وقفات مع قوله تعالى لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ جزء1خطبة للشيخ الدكتور محمد حامد (1)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فوزًا عظيمًا أما بعدُ، فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم
وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة
يا أيها الإخوة الكرام ما زلنا بفضل الله سبحانه وتعالى مع هذه السلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم وما زلنا مع بعض الآيات من سورة البقرة واليوم بمشيئة الله عز وجل نعيش مع هذه الآية الجليلة الكريمة
التي قال الله جل وعلا فيها وهو أصدق القائلين لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ
وَلَٰكِنَّ ﴿ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾ وَءَاتَى ﴿۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ
﴿وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه
هذه الآية الكريمة الجليلة يا أيها الإخوة الكرام قد اشتملت على جمل عظيمة وقواعد عميمة وعقيدة مستقيمة على حد تعبير الحافظ ابن كثير رحمه الله
فالعبد العاقل هو الذي يتأمَّل تلك الآية الكريمة التي بيَّن الله فيها حقيقة البر والإيمان وختمها بالصدق والتقوى فمن أراد أن يكون من الأبرار المؤمنين الصادقين المتقين فلينظر إلى تلك الآية
ولينظر إلى موقعه منها، مستكثر ومستقل فمن أخذ بالآية الكريمة وحقق ما فيها من أوصاف قدر استطاعته فهو من المفلحين اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك
قال الله سبحانه لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ تقدموا إلى الأمام رحمكم الله، رحم الله رجلًا تقدَّم إلى الأمام
ابتدأ الله الآية الكريمة بقوله ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾ إلى تمام الآية الكريمة هذه الآية الجليلة قال بعض العلماء هي مناسبة للآيات التي ذكرها الله في شأن تحويل القبلة
لأن المسلمين كما لا يخفى عليكم في بادئ الأمر استقبلوا في صلاتهم بيت المقدس ثم بعد ذلك أمرهم الله باستقبال الكعبة المشرفة البيت الحرام فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وحيثما ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ شطراً
وقد غاض ذلك اليهود كيف يتحول محمد عليه الصلاة والسلام عن قبلتنا كان يستقبل قبلتنا وعساه أن يدين بديننا وينهج منهجنا
فخالفهم الرسول عليه الصلاة والسلام وتوجه إلى الكعبة المشرفة وحينئذ حدث القيل والقال يقولون ماذا كان يصنع محمد أكان على الهدى ثم ينتقل منه أم ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ على الضلال ثم ينتقل عنه فالله قال سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لله المشرق والمغرب
يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ وقال ﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فالذي يملك المشرق والمغرب هو الله عز وجل
فرد الله على أولئك الزاعمين أن الأصل الكبير هو استقبال القبلة نقول استقبال القبلة مطلوب لكن استقبال القبلة ليس هو الدين كله والله قد يحولنا من جهة إلى جهة والمقصود الأعظم تصحيح المعتقد وتحقيق العبادة وتحسين الأخلاق كما ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ﴾ عز وجل فقال ليس البر
أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ ليس هذا كمال البر ليس هذا هو كل الخير نعم استقبال القبلة من الخير لكنه لا يشمل الدين كله الدين أعظم من ذلك
فالدين ليس صلاة فحسب، وليس استقبالًا للقبلة فحسب لذلك قال بعضهم الآية خطاب للمسلمين ليتعلموا أن دينهم لا يتوقف عن الصلاة مع أنَّها لها من القدر ما لها عند الله سبحانه وتعالى فالدين عقيدة وشريعة وسلوك
الدين عقيدة صحيحة وعبادة صحيحة ومعاملة صحيحة ليست مجرد شعائر أو مراسم فحسب وإنَّما الدين أعظم وأجل من ذلك ليس البر خصال الخير
فالخير كله يقال له: بر ومنه البر يقال هذا بحر وهذا بر فسمي البر بذلك لاتساعه وذلك لأنَّ خصال البر كذلك كثيرًا لا تعد ولا تحصى فإنَّ الله فتح أبوابًا كثيرة توصل إليه شريطة أن يكون العبد مؤمنًا مخلصًا متبعًا لرسل الله عز وجل
﴿۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ هناك من يتوجه قبل المشرق هناك من يتوجه قبل المغرب لكن حيثما ولَّاك الله فتولَّ وقبلتنا إلى الكعبة لكن الدين فوق ذلك وخصال الخير أعم من ذلك ولكن البر
