فوائد وعبر من قصة داود عليه السلام (الجزء السابع)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
تفقد سليمان عليه السلام لرعيته ومنهج القائد في متابعة من تحت ولايته
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ: فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة: في قصصهم عبرة. وما زلنا بفضل الله وتوفيقه مع قصة نبي الله سليمان عليه السلام، وقد انتهى بنا الحديث في اللقاء السابق عند حديث النملة وقولها، وتبسم سليمان عليه السلام من قولها وشكره ربه جل وعلا على ما أنعم به عليه.
قال الله سبحانه بعد ذلك: ﴿وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾1 (النمل: 20)
وتفقد الطير، سليمان عليه السلام يتفقد جنوده، ينظر في أمورهم، وهكذا ينبغي أن يكون الإمام، وهكذا ينبغي أن يكون القائد، أن يتفقد رعيته وأن ينظر في أحوالهم ليعلم كيف يسيرون، أهم على استقامة أم لا، أهم على الجادة أم لا، فمراقبة الرعية ومراقبة من جعلك الله عز وجل والياً عليهم أمر شرعي. النبي «صلى الله عليه وسلم» كان يتفقد أصحابه رضي الله عنهم ويسأل عنهم إذا غابوا ويعرف أحوالهم صلوات الله وتسليماته عليه.
قال الله: وتفقد الطير، فأول فائدة نستفيدها من ذلك أن الراعي يتفقد رعيته، وأن الإمام يتفقد جنوده وأتباعه، يبحث عنهم وينظر في أحوالهم ويراقبهم أيضًا، فالتفقد كما أنَّ فيه معنى البحث والنظر، فيه معنى المراقبة، يعني: يراقبهم لينظر أجادوا أم لا، أحسنوا أم أساؤوا، وهذا ما يقال له: الموجّه، الذي يوجه الناس وينظر إليهم ويتابع أحوالهم ويراقبهم.
تثبت سليمان عليه السلام قبل الحكم على الغائب وفقه التعامل مع الرعية
وقوله: وتفقد الطير، قال بعضهم: لأنَّ الطير من المخلوقات شديدة النفرة عن الإنسان، يعني: ممكن كثير من الحيوانات تألف الإنسان، لكن الطير يصعب جدًّا تأليفه، ولذلك معروف أن الذي يربي الحمام وما إلى ذلك يجد مثل هذه المشقة لكي يكون الطير أليفًا للإنسان، هذا أمر يستدعي مشقة كبيرة، ثم إذا وجد فرصة طار منه وذهب، لكن الله جل وعلا سخّر لسليمان الطير فهو يتفقدهم لأنه ينبغي لهم أن يستقيموا على منهجه، كما مضى معنا: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَـٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلْجِنِّ﴾ وَٱلْإِنسِ وَٱلطَّيْرِ، فهناك الجن وهناك الإنس وهناك الطير.
﴿فَقَالَ مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾، ﴿مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ﴾، جعل الاستفهام لنفسه والسؤال لنفسه، لم يقل: ما للهدهد لا أراه، يعني: ربما كان المتوقع أن يقول: ما للهدهد لا أراه، لكن يقول: ﴿مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ﴾، فجعل السؤال لنفسه، هو كأنه يراجع نفسه: هل أنت متثبت من أن الهدهد غير موجود بين رعيتك وبين جنودك وهذا فيه درس عظيم جدًّا، أنَّ الإنسان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يصدر حكمًا على غيره يتثبت منه تثبتًا عظيمًا، يعني: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقول الهدهد لا أراه، لا، ﴿مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ﴾، يوجّه لنفسه سؤالًا استفهامًا ليكون متثبتاً إذا قال هو غير موجود بينكم.
مراجعة القائد لنفسه وأثر الطاعة في استقامة من تحت ولايته
﴿مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ﴾، واستفاد بعضهم من ذلك لطيفة من جهة أخرى، وهي أن الله قد سخّر له الطير، فإذا خرج عن هذا التسخير أحد أو شيء فإنَّه يسأل نفسه ما سبب ذلك القصور عنده، وهذا مهم جدًّا للإنسان في سلوكه وفي سيره إلى الله سبحانه وتعالى، يعني: مثلًا إذا كان هناك رجل في باب من الأبواب، وليكن هو قائدًا لمجموعة من المجموعات، رئيس عمل، مدير شركة مثلًا، وأتباعه أو العمال عنده يستجيبون له، هم طوع بنانه ورهن إشارته، لا يخالفونه في صغير ولا كبير، يذهبون بإذن، يجيئون بإذن، يسألونه لا يتجاوزونه، لا يتقدمون عليه، فجأةً وجد أمرًا خارجًا عن هذا الأصل، فلان ذهب بدون إذن، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقول: كيف يفعل هذا ويتسلط علي يوجّه لنفسه: لربما وقع مني قصور كان هذا القصور سببًا في أن ينفلت هذا الشخص وفي أن يترك جادته، لأنَّ الإنسان كلما كان لله أطوع كانت المخلوقات له أطوع، الإنسان كلما كان لله أطوع تجد الخلق يستجيبون له، وهذا قول من قال: إني لأعصي الله فأرى ذلك في خُلُق دابتي وامرأتي، امرأة تتمرد عليه، الدابة تتمرد عليه، وكذلك من كان معه في العمل يتمرد عليه، لماذا بسبب معصية عنده، بسبب خلل عنده.
