من هم الراشدون؟ قطوف من كلام فضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
بلاغة ختام آية الصيام بالرشد ومظنة إجابة الدعاء
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)
بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾2 (يوسف: 108).
حينما نقرأ قول الله جل ذكره: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾3 (البقرة: 186)، يذكر الله الدعاء وفضل الدعاء ومكانة الدعاء في أثناء الحديث عن الصيام، دلالة على أن الصيام مظنة الإجابة،
فمن صام فهو قريب، ومن كان قريبًا من الله استجاب الله له، فأنت إذا صمت ودعوت استجاب الله دعاءك، ولذلك جاء في بعض الأحاديث التي صححها عدد من أهل العلم: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ» ومنهم الصائم، فدعاء الصائم مستجاب، ولا سيما عند فطره، كما جاء بذلك الخبر عنه عليه الصلاة والسلام،
وأمر عجيب أن يأتي هذا الختام الفريد من سورة البقرة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، وهو ختام عزيز في القرآن الكريم، تجد في القرآن كثيرًا: لعلكم تتقون، لعلكم تتفكرون، إلى غيرها، أما ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
ختام عجيب وختام كريم في القرآن الكريم، كأن الصيام - والله أعلم - ومعه الدعاء، طريق أو طريقان إلى الرشد وإلى الهداية وإلى الفلاح، فهنا عرفنا لماذا الحرص على الصيام،
إذا كان لديك خلل، ولديك أمر تنكره من نفسك، ولديك أمراض تعتريك تريد أن تُداوى منها وأن تُعافى، فعليك بالصوم، فإنَّ في الصوم الرشد،
تحقيق الرشد في الصيام بالتطابق مع صفات الراشدين
وإذا نظرت في القرآن الكريم لتتأمل من الذين وصفهم الله بأنهم راشدون، تجد هذه الآية في سورة الحجرات، إذ يقول الله فيها: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾4 (الحجرات: 7)، هذا هو الموضع الوحيد في القرآن الذي يُختم بهذا الختام: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾5 (الحجرات: 7)، من الراشدون؟
من حبَّب الله إليهم الإيمان؟ من الراشدون؟ من زيّن الله الإيمان في قلوبهم. من الراشدون؟ من كرّه إليهم الكفر. من الراشدون؟ من كرّه إليهم الفسوق. من الراشدون؟ من كرّه إليهم العصيان.
وهذا كله يتحقق في الصيام، إذًا عرف الإنسان قدره وحقق حقيقته، فصام كما ينبغي وكما شرع الرسول عليه الصلاة والسلام، يا عباد الله، الصوم طريق إلى الرشد؛ لأنَّ الصيام وإن كان ظاهرة الامتناع عن الطعام والشراب وشهوة النساء،
إلا أن مقصودًا كبيرًا يُراد منه أن يصوم الإنسان عن تعلقه بالدنيا، وأن يصوم عن تعلقه بالشهوات، وأن يستعلي على الملذات، وأن يؤثر طاعة الله على طاعة الشهوات وعلى طاعة الهوى، فيكون طائعًا لله لا طائعًا لهواه، ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾6 (الجاثية: 23)، هذا يظهر في الصوم.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
- آية: ﴿قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 108 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 186 ↩
- آية: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 7 ↩
- آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 7 ↩
- آية: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الجاثية 23 ↩