إذا أردت أن تكون من الأبرار إذا أردت أن تحشر في زمرة الأبرار البررة جعلنا الله منهم بمنه وكرمه فانظر إلى خصالهم وإلى صفاتهم قال ولكن البر ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾
﴿بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ﴾
ولكن البر ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ الأصل أن يقال ولكن البر بر ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ لأنَّ البر مصدر ففسره بالأشخاص كأن المؤمنين صاروا البر نفسه لأنهم لما امتثلوا أوامر الله
ووقفوا عند حدود الله واعتقدوا العقيدة الصحيحة صار المؤمن كأنه البر ولكن البر ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ لم يقل ولكن البر بر ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ولم يقل ولكن ذا البر ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ قال البر ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ فسر البر نفسه بالمؤمن
لأن المؤمن يعيش حياته كلها لله حتى دنياه يجعلها مطية إلى آخرته وطاعة مولاه فتنقلب الدنيا بأسرها لتكون في حسناته ويثقل بها ميزانه بإذن الله نسأل الله أن يجعلنا ممن آخرتهم أعظم من دنياهم ولكن البر ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ هذا هو الأصل الأصيل
والركن الأعظم الكبير الذي لا فائدة لخلق بدونه ولا فائدة لعمل بدونه ولا فائدة لعبادة بدونه وهو الإيمان بالله لا بد منه هو الأصل ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ﴾
اعتقد أن الله ربه وأن الله إلهه وأنه المستحق للعبادة وأنه لَّآ إِلَٰهَ ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ﴾
ولكن البر ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ وحد الله عز وجل أما أن يزعم اليهود أو غيرهم أنهم يستقبلون قبلة من القبلات فليستقبلوا ما شاءوا المهم تصحيح العقيدة أولًا وإلا فيوم أن جاء الرسول عليه الصلاة والسلام لازمهم أن يؤمنوا برسول الله محمد عليه الصلاة والسلام وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ
واليوم الآخر هما طرفان على أول الطرف الإيمان بالله وعلى آخره الإيمان باليوم الآخر لا بد منهما إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ نعم مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ
المؤمن حقًّا يعلم أنه مَيِّت وأنه مبعوث وأنه سيقف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ليحاسبه الله هناك جنة أو نار
ليس ممن ﴿قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا﴾ معدودة ليس ممن أنكر البعث والنشور ﴿أَنَّمَا﴾ يعلم أن الله لا يظلم أحدًا ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فلا بد أن تراجع نفسك لتحمد الله على نعمة الله عليك إذ جعلك من الموحدين
وأن تسأل الله أن يرزقك التوحيد الخالص وأن تعلن بقلبك وجوارحك أنك موقن باليوم الآخر ومن أيقن باليوم الآخر عمل لليوم الآخر فشتَّان، شتَّان بين من يعلم أنه سيموت وسيبعث وبين ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: ما هي إلا حياتنا الدنيا ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ﴾
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ﴾ أن تؤمن بالملائكة فهذا من أركان الإيمان لا يكون العبد مؤمنًا حتى يؤمن بالملائكة والملائكة جعلهم الله عز وجل مكرمين يعبدونه لا يعصونه سبحانه وتعالى
ولهم خصائص كثيرة ووظائف عديدة فمنها أنهم رسل بين الرسل من البشر وبين رب العزة سبحانه وتعالى فيبعثهم الله إلى مَن شاء من المصطفين الأخيار من الأنبياء والرسل الأبرار ليعلِّمهم بما يأمرهم الله به وبما يوحيه إليهم وإذا بهم يبلغون ما أمرهم الله عز وجل به
من وظائف الملائكة أنهم يعلمون أن المؤمن مشترك معهم في الإيمان
فنحن نشترك مع الملائكة في صفة عظيمة وهي صفة الإيمان لذلك ربنا قال ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ الملائكة تشترك معك أنت من جنس وهي من جنس آخر لكنَّها تشترك معك في الإيمان لذلك هذا الإيمان أوجب المحبة
فترى المؤمن يحب الملائكة والملائكة تحب المؤمنين ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (غافر: 7) فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ
وقيهم ﴿عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ وقيهم ﴿ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾
لذلك المؤمن يوصى بأن يدعو للمؤمنين بظهر الغيب فأنت تدعو لأخيك في وجهه وفي غيبته لِمَ؟ لأنك تشترك معه في هذه الخصلة العظيمة إن الملائكة تعلمنا هذا
هي من جنس يخالف جنسنا لكنَّها تشترك معنا وهكذا كل إنسان وكل مخلوق من اشترك معنا في توحيد الله وفي الإيمان بالله وبرسل الله
فهو قريب منا ونحن كذلك قريبون منه لا يفرق بيننا لون ولا يفرق بيننا جنس ولا يفرق بيننا زمان ولا يفرق بيننا مكان وإنَّما أفضلنا أتقانا ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣) مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ والملائكة الإيمان بالملائكة
عثمان رضي الله عنه قال الرسول في حقه ﴿إِلَّا﴾ أستحي من رجل تستحي منه الملائكة إنه مقام عال رفيع أن يشعر الإنسان بقدر الملائكة وبمكانهم ومكانتهم عند الله جل وعلا مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ والملائكة والكتاب
المؤمن يؤمن بالكتاب والكتاب هنا اسم جنس فالمقصود بالكتاب الكتب السابقة كلها التي أنزلها الله على النبيين والمرسلين ﴿وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍ﴾ أي: من كتب، ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ﴾
فنحن والحمد لله نؤمن بالكتب كلها
ونقول مصدرها واحد فهي لا تختلف في أصولها ومحال ثم محال أن يقول الله أصلًا وعقيدة في كتابه وأن يقول غيرها في كتاب آخر لتختلف الشرائع لتختلف الفروع وأما الأصول فواحدة كلها دعت إلى شيء واحد إلى عبادة الله الواحد لا شريك له سبحانه وتعالى
وأما ما وقع في تلك الكتب من تحريف وتبديل وتغيير فنحن نبرأ إلى الله منه وإنَّما نقول قد تكفل الله بحفظ القرآن الكريم فالحمد لله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ وَلَٰكِنَّ ﴿ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾
نؤمن بالنبيين كلهم ونؤمن بالرسل كلهم ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِۦ﴾ نحب آدم نحب نوحا نحب إبراهيم نحب إسماعيل نحب إسحاق نحب موسى نحب زكريا نحب يحيى نحب عيسى نحب أنبياء الله ورسله
نحب أنبياء الله ورسله ونتقرب إلى الله بحبنا لهم ونعتقد أنهم أنبياء أو رسل من عند الله عز وجل والنبيين ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ بالله والملائكة وَلَٰكِنَّ ﴿ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾ هذا اعتقاد
لكن تعتقد وتترك العمل لا هكذا الدين علم وعمل اعتقاد وعبادة ومعاملة قال ﴿وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ ﴿وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ﴾
أنت مؤمن إذًا اعمل أنت مؤمن إذًا أنفق أنت مؤمن أخرج من مالك لله وهو الذي أعطاك وآت المال على حب مالك
قال كثير من أهل التفسير أي: وآت المال على حب المال تعطي المال الذي تحبه تعطي المال الذي ترغب فيه لا أن تعطي المال الذي تزهد فيه ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾
وقال الله: ﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: 92) ﴿وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ وقال ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ أنت قد تنفق مالًا أنت في غنى عنه هذا جيد وحسن وأجود منه وأفضل منه أن تعطي المال الذي ترغب فيه لله
أنت ترغب في المال وتريد هذا الشيء لكنك تقدمه لله طيبةً به نفسُك فاحمد الله على ذلك فهذا من صفات عباد الله المتقين الصادقين جعلنا الله منهم بمنه وكرمه
كما فعل أبو طلحة رضي الله عنه حينما قدم الحديقة الجليلة العظيمة المباركة الطيبة التي يراها أفضل ماله لما سمع قول الله لم ﴿تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال هذا أفضل مالي وأحب أموالي إليَّ وهي صدقة لله «أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ»
قال الله وآت المال على حبه وقال بعضهم على حب الله يعني: أعطى المال وهو محب لله راغب فيما عند الله طامع في ثواب الله فالذي يدفعك على إنفاق ما معك أنك تحب الله فتقول يا رب المال حبيب إلي وأنت أحب إلي منه فها هو المال أنفقه في سبيلك ابتغاء مرضاتك
قال وآت المال على حبه وقد قال عليه الصلاة والسلام أفضل الصدقة كما في الصحيحين أن تتصدق وأنت صحيح شحيح «تخشى الفقر وتأمل الغنى» ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان أفضل الصدقة
