسك هل أنا من المتقين أم لا

الصيام لماذا صمنا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾9 (البقرة: 183) لعلكم تتقون. إذن الغاية من الصيام الذي صمناه تحصيل تقوى الله جل وعلا لأنَّ تقوى الله وصية الله للأولين والآخرين ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾10 (النساء: 131). ولذلك أمرنا الله ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ في آيات كثيرة

وقال وربما تكرار الأمر ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ في آية واحدة كما استمعنا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾. يعني: يأمر ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ مرتين في نفس الآية هذا يدلك على عظمة هذا الأمر وعلى جلال هذا الأمر

إنزال الناس منازلهم وغاية الصيام التقوى

فلذلك كل منا يفتش عن نفسه وعن تقواه لله. نسأل الله أن يجعلنا من المتقين وأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال وأن يوفقنا وإياكم لكل خير وأن يصرف عنا وعنكم كل شر سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 13 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 13 ↩
  4. آية: ﴿وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 13 ↩
  5. آية: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 32 ↩
  6. آية: ﴿وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 28 ↩
  7. آية: ﴿وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 52 ↩
  8. آية: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 13 ↩
  9. آية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 183 ↩
  10. آية: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 131 ↩

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة