مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

فوائد وعبر من قصة موسى عليه السلام الجزء الرابع

في قصصهم عبرة · الدرس 52 من 64 · 17 دقيقة · قصص الأنبياء

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى1 ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (يوسف: 111)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ: فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة في قصصهم عبرة، وما زلنا بفضل الله وتوفيقه مع قصة نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام.

وقد توقف بنا الحديث في الدرس السابق عند انتقال موسى عليه السلام من مصر إلى أرض مدين، ورحلته وسفره وخروجه خائفًا مترقباً، كما قال الله عز وجل: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ23 ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾4 (القصص: 21-22). ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، أي: فخرج من مصر حال كونه خائفاً، وذلك لما وقع منه من قتل هذا القبطي خطأ. ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (القصص: 21). ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (القصص: 22).

توجه موسى عليه السلام تلقاء مدين، ومدين اليوم موقعها في شمال غرب المملكة العربية السعودية، فهي شمال غرب جزيرة العرب أو الجزيرة العربية. فهذه هي مدين الموجودة الآن. فتوجه موسى عليه السلام إليها. وانظر إلى هذه المسافة التي يقطعها موسى عليه الصلاة والسلام وهو خائف وخارج من مصر ليبحث عن دار أمن وأمان. ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (القصص: 22).

وتأمَّل! الفرق في التعبير بين قول موسى في هذا المقام: عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ، فقد كان لدى موسى ثقة في ربه سبحانه وتعالى وفي أن الله يحفظه. لكن موسى عليه السلام بعد ذلك في موقف آخر حينما يأتي فرعون خلفه ويريد فرعون أن يقضي عليه وعلى من معه من أهل الإيمان: ﴿فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قَالَ كَلَّآ ۖ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: 61-62). فتأمَّل! قوله هناك: «سيهدين» بما يدل على كمال الثقة، لأنه وقتها كان رسول الله عليه الصلاة والسلام — كما سيأتي تفصيل ذلك في موضعه — فالرسول أكثر ثقة في ربه. فإذا كان موسى قد أُوتي علمًا وحكمًا وكان لديه من الثقة الشيء الكبير، فإنَّه بعد أن صار نبيًّا ورسولًا كان أعظم ثقة في ربه ومولاه سبحانه عز وجل.

﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾5 (القصص: 24).

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾، وصل موسى عليه السلام إلى أرض مدين وورد ماءها، فوجد مجموعة من الناس يسقون، كل منهم يسقي، يأتي بمواشيه، يأتي بغنمه من أجل أن يسقي الغنم والمواشي ليستفيد منها بعد ذلك في درّ لبنها وحلبها.

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾، يعني: مجموعة أو جماعة من الناس يسقون. ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾6، أي: وجد من دون هذه الأمة ومن دون هؤلاء الذين يسقون امرأتين — امرأتين — تذودان، يعني: تطردان غنمهما، تمنعان الغنم وتطردان الغنم عن السقية. وهذا أمر خلاف المتوقع، فهذا وقت يتزاحم الناس فيه من أجل أن يصلوا إلى مرادهم من سقيا مواشيهم.

﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ (القصص: 23). «قال: ما خطبكما؟» ما شأنكما وما أمركما. وكما قلت: في اللقاء السابق: إن موسى عليه الصلاة والسلام كانت عنده مبادئ عظيمة عالية، فكانت عنده المبادرة بفعل الخير والحق. أما موسى عليه السلام في هذا الموقف وهو في شدة وكربة شديدة. فإنسان خرج من بلده ويسافر هذا السفر الطويل ويقطع هذه المسافة العظيمة، هو في حاجة إلى شراب، إلى طعام، إلى نوم، إلى راحة حتى يذهب عنه ما هو فيه. لكنه — مع هذا كله — حينما وجد هذا الموقف ما كان منه إلا أن تكلم إلى المرأتين، لكنَّه لمَّا تكلم تكلم بكلام مختصر وبكلام موجز بليغ. «قال: ما خطبكما؟» ما شأنكما هكذا باختصار، لا يفتح مجالًا لما ليس من ورائه فائدة.

﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾

﴿قَالَتَا لَا نَسْقِى﴾، يعني: لا نتمكن من السقية ولا يكون من شأننا أن نتقدم من أجل أن نسقي مواشينا.

﴿حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ﴾حتى يصدر الرعاء، الرعاء يعني: الرعاة الذين يرعون تلك المواشي أو تلك الأغنام. ﴿حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ﴾ أي: مواشيهم. فإذا صدروا وسقوا مواشيهم وانتهوا من أمورهم فإننا حينئذ نتمكن من السقية حينما يفسح لنا المجال.

ثم قالتا: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾، أي: كأنَّك تقول: وما الذي أخرجكما من بيتكما فالجواب: أن الذي أخرجنا من بيتنا أن أبانا شيخ كبير. وكان المعنى: لو لم يكن أبونا شيخًا كبيرًا ما كنا لنخرج، وإنَّما كان الأمر إليه، أي: اضطررنا إلى هذا الأمر. فهذا فيه اعتذار، مع أنَّه ما سأل عن أبيهما ولا سأل عمن في البيت ولماذا لم يأتِ الأب أو الأخ، لم يسأل هذه الأسئلة. لكن المرأتين كأنهما رأتا أن هذا من تتمة الجواب حتى يتبين كمال عذرهما في هذا الأمر..

قال: ﴿لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾، أي: هذا هو عذرنا في الخروج.

فانظر — يا رعاك الله — إلى هذه الكلمات الطيبة الرائعة من موسى عليه السلام ومن المرأتين. فموسى بادر من أجل أن يقضي الحاجة، من أجل أن يقف إلى جانب صاحب الأزمة. فأنت إذا كنت في طريق، إذا كنت في موضع من المواضع ووجدت إنسانًا تشعر من حاله أنه ملهوف، فأغثه وسله عن حاجته، لعل الله عز وجل أن يجعلك سببًا في قضاء حاجة أخيك المسلم. («من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»). هكذا صنع موسى عليه الصلاة والسلام.

وقد ذكر العلماء هذه الآية الكريمة فيما يذكرونه في أبواب البلاغة في الحديث عن الإيجاز بالحذف، لأنَّ الله عز وجل لما ذكر تلك الآية لم يبين لنا: ما الذي يسقيه هؤلاء أو ما الذي يُسقى أيسقي الغنم أم يسقي الإبل أم يسقي البقر لم يذكر شيئًا من ذلك. ففي بداية الأمر قال الله عز وجل: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ﴾ لم يقل: «يسقون ماذا؟» لم يقل: يسقون غنمهم، يسقون إبلهم، يسقون بقرهم، لم يقل. ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾، «تذودان ماذا؟» لم يذكر أيضًا. «ووجد من دونهم امرأتين تذودان». «قال: ما خطبكما؟» قالتا: لا نسقي، لم تقل: «لا نسقي ماذا؟» حتى يصدر الرعاء، «ماذا؟»

فتأمَّل! كل هذه محذوفات، أو أن هذا الفعل نزل منزلة الفعل القاصر — كما يقول أهل البلاغة والنحو — أي: أنه لا يحدث منا سقي حتى ينصرف الناس. فإذا انصرف الناس وانفتح المجال وتيسر المجال حينئذ نسقي. ويستفاد من ذلك أيضًا أن المرأة لا ينبغي لها أن تزاحم الرجال كما يجري في الطرقات، ولربما صدمته أو ركلته أو ضربته بدعوى أنها تريد أن تصل إلى مطلبها وإلى مآربها. فأين الحياء الذي هو أعظم ما تمتلكه المرأة فمن أعظم الخصال وأجل الصفات التي تتزين بها المرأة أن تكون من أهل الحياء. جعل الله نساءنا من أهل الحياء.

﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ﴾7 (القصص: 24). فسقى لهما، تأمَّل! «فسقى» بفاء التعقيب التي تدل على السرعة، أي: أن موسى عليه السلام لم ينتظر، بادر مباشرةً ولم يقل: «خلاص انتظر حتى يفسح الطريق». وليس في الآية أنه قال: «هل تريدان مني شيئًا؟ هل تريدان مني مساعدة؟» ﴿أَنَّمَا﴾ بادر مباشرةً بالمساعدة. «يكفيك من المحتاج حاجته دون طلبه، يكفيك من المحتاج حاجته دون طلبه ونظرته دون سؤاله». «فسقى لهما» مباشرةً، ﴿ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ﴾8 (القصص: 24) إلى مكان يستظل فيه، ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (القصص: 24).

حينئذ توسل موسى عليه السلام إلى ربه، يسأل الله عز وجل أن يعطيه وأن لا يحرمه: رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ، أي: من عطاء تعطيني إياه، من خير فقير، أي: أنا فقير إلى خيرك وأنا فقير إلى عطائك.

وقد قال عدد من المفسرين إن موسى عليه السلام كان في هذا الوقت في شدة الجوع والظمأ، أو كان في شدة الجوع. ومع ذلك فإنَّ موسى عليه السلام لم يطلب من المرأتين أجرة ولم يطلب نوالًا، لأنه بدأ الصنيع من نفسه فلم يرد من ذلك جزاء ولا شكورًا عليه الصلاة والسلام. يعني: تأمَّل! موسى كان من المتوقع يقول: «أنا أرحتكما، وبالفعل استطعتما أن تسقيا في وقت قصير وفي وقت موجز، فهل من مكافأة وهل من عطية؟» لم يصنع شيئًا من ذلك، وإن من فتل عنهما وقد أدى ما أراد أن يؤديه من سقيا المرأتين، ثم بعد ذلك توسل إلى الله: ﴿رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، يعني: أنا فقير إليك وإلى عطائك.

قال الله عز وجل: ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآ9ءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (القصص: 25).

