مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

وقفات مع قوله تعالى لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ جزء3خطبة للشيخ الدكتور محمد حامد (1)

الدروس والمنوعات · الدرس 166 من 167 · الدروس والمنوعات

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، [يُراجع التسجيل؛ بداية مقدمة الخطبة ناقصة]، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾

﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا

أما بعدُ، فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل وخير الهدي هدي محمد «صلى الله عليه وسلم» وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة

جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله عز وجل وعونه وتوفيقه بهذه السلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم وما زلنا مع آيات من سورة البقرة

ومع اللقاء الثالث من تفسير قول الله جل وعلا ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾ والملائكة والكتاب والنبيين وآت ﴿۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ وَفِى ٱلرِّقَابِ

﴿وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه

وقد توقف بنا الحديث يا أيها الإخوة الكرام عند قول الله جل وعلا في هذه الآية ﴿وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟﴾ من صفات أهل البر

من صفات الصادقين المتقين أنهم موفون إذا عاهدوا فإذا عاهدوا أوفوا بهذا العهد الذي عاهدوا عليه وقوله: والموفون بعهدهم إذا عاهدوا معطوف على قوله ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ أي: ولكن البر المؤمنون أي: البر بر المؤمنين وبر الموفين بعهدهم إذا عاهدوا

فالبر يكون بالإيمان ويكون بالوفاء فقال: والموفون بعهدهم إذا عاهدوا وهذا يدلك أخي الكريم على عظمة الوفاء بالعهود

وأن الوفاء بالعهود له مكانة عظيمة في الإيمان ولم لا وقد جاء عند أحمد وغيره من حديث أنس رضي الله عنه قال: قلَّما خطبنا رسول الله «صلى الله عليه وسلم» إلا قال لا إيمان لمن لا أمانة له

ولا دين لمن لا عهد له1 كان النبي «صلى الله عليه وسلم» يكثر أن يقول في خطبه هذه المقالة لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له فدين الإسلام دين الوفاء دين الإسلام دين الوفاء بكل صورة وفي أسمى معانيه ربنا قال والموفون بعهدهم إذا عاهدوا

ما المقصود بالوفاء بالعهد هنا؟ قال بعضهم: المراد به الوفاء في جميع صوره ومجالاته وأنواعه فيدخل فيه الوفاء الذي يكون من عهدٍ بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى وكذلك يدخل فيه وفاء العبد بالعهد الذي بينه وبين غيره من المخلوقين

فأنت بينك وبين الله عهد قال الله سبحانه ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ ۛ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ﴾ فقد أخذ علينا العهد والميثاق

فيجب علينا أن نفي لله بما أخذه علينا بأن نعبد الله وحده لا شريك له فمن الوفاء بالعهد أن تكون مسلمًا من الوفاء بالعهد أن تكون موحدًا من الوفاء بالعهد أن تصدق رسول الله محمدًا «صلى الله عليه وسلم»

وفي سيد الاستغفار وقد سماه الرسول عليه الصلاة والسلام بسيد الاستغفار يعني: أنت تستغفر الله جل وعلا بعبارات متعددة أعظمها وأجلها سيد الاستغفار يقول عليه الصلاة والسلام: سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك

«وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ» تأمَّل! «وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ» «أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ» «أبوء لك بنعمتك عليَّ» وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنَّه لا يغفر الذنوب إلا أنت

من قالها موقنًا بها حين يصبح فمات ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يمسي دخل الجنة ومن قالها حين يمسي وهو موقن بها فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ دخل الجنة نسأل الله أن نكون من أهلها «وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ»

الدنيا كلها منذ أن بصرك الله فيها وجعلك مكلفًا وأنت على عهد وأنت على ميثاق تحاسب عليه العهد أن تلتزم بأوامر الله أن تستقيم على أوامر الله أن تجتنب ما نهاك الله عز وجل عنه فهذا من العهد والموفون بعهدهم إذا عاهدوا وقول العبد «وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ»

لأنَّ الإنسان ينسى لأنَّ الإنسان يجهل لأنَّ الإنسان يخطئ فإذا أخفق عاد وإذا ظلم عاد وإذا أخطأ عاد ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾

﴿وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟﴾ وقال بعض العلماء بل المراد به الوفاء بالعهد الذي بين العبد وغيره من المخلوقين بدليل قوله إذا عاهدوا يعني: كان العهد منهم ابتداء لكن قد يقال إنهم لما أقروا به لله وقالوا يا رب نحن مستسلمون لك ممتثلون لعهدك فقد عاهدوه هم أيضًا

