لعلهم يتضرعون
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
الحمد لله الكبير المتعال ذي العظمة والجلال أحمده سبحانه على جزيل النوال وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الند والمثال وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله المنعوت بجميل الخصال صلى الله عليه وسلم وبارك عليه، وعلى الصحب والآل، ومن تبعهم بإحسان ما تجدد الغدو والآصال. أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، لله في خلقه شؤون ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ يستر عيبًا ويغفر ذنبًا ويفرج كربا يحيي ويميت، يعز ويذل، يضحك ويبكي، ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾، وإن من سنة الله في خلقه إذا رأى منهم الإعراض والبعد عن طاعته والإقبال على الشهوات أن يبتليهم ﴿بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ لعلهم يتذكرون لعلهم يعتبرون.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾. وقال عز وجل ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِىٍّ إِلَّآ أَخَذْنَآ أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾. وقال. وَلَقَدْ أَخَذْنَٰهُم ﴿بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ يبتل الله عز وجل العباد حين يعرضون عنه ويقبلون على الدنيا بشهواتها وزخارفها يبتليهم بالبأساء ويبتليهم بالضراء يبتليهم بالجوع وضيق العيش كما يبتليهم بالأوجاع والأسقام والأمراض لعلهم يتضرعون، أن يتذللوا ويفتقرون وتلين قلوبهم ويعترفون بالنوم مفرطون في حق ربهم سبحانه وتعالى، فما أحوج الأمة حينما أصابها ما أصابها، ولا تزال معها.
نسأل الله أن يدفع عنا البلاء ما أحوجها إلى أن تتضرع وتتذلل إلى الله سبحانه وأن تفتقر إليه وأن نقول ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾؛ وإلا فإنَّها قسوة القلوب إذا لم تجد تضرعا، ولا تذللا فاعلم، أن سبب ذلك قسوة القلب ﴿فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟﴾ وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ﴾ قلوبه وكثير منهم فاسقون.
نسأل الله السلامة طول الأمل ينسي العمل طول الأمل يقسي القلب وما لنا تطول آمالنا ونحن نرى حدف كثير منا أمراض تداهم القريبين تداهم الأصحاب والأحزاباب، وكذلك موت ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ ونسأل الله السلامة والعافية. فهل من متعب هل من معتبر ماذا ننتظر ننتظر المرض يداهمنا أو الموت يلحق فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ يا نفس ويحك توبي.
فإنَّ الموت قد حان، واعصِ الهوى فالهوى ما زال فتَّانًا. أَمَا تَرَيْنَ الْمَنَايَا كَيْفَ تَلْقُطُنَا لَقْطاً وتلحق أخران بأولأنا فِي كُلِّ يَوْمٍ لَنَا مَيِّتٌ نُشَيِّعُهُ … نَرَى بِمَصْرَعِهِ آثَارَ مَوْتَانَا ماذا لنا نتعامى عن مصائرنا نَنْسَى بِغَفْلَتِنَا مَنْ لَيْسَ يَنْسَانَا أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، قد دعينا إلى الأخذ بالأسباب. بل أمرنا بها وذاك من تمام التوكل على الله سبحانه وتعالى، والأخذ بالأسباب يشمل الأسباب الظاهرة والباطنة الحسية والمعنوية فندفع عن أنفسنا الجهل بأسباب العلم وندفع عن أنفسنا الأسقام والأمراض ما استطعنا إلى ذلك سبيله بالوقاية والعلاج والوقاية خير من العلاج والدفع أسهل من الرفع هكذا يُعلِّمنا ديننا يعلمنا أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح2 وأنه عند تزاحم المصالح يقدم الأعلى منها، وعند تزاحم المفاسد يرتكب الأدنى منها3 كل ذلك لأنَّ شرعنا عظيم وكل ما فيه عظيم، ومن الأسباب أن نأخذ بالاحترازات وأن نأخذ حذرنا كما علمنا ربنا.
فقال: وخذوا حذركم والعجيب حقًا أن الآية الكريمة وخذوا حذركم جاء معها أيضًا وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم. وذلك في صلاة الخوف رسول الله محمد ﷺ يصلي بالصحابة الكرام وهم في القتال صلاة الخوف ويأمرهم الله بأخذ الحذر والحيطة ومعهم الأسلحة ويستقبل العدو فريق كل ذلك مع أنَّهم في صلاة لم يقل نحن في صلاة فالله سينصرنا وإن لم نأخذ بالأسباب فما أحوج الأمة إلى أن تأخذ بأسباب قوتها وأسباب العلم وأسباب الصحة وكل ما فيه خير لها.
نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا احترزوا وخذوا واحتسبوا احتسب حينما تأخذ بالأسباب لئلا تضر نفسك ولئلا تضر غيرك ولتكون بذلك مطيعًا لله مطيعًا لرسول الله ﷺ وأنت في ذلك كله متوكل على الله تعلم، أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ﴾4 (الطلاق: 3) اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ «اللَّهُمَّ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ نَعُوذُ بِكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ» اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم اشفِ مرضانا اللهم اشفِ مرضانا اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا وارحم موتانا وارحم موتانا يا ذا الجلال والإكرام اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد الإسلام من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟﴾ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- تعليق: هكذا يُعلِّمنا ديننا يعلمنا أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح — قاعدة: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح». ↩
- تعليق: وأنه عند تزاحم المصالح يقدم الأعلى منها، وعند تزاحم المفاسد يرتكب الأدنى منها — قاعدة: «عند تزاحم المصالح يقدم الأعلى منها، وعند تزاحم المفاسد يرتكب الأدنى منها». ↩
- آية: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ﴾ — كما ورد في الدرس: الطلاق 3 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)