فجاءته إحداهما، وكان حديث قد طُوي منه ما طُوي. فالأصل أن المرأتين قد ذهبتا إلى أبيهما وأخبرتاه بما وقع من أمر موسى عليه السلام، فعلم أن هذا الرجل حقه أن يُكرم لأنه أكرم البنتين، فأرسل إحداهما إليه. ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآ10ءٍ﴾ (القصص: 25). قالوا: تمشي على استحياء، ليست بسلفع، ليست بخراجة ولاجة، وإنَّما هي محتشمة غير متسكعة. فهذا معنى ﴿تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ﴾ (القصص: 25). وهذا معنى غالٍ ونفيس: أن تكون مشية المرأة على استحياء، أن تمشي بوقار وسكينة. فالأصل أن تقر في بيتها: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ﴾11 (الأحزاب: 33)، «في بيوتكن». فإنَّ خرجت فلتخرج وهي محافظة على نفسها، تستحي في حركتها وفي مشيتها.

«فجاءته إحداهما تمشي على استحياء» ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾12 (القصص: 25). وبعض العلماء ربط الحياء بالقول: على استحياء، قالت، أو جمع بين المعنيين: أي: أنها مشت على حياء وقالت بحياء، يعني: لما تكلمت تكلمت بحياء، ليست جريئة، وإنَّما قالت بنوع حياء وخجل وهي تتكلم كلامًا إلى موسى عليه السلام. فالحياء في القول والحياء في المشي — أو في المشي.

قالت: إن أبي يدعوك، «إن أبي يدعوك» يعني: «نحن لم نصدر إلا عن أمر أبينا، فما جئت إليك إلا قد أرسلني إليك هكذا: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا». ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، فلقد تعبت وكلفت نفسك هذا العناء واعتنيت واهتممت بأمرنا، وأبونا يريد أن يكافئك. وهذا فيه أيضًا: («لا يشكر الله من لا يشكر الناس»). فإذا قدم إليك أحد معروفًا فكافئه، فإنَّ لم تجد ما تكافئه به فلا أقل من أن تقول له: «جزاك الله خيراً». وفي الحديث: («من صنع إليكم معروفًا فكافئوه»).

هذا الرجل الصالح — رجل رشيد عاقل — يعرف: عرف أن موسى عليه السلام أن هذا الرجل الذي صنع بابنتيه ما صنع ينبغي أن يُكافأ على صنيعه. «﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ13 قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾: لا تخف، نجوت من القوم الظالمين». هنا فائدة أخرى: لم يعترض موسى عليه السلام. موسى ابتداء لم يرد أجرة، موسى ابتداء لما صنع ما صنع ما كان يريد مكافأة، لكن المكافأة تأتيه الآن بدون طلب منه فلا حرج في ذلك أن يقبلها. إذًا فرّق بين الأمرين: هو ابتداء ما طلب شيئًا مع أنَّه محتاج، ما طلب نوالًا ولا أجرة ولا اشترطها مع أنَّه في حاجة شديدة، وقضى الأمر واستعان بالله. فلما أتاه الخير دون طلب منه ما كان ليرده عليه الصلاة والسلام، وهذا لا إشكال فيه. بل فقه موسى عليه السلام وفطنته، ومن باب أخذه بالأسباب.

﴿فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ﴾ (القصص: 25) — ومن هذا سُمِّيَت هذه السورة بسورة القصص، يعني: قص عليه القصص الذي وقع له مع من مع فرعون وفي قتل القبطي وما كان من أمره في مصر — «﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾: لا تخف، نجوت من القوم الظالمين». فآمنه وطمأنه. وقال له: ﴿لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾، قد أنجاك الله عز وجل من القوم الظالمين.

«حينئذ قالت إحدى ابنتيه» — ﴿قَالَتْ إِحْدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسْتَـْٔجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ﴾14 (القصص: 26). ﴿قَالَ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ15 عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (القصص: 27). ﴿قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا ٱلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَٰنَ عَلَىَّ ۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.

هذا الموقف الذي ورد فيه — أو عرض فيه — الرجل على موسى عليه السلام الزواج من إحدى ابنتيه، نبدأ به بإذن الله تعالى في الدرس المقبل. والله تعالى أعلم.

أما بالنسبة لنا.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 111 ↩
  2. آية: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 21-22 ↩
  3. آية: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ ٱلظَّـٰلِمِينَ — كما ورد في الدرس: القصص 21 ↩
  4. آية: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 22 ↩
  5. آية: ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 24 ↩
  6. آية: ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 23 ↩
  7. آية: ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 24 ↩
  8. آية: ﴿ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 24 ↩
  9. آية: ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
  10. آية: ﴿تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
  11. آية: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 33 ↩
  12. آية: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
  13. آية: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 25 ↩
  14. آية: ﴿قَالَتْ إِحْدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسْتَـْٔجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 26 ↩
  15. آية: قَالَ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ ﴿قَالَ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ — كما ورد في الدرس: القصص 27 ↩

من سلسلة: في قصصهم عبرة (64 درسًا)

دروس مشابهة