على كلٍّ، فالآية شاملة لهذا وذاك فيدخل فيها العهد الذي بينك وبين غيرك إذا عاهدت بعض الناس عهدًا

وجب عليك أن تفي لهم بالعهد والله قال ﴿وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا﴾ وقال وبعهد الله أوفوا وأثنى الله على المؤمنين فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾

فالمؤمن يوفي بعهد الله يوفي بالأمانة يوفي بما عاهد عليه الخلق وقد أثنى الله على عباده أيضًا فقال: والذين ﴿يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ﴾ الميثاق

أما أهل النفاق والكفران فإنَّهم كما وصف الله ﴿يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَـٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ﴾ وأولئك لهم سوء الدار نسأل الله السلامة والعافية

فشيمة المؤمن الوفاء بالعهد، وشيمة الكافر والمنافق خلف الوعد ونقض العهد نسأل الله أن يعافينا من ذلك، ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام قال آية المنافق ثلاث «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ» «وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» «وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»

وقال أيضًا في صفته إذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر كما في حديث ابن عمر أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا فإياك وخصال المنافقين، إياك والنفاق وأهله ونسأل الله أن يجعلنا من المؤمنين يا أيها الإخوة الكرام، قرِّبوا بين الصفوف، رحمكم الله، رحم الله رجلًا تقدَّم إلى الأمام الوفاء بالعهد

﴿وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟﴾ وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج2 أحق الشروط

أن توفوا به ما استحللتم به الفروج الزواج ما بينك وبين زوجك يجب عليك أن توفي به فإذا وقع بين الزوج وزوجه شيء من عهد وجب عليه الوفاء ووجب عليها الوفاء

وأما ما يجري في هذه الأزمان إلا ما رحم الله جل وعلا مما يقع من خيانات وغدر بين الأزواج، فإنَّ هذا مما لا يليق على الزوجة أن تفي لزوجها فهو زوجها فليكن فرجها محفوظًا إلا عليه ولا يقربه غيره ولا تأذن لأحد في بيتها إلا بإذنه هكذا علمنا الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم»

بل إن الرسول «صلى الله عليه وسلم» وعد فقال: إذا صلَّت المرأة خمسها وصامت شهرها وأطاعت زوجها وأحصنت فرجها قيل لها: ادخلي ﴿مِنْ أَىِّ﴾ أبواب الجنة الثمانية شاءت

يقال لتلك المرأة الحصان لتلك المرأة العفيفة التقية يقال لها: ادخلي ﴿مِنْ أَىِّ﴾ أبواب الجنة شئتِ كذلك الزوج الغادر الذي يغدر ولا يفي لزوجته ويخونها

يحاسبه الله عز وجل والرسول عليه الصلاة والسلام قال في شأن الغادرين ينصب لواء يوم القيامة لكل غادر عند استه يقال هذه غدرة فلان بن فلان يفضح على رؤوس الأشهاد ينصب له لواء غدر يقال هذا فلان الغادر

الذي غدر ولم يف بما عاهد الله عز وجل عليه كذلك من الوفاء بالعهود الوفاء بالعقود والله قال يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا أوفوا بالعقود فإذا أبرمت عقدًا بينك وبين غيرك أو وعدته ببيع وشراء وأبرمتما العقد فلا تنقض هذا الوعد وهذا العهد وهذا الميثاق الذي قد اتفقتما عليه

والرسول عليه الصلاة والسلام قال المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حلَّل حرامًا أو حرَّم حلالًا فإذا اتفق البائع والمشتري على شيء ولم يكن هذا الشيء المتفق عليه مخالفًا للشرع فحينئذٍ يجب الوفاء به

وكثير من الناس يغدر وينقض العهد ويقول له ما تطوله فافعله وأمامك القضاء وأمامك المحاكم فأين الوقوف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سبحانه وتعالى

كذلك الذي يأخذ أموال الناس قال الرسول عليه الصلاة والسلام «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله3 عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله»

الذي يأخذ أموال الناس على سبيل القرض أو غيره وهو يريد الأداء فإنَّ الله يؤدي عنه ويساعده إذا استدان أو اقترض وإذا أخذها يريد إتلافها أتلفه الله عز وجل

فليراجع كل واحد منا نفسه فهذا الذي عليه عهد، عليه أن يفي به إذا وعدت غيرك فأوف بهذا الوعد قدر استطاعتك إذا عاهدت غيرك فأوف بهذا العهد ولا تنقضه أتريد أن تكون من أهل الإيمان وأهل التقوى إذا أردت، ولا إخالك إلا كذلك، فكن ممن يفي بالعهد جعلنا الله منهم بمنه وكرمه

وإن الرسول صلوات الله وتسليماته عليه قد ضرب لنا أروع الأمثلة في ذلك ليس في الوفاء بالعهد مع المسلمين فحسب وإنَّما في الوفاء بالعهد مع كل الناس مسلمهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم فهو إمام الهدى وهو أعظم الناس وفاء وهو الصادق الأمين صلوات الله وتسليماته عليه

حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يلقاه المشركون ويلقون أباه حُسيلًا فيقولون لهما إلى أين تريدون فيقولان: نريد المدينة، وهذا قبل غزوة بدر فيقولون لهما بل أنتم تريدون محمداً

فيقولان، أي حذيفة وأبوه: لا نريد إلا المدينة فأخذوا عليهما عهد الله وميثاقه ألّا يقاتلا مع محمد «صلى الله عليه وسلم»

فأعطوهما العهد والميثاق ثم اتجهوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام والمسلمون وقتئذ عدد قليل ليسوا عددًا كبيرًا وتعرفون أن الذين خرجوا لغزوة بدر مع الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿أَنَّمَا﴾ كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا وهذا عدد قليل أمام المشركين

فقال حذيفة وأبوه لرسول الله يا رسول الله المشركون أخذوا علينا العهد أن لا نقاتل معك ماذا ترى نقاتل معك هؤلاء أعداؤنا قال: لا، لا، نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم

نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم وهو في وقت القتال عليه الصلاة والسلام هكذا يعلمنا بل هذا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وقد عقد معاهدة بينه وبين الروم إلى مدة زمنية معينة سينتهي هذا العهد في وقت كذا

فاتجهت قوات معاوية رضي الله عنه لتكون قريبة حتى إذا انتهى الوقت استطاع معاوية رضي الله عنه أن يقاتلهم فرآهم عمرو بن عبسة رضي الله عنه أحد الصحابة فأتى وهو راكب على فرسه وهو يقول الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدر وفاء لا غدر

فقالوا: ما هذا؟ أرسل إليه معاوية فقال له وقد رآه وعلم أنه عمرو بن عبسة قال إن رسول الله «صلى الله عليه وسلم» قال من عقد مع غيره عهدًا أو إذا كان بين المسلمين وبين غيرهم عهد من كان بينه وبين غيره عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء

إذا كان بينك وبين غيرك ﴿لَا تُحَرِّكْ﴾ ساكنًا ولا تتحرك من مكانك ولا تتفق على شيء حتى ينتهي الأمد هكذا علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام فرجع معاوية ورجع من معه كل ذلك لأنَّها تعاليم الرسول عليه الصلاة والسلام

وقد ذم الله أولئك الكفار فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ أما أهل الإيمان فهم موفون بعهدهم والموفون بعهدهم إذا عاهدوا فأوفِ لزوجتك بعهدك وأوفِ للناس بعهودهم

إذا استأجرت أجيرًا ليعمل عندك عملًا فإنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام قال أعطوا الأجير أجره ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يجف عرقه فاتقوا الله في الناس عمل لك الذي تريد واتفقت معه على أجرة معينة إذا بك لا توفيه، وكذلك أقول للعمال اتقوا الله في مواعيد الناس فلا تؤخروهم، إذا اتفقتم على شيء فأوفوا لهم

﴿وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟﴾ أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم

وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد أما بعد فيا عباد الله الحديث عن الوفاء بالعهود طويل وقد تقدم الحديث عنه في سلسلة الداء والدواء حينما تحدثنا عن داء النفاق أعاذنا الله منه

قال الله عز وجل بعد ذلك: ﴿وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ﴾ وتأمَّل! التعبير القرآني قال الله ﴿وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ﴾، كان المتوقع أن يقال والموفون والصابرون لكنه قال والصابرين فنصب ولم يرفع

وهذا يقول فيه أهل العلم: إنه منصوب على سبيل المدح أو الاختصاص أي: وأمدح الصابرين فالله لما أثنى على عباده خص الصبر بفضيلة زائدة

لأن الصبر يدعو إلى كل خير من صبر وُفِّق لكل خير ولذلك ربنا حينما يثني على عباده بأعمال صالحة وأوصاف جليلة يجمعها في الصبر قال ﴿وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُوا۟ جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ ولمَّا وصف عباد الرحمن في خاتمة سورة الفرقان قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ﴾

بما صبروا، لِمَ؟ لأنَّ ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ أمرك بأمر أنت تريد أن تنفذ الأمر لن تقوى على تنفيذ الأمر إلا بالصبر إذا نهاك الله عن شيء لن تثبت على ذلك إلا بالصبر

إذا ابتُليت بمصاب، عافانا الله، فلن تقدر على الثبات إلا بالصبر فالصبر الصبر مثل اسمه مُرٌّ مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل

لذلك ربنا قال والصابرين لم يقل والصابرون فالتقدير وأمدح الصابرين فهي منصوبة لا مرفوعة وكثير من يجهل مثل ذلك ربما قرأ القرآن فقال: في القرآن خطأ أو لحن، وهذا ﴿أَنَّمَا﴾ يقوله الجهال وإلا فأهل العلم لا يخفى عليهم ذلك

ولا يخفى عليكم أن المشركين واليهود وغيرهم كانوا يعادون القرآن ولو كان في القرآن خطأ ما سكتوا عنه فهذا يدل على أن القرآن بريء كل البراءة من مثل ذلك فربنا قال ﴿وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ﴾

البأساء ما المراد بالبأساء قالوا الفقر حينما يصاب المسلم بالفقر والجوع عليه أن يصبر ترى غيرك يأكل وأنت لا تأكل فتصبر

ترى غيرك يرتدي وأنت لا ترتدي ملابس فتصبر فهذا مما يحتاج إلى الصبر والصابرين في البأساء وقت الفقر ووقت الضعف ووقت الحاجة اصبر واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب «وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» كما بيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام والله قال ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾

﴿وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ أما الضراء فهي الألم والمرض، إذا أُصبت بمرض فاصبر فهذه هي الضراء والمسلم إما يصاب بسراء أو بضراء فإذا أنعم عليه فهي السراء فعليه أن يشكر وإذا ابتلي بالضراء فعليه أن يصبر وهذا كله له خير كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام

بل إن الرسول علمنا أن الشوكة التي يشاك بها العبد يكفر الله بها من خطاياه ويرفعه بها الدرجات وقد تقدم حديث عن الصبر قريبًا في تفسير قوله ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ (البقرة: 156) قال ﴿وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ﴾

حين البأس، حين القتال، حين الحرب أو البأس المراد به الشدة ولذلك يقال لا بأس عليك يعني: لا شدة عليك بإذن الله عز وجل فالمسلم وقت الشدائد ثابت ليس كهؤلاء الذين قال الله فيهم ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾

﴿فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ﴾ ﴿بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ﴾ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ نسأل الله السلامة والعافية

إذا حققنا تلك الصفات: ثبات على المعتقد نؤمن بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ نؤتي ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ والمستحقين نقيم الصلاة نؤتي الزكاة نفي بالعهود نصبر

إذا حققنا ذلك قال الله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ إذا أردت أن تعلم: أصادق أنت أم لا؟ فضع الآية أمام عينيك الآية ميزان، الآية معيار، الآية مقياس

إذا أردت أن تعلم أين أنت، فانظر من أنت وانظر ممن أنت في هذه الآية ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ اللهم اجعلنا من الصادقين واجعلنا من المتقين اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه

وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه ولا تجعلهما ملتبسين علينا فنضل اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ «وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا»

وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا ولا تُسلِّط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار

اللهم أصلح أحوالنا اللهم أصلح أحوالنا اللهم إنا نعوذ بك من الكفر والفقر ونعوذ بك من عذاب القبر «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ

اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسلم والسلام، وسائر بلاد الإسلام أصلح ولاة أمرنا وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة

الهوامش والتخريجات

  1. حديث: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له» — نسبة الشيخ: أحمد وغيره ↩
  2. حديث: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» — نسبة الشيخ: الصحيحين ↩
  3. حديث: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله عز وجل» — نسبة الشيخ: البخاري ↩

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة