أحب الأعمال إلى الله العشر
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- أفضل أيام الدنيا واجتماع شرف الزمان والعمل الصالح في
- اجتماع أمهات العبادات وإحياء التكبير بالأسواق وقسم الفجر بالليالي
- خصوصية يوم عرفة وعتق رقبائه وفضل يومي النحر والقر
- سبل اغتنام العشر والجمع بين الروايات في صيام التسع
- أحكام المضحي في الإمساك عن الشعر والأظافر وتفصيل متعلقاته
- دلالة أحب إلى الله وتحقيق العبودية ومفاضلة العمل فيها
التفريغ النصي الكامل للدرس
أفضل أيام الدنيا واجتماع شرف الزمان والعمل الصالح في
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، [يُراجع التسجيل؛ بداية مقدمة الخطبة ناقصة]، من يهده الله فلا مضل له، ومَنْ يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾1 (آل عمران: 102).
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾2 (النساء: 1).
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾3 (الأحزاب: 70-71).
أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار، ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة.
يا أيها الإخوة الكرام: قد أظلّت أيام جليلة مباركة، هي أفضل أيام الدنيا، كما جاء بذلك الخبر عن رسولنا ﷺ: «أفضل أيام الدنيا العشر». وجاء عنه عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر» أو قال: من هذه الأيام، يعني: هذه العشر. قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء».
وإذا كانت هذه الأيام أحب الأيام إلى الله فهي أفضل الأيام عند الله، وقد جاء بذلك أيضًا مصرَّحاً به في بعض الروايات، فهي أحب الأيام إلى الله وأفضل الأيام عند الله، والعمل الصالح فيها أفضل من غيرها.
اجتماع أمهات العبادات وإحياء التكبير بالأسواق وقسم الفجر بالليالي
يا أيها الإخوة الكرام: إنه في بعض الأحاديث والأدلة ورد فضل لبعض الأماكن، وورد فضل لبعض الأزمان أو الأزمنة، وصدق الله إذ قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾4 (القصص: 68). لكن الأيام التي نتحدث عنها اجتمع فيها الأمران: فضل الزمان وفضل العمل في هذا الزمان، فليس فقط أن يعلم الإنسان أنها أيام فاضلة عند الله جل وعلا ﴿أَنَّمَا﴾ أن يجتهد فيها ويبذل فيها، فإنَّه إذًا فعل ذلك فقد فعل فعلًا يرضي الله جل وعلا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرضى عنا وأن يرضينا.
إنه من رحمة الله وإحسانه ولطفه بعبادة أن يهيئ لهم الفرص التي عليهم أن يغتنموها ولا يضيعوها، فما إن ينتهي شهر رمضان إلا ويأتي بعد شهر رمضان شهور مباركة، فيأتي شهر شوال وفيه ما فيه من فضل الصيام، ثم يأتي شهر ذي القعدة لتبدأ أشهر الحج، ويأتي شهر ذي الحجة لتجتمع فيه العبادات على اختلاف أشكالها وألوانها.
ففي شهر ذي الحجة يحج المسلمون، يحج حجاج بيت الله الحرام ويؤدون تلك الفريضة العظيمة والشعيرة الجليلة التي تختص بهذه الأيام. صحيح أنَّ أشهر الحج شوال وذو القعدة والعشر الأُوَل من شهر ذي الحجة، أوأيام شهر ذي الحجة على قول فريق من العلماء، لكن هناك مناسك لا تؤدى إلا في هذه الأيام المباركة، فيوم عرفة يوم واحد لا يتغير، وكذلك يوم العيد وما تقع فيه منىسك اختصت به هذه الأيام المباركة.
فما أحوج المسلمين إلى أن يشاركوا بفعل الخيرات، وإذا كان قد حُرم كثير من أداء الحج في عام من الأعوام فإنَّ الله لم يضيّع الفرصة عليهم، بل أعطاهم ما بإمكانهم أن يغتنموا وأن يصلوا به إلى الدرجات العلى بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. فأنت وفي بلدك بإمكانك أن تطيع الله عز وجل وأن تتقرب إليه بفعل الخيرات وترك المنكرات، والعمل الصالح - كما تقدم في الحديث - شامل لكل عمل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.
لذلك ثبت أن أبا هريرة رضي الله عنه وابن عمر رضي الله عنهما كانا يسيران ويمشيان بين الناس في السوق يكبّران الله عز وجل يكبّر الناس بتكبيرهما. فانظر يا رعاك الله كيف أن هذين الصحابيين الجليلين يذكِّران الناس بذكر الله ويكبِّران له، حتى وإن كانوا في السوق، والسوق موضع اشتغال الناس بالبيع والشراء والتجارات وما إلى ذلك، إلا لأنَّهما يذكِّران الناس بهذا ويقبلان بهم على طاعة الله مولاهم.
وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن الليالي العشر التي ذكرها الله في صدر سورة الفجر، إذ قال: ﴿وَٱلْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾5 (الفجر: 1-3)، ذهب الجمهور إلى أن الليالي العشر هي ليالي عشر ذي الحجة، أعني الأولى من هذا الشهر المبارك.
يا أيها الإخوة الكرام: وقد ذكر كثير من المفسرين، وردت به آثار، أن موسى عليه الصلاة والسلام - قال الله عز وجل في حقه: ﴿وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَـٰهَا بِعَشْرٍ﴾6 (الأعراف: 142) - قالوا: ومنها هذه العشر أيضًا، بفضل الله سبحانه وتعالى، إلى غير ذلك مما ورد في فضل هذه الأيام، وهي داخلة في أشهر الحج كما لا يخفى.
خصوصية يوم عرفة وعتق رقبائه وفضل يومي النحر والقر
ثم إن الله اختص بعض الأيام منها بمزيد من الفضل والإكرام، من ذلك يوم عرفة، الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها: «ما من يوم أكثر من أن يُعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: انظروا ما أراد هؤلاء»، وفي لفظ: «إنه يقول لملائكته: انظروا ملائكتي، اشهدوا ملائكتي، فإني قد غفرت لهم».
فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يجعلنا من المقبولين، وأن يغفر لنا الذنوب، وأن يستر العيوب، وأن يرفعنا الدرجات، وأن يتقبل منا ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال. يوم عرفة يوم مشهود، ومما سنّه الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا اليوم ما أخبرنا بأنه قال صلى الله عليه وآله وسلم في شأن صوم يوم عرفة: «أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده» أو كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام. فهذا يدل على فضل يوم عرفة، لمن أدركه من الحجاج حينما يحجون، ولمن لم يدركه حين يصومون. نسأل الله سبحانه وتعالى ﴿إِلَّا﴾ يحرمنا فضله.
ثم يأتي بعد ذلك يوم العيد، وهو يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر على قول الأكثرين، وقد قال النبي ﷺ فيه: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القَرّ»، أي: يوم استقرار الناس في منى، وهو اليوم الحادي عشر من شهر ذي الحجة. فيوم النحر هو يوم العيد، نسأل الله سبحانه أن يبلغنا إياه على خير وفضل، وأن يجعلنا ممن يُسرّون بطاعتهم، نسأل الله التوفيق والسداد.
يا أيها الإخوة الكرام:
سبل اغتنام العشر والجمع بين الروايات في صيام التسع
ها هي الأيام العشر قد أقبلت علينا بفضائلها، قد أقبلت علينا بفضائلها وما فيها من خيرات وبركات، فماذا أنت صانع يا عبد الله ماذا أنت صانع وماذا أنت عامل فيها أين أنت من القرآن الذي هجرتَه أو هجرة أكثرنا - إلا من رحم ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ - بعد شهر رمضان فأين الورد الثابت وأين القراءة المستمرة وأين حظ الناس من قيام الليل بعدما كانوا يصلون القيام في شهر رمضان فأين حظ القيام من وقتهم ومن عبادتهم بعد شهر رمضان ﴿إِلَّا﴾ فليكن هناك عود حميد إلى الرب المجيد، بالطاعة السديدة والتقرب إلى الله وسؤال الله العفو والغفران.