حزم سليمان عليه السلام في المحاسبة ووضع القواعد وعدم التساهل مع التقصير
هذا مما ذُكر، على أن ظاهر الآية أنه يقول بهذا الأسلوب الاستفهامي: مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ، ليحترز لنفسه، حينما قال: ﴿مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ﴾، فهو لا يقول ابتداءً: الهدهد غير موجود، لربما كان موجودًا لكنه غاب عن عينه، لربما تقدم أو تأخر في الموكب لكنه موجود بينهم، فاحترز لنفسه فقال: ﴿مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ﴾، أنا لا أراه، ﴿أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾، ترقّى إلى الحالة الثانية: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾، ولم يقل: أم غاب، يعني: المتوقع أن يقال: أم غاب، لأنَّ الإنسان المعروف بالحضور إذا غاب مرة يقال غاب، لا يقال: من الغائبين، من الغائبين معناه أنها صفة لازمة هو معروف بها، فلان غاب مرة، لكن فلان من الغائبين يعني: معروف عنه، فكان المعنى أن مثل سليمان عليه السلام لا ينبغي أن يخالَف أمره، سليمان قد أيّده الله وسخّر له الريح وسخّر له هذه الجنود فهي طوع بنانه، فالذي يغيب منهم مرة كأنما غاب ألف مرة، يعني: الغياب ده قضية كبيرة، ودي معناها وضع الشيء في موضعه، يعني: ما يكون في أصول وقواعد، الإنسان يسير عليها، واحد ينفلت من القاعدة، ما نقولش ده مسألة سهلة، ما هي خلاص تعدّي، لا، هذه أسس قواعد عامة.
﴿أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾، لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَا۟ذْبَحَنَّهُۥٓ أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ، لأعذبنه عذابًا شديدًا بالأسلوب المؤكد، بالأسلوب المؤكد، لأعذبنّ أي: والله لأعذبنّ، وفيها نون التوكيد أيضًا، يعني: يؤكد هذا المعنى، هذا معناه: أن سليمان عليه السلام غضب، هو نبي مبارك، لكن هناك قواعد لا بد من المراقبة لا بد من المحاسبة، هذا لا يضير الإنسان في شيء بل هو من تمام حكمته ومن تمام حزمه وقوته، هو كريم ولكن هناك أصول قواعد، فحينئذ قال: لأعذبنه عذابًا شديدًا، وإلا لو فُتح المجال مرة جن يذهب، ومرة إنس يذهب، ومرة ومرة، لا، ما في هذا الكلام، لأعذبنه، يبقى إذًا فيه إيقاع العقوبة على المقصّر، إيقاع العقوبة على المقصّر، يعني: مش معنى أن فيه سماح سماح سماح، طب وأين العقوبات لا، فيه عقوبات، هناك التأديب.
تفقد سليمان عليه السلام لجنده وحكمة القيادة في التعامل مع المقصرين
فقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَا۟ذْبَحَنَّهُۥٓ﴾، بعض العلماء قال: هو ترقٍّ، يعني: ذكر العذاب الشديد لكن لن يصل به إلى الذبح، فالذبح أعلى، فكأنَّه تدرج، ولذلك اختلفوا في مسألة تعذيب الطير، قال: ينتف ريشه، ﴿وَقِيلَ﴾ غير ذلك، والعلم عند الله، المهم أنه نوع من أنواع التعذيب الشديد، وبعضهم عكس، قال: بل الذبح أخف، لأنَّ التعذيب الشديد من سليمان عليه السلام يدل على شدته. ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَا۟ذْبَحَنَّهُۥٓ﴾، يعني: هذا للتنويع، يعني: هناك أكثر من عقوبة، يعني: يفتح مجال لتعدد العقوبات. ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ﴾، قالوا: أو أيضًا للتنويع، وقال بعضهم: بل هي بمعنى إلا أن، يعني: «أو» هنا بمعنى ماذا إلا أن، يعني: إلا أن يأتيني بسلطان مبين، حجة، إذًا أتاني بحجة ودليل وعذر قبلنا العذر، يبقى. فهذا فيه فتح مجال قبول الأعذار، واحد يقول لك: لا أنا ما عنديش أعذار، ممنوع مرفوض، لا بد على طول تصدر العقوبة، يا أخي معه عذر، إذا كان العذر مقبولًا فاقبله.
