مقدمة عن شهر شعبان
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
افتتاح المجلس وبيان علتي إكثار النبي من صيام شعبان
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد ونسأل الله سبحانه وتعالى، أن يجعلنا ممن ﴿يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ﴾، يا أيها الإخوة الكرام، نحن نستقبل شهرًا طيبًا مباركًا وهو شهر شعبان. وقد كان ﷺ يكثر من الصيام فيه ولمَّا سُئل الرسول ﷺ عن ذلك. فقال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» فبين النبي صلوات ربي وتسليماته عليه أنه يصوم كثيرًا من شهر شعبان لأمرين.
فضل عبادة أوقات الغفلة والفتن كأجر الهجرة إلى النبي
أما الأمر الأول فلأن هذا الشهر شهر يغفل الناس عنه يغفل الناس عن فضله فالناس يعلمون، أن شهر رجب من الأشهر الحرم وأن شهر رمضان فيه ما فيه من الفضائل فيعتنون بما قبله وهو رجب ويعتنون بما بعده وهو رمضان ويغفلون عن شهر شعبان. وهذا فيه إشارة إلى معنى عظيم وهو، أن العبادة وقت غفلة الناس محمودة فالإنسان إذا أقبل على الله والناس في غفلة.
فإنَّ ثوابه يعظم. ولذلك جاء عن النبي ﷺ «العبادة في الهرج كهجرة إليَّ»، يعني: الإنسان الذي يعبد الله وقت الفتن وقت افتتان الناس كأنَّه هاجر إلى رسول الله ﷺ فكلما كان العبد أقرب إلى ربه وقت غفلة الناس أثيب على ذلك ثوابًا عظيمًا. وكذلك قال النبي ﷺ: «سيأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر وقد وردت أحاديث تبين فضل من استقام على الطاعة من آخر هذه الأمة لأنه يستقيم عليها وقت ألَّا يجد المعين وقت أن يعيش حياة غربة والرسول ﷺ قال: بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء يحيا الإنسان في حياة يشعر بغربة لقلة السالكين إلى الله سبحانه وتعالى، والمستقيم على الجادة فإذا استقام واتبع الحق وترك الغي والضلالة فهو على ثواب عظيم، ومنزلة كبيرة من الله سبحانه وتعالى.
ولذلك الذي يصلي وقت غفلة الناس ووقت نوم الناس كما في قيام الليل» له ثوابه العظيم وعبادة جليلة فالرسول ﷺ كان يكثر من الصيام في شهر شعبان لأنه شهر يغفل الناس عنه فلا تكن من الغافلين والسبب الثاني قال ترفع فيه الأعمال إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، يعني: شهر شعبان شهر رفع الأعمال.
مراتب رفع الأعمال اليومية والأسبوعية والسنوية في شعبان
وقد جاء عن النبي ﷺ ما يدل على أن الأعمال ترفع يوم الاثنين ويوم الخميس، وكذلك جاء عن النبي ﷺ في شأن الصلاة «يتعاقبون فيكم مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر» فإذاً هناك اجتماع للملائكة في صلاة الفجر وصلاة العصر «ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ» فيسألونهم ماذا صنعتم أو ماذا تركتموهم فيقول: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون أو كما جاء عن النبي عليه الصلاة
والسلام، فإذًا هذا اجتماع يومي هناك اجتماع أو إن شئت فقل رفع للأعمال أسبوعي في يوم الاثنين ويوم الخميس وهناك رفع سنوي. وهذا في شهر شعبان لذلك عد بعض العلماء شهر شعبان بمثابة الشهر الختامي من العام، يعني: كأنَّه الشهر الختامي في السنة فكأن السنة يبدأ العمل فيها من رمضان وينتهي عند شعبان تطوى صحيفة وتبدأ صحيفة أخرى.
ولذلك ينبغي للإنسان أن يبادر بالتوبة والأوبة إلى الله سبحانه واغتنام الفرصة قبل فوات الأوان، وقبل أن تُطوى صحيفة عام، يعني: هذا عام بأكمله أحسنت فيه وأسأت وعملت وتركت، وقدمت أنت وأخرت فبادر بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى، والاستقامة لعل الله سبحانه وتعالى، أن يثقل موازينك يوم القيامة ولعل الصحيفة تكون صحيفة طيبة مباركة شاهدة لك عند الله سبحانه وتعالى، فالرسول ﷺ يكثر من الصوم أيضًا في شعبان لأنه شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله عز وجل فالإنسان يراعي هذا عملك يرفع ما الذي تحب أن يرفع من عملك
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ﴾2 (فاطر: 10) إذًا حقيق بك، أن تُرفع أعمالك وهي أعمال طيبة أنت مخلص فيها أصلحتها وأخلصت فيها لله سبحانه وتعالى. وقد ثبت من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها في المتفق عليه أن النبي ﷺ ما استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، قالت وما رأيته أكثر صومًا منه في شعبان، يعني: أكثر شهر كان يصوم فيه بعد رمضان شهر شعبان ﷺ
بل جاء عنه كان يصوم شعبان كله وفي بعض الروايات إلا قليلًا لذلك ﷺ سن لنا ذلك.