يا أيها الإخوة الكرام: إن لدينا أعداء كثيرين، هؤلاء يقطعون علينا الطريق الذي يوصلنا إلى الله، فيعطينا الله الزاد لنتزوّد ونغتنم، حينئذ تكون جرعة إيمانية قوية نستقي منها ونرتوي منها ونغتنم، إلى أن تأتينا غنيمة أخرى بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، فجِدُّوا واجتهدوا بالأعمال الصالحات من صلاة وصيام وقيام وقراءة للقرآن وذكر واستغفار وتكبير وتهليل، إلى غير ذلك مما تُسعفنا به الأدلة الشرعية عن رسولنا محمد صلوات الله وتسليماته عليه.
وما من شك أن الصوم داخل في العمل الصالح، لذلك استحب أكثر العلماء صوم هذه الأيام التسع، ولكن يتأكد منها يوم عرفة. وقد ورد في الماء حديثان مخصوصان، أحدهما يفيد أن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ما صام العشر، وهذا جاء في حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم أن النبي ﷺ - تقول: «ما رأيته صام العشر قط»، تعني العشر من شهر ذي الحجة. لكن جاء عند أبي داود وغيره من حديث هُنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي ﷺ: أن الرسول ﷺ «كان يصوم» التسعة من شهر ذي الحجة.
فأجاب العلماء عن ذلك بأجوبة، منها: أن المثبِت مقدَّم على النافي، أو أن الرسول ربما صام بعض الأيام وأفطر بعضها عليه الصلاة والسلام، أو أن هذا محمول على ما كان في أسفاره وغزواته صلوات الله وتسليماته عليه، أو أن يقال: إن الرسول أحيانًا كان يترك بعض الأعمال الصالحة خشية أن تُفرض على الأمة، من باب التيسير والرفق؛ وإلا فإننا نأخذ من هديه ﷺ القولي والفعلي، والصيام داخل في العمل الصالح بلا شك.
وبناءً عليه فليصم الإنسان ما استطاع من هذه الأيام، وليحاسب نفسه، بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
يا أيها الإخوة الكرام:
أحكام المضحي في الإمساك عن الشعر والأظافر وتفصيل متعلقاته
مما شُرع للمضحّين في هذه الأيام المباركة ما ثبت عن نبينا ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها: إذا دخل العشر، وفي لفظ: إذًا أُهِلّ هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحّي، فلا يأخذْ من بشره ولا من شعره شيئًا، وفي لفظ: «فليمسك عن شعره وأظفاره». فالنبي عليه الصلاة والسلام ينهى هذا المضحي عن أن يأخذ شيئًا من شعره أو من بشره أو من أظفاره في هذه الأيام. وجاء في بعض الروايات: حتى يضحّي، فقوله: عليه الصلاة والسلام «حتى يضحّي» يبيّن أن الحكم ممتد إلى أن يضحّي المضحي، بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
والذي عليه كثير من المحققين أن هذا خاص بالمضحّي أصالة، فإذا ضحّى الإنسان وكان يضحّي عن نفسه وعن أهل بيته، فالذي يلزمه هذا الحكم هو المضحّي نفسه، وأما بقية أهله فلا يلزمهم ذلك على القول الراجح. كذلك لا يلزم الوكيل، لو أنَّ شخصًا وكّل آخر بالأضحية فالوكيل لا يلزمه شيء من ذلك. وإنَّما يلزم ذلك أو يستحب - على اختلاف بين العلماء: أهذا على سبيل التحريم أم على سبيل الكراهة - ﴿أَنَّمَا﴾ يخاطَب بذلك المضحّي نفسه.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ: فيا عباد الله،
دلالة أحب إلى الله وتحقيق العبودية ومفاضلة العمل فيها
ما أحوجك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم إلى أن تتأمَّل! قول الرسول الكريم عليه الصلاة وأزكى التسليم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر». كلمة «أحب إلى الله» - إنَّ العبد الصالح المخلص هو الذي يحب ما يحبه الله، وهو الذي يؤثر ما آثره الله، وهو الذي يقدّم ما قدّمه الله؛ فإذا أحب الله شيئًا أحببته، وإذا كره الله شيئًا كرهته، وإذا أحب الله شيئًا أحببته وإذا كره الله شيئًا كرهته. هذا ما ينبغي للمسلم أن يكون عليه: أن يكون محبًّا لما يحب الله، وأن يكون مبغضًا لما أبغض الله.