وهذا فيه احتراز من سليمان عليه السلام، وفيه فائدة جميلة جدًّا رائعة، وهو أن عالي القدر إذا توعّد عليه أن يحترز لنفسه في إصدار العقوبة حتى لا يهون شأنها بعد مدة على الناس، يعني: لو شخص معروف أنَّه قائم على أمر يقول: والله هعمل وهعمل وهعمل، وبعدين ما يعملش، إيه اللي يحصل مرة ثانية وثالثة خلاص يقول لك خلاص آخر كلام آخر كلام ومش هيعمل حاجة، لن يصنع شيئًا. لكن إذا توعّد، إذًا هناك إنفاذ للعقوبة، طب ما المخرج أن يحترز لنفسه فيقول: أولًا، يأتيني بسلطان مبين، عنده عذر خلاص أقبله، يبقى هو بهذا لا يقال له: أنت لم تعذب وأنت لم تذبح، يقول: أنا لم أعذب ولم أذبح ولكن هو قد أتاني بعذر مقبول. فاحترز سليمان عليه السلام لنفسه، ويعلّمنا أنَّ الإنسان إذا أصدر القرارات يضع ضوابط، مش يقول لا خلاص فلان معاقب بكذا يُخصم له هذا، وبعد مدة يُفاجأ ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ مظلومًا وأنه هو الذي أصدر قرارًا بهذا الأمر، يقول له: ده أنت اللي قلت: لي، يقول: أنا قلت: خلاص، بس أنا أعمل إيه، هو صدر القرار وانتهى، طب أنت لماذا لم تحترز من البداية لماذا أوقعت نفسك، بعد أن كان هو مورد الاعتذار صرت أنت موضع الاعتذار، يعني: هو جايلك عشان أنت تقول له فين، أنت الآن بتقول له خلاص سامحني، عدّي هذه المرة تمر وسنعوضك بعد ذلك بإذن الله تعالى.
ما يصلح لذلك، قيادة الناس، مسألة ليست سهلة، ما كل الناس يصلحون لها، لذلك كما ذكر بعض العلماء قد يوجد بين الخلق، يعني: يوجد بين الناس الحديث إن كانوا قلة، ولا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، كما قال الرسول «صلى الله عليه وسلم»، فالعلماء كما يقال: أندر من الكبريت الأحمر، لكن مع ذلك المصلحون أقل من العلماء، أنه مصلح قيّم يدرك ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ تكون الشدة، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يكون الرفق، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يصدر القرار، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ حتى يتوقف فيه، وهذا من باب الحكمة التي يؤتيها الله ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾.
جرأة الهدهد في عرض العذر وقوة الحجة في الدفاع عن الموقف
قال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ﴾، السلطان هنا معناه: ماذا معناه: الحجة، كلمة السلطان من الكلمات التي يقال عنها فيها وجوه ونظائر، يعني: كلمة قد تأتي على عدة أوجه في القرآن، قد تأتي بمعنى الحجة، بمعنى التسلط، إلى غير ذلك.
قال: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍۭ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. فمكث، والقراءة الأخرى فمكّث، غير بعيد، يعني: انتظر وقتًا قليلًا، غير بعيد يعني: قريب ليس ببعيد، من الذي مكث الهدهد أم سليمان ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ﴾، الجمهور يقولون هو الهدهد، بدليل سياق الآية بعد: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ﴾، من الذي قال ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ﴾ هو الهدهد، فقوله: فقال: مترتب على ما قبله، فقالوا: الكلام كله والضمائر متفقة تعود على الهدهد، وهذا نسبه القرطبي لأكثر المفسرين، بينما مال ابن جرير ومكي بن أبي طالب وبعض المفسرين إلى أن المراد به سليمان، لصلته بما قبله، كان سليمان مكث مدة قليلة جدًّا فوجد هذا الهدهد يقول له: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ﴾، يعني: جاء ليدرك نفسه، لكن الأول أشهر.
طيب قال: فمكث غير بعيد، يعني: لم يمكث مدة طويلة ولا بعيدة، ﴿أَنَّمَا﴾ هي مدة قريبة، ثم عاد ﴿فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍۭ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، هدهد عنده جرأة في الحق، عنده صدع بالحق، يعني: يقول لسليمان عليه السلام الذي قال الله في شأنه وشأن أبيه: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْمًا﴾2 (النمل: 15) يقول له: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ﴾، يعني: بداية قوية، وهذا أيضًا فيه درس مهم جدًّا، أنَّ الإنسان حينما يأتي ليقدم عذره ينبغي أن يكون قويًا في تقديم العذر، يعني: بعض الناس لذلك إن لصاحب الحق مقالاً، بعض الناس ممكن يكون عنده الحق لكن يضيع حقه، ما يستطيع عرضه أو لا يحسن عرضه، لا، هو الآن يريد أن يبين له أنه أتى بمسألة قوية جدًّا خطيرة، توجب هذا الخطأ، توجب هذا الذهاب بدون إذن، فقال له مباشرةً: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ، ثم قالها بأسلوب مشوّق.