شعبان كالسنة القبلية لرمضان وأحكام الصيام فيه
وقد استفاد العلماء من هذا فائدة أخرى أيضًا تُضم إلى الفائدتين المتعلقتين بشهر شعبان فشهر شعبان شهر مغفول عنه وشهر ترفع فيه الأعمال إلى الله والأمر الثالث أنه بمثابة السُّنَّة القبلية لشهر رمضان، يعني: نحن عندنا في السنة من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كمن صام الدهر فكان صيام ست من شوال بمثابة السنة البعدية، يعني: أنت أديت الفريضة فريضة رمضان طب وهناك بعدها ست من طب وبعد ذلك ما تيسر لك من صيام شهر شعبان فكأنَّه شهر يستعد فيه ويتهيأ فيه المرء فإذا ما أقبل على شهر رمضان كان قد أعد عدته من صوم وقيام وقراءة للقران ودعاء وذكر واستغفار وصدقات وأفعال بر إلى غير ذلك من الحسنات.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل الحسنات والطاعات إذًا الإنسان يستحضر هذا كله فيكثر من الصيام في هذا الشهر قدر استطاعته. وقد ورد في النهي عن صيام شيء من شعبان حديثان. أما الحديث الأول فهو إذا انتصف شعبان فلا تصوموا إذا انتصف شعبان فلا تصوموا. وهذا الحديث منكر على قول كثير من المحققين فقد أنكره جماعة من العلماء كأحمد بن حنبل وأبي زرعة الرازي وغيرهما.
فقالوا لا يصح هذا عن رسول الله ﷺ وإذا انتصف شعبان فلا تصوموا، بدليل أن الرسول كان يصوم شعبان كله إلا قليلًا إذا كان يدخل في النصف الثاني، ولأنه قال لا يتقدمن رمضان أحدكم «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون يصوم صوما فليصوم ذلك» اليوم. فهذا معناه:، أن النهي ﴿أَنَّمَا﴾ هو عن تقدم رمضان بيوم أو يومين وليس بأكثر من ذلك. وبناءً عليه لو أنَّ إنسانًا صام في النصف الثاني من شعبان لا حرج عليه وبعض العلماء ممن صحَّح الحديث تأوَّله على أن.
المعنى إذا انتصف شعبان فلا تبدأ الصوم، يعني: ما تترك النصف الأول ثم تبدأ من النصف الثاني. أما إذا كان قد صام من النصف الأول فلا حرج في ذلك في أن يستمر في ذلك، والله تعالى أعلم. حاصل القول أن الصيام في شهر شعبان في أوله أو بعد منتصفه لا حرج فيه. بل إن صيامه مشروع ومسنون عن رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم والحديث الآخر وهو النهي عن صيام يوم الشك وعن تقدم رمضان بيوم أو يومين لا تقدموا رمضان أو لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومًا فليصم ذلك اليوم، يعني: مثلًا رمضان أتى يوم الثلاثاء أو يوم الأربعاء مثلًا وأنت ستصوم يوم الاثنين، ومن عادتك، أن تصوم الاثنين أنت من عادتك، أن تصوم الاثنين والخميس فوافق عادةً فهل لك، أن تصوم هذا اليوم
حكم صيام يوم الشك وتسمية شعبان شهر القراء
نعم لك، أن تصوم هذا اليوم. لكن يأتي إنسان ويقول لا أنا قبل رمضان بيوم أو يومين أصوم حتى أصل الشهرين نقول له: لا إذا كنت ستبتدئ هذا الفعل لا وصيام الشك نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام. ولذلك جاء في حديث عمار رضي الله عنه من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وآله وسلم إذًا حاصل القول شهر شعبان شهر مبارك ينبغي أن يحرص فيه على الطاعة وأن يحرص فيه على الصيام قدر المستطاع ومما يحسن بالإنسان، أن يفعله في هذا الشهر التوبة التوبة النصوح، يعني: عنده ذنوب عنده خطايا وكل منا أبصر بنفسه يبدأ ينظف قلبه ويهيئه فإذا جاءت الطاعة استقرت فيذوق حلاوتها ثم يأتي رمضان فيذوق حلاوة فوق الحلاوة بفضل الله سبحانه وتعالى.
وقد كان بعض العلماء يسمون شهر شعبان بشهر القراء يسمون شهر شعبان بماذا بشهر القراء كان بعضهم يتفرغ في شعبان للقرآن قبل رمضان، يعني: يأتي عندي شعبان يجعل شهر شعبان للقرآن حتى يُسمَّى عندهم بشهر القراء استعدادًا لشهر رمضان الذي قال الله فيه ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾3 (البقرة: 185)
الاستعداد لشهر رمضان بمدارسة أحكام الصيام والزكاة
يا أيها الإخوة الكرام، بإذن الله تعالى في المجالس المقبلة سأحاول على سبيل السرعة قبل شهر رمضان، إن شاء الله أن أمر على أهم أحكام الصيام وأيضًا على أهم أحكام الزكاة لأنَّ هناك اتصالًا وثيقًا بين العبادتين ففي رمضان في آخر رمضان قبل العيد زكاة الفطر وكثير من الناس يربطون زكاتهم برمضان مع أنَّ زكاة النقدين أو زكاة الأموال أعني، يعني: من رؤوس الأموال عروض التجارة لا علاقة لها برمضان في الحقيقة وإنَّما هي عند تمام الحول تمام السنة سواء كانت في رمضان أم في غير رمضان.
لكن كثير من الناس يربطونها بماذا برمضان فللحاجة إلى هذين البابين الصيام والزكاة نذكر منها بإذن الله في الدروس المقبلة أهم الأحكام فيها فيما يسأل عنه كثير من الناس. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
- آية: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 10 ↩
- آية: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 185 ↩
من سلسلة: مناسبات (13 درسًا)