ما أحوجك إلى أن تشعر بهذه الحقيقة الجليلة، ﴿إِلَّا﴾ وهي أنك عبد لله تسير وفق ما ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ﴾ وما يرضي الله عز وجل. إنَّ العبد إذًا عاش في هذه الحياة وهو مدرك لتلكم الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عن الإنسان: أنا عبد في هذه الحياة. كونك متزوجًا هذه وسيلة، كونك رئيسًا في باب من الأبواب هذه وسيلة، كونك تعمل، كونك تتاجر، كونك تصنع، كون معك مال، لك مال، لك أولاد، إلى غير ذلك من هذه الوظائف الكثيرة والأعمال العديدة التي نعملها، ما هي إلا وسائل. لكن الحقيقة الأصل والحقيقة الأم التي لا ينبغي أن تغيب عنك: أنك عبد لله تسعى في إرضاء الله جل وعلا. ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾7 (طه: 84).
فالذي يحبه الله حقيق بأن تقدّمه إذا وجدت فرصة للقرب من الله، فلِمَ تبتعد عن الله جل وعلا الواحد منا إذا علم أنه سيلقى قريبة ويلقى حبيبه في وقت معين، وأن هذا العمل يرضيه وأن هذا العمل يحبِّبه فيه، فإنَّه يجاهد في فعله ويحسّن عمله ويتقنه ويجوّده ويحسّنه ابتغاء أن يرضي هذا المحبوب، فكيف والذي نحبه هو الله، وهو الذي لا ينبغي أن يحب لذاته إلا هو، فهو الحقيق بأن يحب لذاته جل وعلا وأما من سوى الله فمحبته - محبة رسول الله ﷺ - تابعة لمحبة الله جل وعلا. فما أحوجك إلى أن تشعر بهذا: إذا وجدت فرصة وغنيمة فتقرب إلى الله بها.
ولما قالوا للرسول: ولا الجهاد في سبيل الله قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء، قالوا: لأنَّ هذا أفضل الجهاد، كما جاء عن النبي ﷺ في وصف أفضل الجهاد في سبيله: «من عقر جواده»، يعني: فرسه، «وأُهريق دمه»، يعني: لم يبق له شيء، لم يبق الفرس ولا صاحب الفرس، ولم يبق مال ولا غنيمة ولا شيء، ﴿أَنَّمَا﴾ بذل نفسه ونفيسه، بل بذل تضحية وابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى. هذا وحده الذي يفضل عمله عمل العامل في العشر من شهر ذي الحجة.
قالوا: والمعنى أنَّ الإنسان لو استغرق الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة كان قد عمل الأعمال الصالحة التي تربو على غيرها، ولو الجهاد في سبيل الله، إلا هذه الحالة الخاصة التي ذكرها الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، أو أن كل عمل إذًا قارنتَ بين العمل به في هذه الأيام وبين العمل به في أيام أخرى، نتج عن ذلك أن هذه الأيام أرجى، وأن هذه الأعمال أصفى وأعلى عند الله سبحانه وتعالى. ومن هذا المنطلق قالوا: إن العمل المفضول قد يصير فاضلًا في بعض الأحيان، عمل قليل وعمل مفضول، لكن الله يجعله أعلى ويجعله أجلى ويجعله أعظم، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (القصص: 68).
فنسأل الله أن يجعلنا من الموفَّقين، وصدق الله إذ قال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾8 (العنكبوت: 69).
اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك. اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصيبات الدنيا. وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وانصرنا على من عادانا. اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا. اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وسائر بلاد الإسلام. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»، أستغفرك وأتوب إليك.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70-71 ↩
- آية: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 68 ↩
- آية: ﴿وَٱلْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾ — كما ورد في الدرس: الفجر 1-3 ↩
- آية: ﴿وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَـٰهَا بِعَشْرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 142 ↩
- آية: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: طه 84 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)