أن تتصدق وأنت صحيح لست وأنت مريض وأنت نائم على الفراش تقول أريد أن أدرك نفسي قد قصرت في حياتي لا أن تنفق وأنت شحيح ترغب في المال تقول عندي أولاد صغار أريد أن أربيهم وأن أزوجهم وأن وأن وأن
وأنت صحيح شحيح تأمَّل! الغنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم تقول قد كان لفلان وقد كان لفلان ﴿أَنَّمَا﴾ يتصدق قبل ذلك وربنا ذكر قومًا يقولون
في آخر حياتهم إذ يقول أحدهم ﴿رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وآت المال على حب من الذي تعطيه المال؟ ذوو القربى
أحق من تصدقت عليه قريبك ذو القربة بل جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام واسمع هذا الحديث جاء من عدة طرق عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال أفضل الصدقة الصدقة على القريب الكاشح
على القريب الكاشح ما الكاشح قالوا الكاشح المعرض الذي يعرض عنك والذي يؤذيك ولا يلتفت إليك ولا يصلك أفضل الصدقة أن تتصدق عليه والرسول قال ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها لا أن تصل من وصلك وإنَّما أن تصل من وصلك ومن قطعك وأن تعطي من أعطاك ومن حرمك
لأنك تتقرب إلى الله لا تريد بذلك وجوه الناس وإنَّما تريد وجه الله أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم
وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد
أما بعد فيا عباد الله قد قال الله سبحانه وآت ﴿ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ وقد علمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن الصدقة على المسكين القريب بصدقتين أو أنها صدقة وصلة وأما على غيره فهي صدقة فحسب
فإذا كان قريبك فقيرًا فأنت تجمع إلى صدقتك الصلة التي تصله بها بإذن الله عز وجل وآت ﴿ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ﴾ أن تعطي اليتامى من مال الله الذي أعطاك
فترفع عنه الحرج الذي في صدره والضيق الذي في نفسه بغياب أبيه وفقده له فإذا أعطيته فأنت بذلك تغنيه بفضل الله سبحانه وآت ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وقد أوصانا الله بهم في آيات كثيرة فقال ﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ﴾ ﴿فَذَٰلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾
وقال ﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ ﴿وَلَا تَحَـٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ واليتيم إذا كان غنيًّا لا يعطى من زكاة المال كيف يعطى وهو يجب عليه أن يخرج زكاة ماله أو أن يخرج وليه زكاة ماله على قول جمهور الفقهاء لكن له إعطاء المواساة فاليتيم وإن كان معه يحتاج إلى مَن يعطف عليه
يحتاج إلى مَن يحنو عليه إلى مَن يشعره بأن المسلمين متحابون وأنه وإن فقد أباه فلن يفقد عمه ولن يفقد أخاه ولن يفقد صاحب والده وهكذا وأما إذا كان اليتيم فقيرًا فهو من أولى من يعطى من الناس من الصدقات بل ومن الزكاوات قال الله وآت المال على حبه ذو القربة
واليتامى والمساكين أن يعطي المال للمساكين والمسكين مسكين لأنَّ الفقر سكنه وأسكنه فجعله لا يستطيع التحرك كثيرًا ولا الذهاب هنا وهناك يستر حاله يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ
فهؤلاء يعطون من مال الله يا أيها الإخوة الكرام هذه بعض الأصناف وبقية الآية الكريمة تحتاج إلى كلام كثير فلعلي أجعله في خطبة قادمة إن شاء الله وإلا فإنَّ الأمر كما قال القرطبي رحمه الله
كل قاعدة في هذه الآية الكريمة تستحق كتاباً كاملًا بأكمله وما ذلك إلا لأنَّ كتاب الله عزيز ولأن كتاب الله كريم فمن التمس الهدى وجده في كتاب الله
﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ ﴿وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم حبب إلينا الإيمان
وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم زيننا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين اللهم إنا نسألك لذَّة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك
اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسلم والسلام وسائر بلاد المسلمين أصلح ولاة أمرنا وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى
تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم اللهم ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة