منظومة الزمزمي الدرس التاسع والثلاثون
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:
فما زال الحديث موصولاً بالتعليق على منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وما زلنا مع النوع الأول من الأنواع الأربعة عشر التي ترجع إلى المعاني المتعلقة بالأحكام.
قال: العام الباقي على عمومه؛ ولذلك فأهل العلم يقسمون العام باعتبار المراد منه إلى ثلاثة أنواع:
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: العام الباقي على عمومه.
النَّوْعُ الثَّانِي: العام المخصوص.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: العام المراد به الخصوص.
إذًا هذه أقسام للعام باعتبار المراد منه، وإلا فهناك تقسيم للعام باعتبار التخصيص وعدمه، يقولون:
عام محفوظ.
وعام غير محفوظ.
فالعام المحفوظ؛ الذي لم يدخله تخصيص، وغير المحفوظ الذي دخله تخصيص، والعام ينقسم إلى أقسام عديدة باعتبارات متعددة.
هذا هو تقسيم العام باعتبار المراد منه:
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: العام الباقي على عمومه وهو أصل الباب، فإذا عرفنا العام الباقي على عمومه فهو تعريف العام، ثم يمكن أن نزيد فنقول: ولم يخصص ولم يرد به تخصيص، يعني لم يرد به خلاف ذلك.
إذًا، ما المراد بالعام؟ عرفنا العام في الدرس السابق وقلنا: "إِنَّ الْعَامَّ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ بِاعْتِبَارِ أَوْ بِحَسَبِ وَضْعٍ وَاحِدٍ".
"اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ بِحَسَبِ وَضْعٍ وَاحِدٍ"؛ وهذا التعريف ذكره الرازي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في المحصول ورجحه الشوكاني رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وغيره، "اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ بِحَسَبِ وَضْعٍ وَاحِدٍ".
ومنهم من زاد في التعريف زيادة للبيان فقالوا: "اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ دَفْعَةً بِحَسَبِ وَضْعٍ وَاحِدٍ"، فزادوا قيدين:
القيد الأول: "بِغَيْرِ حَصْرٍ".
القيد: "دَفْعَةً".
﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: "اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ" يعني الذي يشمل ويعم؛ لأن العام في اللغة معناه الشمول، العموم معناه الشمول، والفرق بين العام والعموم أن العموم مصدر وأن العام اسم فاعل، فإذا أردنا المصدر ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ عموم؛ ولذلك حينما عرفنا العام ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: "اللَّفْظُ"، لكن إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: "تَنَاوُلُ اللَّفْظِ الْمُسْتَغْرِقِ" فحينئذ تكلمنا عن المصدر فيكون هذا تعريفًا للعموم وليس للعام.
إذًا "اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ" يبقى العام يستغرق، "اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ" فخرج به الخاص؛ لأن الخاص لا يستغرق، ﴿أَنَّمَا﴾ يدل على فرد معين.
"اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ" خرج بقوله: "لِمَا يَصْلُحُ لَهُ" أمران: الذي يستغرق بعض ما يصلح له، فلو قلت مثلاً: حضر رجال، فكلامك يراد به مجموعة، استغرق مجموعة لكن ليس جميع ما يصلح له؛ لأن كلمة "رجال" لا تقف عند الثلاثة أو الأربعة الذين تتكلم عنهم، بخلاف كلمة "الرجال" فتدل على الاستغراق العام.
كذلك قوله: "لِمَا يَصْلُحُ لَهُ" هو في الحقيقة لبيان الواقع؛ لأنه لا يتصور أن العام يستغرق غير ما يصلح له، حينما تقول "عام" إذًا فيما يصلح له، فمثلاً إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: "الطلاب" هل شمل الأساتذة؟ لم يشمل الأساتذة، فحينما تقول: "حضر الطلاب"، فيقول قائل: "وما حضر الشيخ فلان؟" نقول لك: وهل قلت لك حضر الشيوخ؟
إذًا هو لا يدخل ابتداءً؛ لذلك هذا ليس قيدًا للاحتراس، ﴿أَنَّمَا﴾ هو لبيان حقيقة الاستغراق، فحينما تقول: "يستغرق ما يصلح له"؛ لأنه قد يُسأل الإنسان وهو يدرس التعريف: ما معنى "لما يصلح له"؟ يقال: يعني ما كان من جنسه، فالعام يستغرق جنسه لا جنسًا آخر.
ومن لطيف ما قرأت في هذا ما ذكره ابن العربي المالكي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه "أحكام القرآن" وهو يناقش الحنفية، وابن العربي له لطائف بديعة على أن له نقدًا لاذعًا لا سيما للأحناف وللشافعية، فإذا وقع عليهم اشتد عليهم.
الشاهد أنه ذكر أن الأحناف، أو أن أبا حنيفة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أنه استدل في قوله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾1 على أن الماء المتغير يجوز التطهر به أو يجوز الوضوء به؛ لأن "ماء" نكرة في سياق النفي فتفيد العموم.
فقال: "استنوق الجمل"، يقول على أبي حنيفة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "استنوق الجمل"، وهذا مثل يذكرونه في شأن المخلط وله قصة مشهورة ليس المقام ذكره، يعني الإنسان يكون مخلطًا فيقال له: "استنوق الجمل"، يعني الجمل غير الناقة فكيف يصير بعد أن كان جملاً ناقة؟ يعني يقول: أنت ما لك وهذا وليس لديك اهتمام بالعربية تأتي الآن وتستدل بها؟ ما لك وهذا كما يقول هذا.
الشاهد أنه رد عليه من طريقة أخرى عجيبة، وإن كنت لا أراه مصيبًا فيها، لكنه قال: نحن نقول إن النكرة في سياق النفي تفيد العموم ولكن هذا فيما كان من جنس الماء، والماء المتغير ليس داخلاً في جنس الماء أصلاً المتحدث عنه، ﴿إِلَّا﴾ ترى أن ماء الباقلاء، يعني ماءً آخر كما نقول ماء الباقلاء ماء الورد؟ لا تقول إنه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ وإذًا يجوز، هذا ليس داخلاً في الجنس أصلاً.
لكن نحن ننازعه في ذلك بأن نقول: إن القيود على أنواع، قيد يمكن تركه وآخر لا يمكن تركه، فمثلاً إذا قلت عن ماء الورد "ماءً" فقط بدون ورد لم يفهم أنه هو المقصود، لكن ماءً تغير وقلت عنه "ماءً" الذي يراه يقول هو ماء وإذا تناوله قال هو ماء، أما العصير إذا قلت ماء وقلت لأن أصله عصير فأنا أقول عنه ماء، لم يقبل منك هذا الكلام، فالمسألة مختلفة.
لكن على كل حال انظر إلى نظره هنا من أين ناقشه؟ ناقشه في تعريف العام، إن قال: أنا معك النكرة في سياق النفي تفيد العموم ولكن هذه في جنسه وهذا خارج عن جنسه؛ إذًا أقول لك: لا تضرب طالبًا، ما كلمتك أنا عن غير الطلاب أصلاً، فإذا قلت لك: لمَ لمْ تكرم فلانًا؟ قلت لي: أنت ما قلت لي، قلت: ألم أقل لك لا تكرم طالبًا، فلمَ أكرمت فلانًا؟ فتقول أنت: نهيتني عن إكرام الطلاب ولم تنهني عن إكرام غيرهم. فهذا هو.
"اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ"، قوله: "من غير حصر" لإخراج ما يستغرق أمورًا لكن بحصر مثل الأعداد، وذكرناه في الدرس الماضي، العدد عشرة، العدد مائة، العدد ألف، هذه كلها من الخاص وليست من العام.
الرازي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ومن نحا نحوه لم يذكروا هذا في التعريف؛ قالوا لأنه مستفاد من قوله: "اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ". فقوله: "الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ"، فهذا باعتبار الجزئيات بخلاف العدد فإنه ليس كذلك باعتبار جزئياته، قالوا: لأن العدد ﴿أَنَّمَا﴾ يدل على الأفراد باعتبار الأجزاء لا باعتبار الجزئيات، فهو من قبيل الكل لا من قبيل الكلي، هذه قصة منطقية يمكن لها مناط آخر، لكن نُقرب المسألة شيئًا ما.
أنت صحيح أنك تقول الواحد عشرة، يعني أنت عندك العشرة تساوي واحدًا وواحدًا وواحدًا حتى عشرة. خمسة زائد خمسة عشرة، لكن هل الخمسة يصح أن تطلق عليها عشرة؟ هذا شيء وهذا شيء آخر مختلف، يعني الكل يدل على المجموع لا على الأفراد، لكن إذا قلت: "أكرم الطلاب" فكل واحد منهم داخل في معنى الطالب، كل واحد منهم من الطلاب، فلذلك يقولون: علاقة العام علاقة كلي وجزئي، لكن هنا علاقة كل وجزء؛ لذلك فالعدد عشرة ما يدل على الأفراد إلا باعتبار ماذا؟ ما يدل على الجزئيات، ﴿أَنَّمَا﴾ باعتبار أنه مجموع الأفراد، أنه مجموع، فلذلك الجهة منفكة مختلفة عن اللفظ المستغرق لما يصلح له ابتداءً، لكن مع ذلك زيادة في البيان قالوا: "من غير حصر" لإخراج العدد، والعلم عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
يعني مثلاً يضربون مثالاً بماذا؟ يقولون: الكرسي، الكرسي يتكون من خشب ومسامير وما إلى ذلك، هذا باعتبار الكل، لكن يصح أنك تقول: "المسمار كرسي"؟ لا تستطيع، لكنك إذا قلت مثلاً: "الكلمة اسم وفعل وحرف"، فقلت: "الاسم كلمة" صح ذلك، فيقولون في الكلي يصح الإخبار عنه به، أما في الكل فلا يصح الإخبار عنه به، وهذا يدخل معه ابن والآخر لا يدخل، إلى غير ذلك من مباحث منطقية لعلنا نمر على متن فيها بإذن الله تعالى بعد ذلك؛ لأن هذا يذكر في كتب الأصوليين ومن نحا نحوهم.
بعد ذلك قالوا: "من غير حصر دفعة"؛ هذه زادها بعض المعاصرين كالشيخ الشنقيطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وغالب المتقدمين لم يزيدوها. "دفعة" ما معنى دفعة؟ يعني دفعة واحدة، قصدوا بذلك إخراج المطلق؛ لأن المطلق يدل على الأفراد ولكن باعتبار التناوب والبدل، بذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾: إن العام عمومه شموليٌ استغراقي، والمطلق عمومه بدليٌ؛ وهذه قاعدة تكررت معنا مرارًا، ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: إن العام عمومه استغراقي.
أما المطلق والنكرة في سياق الإثبات فعمومها عموم بدلي، ما معنى هذا الكلام؟ أنت إذا قلت: "أكرم طالبًا"، كلمة "أكرم طالبًا" ليست عامة ﴿أَنَّمَا﴾ هي مطلقة، لماذا ليست عامة؟ لأنك إذا قلت: "أكرم طالبًا" فأكرمت صبحي وحده كفاني، أو أكرمت أيمن كفاني، أو محمدًا أو إبراهيم كفاني.
فإذا قلت لي: "لمَ لمْ تكرم إبراهيم؟" قلت لك: أنا أكرمت عمرًا وأنت قلت: "أكرم طالبًا"، لكن كلمة "طالبًا" يصلح أن يدخل فيها محمد وأحمد وإبراهيم بالتناوب، لكن "أكرم الطلاب" أكرمهم دفعة واحدة، يعني أكرم الجميع ليس على سبيل البدلية، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾2 ليس المراد حرر كل رقبة وإنما أي رقبة أجزأت؛ إذًا المطلق عمومه بدلي، أما العام فعمومه استغراقي.
الآخرون قالوا: لا نحتاج إلى هذا القيد؛ لأنه موجود في قولهم: "المستغرق لما يصلح له"، وهذا لا يستغرقه أصلاً، حينما تقرأ في كتب الأصول تجد في الحقيقة اعتراضات ومناوشات، فتجد كتب الأصول مملوءة بمثل هذه المشاكسات والاعتراضات. وهي جميلة وفيها إشكال؛ أما جمالها فهي توسع الذهن وتعود الإنسان طريقة الجدل وعدم التسليم للآخر فيما يذكر.
وأما الخلل الذي فيها فأن الإنسان بعد قطع شوط ربما لم يعرف التعريف الذي يختاره ولا يعرف ما الذي قيل، ثم بعد ذلك إذا أتى إلى التطبيق فترت همته فعرف الألفاظ ولم يعرف الحقائق ولا الأمثلة، وهذه مشكلة نجدها عند بعض الناس؛ يدرس الأصول ما شاء الله، تجده يقول: نعرف العام، فيذكر خمسة عشر تعريفًا أو عشرة تعريفات ويذكر تعريف البيضاوي وتعريف فلان ويذكر الاعتراضات التي عليه، ولو قال كذا لكان أفضل، وفي النهاية نقول لك: يا سيدي ما تعريف العام؟ إذا بك (تعوم) تتيه بدلاً من أن تعرف العام هذه مشكلة، ثم إذا قيل لك طبق على الأمثلة ربما ضعفت عنها، لكن بالقدر المطلوب.
على كل حال، "بحسب وضع واحد". هذا زاده الفخر الرازي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى والشوكاني رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وغيرهما؛ قالوا لإخراج ماذا؟ لإخراج شيئين: لإخراج المشترك اللفظي إذا أردنا المعاني المتعددة، ولإخراج الحقيقة والمجاز؛ لأن الحقيقة والمجاز معنيان، الحقيقة غير المجاز، ولكن لا يُقال إنها من قبيل العام.
يعني إذا قلت إن "الظلمات" معناها الظلمات المعروفة في مقابلة النور والظلمات بمعنى الضلال والكفر، وإن إطلاقها على الضلال والكفر مجاز أو نقول إنه استعارة، لا نقول هذا من قبيل العام؛ لأن الاعتبار مختلف، لكن العام بحسب وضعٍ واحد، إما حقيقة فقط أو مجازًا حسب وضع واحد، "أكرم الطلاب" كل الطلاب نفس الوضع، كلمة "الطلاب" موضوعة لهذا المعنى.
كذلك أخرج المشترك اللفظي إذا تعددت معانيه وقصدنا به تعدد المعاني، فإذا قلت "العين" وقصدت بالعين عين الجاسوس وعين الماء، إذا أطلقته على الكل فهذا لا يُقال إنه من قبيل العام؛ لأنه بحسب أوضاع مختلفة، لكننا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: أفراد الجنس الواحد من المشترك اللفظي عند مجيء صيغة من صيغ العام يدخل في العام؛ فإذا قلت مثلاً: "بَارَكَ اللَّهُ فِي الْعُيُونِ"، وتقصد بها عموم العيون الناظرة، فيقال هذا من صيغ العموم مع أنَّ كلمة "العيون" تطلق على أكثر من معنى، لكنك قصدت معنى واحدًا وقصدت أفراد هذا النوع والله تعالى أعلم.
إذًا، هذا هو العام في أصل إطلاقه، وهو أيضًا العام الباقي على عمومه، ما معنى الباقي على عمومه؟ يعني لم يدخله تخصيص، وما التخصيص؟ "قَصْرُ الْعَامَّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ"؛ إذا كان عندنا عام، أنت قصرته على بعض الأفراد دون بعض، وينشأ عنه الخاص، أو المخصوص، أو الخصوص كما يقولون. بعضهم يقول: "مَا دَلَّ عَلَى كَثْرَةٍ مَخْصُوصَةٍ"، أو "مَا دَلَّ عَلَى وَاحِدٍ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ"، أو "مَا دَلَّ عَلَى مُعَيَّنٍ" أو "على وضعٍ واحد" أو "موضوعٍ واحد"، كل هذه تعريفات.
إذًا ما دل على كثرة مخصوصة؛ لأنه ممكن لا يدل على واحد فقط، مجموعة لكنها مخصوصة ليست مستغرقة؛ وبناءً على ذلك أدخل بعضهم المطلق في معنى الخاص ولهم في ذلك كلام ومذاهب معروفة وتحريرات.
عندنا "العام المخصوص، والعام المراد به الخصوص" الذي أخذناه في اللقاء السابق أنهم ذكروا أن العام الباقي على عمومه "عزيز" يعني قليل وجوده، وهذا ذهب إليه بعضهم كالبلقيني وتابعه على ذلك بعضهم، والناظم أقر ذلك أو تابعه، بينما ذهب الزركشي إلى أن العام الباقي على عمومه كثير، وهو ما قرره بعضهم كابن تيمية رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وغيره وهو الأقرب؛ فالعام الباقي على عمومه أمثلته كثيرة، إذا قلت: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا۟ ۚ وَلَا تَسْـَٔمُوٓا۟ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا۟ ۖ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا۟ فَإِنَّهُۥ فُسُوقٌۢ بِكُمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾3، هذا عام باقٍ على عمومه، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًٔا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾4، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾5، هذا كله باقٍ على عمومه، وهكذا.
وبعضهم قال: ﴿أَنَّمَا﴾ قُصد بذلك التفريق بين الأحكام وغير الأحكام، والراجح أيضًا أن هذا موجود في الأحكام وفي غير الأحكام. فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّـٰتُكُمْ وَخَـٰلَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَـٰعَةِ وَأُمَّهَـٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَـٰٓئِبُكُمُ ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّـٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾6، هذا عام باقٍ على عمومه في تحريم الأمهات والجدات، وكذلك البنات والحفيدات، وما إلى ذلك، كما هو معلوم.
ثم بعد ذلك انتقل إلى النوع الثاني والثالث فقال:
النَّوْعُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ: الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ، وَالْعَامُّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ
وَأَوَّلٌ شَاعَ لِمَنْ أَقَاسَا
وَالثَّانِ نَحْوُ يَحْسُدُونَ النَّاسَا
وَأَوَّلٌ حَقِيقَةٌ وَالثَّانِي
مَجَازٌ الْفَرْقُ لِمَنْ يُعَانِي
قَرِينَةُ الثَّانِي تُرَى عَقْلِيَّهْ
وَأَوَّلٌ قَطْعًا تُرَى لَفْظِيَّهْ
وَالثَّانِ جَازَ أَنْ يُرَادَ الْوَاحِدُ
فِيهِ وَأَوَّلٌ لِهَذَا فَاقِدُ
الشرح
أراد أن يُعرف العام المخصوص والعام المراد به الخصوص بالتفريق بينهما؛ وهذا من طرق التعريف؛ أنك إذا عرفت شيئين متقاربين عرفتهما عن طريق التفريق، وأيضًا بالمثال، وهذا أظهر ما يُفهم به العام المخصوص، والعام المراد به الخصوص.
على أنني أنبه على أمرٍ وهو أن بعض العلماء عند التعبير لا يفرق بينهما، فكم من موضع ترى مفسرًا يقول: "هذا عام أريد به الخصوص" وهو من العام المخصوص، أو يقول: "عام خصه كذا" ويقصد به أنه عام أريد به الخصوص، والكلام في ذلك طويل.
وهناك بحث معاصر رسالة دكتوراه كاملة، أخذها باحث بعنوان: "العام المراد به الخصوص في القرآن الكريم وبيان أثره في التفسير جمعًا ودراسة" لأحمد بن سعد الحربي المالكي، وطُبعت في كرسي القرآن وعلومه، وقعت في أكثر من ستمائة صفحة في "العام المراد به الخصوص"، أتى على الأمثلة القرآنية التي قيل أنها من العام المراد به الخصوص، ثم رجح في مواضع أن الراجح أنها من العام المراد به الخصوص، وجعل هذا في اثنتين وستين آية؛ لأن غالب من يتكلم عن العام المراد به الخصوص لا يكادون يمثلون إلا بمثال أو مثالين، يعني إذا سألت بعض طلاب العلم وقلت لهم هات مثال للعام المراد به الخصوص يقول لك ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾7، أو يقول : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾8، لا ﴿تَكَادُ﴾ ترى أحدًا يذكر غير هذين المثلين في الغالب.
هو ذكر أنه فيه اثنتين وستين آية يترجح أنها من قبيل العام المراد به الخصوص، وفي آيات أخرى يحتمل، وفي مواضع أخرى يكون هذا القول مرجوحًا، وقد نظرت فيما ذكر من الاثنين والستين آية في بعض المواضع منها فرأيته محقًا فيما رجح، وفي بعضها أرى أن في ما ذكره نظر وأن ما ذكره من أنه من العام المراد به الخصوص هو في الحقيقة من العام المخصوص، لكن على كل هو جهد كبير وحسب، وهذا من البحوث الجيدة المفيدة التي يغفل عنها طلاب العلم، فأحياناً تكون هناك مسائل دقيقة في علوم القرآن يمكن للإنسان أن يجمعها من خلال القرآن الكريم ليدقق النظر ويحرر القول في أقوال المفسرين وتحتاج إلى جهد من صاحبه على كل حال.
مثلاً أضرب مثالاً: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾9 تجد بعض المفسرين يقولون: هذا عام أريد به الخصوص، ما معنى هذا؟ هل كل الكفار سواء أُنذروا أم لم ينذروا لا يؤمنون؟ أم أن هناك كفارًا انتفعوا بالإنذار وآمنوا؟ لا شك أن هناك كفارًا آمنوا، فأنت إذا قرأت الآية وقلت: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، هذا معناه أن كل كافر لم ينتفع بالإنذار، لكنك ستقول عامٌ أريد به الخصوص؛ أي المراد به حينما جاءت الآية ليس المراد به عموم الكفار، أين العموم في الآية؟ "الذين، والذين" اسم موصول يدل على العموم، لأن الأسماء الموصولة من صيغ العموم، لكنك تقول عام أريد به الخصوص.
السؤال هل هو من البداية هكذا أم أن هذا خُص بعد ذلك؟ تأمل هنا حتى نحدد الفرق، هل أنت حينما قرأت "﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ كفروا" أراد الله أن يبين أن بعض الكفار ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أم أن هذا حكم في العام في الجميع؟ لا ليس في الجميع، في البعض من البداية، لأن هناك كافر إذا أنذرته قبل النذارة وآمن، أليس هناك كفار كثيرون آمنوا بالله رب العالمين؟
إذًا منذ البداية وأنت تقول لا يُراد به العموم، فإذا كان من البداية إذا قرأت اللفظ العام قلت لم يُرد به التخصيص من البداية، فهذا عام مراد به الخصوص، أما إذا فهمت منه العموم ثم وجدت بعد ذلك ما يخصصه فهذا هو العام المخصوص؛ لذلك قالوا إن قرينة العام المراد به الخصوص قرينة عقلية، ما معنى قرينة عقلية؟ يعني وأنت تقرأ تقول لا ليس المراد به العموم بداية وأنت تقرأ، فقالوا عام مراد به الخصوص، أما العام المخصوص أنت تحتمل العموم، تقول يحتمل أنه عام ثم إذا بك تفاجأ فتجد تخصيصاً له فتقول إذًا هذا عام مخصوص.
مثلاً قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾، أنت حينما تقرأ الآية ، هل يمكن أن يقول كل الناس لكل الناس؟ هناك قائل وهناك مقول له، إذًا ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ﴾ يعني بعض الناس، "إن الناس" يعني بعض الناس، ولا يمكن أن يقول الجميع للجميع، هناك قائل ومقول له وهناك مقول عنه، هم يخبرون عن قوم.
إذًا هناك قائل ومقول له ومخبر عنه، إذًا أنت حينما قرأت كلمة "الناس" قلت ليس المراد جميع الناس بداية، فهذا عام مراد به الخصوص، لكن حينما تقرأ آيات: مثلاً ثم بعدها تجد ، تقول: ؛ إذاً كل الكفار، لكن حتى لو تابوا يا رب؟ قال : فتقول هذا عام مخصوص، إذا قرأت أنت تحتمل كل الناس، فإذا قرأت عرفت أنه ليس جميع الناس، وانظر إلى القرينة تجدها قرينة لفظية ذكرت في الآية لفظية وليست عقلية.
لكن مع ذلك هل كل عام أريد به الخصوص يلزم أن تكون قرينته عقلية؟ الجواب لا، فهذا التفريق تفريق أغلبي، فلربما كان العام المراد به الخصوص ربما كانت قرينته لفظية أو حسية أيضًا ولا يشترط أن تكون عقلية وإن كان هذا هو الأغلب، على كل حال يتضح الأمر أكثر بإذن الله في اللقاء المقبل حينما نذكر بقية الفروق بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص، وحينئذٍ يستبين لنا تعريفهما والفرق بينهما والله تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ — النساء: 43 ↩
- آية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ — النساء: 92 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا۟ ۚ وَلَا تَسْـَٔمُوٓا۟ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا۟ ۖ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا۟ فَإِنَّهُۥ فُسُوقٌۢ بِكُمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ — البقرة: 282 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًٔا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ — يونس: 44 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ — النساء: 40 ↩
- آية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّـٰتُكُمْ وَخَـٰلَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَـٰعَةِ وَأُمَّهَـٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَـٰٓئِبُكُمُ ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّـٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ — النساء: 23 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ — آل عمران: 173 ↩
- آية: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ — النساء: 54 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ — البقرة: 6 ↩