تواضع سليمان عليه السلام وقبول الحق ولو جاء من دونَه
وما من شك أن الهدهد حينما قال ذلك فهم سليمان، وربي على كل شيء قدير، فقد علّمه الله منطق الطير. فقول أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ هذه الجملة عبارة مشوّقة تجعل سليمان ينتظر لسماع تمام الكلام، يعني: أنت تتصور، أنت الآن لما يجي واحد تقول: خلاص لا تتكلم، الموضوع انتهى مغلق ما في مجال، لكن أول ما يقول لك: أنا عندي اللي مش عندك، أنا عندي ما ليس عندك، يقول لمَن لسليمان، الهدهد يقول لسليمان عليه السلام بأي طريقة: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ عندك ماذا تقول فهذه طريقة رائعة ورائقة وفيها عظيم، يعني: فيها كثير من البلاغة كما يقول أهل التفسير والبلاغة.
﴿فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ﴾، يعني: أحطت بعلم ليس لك أنت، لا تحيط به ولا تدركه، نستفيد من ذلك عدة أمور، منها ماذا منها أن الأنبياء لا يعلمون الغيب إلا ما أعلمهم الله به من شيء يتعلمونه بإعلام الله لهم، ﴿عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًا﴾، رسول الله النبي سليمان لا يعلم الغيب، أهو بيقول له: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ﴾، فكيف بمن يدّعي ممن هو دون الأنبياء أنه يعلم ما في البر وما في البحر كيف يكون هذا ها هو نبي الله سليمان يقول له الهدهد: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ، ولم يكذّبه، ولمَّا سمع منه المقال أقرّه، لكن أراد أن يتثبت: ﴿۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ ٱلْكَٰذِبِينَ، في الخبر، وليس في أنه يمكن أن يحاط أو أن يحيط أحد بعلم ليس لسليمان عليه السلام. أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ، وقبل سليمان هذا، وهذا يدل على تواضعه الكبير، سليمان عليه السلام مع علمه وفضله ونبوته يقبل هذا من الهدهد، فيه أنَّ الإنسان مهما أوتي من العلم فتفوته أشياء، وأن التلميذ قد يتفوق على المعلم في أشياء.
اعتراف العالم بحدود علمه ودلالة اختيار الهدهد للفظ «جئتك»
لذلك ذكروا أيضًا أن بعض العلماء سُئل عن مسألة أو فتوى فقال: لا أعلمها، لا أعلم الجواب، فقال أحد تلاميذه: أذكّرك، أعلمه أنا، عندي علم يا شيخ، فغضب الشيخ وغضب عليه، ما هذا فقال له: إن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن، وقال في شأن الهدهد، وذكر الآية الكريمة: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ، قال: وأنت لست بأعلم من سليمان، وأنا لست بأخسّ من الهدهد، فسكت، ما كان منه إلا أن أقرّه على ذلك وابتسم وعاد الأمر إلى صوابه. يبقى إذًا يعترف العالم أنه أحيانًا يفوته أشياء، قد يتفوق الصغير على الكبير والتلميذ على الشيخ، تلك قسمة الله يعطيها لمن يشاء، وقد مضى معنا في قصة موسى والخضر عليهما السلام طرف من هذا بفضل الله سبحانه وتعالى.
قال: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ، وهذا معناه: أن الهدهد كان يركز على الجانب العلمي، لأنه جانب يميز صاحبه عن غيره. ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍۭ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، كلمة «جاء» في القرآن الكريم تدل على أمر صار جلياً واضحًا ليس ذاهباً، لذلك يفرقون بين جاء وأتى، ما قال: وأتيتك، وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍۭ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، يعني: أنا جئت مجيئًا حقيقيًّا واضحًا جلياً، ما فيه غموض، ولذلك: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾3 (الفرقان: 33) وأحسن تفسير، قالوا: يؤذينا ﴿مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا﴾، ده غيب لسه، ﴿وَمِنۢ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ خلاص صار حقيقة واضحة جلية.
خبر الهدهد عن ملكة سبأ وعظمة ملكها
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 20 ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 15 ↩
- آية: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 33 ↩
من سلسلة: في قصصهم عبرة (64 درسًا)
دروس مشابهة
- 27. قصة ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه السلام الجزء الثاني
- 54. فوائد وعبر من قصة يوسف عليه السلام الجزء السابع
- 26. قصة ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه السلام — الجزء الأول